كتب للقراءة

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الثاني

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الثاني

(ذم الغلو في الدين)

  • السؤال الثامن والثلاثون: نريد توضيحًا لمعنى الغلو المذموم في الشرع، وأهم مظاهره، ومتى يكون الحُكْم على الناس غلوًا؟

الجواب:

أولًا: تعريف الغلو لغةً واصطلاحًا.

الغلو لغة:

تدور الأحرف الأصلية لهذه الكلمة ومشتقاتها على معنى واحد يدل على مجاوزة الحد والقَدْر.

قال ابن فارس : «الغين واللام والحرف المعتل أصلٌ صحيحٌ يدل على ارتفاعٍ ومجاوزةِ قَدْرٍ.([533])

يقال: غلا غلاء فهو غالٍ، وغلا في الأمر غلوًا: أي جاوز حده، وغَلَت القِدْرُ تَغْلي غليانًا، وغَلَوْتَ بالسهم غَلْوًا إذا رميتَ به أَبْعَدَ مما تَقْدِرُ عليه.

فالغُلُو: هو مجاوزة الحد، يقال: غلا في الدين غُلُوًّا: تَشَدَّدَ وتَصَلَّبَ حتى جاوز الحد».([534])

وبالرجوع إلى المصادر والمعاجم اللغوية تبين أن الغلو هو: مجاوزة الحد وتَعَدِّيه.

قال الجوهري في «الصحاح»: «غلا في الأمر يغلو غلوا، أي: جاوز فيه الحد». اهـ.([535])

وقال الفيروز آبادي في «القاموس»: «غلا غلاء فهو غال، وغَلِي ضد الرُّخْص، وغلا في الأمر غلوا جاوز حده» اهـ.([536])

وقال الفيومي في «المصباح المنير: «وَغَلَا فِي الدِّينِ غُلُوًّا مِنْ بَابِ قَعَدَ: تَصَلَّبَ وَشَدَّدَ حَتَّى جَاوَزَ الْحَدَّ، وَفِي التَّنْزِيلِ: [ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ] {النساء:171} وَغَالَى فِي أَمْرِهِ مُغَالَاةً بَالَغَ، وَغَلَا السِّعْرُ يَغْلُو، وَالِاسْمُ الْغَلَاءُ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ ارْتَفَعَ، وَيُقَالُ لِلشَّيْءِ إذَا زَادَ وَارْتَفَعَ: قَدْ غَلَا وَيَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ، فَيُقَالُ: أَغْلَى اللَّهُ السِّعْرَ، وَغَالَيْتُ اللَّحْمَ، وَغَالَيْتُ بِهِ اشْتَرَيْتُهُ بِثَمَنٍ غَالٍ أَيْ زَائِدٍ». اهـ.([537])

ومما سبق يتبين أن الغلو في سائر استعمالاته يدل على الارتفاع والزيادة ومجاوزة الأمر الطبيعي أو الحد المعتاد.

مفهوم الغلو في الشرع:

وفي ضوء النصوص السابقة يمكن تحديد معنى الغلو في الشرع والضوابط التي تحدد المعنى.

وقبل بيان ذلك أَعْرِضُ بعض تعاريف أهل العلم للغلو:

1ـ قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «الغلو: مجاوزة الحد، بأن يُزَاد في الشيء في حَمْدِهِ أو ذَمِّهِ على ما يستحقه، ونحو ذلك».([538])

وبنحو هذا التعريف عَرَّفَه الشيخُ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب – جميعًا-.([539])

2ـ وقال الإمام الشاطبيُّ : «فإِن الْغُلُوَّ هُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي الْأَمْرِ، وَمُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِيهِ إِلى حَيِّز الْإِسْرَافِ». اهـ([540])

3- وبمثل هذا التعريف عرفه الحافظ ابن حجر فقال: «وأما الغلو: فهو المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد».ا.هـ([541])

وهذه التعاريف كلها متقاربة، ومتطابقة مع المعنى اللغوي، وتفيد أن الغلو هو: تجاوز الحد الشرعي بالزيادة مدْحًا أو ذَمًّا، و«الْحُدُودُ»: النِّهَايَاتُ لِمَا يَجُوزُ مِنْ الْمُبَاحِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَغَيْرِ الْمَأْمُورِ بِه».([542])

ويزيد الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب – جميعًا- الأمر وضوحًا: فيُحَدِّد ضابط الغلو، فيقول: «وضابطه: تَعَدِّي ما أمر الله به، وهو الطغيان الذي نهى الله عنه في قوله: [ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ] {طه:81}».ا هـ([543])

وذلك لأن الحق واسطة بين الإفراط والتفريط، يقول عمر بن عبد العزيز في كتابٍ أرسله إلى رجل يسأله عن القدر «.. وقد قَصَّرَ قوم دونهم فَجَفَوا، وطَمَحَ عنهم أقوام فَغَلَوا، وإنهم بين ذلك لعلى هُدًى مستقيم».([544])

وقال الحسن : «سَنَنُكم والله الذي لا إله إلا هو، بينهما: بين الغالي والجافي».([545])

وقد قرر العلماء أن الحق واسطة بين التفريط والإفراط، وهو معنى قول مطرف بن عبد الله: «يَا عبد اللَّه، الْعلم أفضل من الْعَمَل، والحسنة بَين السيئتين، وَخير الْأُمُور أوساطها، وَشر السّير الْحَقْحَقَةُ».([546])

قال أبو عبيد : «وأما قَوْله: الْحَسَنَة بَين السيئتين: فَأَرَادَ أَن الغلو فِي الْعلم سَيِّئَة، وَالتَّقْصِير عَنْهُ سَيِّئَة، والحسنة بَينهمَا وَهُوَ الْقَصْد، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث الآخر فِي فضل قَارِئ الْقُرْآن: غير الغالي فِيهِ وَلَا الجافي عَنهُ، فالغلو فِيهِ التعمق، والجفا عَنْهُ التَّقْصِير، وَكِلَاهُمَا سَيِّئَة، وَمِمَّا يبين ذَلِك قَول اللَّه : [ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ] {الإسراء:29}. وَكَذَلِكَ قَوْله [ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ] {الفرقان:67}».ا هـ([547])

قال أبو عبيد : «وَقَوله: شَرّ السّير ‌الحَقْحَقَة «وَهُوَ أَن يُلِحَّ فِي شدَّة السّير حَتَّى تقوم عَلَيْهِ رَاحِلَته أَو تعطب؛ فَيبقى مُنْقَطِعًا بِهِ، وَهَذَا مَثَلٌ ضربه للمجتهد فِي الْعِبَادَة حَتَّى يحسر». اهـ([548])

ثانيًا: النصوص الشرعية المُحَذِّرة من الغلو في الدين.

جاءت الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة بالتحذير من سلوك المغضوب عليهم والضالين، وسبيل المبتدعين المغالين في دين الله غير الحق.

قال تعالى آمرًا رسوله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ وأمته من بعده: [ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ] {هود:112}.

يقول الإمام ابن القيم : «فما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغُلُوٍّ، ودينُ الله وَسَطٌ بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين الجبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين؛ فكما أن الجافي عن الأمر مُضَيِّع له؛ فالغالي فيه مُضَيِّع له: هذا بتقصيره عن الحَدِّ، وهذا بتجاوزه الحَدَّ».ا.هـ([549])

وقد بَيَّنَ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مصير الغالي وعاقبته، حيث أخبر -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن مآل من غلا في دينه إلى الهلاك، ففي «صحيح مسلم» عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعودٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» قَالَهَا ثَلَاثًا.([550])

قال النووي : ««هلك المتنطعون»، أي: المتعمقون الغالون المتجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم» ا.هـ.([551])

إن من الحقائق التي تظهر لكل من تتبع تاريخ دعوات الرسل -على نبينا وعليهم الصلاة والسلام-: أن الأمم تتفاوت في مقدار الاستجابة، وتتفاوت درجات المدعوين في سلوك طريق الحق: فمن الناس المتمسك بالحق، المستقيم على طريقه، ومنهم المُفَرِّطُ الزائغ المُضَيِّعُ لحدود الله، ومنهم الغالي الذي تجاوز حدود الله، وكل أولئك وُجِدُوا فيمن سبق أمة محمد
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهم في أمته متوافرون، ولذلك جاءت النصوص الشرعية بالتحذير من سلوك طرق المغضوب عليهم وهم الغلاة المتجاوزون، والضالين: وهم المضيعون لحدود الله، وقد جاءت النصوص داعيةً إلى الاستقامة والثبات على الحق الصافي بأساليب عدة، نجملها فيما يلي:

1ـ تعليم المسلمين أن يدعوا الله ربَّهم أن يُسَلِّمهم من كلا الانحرافين، وتشريع ذلك لهم في كل صلاة مرات متعددة. [ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ] {الفاتحة:6، 7} ولَمَّا أمرنا الله -سبحانه- أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم… كان ذلك مما يبين أن العبد يَخَافُ على نفسه أن ينحرف إلى هذين الطريقين([552]).

2ـ التحذير من تَعَدِّي الحدود، والأمر بلزومها [ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ] {البقرة:229}، والحدود هي النهايات لكل ما يجوز من الأمور المباحة، المأمور بها، وغير المأمور بها، وتعديها هو تجاوزها، وعدم الوقوف عليها.([553])

وهذا التعدي هو الهدف الذي يسعى إليه الشيطان؛ إذْ أن مجمل ما يريده الشيطان هو تحقيق أحد الانحرافين: الغلو أو التقصير، فما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، فالانحراف إما بتقصيره عن الحد، وإما بتجاوزه الحد ([554]).

3ـ الدعوة إلى الاستقامة ولزوم الأمر والثبات عليه، وعدم الغلو والزيادة.

[ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ] {هود:112} فالله -سبحانه- يأمر بالاستقامة التي هي الاعتدال، والمُضُيِّ على المنهج دون انحراف، ويُعَقِّب ذلك بالنهي عن الطغيان، مما يفيد أن الله -سبحانه- يريد الاستقامة كما أَمَرَ: بدون غلو ولا مبالغة تنقل هذا الدينَ من يُسْر إلى عُسْر.

4ـ النهي عن الغلو وتوجيه الخطاب لأهل الكتاب على وجه الخصوص.

[ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ] {النساء:171}.] [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ] {المائدة:77}.

أي: يا أهل الإنجيل لا تغلوا في دينكم فتتجاوزوا الحق؛ فإن قولكم بأن عيسى ابن الله قول منكم على الله بغير الحق، ولا ترفعوه إلى مقام الألوهية؛ فتجعلوه ربًّا وإلهًا».([555])

والغلو في النصارى كثير، فإنهم غَلَوْا في عيسى ؛ فنقلوه من حيز النبوة والعبودية لله رب العالمين إلى أن اتخذوه إلهًا من دون الله، يعبدونه كما يعبدون الله»([556])، ومن هذا الغلو جاءت مُعْظَمُ الانحرافات في الديانة النصرانية.

ومن ذلك غلوهم بابتداع رهبانية تَعَبَّدُوا اللهَ بها، وهي لم تُكْتَب عليهم، ولم يُؤْمَروا بها [ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ] {الحديد:27}، ولم يكن الغلو قاصرا على النصارى، بل هو موجود في اليهود أيضًا، ولكن الخطاب في الآيتين قُصِدَ به النصارى خاصة؛ والسياق يدل على ذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «والنصارى أكثر غلوا في الاعتقادات والأعمال من سائر الطوائف، وإياهم نهى الله عن الغلو في القرآن» ا.هـ([557]).

وهذه النصوص وإن تعلقت بأهل الكتاب ابتداء؛ فإن المراد منها موعظة هذه الأمة لتجنب الأسباب التي أوجبتْ غضب الله على الأمم السابقة([558]).

5ـ نَهْيُ الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن الغلو، وذلك لئلا يقع المسلمون فيما وقع فيه من سبقهم من الأمم التي بُعِثَ فيها الرسل -عليهم الصلاة والسلام-، ومع النهي يُبَيِّن الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عواقب الغلو وآثاره، فعن أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- غَدَاةَ الْعَقَبَةِ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ: «هَاتِ، الْقُطْ لِي» فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ، هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ، فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ، قَالَ: «بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ؛ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ».([559])

والنهي هنا وإن كان سببه خاصًّا؛ فهو نَهْيٌ عن كل غلو.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «وهذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال،… وسبب هذا اللفظ العام رَمْيُ الجمار، وهو داخل فيه، مثل: الرمي بالحجارة الكبار، بناء على أنها أبلغ من الصغار، ثم علله بما يقتضي مجانبة هَدْيهم، أي هَدْي من كان قبلنا؛ إِبْعَادًا عن الوقوع فيما هَلَكُوا به، وأن المشارك لهم في بعض هديهم يُخَاف عليه من الهلاك»([560]).

6ـ بيان مصير الغالي وعاقبته: حيث وردت أحاديث تبين مآل من غلا، وأنه صائر إلى الهلاك، بل وَرَدَ ذلك مكررا ثلاث مرات في حديث واحد؛ مما يفيد عِظَمَ الأمر وخَطَرَهُ، فعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» قَالَهَا ثَلَاثًا.([561])

وقد بَيَّنَت السنة النبوية أن عاقبة صاحب الغلو إلى الانقطاع، وأنه ما من مُشَادٍّ لهذا الدين إلا ويُغْلَب وينقطع عن الاستقامة والثبات على الدين، فيقول رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ [أَيْ يُغَالِب] الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ؛ فَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ [أَيْ بِالتَّبْكِيرِ فِي الطَّاعَةِ] وَالرَّوْحَةِ [أَيِ الْعَوْدَةِ إِلَى الرَّاحَةِ لِاسْتِعَادَةِ النَّشَاطِ عَلَى الطَّاعَةِ] وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ». أي عليكم بالاستعداد للمتابعة والاستمرار، تشبيها بالمسافرين الذين يُجَدِّدُون نشاطهم واستعدادهم لمتابعة المسير، بلا تكلف ولا إرهاق؛ وذلك بأخْذِهِم قِسْطًا من الراحة، ثم متابعة المسير، ولهذا جاء في رواية أخرى: «وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا»([562])

قال الحافظ ابن حجر : «والمعنى: لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية، ويترك الرفق إلا عَجَزَ وانقطع، فَيُغْلَب، قال ابن المنير: في هذا الحديث عَلَمٌ من أعلام النبوة، فقد رَأَيْنا ورأى الناس قبلنا أن كل مُتَنَطِّعٍ في الدين يَنْقَطِعُ».ا.هـ([563])

قال الحسن البصري : «إن دين الله وُضِعَ على القَصْد، فدخل الشيطان فيه بالإفراط والتقصير، فهما سبيلان إلى نار جهنم»، وعنه: «إن دين الله تعالى وُضِعَ دون الغلو وفوق التقصير».([564])

وقال ابن عبد البر : «قال سفيان بن حسين: أتدري ما السَّمْت الصالح؟ ليس هو بحلق الشارب، ولا تشمير الثوب؛ وإنما هو لزوم طريق القوم، إذا فعل ذلك؛ قيل: قد أصاب السَّمْت، وتدري ما الاقتصاد؟ هو المشي الذي ليس فيه غلو ولا تقصير».ا.هـ([565])

ثالثًا: اشتراطُ علماء الجرح والتعديل في المتكلم في الناس جرحًا وتعديلًا: الإنصافَ والاعتدالَ وتَرْكَ الغلوِّ والتساهلِ:

فالغلو في الحكم على الناس: هو مجاوزة الحد في إلحاق الحكم عليهم بالكفر أو البدعة أو الفسوق، فإن الحكم بهذه الأمور على أحد من الناس إنما هو إلى الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فمن دل الدليل على إلحاق هذه الأحكام به؛ أُلْحِقَتْ به، ومن لم يدل الدليل على لحوقها به؛ فإن تنزيلها عليه من تعدي حدود الله تعالى، والقول عليه بغير علم، وهو الغلو الفاحش الذي أردى الأمة، ونخر في جسمها، وفَرَّقَ جماعتها؛ بل إن أول الغلو في هذه الأمة إنما هو هذا، يوم غلا الخوارج في الحكم على المسلمين وحكامهم بالكفر والخروج من الإسلام، فترتب على فعلهم هذا: إراقةُ دماء طاهرة مسلمة، وتَمَزُّقُ الجماعة، وانتشارُ التباغض والشحناء بين أهل الإسلام، ومثل هذا يقال في التبديع بغير حق، والتفسيق بغير حق؛ فإنه يقود إلى التقاطع والتباغض، وهو سبيل إلى التكفير بغير حق.

وإذا كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما جاء في «صحيح البخاري» – منع من تنزيل الحكم العام في شارب الخمر بأن تحل عليه لعنة الله، فمنع من تنزيله على الشخص المعين لِمَا قام به من إيمان بالله ورسوله؛ فكيف يتسارع الغالون إلى تنزيل أحكام الكفر والفسق العامة على الأشخاص المعينين دونما رَوِيَّةٍ أو تُؤَدَةٍ؟!

ونَصُّ الحديث كما في «صحيح البخاري» عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه- أَنَّ رَجُلًا كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ (حِمَارًا)، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-، وَكَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا، فَأَمَرَ بِه، فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ! فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «لَا تَلْعَنُوهُ؛ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ».([566])

قال هذا مع أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد لعن الخمر لعشرة أوْجه، ومنهم شاربها، وحاملها، والمحمولة إليه…

فتنزيل هذه الأحكام العامة على الشخص المعين لا بد فيه من شروط تتوفر، وموانع تنتفي، كما أجمع على ذلك علماء أهل السنة والجماعة.

ومن هذا المنطلق تتابعت نصوص العلماء على أن المتصدي للأحكام على الناس في عقائدهم أو عدالتهم لا بد أن يكون من العلماء، ومن أهل الورع.

فلا تُقْبل شهادةٌ إلا مِنْ أهل الوسط والاعتدال، وأما شهادة الغلاة أو الجفاة فمردودة، على تفاصيل معروفة في غير هذا الموضع.

وقد اشتهر كلام العلماء في شروط أهلية المتصدِّي للجرح والتعديل، وأنه لابُدَّ أن يكون منصفًا متجردًا ورعًا، وأن يعرف الأسباب المجرِّحة من غيرها، وأن يثبت عنده القول عن قائله بالطرق الشرعية المعروفة في ذلك، حتى لا ينسُب كلامًا إلى رجل لم يَقُلْه، وأن يستعمل العبارة الدالة بدقة على مراده، وعلى حقيقة حال المتكلَّم فيه.

فمن ذلك قول الحافظ الذهبي – تعالى -: «والكلام في الرجال لا يجوز إلا لتامِّ المعرفة تامِّ الورع». اهـ([567])

ويقول في «الموقظة»: «والكلام في الرواة يحتاج إلى وَرَعٍ تامٍّ، وبراءةٍ من الهوى والميل، وخِبْرَةٍ كاملة بالحديث وعلله، ورجاله». اهـ([568])

وقال في «تذكرة الحفاظ»: «لا سبيل إلى أن يصير العارف الذي يُزَكِّي نَقَلَةَ الأخبار ويُجَرِّحُهم جهبذا إلا بإدمان الطلب، والفحص عن هذا الشأن، وكثرة المذاكرة، والسهر، والتيقظ، والفهم مع التقوى والدين المتين، والإنصاف، والتردد إلى مجالس العلماء، والتحري والإتقان.

وإلا تَفْعَلْ:

فَدَعْ عَنْكَ الكتابةَ لَسْتَ منهاولو سَوَّدْتَ وَجْهَكَ بالمدادِ

قال الله تعالى: [ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ] {النحل:43}.

فإن آنَسْتَ يا هذا، من نفسك فَهْمًا وصِدْقًا ودينًا ووَرَعًا؛ وإلا فلا تَتَعَنَّ؛ وإن غَلَبَ عليك الهوى والعصبيةُ لرأْيٍ ولِمَذْهَبٍ؛ فبالله لا تَتْعَبْ، وإن عرفتَ أنك مخلِّطٌ مخبِّطٌ مُهْمِلٌ لحدود الله؛ فأَرِحْنَا منك، فَبَعْدَ قليلٍ يَنْكَشِفُ البَهْرَج، ويَنْكَبُّ الزَّغَل، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله.

فقد نَصَحْتُك؛ فعِلْم الحديث صَلِفٌ([569])، فأين عِلْمُ الحديث؟ وأين أهله؟ كِدْتُ أن لا أراهم إلا في كتابٍ أو تَحْتَ تراب». اهـ([570])

وقال ابن دقيق العيد : «أعراض المسلمين حُفْرَةٌ من حُفَرِ النار، وَقَفَ على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام». اهـ([571])

وقال الحافظ ابن حجر : «لِيَحْذَرَ المتكلم في هذا الفن من التساهل في الجرح والتعديل؛ فإنه إن عدّل بغير تَثَبُّتٍ؛ كان كالمُثْبِتِ حُكْمًا ليس بثابت، فيُخْشَى عليه أن يَدْخُل في زمرة من روى حديثًا وهو يظن أنه كذب؛ وإن جرّح بغير تَحَرُّزٍ؛ أَقْدَم على الطعن في مسلم بريء من ذلك، ووسْمِهِ بمِيسَم سوء([572])، يبقى عليه عارُهُ أبدًا». اهـ([573])

قلت: فإذا مَدَحَ من لا يُمدح؛ حثَّ بذلك على الأخذ عنه، وهو ليس أهل لذلك وإذا جَرَّح من لا يُجْرَح؛ نفَّر عن الأخذ عنه -وهو أهل للأخذ عنه- فيكون مسيئًا في الحالتين، ويَتَحَمَّل وزر ذلك إذا تكلم فيما لا يُحْسِن بما لا يَحْسُن، فتأمل.

وقال العلامة المعلمي في مقدمته لكتاب «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم:

«ليس نقد الرواة بالأمر الهين؛ فإن الناقد لا بد أن يكون واسع الاطلاع على الأخبار المروية، عارفًا بأحوال الرواة السابقين، وطرق الرواية، خبيرًا بعوائد الرواة ومقاصدهم وأغراضهم، وبالأسباب الداعية إلى التساهل والكذب، والموقعة في الخطأ والغلط، ثم يحتاج إلى أن يعرف أحوال الراوي متى وُلِدَ؟ وبأي بلد؟ وكيف هو في الدين والأمانة والعقل والمروءة والتحفظ؟ ومتى شَرَعَ في الطلب؟ ومتى سمع؟ وكيف سمع؟ ومع من سمع؟ وكيف كتابه؟؛ ثم يعرف أحوال الشيوخ الذين يُحَدِّث عنهم، وبلدانَهم، ووفياتِهِم، وأوقاتَ تحديثهم، وعادتَهم في التحديث، ثم يعرف مرويات الناس عنهم، ويَعْرِض عليها مرويات هذا الراوي، ويعتبرها بها، إلى غير ذلك مما يطول شرحه، ويكون مع ذلك متيقظًا، مُرْهَفَ الفَهْم، دقيقَ الفطنة، مالكًا لنفسه، لا يستميله الهوى، ولا يستفزه الغضب، ولا يستخفه بادرُ ظنٍّ حتى يستوفي النظر، ويَبْلُغَ المَقَرَّ، ثم يُحْسِن التطبيق في حُكْمِهِ، فلا يجاوز ولا يُقَصِّر، وهذه المرتبة بعيدة المرام، عزيزة المنال، لم يبلغها إلا الأفذاذ، وقد كان من أكابر المحدثين وأجلتهم من يتكلم في الرواة؛ فلا يُعَوَّلُ عليه، ولا يُلْتَفَتُ إليه.

قال الإمام علي بن المديني -وهو من أئمة هذا الشأن-: «أبو نعيم وعفان صدوقان، لا أَقْبَلُ كلامهما في الرجال؛ هؤلاء لا يَدَعُون أحدًا إلا وقعوا فيه».

وأبو نعيم وعفان من الأجلة، والكلمة المذكورة تدل على كثرة كلامهما في الرجال، ومع ذلك لا تكاد تجد في كتب الفن نَقْلَ شيء من كلامهما». اهـ([574])

قلت: وهذا وما قَبْلَه من شروط وضوابط لمن يتكلم في أحوال الرواة بعدالة في الرواية، أو ضَعْفٍ في الحفظ، أو تركٍ ووهاء؛ فهو كذلك -ومن باب أولى- فيمن يتكلم في الرجال بكُفر أو فِسق أو بدعة… إلخ.

قال : وما اعتنى العلماء بهذه المسألة؛ إلا لأن أعراض الناس حُفْرةٌ مِنْ حُفَرِ النار، وأن من تكلم في مسلم بما ليس فيه؛ كُلِّف أن يأتي بالمخْرَجِ، وإلا حُبسَ في رَدْغَة الخبال، وهي عصارة أهل النار، ولما يترتب على الكلام في الناس بلا توافر شروط أهلية الجرح والتعديل؛ من هرج وفتن وفساد عريض، لاسيما في هذا الزمن الذي قَلّ فيه العاملون في الدعوة إلى الله، وكثرت ضدهم سهام الأعداء من كُلِّ حَدَبٍ وصَوْب، فإذا انضم إلى ما هم فيه من ظلم أعدائهم: ظلمُ من ينتسب إلى العلم أيضًا؛ كانت العاقبة وخيمة، وصَدَقَ القائل:

وظُلْمُ ذوي القربى أَشَدُّ مَضَاضةًعلى النفْسِ مِنْ وَقْعِ الحُسَام المُهَنَّدِ

من أجل هذا وغيره؛ فقد أنكر العلماء على من غلا في الكلام على الرواة، واستهجنوا صنيعه، وغمزوه بكلام شديد أليم.

قلت: أو تركوا قوله ولم يلتفتوا إليه، وإن كان من الكبار، كما مرَّ في أبي نعيم وعفان.

قال : فقد نقل الذهبي قول ابن حبان في أفلح بن سعيد المدني القُبَائي: «يروي عن الثقات الموضوعات؛ لا يَحِلُّ الاحتجاج به، ولا الرواية عنه». اهـ.

ثم عقَّب الذهبي على ذلك بقوله: «قلت: ابن حبان ربما قصَّب ـ أي عاب وشَتَم ـ الثقة، حتـى كأنـه لا يَدْرِي ما يخرج من رأسه…». اهـ.([575])

فلم يقبل الذهبي من ابن حبان – على علمه وشهرته – التجاوز في حق أفلح، وغَمَزَه بما رأيت، مع أن أفلح قد لينه أبو حاتم الرازي وغيره، لكنْ هناك فرقٌ واسعٌ بين الرجل اللَّيِّن والرجل المتروك، والعدل شعار أئمة الجرح والتعديل، فمن خالفه؛ رُدَّ قوله كائنًا من كان.

وفي «الميزان» ـ أيضًا ـ([576]) ترجمة هشام بن عروة، قال الذهبي : «أحد الأعلام، حجة إمام، لكن في الكِبَر تناقص حِفْظُه، ولم يختلط أبدًا، ولا عبرة بما قاله أبو الحسن بن القطان، من أنه وسهيل بن أبي صالح اختلطا، وتغيّرا، نعم الرجل تغيّر قليلًا، ولم يَبْقَ حفظه كهو في حال الشبيبة، فَنَسي بعض محفوظه، أو وهم، فكان ماذا؟!! أهو معصوم من النسيان؟!! ولما قدم العراق في آخر عمره؛ حَدَّث بجملة كثيرة من العلم، في غضون ذلك يسير أحاديث لم يجوِّدها، ومثل هذا يقع لمالك ولشعبة ولوكيع ولكبار الثقات، فَدَعْ عنك ـ يعني ابن القطان ـ الخبْطَ، وذَرْ خَلْطَ الأثبات بالضعفاء والمخلِّطين، فهشام شيخ الإسلام، ولكن أحسن الله عزاءنا فيك يا ابن القطان…». اهـ.

فتأمل هذا الوَخْزَ الذهبي في ابن القطان -علي بن عبد الملك الفاسي-، لمجرد أن جعل هشامًا من المختلطين، ولم يبلغ بهشام الأمر إلى هذا الحد، إنما رَقَّ حفظه، أو تغير قليلًا، فكيف لو وقف الذهبي على كلام الغلاة في عصرنا، وتهاويلهم ومجازفاتهم، ورميهم لكثير من العاملين في مجال الدعوة، وفيهم من هو أفضل منهم حالًا، وأكثر نفعًا وجهادًا بالبدع الكبرى، وأن اليهود والنصارى أفضل منه، بل إبليس أخف ضررًا منه… إلخ هذا الهراء والافتراء؟!!

وقال الذهبي في «النبلاء»([577]) متعقبًا قول ابن القطان هذا: «فقول ابن القطان: إنه اختلط؛ قول مردود مرذول…» اهـ.

وذكر الذهبي في «الميزان»([578]) ترجمة علي بن عبدالله بن المديني، مُنْكِرًا على العقيلي -وهو من الأئمة- إدخاله ابن المديني في «الضعفاء»، ثم قال منكرًا عليه: «أفما لك عَقْلٌ يا عقيلي؟!! أتدري فيمن تتكلم؟…» إلى أن قال: «فزِنِ الأشياءَ بالعدل والورع». اهـ.

وذكر الذهبي أن الإمام الذي عُرف بالتعنت -وإن كان من الكبار لا جهلة زماننا-؛ يُتوقَفَّ في كلامه، ولا يُطْلَق قبول قوله، ففي «النبلاء»([579]) ترجمة أبي حاتم الرازي ، قال الذهبي: «إذا وثَّق أبو حاتم رجلًا؛ فتمسَّكْ بقوله؛ فإنه لا يوثِّق إلا رجلًا صحيح الحديث، وإذا ليَّن رجلًا، أو قال فيه: لا يُحْتَجُّ به؛ فتوقَّف، حتى ترى ما قال غيره فيه، فإن وثقه أحد؛ فلا تَبْنِ على تجريح أبي حاتم؛ فإنه متعنِّت في الرجال، وقد قال في طائفة من رجال الصحاح: ليس بحجة، ليس بقوي، أو نحو ذلك…». اهـ.

وفي ترجمة يحيي بن سعيد القطان من «النبلاء»([580]) قال الذهبي: «كان يحيي بن سعيد متعنتًا في نقد الرجال، فإذا رأيته قد وثَّق شيخًا؛ فاعتمد عليه، أما إذا ليَّن أحدًا؛ فتأنَّ في أمره، حتى ترى قول غيره فيه، فقد ليَّن مثل إسرائيل وهمام وجماعة احتج بهم الشيخان». اهـ.

فهذا كلام الحافظ الذهبي في هؤلاء الأئمة ـ وهُمُ هُمُ ـ فكيف لو وقف على ما حوته كتب وأشرطة غلاة الجرح والتعديل وكبيرهم، وبادِر بذرتهم القبيحة في زماننا من بغيٍ وظلم، وانتصار للنفس ولمشايخهم بعصبية جاهلية، وخَسْفٍ ونَسْف لخصومهم، وإن كانوا من القائمين بأمر الله والمدافعين عن السنة وعقيدة أئمتها عشرات السنين، وأكثر منهم نفعًا واتِّباعًا، وأفضل منهم سَمْتًا وهَدْيًا ودَلًّا وحالًا؟!!!

رابعًا: صُوَرٌ من غلو الغلاة في الحكم على الناس.

عامة الفرق الضالة -في الجملة- ليس عندهم عدلٌ، ولا تتوفر فيهم تلك الأوصاف والشروط السابقة، فتجدهم يُكَفِّر أو يُفَسِّق بعضُهم بعضًا بالهوى، ولمجرد المخالفة الشخصية، بينما الأصل في أهل السنة والجماعة أنهم لا يتبعون أهواءهم، وإنما يتبعون الكتاب والسنة وطريقة سلف الأمة وهي سبيل النجاة، وهذا هو الذي مَيَّزَهُم عن كثيرٍ من الفرق الضالة المنحرفة، وقد حمل الغلوُّ أتباع الهوى إلى التفرق والشقاق، وحملهم ذلك -قديما وحديثًا- على تكفير بعضهم بعضًا، وتبديع أو تفسيق بعضهم بعضًا.

كما يقول أبو المظفر السمعاني : «وَمِمَّا يدل على أَن أهل الحَدِيث([581]) هم على الْحق: أَنَّك لَو طالَعْتَ جَمِيع كتبهمْ المصنفة: من أَوَّلهمْ إِلَى آخِرهم، قديمهم وحديثهم، مَعَ اخْتِلَاف بلدانهم وزمانهم، وتباعد مَا بَينهم فِي الديار، وَسُكُون كل وَاحِد مِنْهُم قُطْرا من الأقطار؛ وَجَدتهمْ فِي بَيَان الِاعْتِقَاد على وتيرة وَاحِدَة، ونمط وَاحِد، يَجْرُونَ فِيهِ على طَريقَة لَا يحيدون عَنْهَا، وَلَا يميلون فِيهَا، قَوْلهم فِي ذَلِك وَاحِد، وفِعْلُهم وَاحِد، لَا ترى بَينهم اخْتِلَافا، وَلَا تفَرقا فِي شَيْء مَا، وَإِن قَلَّ، بل لَو جَمَعْتَ جَمِيع مَا جرى على ألسنتهم، ونقلوه عَن سلفهم؛ وجدته كَأَنَّهُ جَاءَ من قلبٍ وَاحِدٍ، وَجرى على لِسَانٍ وَاحِدٍ، وَهل على الْحق دَلِيل أَبْيَنُ من هَذَا؟! قَالَ الله تَعَالَى: [ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ] {النساء:82}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ] {آل عمران:103}.

وَأما إِذا نظرت إِلَى أهل الْأَهْوَاء والبدع؛ رَأَيْتهمْ مُتَفَرّقين مُخْتَلفين، وشِيَعًا وأحزابا، لَا تكَاد تَجِد اثْنَيْنِ مِنْهُم على طَريقَة وَاحِدَة فِي الِاعْتِقَاد، يُبَدِّعُ بَعضهم بَعْضًا، بل يرتقون إِلَى التَّكْفِير، يُكَفِّرُ الابْنُ أَبَاهُ، وَالرجلُ أَخَاهُ، وَالْجَارُ جَارَهُ، تراهم أبدًا فِي تنَازع وتباغض وَاخْتِلَاف، تَنْقَضِي أعمارهم وَلما تَتَّفِقْ كلماتُهم: [ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ] {الحشر:14}.

أَو مَا سَمِعت أَن الْمُعْتَزلَة مَعَ اجْتِمَاعهم فِي هَذَا اللقب يُكَفِّرُ البغداديون مِنْهُم الْبَصرِيين، والبصريون مِنْهُم البغداديين، وَيُكَفِّرُ أَصْحَابُ أبي عَليّ الجُبَّائي ابْنَهُ أَبَا هَاشم، وَأَصْحَابُ أبي هَاشم يكَفِّرُون أَبَاهُ أَبَا عَليّ، وَكَذَلِكَ سَائِر رؤوسهم وأرباب المقالات مِنْهُم، إِذا تدبرت أَقْوَالهم؛ رَأَيْتهمْ مُتَفَرّقين، يُكَفِّرُ بَعضهم بَعْضًا، ويتبرأ بَعضهم من بعض، وَكَذَلِكَ الْخَوَارِج وَالرَّوَافِض فِيمَا بَينهم، وَسَائِر المبتدعة بمثابتهم.

وَهل على الْبَاطِل دَلِيل أَظْهَرُ من هَذَا؟! قَالَ تَعَالَى: [ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ] {الأنعام:159}([582]).

وَكَانَ السَّبَب فِي اتِّفَاق أهل الحَدِيث: أَنهم أخذُوا الدّين من الْكتاب وَالسّنة وَطَرِيق النَّقْل؛ فأورثهم الِاتِّفَاقَ والائتلافَ، وَأهل الْبِدْعَة أخذُوا الدّين من المعقولات والآراء؛ فأورثهم الِافْتِرَاق وَالِاخْتِلَاف، فَإِن النَّقْل وَالرِّوَايَة من الثِّقَات والمتقنين قَلَّمَا يخْتَلف، وَإِن اخْتلف فِي لفظ أَو كلمة؛ فَذَلِك اخْتِلَاف لَا يضر الدّين، وَلَا يقْدَح فِيهِ، وَأما دَلَائِل الْعقل فقلَّما تتفق، بل عقل كل وَاحِد يُرِي صَاحِبَهُ غير مَا يُرِي الآخَرَ، وَهَذَا بَيِّنٌ وَالْحَمْد لله.

وَبِهَذَا يظْهر مُفَارقَةُ الِاخْتِلَاف فِي مَذَاهِب الْفُرُوع اخْتِلَافَ العقائد فِي الْأُصُول، فَإنَّا وجدنَا أَصْحَاب رَسُول الله -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرَضي الله عَنْهُم- من بعده اخْتلفُوا فِي أَحْكَام الدّين، فَلم يفترقوا، وَلم يصيروا شيعًا؛ لأَنهم لم يفارقوا الدّين، ونظروا فِيمَا أُذِنَ لَهُم، فاختلفت أَقْوَالهم وآراؤهم فِي مسَائِل كَثِيرَة([583]): مثل مَسْأَلَة الْجد، والمُشَرَّكة، وَذَوي الْأَرْحَام، وَمَسْأَلَة الْحَرَام، وَفِي أُمَّهَات الْأَوْلَاد، وَغير ذَلِك مِمَّا يَكْثُر تَعْدَادُهُ من مسَائِل الْبيُوع، وَالنِّكَاح، وَالطَّلَاق، وَكَذَلِكَ فِي مسَائِل كَثِيرَة من بَاب الطَّهَارَة، وهيئات الصَّلَاة، وَسَائِر الْعِبَادَات، فصاروا باختلافهم فِي هَذِه الْأَشْيَاء محمودين، وَكَانَ هَذَا النَّوْع من الِاخْتِلَاف رَحْمَة من الله لهَذِهِ الْأمة؛ حَيْثُ أَيّدهُم بِالْيَقِينِ، ثمَّ وَسَّعَ على الْعلمَاء النّظر فِيمَا لم يَجدوا حكمه فِي التَّنْزِيل وَالسّنة؛ فَكَانُوا مَعَ هَذَا الِاخْتِلَاف أهلَ مَوَدَّةٍ ونُصْحٍ، وَبَقِيَتْ بَينهم أُخُوَّةُ الْإِسْلَام، وَلم يَنْقَطِع عَنْهُم نظامُ الأُلْفَة، فَلَمَّا حَدَثَتْ هَذِه الْأَهْوَاءُ المُرْدِيةُ، الداعيةُ صَاحبهَا إِلَى النَّار؛ ظَهرتْ الْعَدَاوَة، وتباينوا وصاروا أحزابا؛ فَانْقَطَعت الْأُخُوَّةُ فِي الدّين، وَسَقَطت الأُلفة؛ فَهَذَا يدل على أَن هَذَا التباين والفرقة إِنَّمَا حَدَثَتْ من الْمسَائِل المحدثة، الَّتِي ابتدعها الشَّيْطَان، فألقاها على أَفْوَاه أوليائه؛ ليختلفوا، وَيَرْمِي بَعضهم بَعْضًا بالْكفْر.

فَكل مَسْأَلَة حَدَثَتْ فِي الْإِسْلَام، فَخَاضَ فِيهَا النَّاس، فَتَفَرَّقُوا وَاخْتلفُوا، فَلم يُورث ذَلِك الِاخْتِلَافُ بَينهم عَدَاوَة وَلَا بغضا وَلَا تفَرقا، وَبَقِيَتْ بَينهم الأُلْفةُ والنصيحةُ والمودةُ وَالرَّحْمَةُ والشفقةُ؛ عَلِمْنَا أَن ذَلِك من مسَائِل الْإِسْلَام، يَحِلُّ النّظر فِيهَا، وَالْأَخْذُ بقول من تِلْكَ الْأَقْوَال لَا يُوجب تبديعا وَلَا تكفيرا، كَمَا ظهر مثل هَذَا الِاخْتِلَاف بَين الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ مَعَ بَقَاء الأُلْفة والمودة.

وكل مَسْأَلَة حَدَثَتْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهَا، فأورث اخْتلَافُهمْ فِي ذَلِك: التولِّيَ والإعراضَ والتدابُرَ والتقاطُعَ، وَرُبمَا ارْتقى إِلَى التَّكْفِير؛ عَلِمْتَ أَن ذَلِك لَيْسَ من أَمر الدّين فِي شَيْء، بل يجب على كل ذِي عقل أَن يجتنبها، ويُعْرِض عَن الْخَوْض فِيهَا؛ لِأَن الله شَرط فِي تمسكنا بِالْإِسْلَامِ: أَنَّا نُصْبِحُ فِي ذَلِك إخْوَانًا، فَقَالَ تَعَالَى: [ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ] {آل عمران:103}﴾».ا.هـ([584])

نماذج من غلو الخوارج في تكفير بعضهم بعضًا:

ذَكَرَ أبو المظفر الإسفراييني الخوارجَ في كتابه «التبصير في الدين» وذَكَر تفرقَهم وغلَّوهم في إطلاق الأحكام، فقال: «اعْلَم أَن الْخَوَارِج عشرُون فرقة، كَمَا ترى بيانهم فِي هَذَا الْكتاب، وَكلهمْ متفقون على أَمريْن لَا مزِيد عَلَيْهِمَا فِي الْكفْر والبدعة:

أَحدهمَا: إِنَّهُم يَزْعمُونَ أَن عليا وَعُثْمَان وَأَصْحَاب الْجمل والحَكَمَيْن وكُلَّ من رَضِي بالحَكَمَيْن كفرُوا كُلُّهم.

وَالثَّانِي: أَنهم يَزْعمُونَ أَن كل من أذْنب ذَنبا من أمة مُحَمَّد -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- فَهُوَ كَافِر، وَيكون فِي النَّار خَالِدا مخلدا إِلَّا النجدات مِنْهُم، فَإِنَّهُم قَالُوا: إِن الْفَاسِق كَافِر على معنى أَنه كَافِر نعْمَة ربه، فَيكون إطلاق هَذِه التَّسْمِيَة عِنْد هَؤُلَاءِ مِنْهُم على معنى الكفران، لَا على معنى الْكفْر، وَمِمَّا يجمع جَمِيعهم أيضًا تجويزهم الْخُرُوج على الإِمَام الجائر، وَالْكفْر لَا محَالة لَازم لَهُم؛ لتكفيرهم أَصْحَابَ رَسُول الله -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم-… ثم ذَكَرَهُم فرقةً فرقةً، فمِنْهُم المُحَكِّمةُ الأولى، والْفرْقَة الثَّانِيَة: الْأزَارِقَة: وهم أَتبَاع رجل مِنْهُم يُقَال لَهُ: أَبُو رَاشد نَافِع بن الْأَزْرَق الْحَنَفِيّ،… إلى أن قال ــ:

مِنْهُم النجدات، وهم أَتبَاع نجدة بن عَامر الْحَنَفِيّ، وَكَانَ من حَاله أَنه لما سمى نَافِع بن الْأَزْرَق من كَانَ قد امْتنع من نصرته مُشْركًا، وأباح قَتْل نسَاءِ مخالفيهم وأطفالِهِم؛ خرج عَلَيْهِ قوم من أَتْبَاعه، وصاروا إِلَى الْيَمَامَة، وَبَايَعُوا نجدة، وَقَالُوا: إن من يَقُول مَا قَالَه نَافِع؛ فَهُوَ كَافِر، ثمَّ افترق هَؤُلَاءِ ثَلَاث فِرَقٍ، وَخَرجُوا على نَجْدَة، فَصَارَ فريق مِنْهُم مَعَ عَطِيَّة بن الْأسود الْحَنَفِيّ إِلَى سجستان، وخوارج سجستان أَتبَاع هَؤُلَاءِ، وَلذَلِك كَانُوا يُدْعَونَ العَطَوية، وَصَارَ فريق مِنْهُم تبعا لرجل كَانَ يُقَال لَهُ: أَبُو فديك، وَكَانُوا يُقَاتلُون نجدة، حَتَّى قَتَلُوهُ، وَإِنَّمَا خرج هَؤُلَاءِ عَلَيْهِم؛ لأَنهم أخذُوا عَلَيْهِ أَشْيَاء:

مِنْهَا: أَنه بعث جُندا للغزو فِي الْبر وجُندا فِي الْبَحْر، ثمَّ فضل فِي الْعَطاء من بَعثه فِي الْبَحْر، فأنكروا عَلَيْهِ، وَقَالُوا: لم يكن من حَقه أَن يفضل هَؤُلَاءِ.

وَالثَّانِي: أنهم قَالُوا: إِنَّك بَعَثْتَ جُنْدا إِلَى الْمَدِينَة، حَتَّى أَغَارُوا عَلَيْهَا، وَسَبَوْا جَارِيَة من أَوْلَاد عُثْمَان بن عَفَّان، وكاتبه فِي ذَلِك الْمَعْنى عبد الْملك ابن مَرْوَان، فاشتراها ممَّن كَانَت فِي يَده، وبعثها إِلَى عبد الْملك بن مَرْوَان، فَأخذُوا عَلَيْهِ هَذَا، وَقَالُوا: إنه رد جَارِيَة غنمناها إِلَى عدونا، وَقَالُوا لَهُ: تُبْ؛ فَتَابَ.

وَقَالَ قوم: إنه كَانَ مَعْذُورًا فِيمَا فعل، وَقَالُوا لَهُ: كَانَ لَك أَن تجتهد، وَلم يكن لنا أَن نستتيبك، فَتُبْ عَن توبتك؛ فَتَابَ، وَاخْتلفُوا عَلَيْهِ كَمَا ذكرنَا، إِلَى أَن قَتله أَبُو فديك، وَبعث عبد الْملك بن مَرْوَان جندا إِلَى أبي فديك؛ فَقُتِل، وَكفى الله الْمُسلمين شرهم، وبِدَعُ النجداتِ كَثِيرَة، وَمن اطلع على مَا ذَكرْنَاهُ من حَالهم؛ لم يَخْفَ عَلَيْهِ أَمْرُهُم.

ثم قالفي موضع آخر: وَمِنْهُم الثعالبة، وهم أَتبَاع ثَعْلَبَة بن مشكان، وَهَؤُلَاء كَانُوا يَقُولُونَ بإمامة عبد الْكَرِيم بن عجرد، وَيَقُولُونَ: أَنه كَانَ الإِمَامَ إِلَى أَن خَالفه ثَعْلَبَة فِي حُكم الْأَطْفَال، فَصَارَ على زعمهم كَافِرًا، وَكَانَ ثَعْلَبَة إِمَامًا، وَكَانَ سَبَب اخْتلَافهمْ: أَن رجلا من العجاردة خطب بنت ثَعْلَبَة، فَقَالَ لَهُ: أَظْهِرْ لنا مهْرا وَقَدَّرَهُ؛ فَبعث الْخَاطِب إِلَى أم الْبِنْت، وَقَالَ: تُعَرِّفِيني عَن أمرهَا، هَل بَلَغَت هَذِه الْبِنْت، وَهل قَبِلَتْ الْإِسْلَام، فَإِن كَانَت بَالِغَة، وللإسلام قَابِلَة على الشَّرْط؛ لم يبال كم كَانَ مهرهَا، فَقَالَت الْأُم: هِيَ مسلمة، فَلَمَّا بلغ هَذَا الْخَبَر إِلَى ثَعْلَبَة؛ اخْتَار أَن يتبرأ من أَطْفَال الْمُسلمين، وَخَالف فِي هَذَا عبد الْكَرِيم بن عجرد، وبسبب هَذَا الْخلاف تَبرأ أَحدهمَا من صَاحبه، وَكَانَ يُكَفِّر كل مِنْهُمَا صَاحبه.

وَمِنْهُم المَعْبَدية، وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ بإمامة مَعْبَد بعد ثَعْلَبَة، وَخَالف مَعْبَدُ الثعالبةَ، بَأن قَالَ: يجوز أَخذ الزَّكَاة من العبيد، وَيجوز دَفعهَا إِلَيْهِم، وَزعم بِأَن من لم يُوَافقهُ فِي هَذِه الْمقَالة؛ فَهُوَ كَافِر، وَأَتْبَاعه يُكَفِّرُون جملَةً الثعالبة، والثعالبةُ يُكَفِّرُونَهم».ا.هـ([585])

نماذج من غلو المعتزلة في تكفير بعضهم بعضًا:

وتحدث أبو المظفر الإسفراييني أيضًا عن المعتزلة وشيخهم أبي هاشم الجبائي، فقال: «كَانَ مَعَ ارتكابه هَذِه الْبدع يُكَفِّر الْمُعْتَزلَة، ويتبرأ مِنْهُم، حَتَّى كَانَ يُكَفِّر أَبَاهُ، وتبرأ مِنْهُ، وَلم يَأْخُذ مِيرَاثه بعد مَوته؛ لتكفيره إِيَّاه، وتبريه مِنْهُ، وَكَانَ سَائِر الْمُعْتَزلَة يُكَفِّرُونه أيضًا، وحالهم فِي هَذَا الْمَعْنى كَمَا وَصفه الله تَعَالَى من حَال الْكفَّار، حَيْثُ قَالَ: [ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ] {البقرة:166}.

وَمِمَّا يكْشف عَن افتضاحهم فِي مذاهبهم، وتبرئ بَعضهم من بعض: مَا حَكَاهُ أَصْحَابُ المقالات من أَن سَبْعَةً من رُؤُوس الْقَدَرِيَّة اجْتَمعُوا فِي مجْلِس وَاحِد، وتناظروا فِي أَن الله تَعَالَى هَل يقدر على ظُلْمٍ وَكَذِبٍ يخْتَص بِهِ؟ فافترقوا من هَذَا الْمجْلس، وكل مِنْهُم كَانَ يُكَفِّر البَاقِينَ، وَذَلِكَ لِأَن النَّظَّام سُئِلَ فِي ذَلِك الْمجْلس عَنهُ، فَقَالَ: إنه لَيْسَ بِقَادِر على ذَلِك؛ إِذْ لَو قدر عَلَيْهِ، لم يَأْمَن أَن يَقع مِنْهُ ظلم أَو كذب فِيمَا مضى، أَو يَقع ذَلِك فِي الْمُسْتَقْبل، أَو وَقع أَو يَقع ذَلِك فِي طَرَفٍ من أَطْرَاف الأَرْض، فَقَالَ لَهُ عَليّ الأسواري: يَنْبَغِي على هَذِه الْعلَّة أَن لَا يقدر على خلاف الْمَعْلُوم والمُخْبَر عَنهُ، فَقَالَ: هُوَ لَازم، فَمَا تَقول أَنْت؟ فَقَالَ الأسواري: أَنا أَقُول: إنه لَا يقدر على الظُّلم وَالْكذب، وَلَا يقدر على خلاف الْمَعْلُوم، فَقَالَ لَهُ النظام: هَذَا الَّذِي تَقول كُفْرٌ وإلحاد، ثمَّ قَالَ لَهُ أَبُو الْهُذيْل: مَا تَقول فِي فِرْعَوْن، وَفِي كل من علم الله أَنه لَا يُؤمن، أَو أخبر عَنهُ أَنه لَا يُؤمن؟ إن قلت: إنه لم يكن مَقْدُورًا لَهُم أَن يُؤمنُوا؛ لزمك تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق، وَأَنت لَا تَقول بِهِ، وَإِن قلت: إنه كَانَ مَقْدُورًا لَهُم؛ كَانَ محالا؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَن يكون العَبْد قَادِرًا على تجهيله وتكذيبه -تَعَالَى الله عَن قَوْلهم- فَقَالُوا لَهُ: هَذَا الْجَواب لَازم، فَمَا تَقول أَنْت؟ فَقَالَ: أَنا أَقُول: إنه قَادر على أَن يظلم ويكذب، وقادر أيضًا على خلاف الْمَعْلُوم، فَقَالَ لَهُ: أرأيتك لَو ظلم وَكذب؟ فَقَالَ: إنه محَال مِنْهُ، فَقَالُوا لَهُ: مَا كَانَ محالا لَا يكون مَقْدُورًا؛ فَتَحَيَّر هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة، وَلم يَدْرُوا كَيفَ سَبِيل الْجَواب، فَقَالَ بِشْرُ بن الْمُعْتَمِر: كل مَا أَنْتُم عَلَيْهِ فَهُوَ تَخْلِيط، فَقَالُوا لَهُ: فإيش تَقول أَنْت؟ هَل يقدر على أَن يعذب طفْلا لَيْسَ لَهُ ذَنْب؟ فَقَالَ: يقدر، فَقَالُوا: فَلَو عذبه؛ كَيفَ حُكْمُه؟ قَالَ: يكون الطِّفْل عَاقِلا بَالغًا عَاصِيًا مُسْتَحقًّا للعقاب، وَيكون الْبَارِي عادلًا بتعذيبه، فَقَالُوا لَهُ: كَيفَ يكون الطِّفْل بَالغًا، وَكَيف يكون مَنْ فَعَلَ الظُّلم عادلًا بِهِ؟؛ فتحير، فَقَالَ لَهُ المرداد مِنْهُم: أَخَذْتُم على أستاذي بِشْرٍ شَيْئا مُنْكرًا مستفيضًا، وَلَكِن يجوز أَن يغلط الْأُسْتَاذ، فَقَالَ لَهُ بِشْرٌ: فَمَا تَقول أَنْت؟ قَالَ: أَقُول: إِنَّه قَادر على الظُّلم وَالْكذب، وَلَو وُجِدَ ذَلِك مِنْهُ؛ كَانَ إِلَهًا ظَالِما كَاذِبًا، فَقَالُوا لَهُ: وَمن كَانَ بِهَذِهِ الصّفة، هَل يكون مُسْتَحقًّا للشكر وَالْعِبَادَة، أَو يكون مذمومًا؟ فَقَالَ: لَا يكون مُسْتَحقًّا للشكر وَالْعِبَادَة، فَقَالُوا: وَمن لَا يكون مُسْتَحقّا للشكر وَالْعِبَادَة؛ لَا يكون إِلَهًا؛ فتحير، فَقَالَ زعيم من زعمائهم؛ يُقَال لَهُ «الْأَشَج»: أَنا أَقُول: إِنَّه قَادر على أَن يظلم ويكذب، وَلكنه إِن ظلم وَكذب كَانَ عادلا صَادِقا، فَقَالَ الإسكافي: كَيفَ يَنْقَلِب الظُّلم عدلًا، وَالْكذب صدقًا؟؛ فتحير، فَقَالَ لَهُ: مَا تَقول أَنْت؟ فَقَالَ: أَنا أَقُول: إِنْ ظَلَمَ أَو كَذَبَ؛ لم تكن عقول الْعُقَلَاء مَوْجُودَة فِي تِلْكَ الْحَالة، فَلَا يتَوَجَّه عَلَيْهِ المَذَمَّة والمَلامة؛ لعدم وجود عقل عَاقل يُنكره عَلَيْهِ، فَقَالَ جَعْفَر بن حَرْب: كَأَنَّهُ يَقُول: إنه قَادر على ظلم المجانين، وَلَا يقدر على ظلم الْعُقَلَاء؛ فتحيروا، وصاروا كلهم منقطعين متحيرين، وَكَانَ كل وَاحِد يعْتَقد أَن أَقْوَال البَاقِينَ كلهَا كُفْر.

فَلَمَّا انْتَهَت زعامتهم إِلَى الجبائي وَابْنه أبي هَاشم، قَالَا جَمِيعًا: هَذِه مَسْأَلَة لَا يُمكن أَن يُجَاب عَنْهَا، ورضيا بِالْجَهْلِ فِيمَا يرجع إِلَى وصف الِاعْتِقَاد، وَلَو وافقهم التَّوْفِيق؛ لتمسكوا بِمذهب أهل الْحق وَتركُوا التَّرَدُّد من بَاطِل إِلَى بَاطِل».ا.هـ([586])

وكشف أبو حيان التوحيدي([587]) عن هذه الظاهرة من الغلو المفرط في إطلاق الأحكام، فقال: «ورأيت كثيرًا من المتكلمين يسرعون إلى تكفير قومٍ من أهل القبلة لخلافٍ عارضٍ في بعض فروع الشريعة، وهذا الإقدام عندي مخوف العاقبة، مذموم البَدِيّ، وكيف يخرج الإنسان من دين يجمع أحكامًا كثيرة، وقد تحلّى منه بأشياء كثيرة ليست خطأ منه، وليس المعارض له بالتكفير بأسعد منه في نقل الاسم إليه؛ كذلك أبو هاشم يكفر أباه أبا علي الجبّائي، وأبو علي يكفّر ابنه، وحدّثني أبو حامد المروروذي([588]) أن أختًا لأبي هاشم تكفّر أباها وأخاها؛ وأما أصحاب أبي بكر ابن الإخشيذ: كالأنصاري، وابن كعب، وابن الرّمّاني، وغيرهم، فكلّهم يكفّرون أبا هاشم وأصحابه، وجُعَلًا وتلامذته، وخُذْ على هذا غيرهم، وما أدري ما هذه المحنة الراكدة بينهم، والفتنة الدائرة معهم! أين التقوى والورع، والعمل الصالح، ولزوم الأَوْلَى والأحوط؟ إلى متى تُذال الأعراض وقد حماها الدّين؟ إلى متى تهتك الأستار وقد أسبلها الله ؟ إلى متى يستباح الحريم وقد حظره الله؟ إلي متى تسفك الدماء وقد حرمها الله؟ ما أعجب هذا الأمر! كأنّ الله تعالى لم يأمرهم بالألفة والمعاونة، ولم يحثّهم على المرحمة والتعاطف، وكأنّ رسول الله -صلّى الله عليه وآله- لم يحذّرهم التفرّق في الدين والطعن على سلف المسلمين. ا.هـ([589])

هذا، ولم أَذْكُر هذا اعتمادًا منِّي على أبي حيان التوحيدي؛ لما سبق من ترجمته المظلمة، ولكن ليظهر أن أهل البدع في قولٍ مختلفٍ، يُؤفك عنه من أُفِك، وكيف يُكَفِّر بعضهم بعضًا، وهذا أمر مشهور عنهم عند أهل السنة وأهل البدعة والضلالة!!

(والخلاصة): أنه يجب الحذر من الغلوّ والغلاة، وأنه من علاماتهم القديمة والحديثة التنازع والتفرقة، والتكفير والتبديع لبعضهم -فضلًا عن غيرهم- لأي خلاف يحدث بينهم، وإن لم يكن مما يستحق ذلك.

وإذا كان التوحيدي على ما قيل فيه يستنكر حالَ هؤلاء؛ فكيف بغيره من أهل النقاء والصفاء؟!

فاحْذر يا طالب النجاة أن تَغْتَرَّ بشبهاتهم وادعاءاتهم، وقبل أن تسمع عن الرجل المخالف لهم من طريقهم، فاحرص على أن تسمع من الرجل نفسه، أو تقرأ له من كتبه لا مما كتبوا هم عنه؛ فقد جَرَّبنا عليهم الكذب وبتر الكلام من سياقه وسباقه ولحاقه، وهذا دليل الهوى المتَّبع، وإعجاب المرء برأيه، والعصبية الجاهلية، ثم إن الحق مقبول من كل أحد، والله أعلم.

هذا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين: مِلْء السموات والأرض، ومِلْءَ ما بينهما، ومِلْءَ ما شاء من شيء بعد: عددَ خَلْقه، ورضا نَفْسه، وزِنَةَ عَرْشه، ومداد كلماته.

كتبه/

أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني

A

A

[39]

الرجوع إلى الحق هو منهج أهل الإنصاف أهل السنة والجماعة