(الطائفة المنصورة)
- السؤال السابع والثلاثون: هل يمكن تحديد الطائفة الناجية المنصورة الواردِ ذِكْرُها في بعض الأحاديث؟ وهل هذه الطائفة تصيب معرفة الحق دائمًا؟
الجواب:
– عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً: فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً: فَإِحْدَى وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ؛ لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً: وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «الْجَمَاعَةُ»([516])
* وعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ
-رضي الله عنه- خَطِيبًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ؛ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ».([517])
* وعن ثوبان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك».([518])
وبعد ذِكْر هذه الأحاديث، فالكلام في هذا المقام كالآتي:
أولًا: ما هو المراد بالطائفة المنصورة؟
أقوال العلماء في بيان المقصود بالطائفة الظاهرة التي ذَكَرها النبي
– صلى الله عليه وعلى آله وسلم – في أحاديثه الكثيرة، فمن أقوال العلماء في ذلك:
1- قال الإمام البخاري : «باب قول النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق) وهم أهل العلم».([519])
2- قال الحافظ ابن حجر العسقلاني : وأخرج الحاكم في «علوم الحديث» بسند صحيح عن أحمد : «إن لم يكونوا أهل الحديث؛ فلا أدري من هم؟»([520]).
3- وقال الإمام القدوة عبد الله بن المبارك : «هم عندي أصحاب الحديث».
4- وقال أحمد بن سنان الثقة الحافظ : «هم أهل العلم وأصحاب الآثار».([521])
5- وقال القاضي عياض : «إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث».([522])
6- وقال الإمام الترمذي : «قال محمد بن إسماعيل – وهو البخاري -: قال علي بن المديني: هم أصحاب الحديث».([523])
7- وقال النووي : «وأما هذه الطائفة؛ فقال البخاري: هم أهل العلم، وقال أحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث؛ فلا أدري من هم، وقال القاضي عياض: إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث. قلت – والقائل هو النووي -: ويحتمل أن هذه الطائفة مُفَرَّقَةٌ بين أنواع المؤمنين: منهم شُجْعان مقاتِلُون، ومنهم فقهاء، ومنهم مُحَدِّثُون، ومنهم زهاد، وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض».([524])
8- وقال ابن العربي المالكي : «وأما الطائفة المنصورة؛ فقيل: هم أصحاب الحديث، وقيل: هم العُبَّاد، وقيل: هم المناضلون على الحق بألسنتهم، وقيل: هم المجاهدون في الثغور بأسنَّتهم».([525])
ثانيًا: هل أفراد الطائفة المنصورة معصومون؟
معلوم أن إجماع الصحابة، أو إجماع علماء الأمة؛ لا يكون إلا حقًّا معصومًا من الضلالة والتقصير، ومن كيد الشيطان، نعم آحاد الصحابة، وآحاد علماء الأمة – آحاد علماء الطائفة المنصورة – غير معصومين، وكلٌّ يُؤْخَذُ من قوله ويُرَدُّ، إلا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لكن الإجماع -إنْ ثَبَتَ- فمعصوم، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، ويقول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم، حتى تقوم الساعة»، ومن المعلوم: أن الطائفة المنصورة، هي التي تتبع الإسلام الصحيح، وكيف يكون منهج هؤلاء غير معصوم، والله يقول: [ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ] {المائدة:3}؟!!
وكيف يقال: إن هؤلاء وإن أجمعوا؛ فغير معصومين من التقصير، أو الخطأ في الاجتهاد، أو غير محفوظين بالكلية من كيد الشيطان؟!
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «منهاج السنة النبوية»([526]): «والحقُّ: أن أهل السنة لم يتفقوا قطُّ على خطأ». اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا كما في «مجموع الفتاوى»:([527])
«اعْتِقَادُ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ: هِيَ الْفِرْقَةُ الَّتِي وَصَفَهَا النَّبِيُّ بِالنَّجَاةِ، حَيْثُ قَالَ: «تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً: اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي». فَهَذَا الِاعْتِقَادُ: هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ النَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- وَهُمْ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَالَ: الْإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَكُلُّ مَا ذَكَرْتُهُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ مَأْثُورٌ عَنْ الصَّحَابَةِ بِالْأَسَانِيدِ الثَّابِتَةِ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ، وَإِذَا خَالَفَهُمْ مَنْ بَعْدَهُمْ لَمْ يَضُرَّ فِي ذَلِكَ.
ثُمَّ قُلْت لَهُمْ: وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ خَالَفَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الِاعْتِقَادِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَالِكًا؛ فَإِنَّ الْمُنَازِعَ قَدْ يَكُونُ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا، يَغْفِرُ اللَّهُ خَطَأَهُ، وَقَدْ لَا يَكُونُ بَلَغَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا تَقُومُ بِهِ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ، وَإِذَا كَانَتْ أَلْفَاظُ الْوَعِيدِ الْمُتَنَاوَلَةُ لَهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا الْمُتَأَوِّلُ وَالْقَانِتُ وَذُو الْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ وَالْمَغْفُورُ لَهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ؛ فَهَذَا أَوْلَى، بَلْ مُوجَبُ هَذَا الْكَلَامِ: أَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ؛ نَجَا فِي هَذَا الِاعْتِقَادِ، وَمَنْ اعْتَقَدَ ضِدَّهُ؛ فَقَدْ يَكُونُ نَاجِيًا، وَقَدْ لَا يَكُونُ نَاجِيًا، كَمَا يُقَالُ: مَنْ صَمَتَ نَجَا». اهـ
وقال أيضًا كما في «مجموع الفتاوى»([528]): «لَا عَيْبَ عَلَى مَنْ أَظْهَرَ مَذْهَبَ السَّلَفِ، وَانْتَسَبَ إلَيْهِ، وَاعْتَزَى إلَيْهِ، بَلْ يَجِبُ قَبُولُ ذَلِكَ مِنْهُ بِالِاتِّفَاقِ؛ فَإِنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ لَا يَكُونُ إلَّا حَقًّا، فَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لَهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا؛ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُؤْمِنِ الَّذِي هُوَ عَلَى الْحَقِّ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لَهُ فِي الظَّاهِرِ فَقَطْ دُونَ الْبَاطِنِ؛ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُنَافِقِ؛ فَتُقْبَلُ مِنْهُ عَلَانِيَتُهُ، وَتُوكَلُ سَرِيرَتُهُ إلَى اللَّهِ؛ فَإِنَّا لَمْ نُؤْمَرْ أَنْ نُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ، وَلَا نَشُقَّ بُطُونَهُمْ». اهـ
وقال في «درء تعارض العقل والنقل»([529]): «وكل أحد يعلم أن عقول الصحابة والتابعين وتابعيهم أكمل عقول الناس.
واعْتَبِر ذلك بأَتْبَاعهم؛ فإن كنتَ تَشُكُّ في ذكاء مثل: مالك، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وزفر بن الهذيل، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، وأبي عبيد، وإبراهيم الحربي، وعبد الملك بن حبيب الأندلسي، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، وعثمان بن سعيد الدارمي، بل ومثل: أبي العباس ابن سريج، وأبي جعفر الطحاوي، وأبي القاسم الخرقي، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، وغيرهم من أمثالهم، فإنْ شَكَكْتَ في ذلك؛ فأنت مُفْرِط في الجهل أو مكابر، فانظر خضوع هؤلاء للصحابة، وتعظيمهم لعقلهم وعملهم، حتى إنه لا يجترئ الواحد منهم أن يخالف الواحد من الصحابة إلا أن يكون قد خالفه صاحب آخر.
وقد قال الشافعي -رحمة الله عليه- في «الرسالة»: إنهم فوقنا في كل عقل وعلم وفضل وسبب يُنَال به علم، أو يُدْرَكُ به صواب، ورأْيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا، أو كما قال -رحمة الله عليه-». اهـ
وقال شيخ الإسلام : «قال تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ] {التوبة:100} فجعل التابعين لهم بإحسان مشاركين لهم فيما ذُكِرَ من الرضوان والجنة… فمن اتبع السابقين الأولين؛ كان منهم، وهم خير الناس بعد الأنبياء، فإن أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- خير أمة أُخْرِجَتْ للناس، وأولئك خير أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-… ولهذا كان معرفة أقوالهم في العلم والدين وأعمالهم خيرًا وأنفع من معرفة أقوال المتأخرين وأعمالهم في جميع علوم الدين وأعماله… فإنهم أفضل ممن بعدهم، كما دل عليه الكتاب والسنة، فالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم، ومعرفة إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين؛ خير وأنفع من معرفة ما يُذْكَر من إجماع غيرهم ونزاعهم؛ وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصومًا، وإذا تنازعوا؛ فلا يخرج الحق عنهم، فَيُمْكِن طَلَبُ الحق في بعض أقاويلهم، ولا يُحْكَم بخطأ قولٍ من أقاويلهم حتى يُعْرَفَ دلالةُ الكتاب والسنة على خلافه…»([530]). اهـ
وقال في وصْف أهل السنة والجماعة: «وهم يَزِنُون بهذه الأصول الثلاثة -أي: الكتاب والسنة وإجماع السلف- جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة، مما له تعلق بالدين». اهـ([531])
وقال شيخنا العلامة الألباني ([532]): «وأما الذي ينتسب الى السلف الصالح؛ فإنه يَنْتَسِب إلى العصمة -على وجه العموم-؟ وقد ذكر النبي من علامات الفرقة الناجية: أنها تتمسك بما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما كان عليه أصحابه.
فمن تمسك بهم؛ كان يقينا على هُدًى من ربه.
وهي نسبة تُشَرِّفُ المُنْتَسِبَ إليها، وتيسر له سبيل الفرقة الناجية، وليس ذلك لمن ينتسب أية نسبة أخرى؛ لأنها لا تَعْدُو واحدا من أمرين: إما انتسابا إلى شخص غير معصوم، أو إلى الذين يتبعون منهج هذا الشخص غير المعصوم؛ فلا عصمة كذلك، وعلى العكس منه عصمة أصحاب النبي
-صلى الله عليه وسلم-، وهو الذي أُمِرْنَا أن نتمسك بسنته وسنة أصحابه من بعده.
ونحن نُصِرُّ ونُلِحُّ أن يكون فَهْمنا لكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وَفْقَ منهج صحبه؛ لكي نكون في عصمة من أن نميل يمينًا أو يسارًا، ومن أن ننحرف بفهم خاصٍّ لنا ليس هناك ما يدل عليه من كتاب الله
-سبحانه- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-». اهـ
(والخلاصة):
أن إجماع الطائفة المنصورة -إذا ثبت- لا يكون إلا حقًّا، لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في وصْفهم: «ظاهرين على الحق…» فَمَنْ هذا وَصْفُهم إذا اجتهدوا؛ لا يكونون على غير الحق.
وكذلك القواعد والأصول العلمية والعملية التي أجمعوا عليها لا تكون إلا حقًّا.
أما أفرادهم: فكلٌّ منهم يُؤْخَذُ من قوله ويُرَدُّ، بحسب ما يقتضيه الدليل والبرهان، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين: مِلْء السموات والأرض، ومِلْءَ ما بينهما، ومِلْءَ ما شاء من شيء بعد: عددَ خَلْقه، ورضا نَفْسه، وزِنَةَ عَرْشه، ومداد كلماته.
كتبه/
أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني
A
A
[38]ذم الغلو في الدين













