مَعَالِمُ الوَسَطِيَّةِ وَالاِعْتِدَالِ
فِي عَقِيدَةِ وَمَنْهَجِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ
1445هـ / 2023 م
رقم الإيداع:
الترقيم الدولي:
مَعَالِمُ الوَسَطِيَّةِ وَالاِعْتِدَالِ
فِي عَقِيدَةِ وَمَنْهَجِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ
كَتَبَهُ
أَبُو الْحَسَنِ مُصْطَفَى بْنُ إِسْمَاعِيْلَ السُّلَيْمَانِيُّ
(تنبيه)
هذا الكتابُ سُجِّلَتْ مادتُه في أشرطةٍ صوتيةٍ في ظروفٍ قاسيةٍ، مَرَّتْ بها دعوتُنا دعوةُ أهل السنة والجماعة في اليمن وغيره من البلاد، وذلك عندما أثار بعضُ الغلاة المسرفين المتهوّرين في إطلاق التبديع والتفسيق – بل والحَوْم حول التكفير- على كثيرٍ من دعاة أهل السنة في هذا الزمان، ثم أَلْزَمُوا الناسَ بتبديعهم والتشهير بهم، وهَجْرِهم والتحذيرِ منهم، بل ألزموهم بتبديع وهَجْر من لم يبدِّعْهم ويهجُرْهم، بل وتبدیعِ وهجر من لم يفعلْ ذلك مع من لا يفعلُ ذلك… وهَلُمَّ جَرّا إلى ما لانهاية!!!
ووضَع هؤلاء الغلاةُ أصولًا فاسدةً؛ ليُوهِمُوا الصغارَ من طلاب العلم بأن هذا هو منهج أهل السنة والجماعة سلفاً وخلفاً، ومن لم يقُم بهذا الأمر على هذا النحو الفاسد المُفسد؛ فليس من أهل السنة والجماعة، وما له في سلوك واتباع منهج السلف -رضي الله عنهم- من نصيب!!
وأشْعَلُوا هذه الفتنةَ العمياءِ الصمَّاءِ شرقاً وغرباً، ومزَّقُوا بها صفوفَ الدعاة، وأشْغَلوا طلابَ العلم عن تحصيله، والدعوة إليه، وتربية أبناء الأمةِ على الآداب الشرعيةِ، والرَّدِّ على أهلِ البِدَعِ وتفنيدِها… إلخ بالطعن في بعضهم، والتحذير من مجالسِ ودروسِ ومؤلفاتِ من لم يَسْلُكْ منهجَهم الضالَّ الضارَّ، فصَدُّوا بذلك كثيرًا من الناس عن سبيل الله، وأشْمتُوا خصومَ الدعوة بأهلها، ثم مع طولِ الوقتِ، وضِيقِ الأُفُقِ والصُّدُورِ عندهم، واضطرابِ الأهواء والآراء فيما بينهم؛ تفرَّقوا شِيَعاً وأحزاباً، يلعنُ بعضُهم بعضاً، وعقدُوا الولاءَ والبراءَ على مقالاتهم ومقالات من قلدوه، أو قلدوهم؛ فسلكوا بذلك مسلكَ أهلِ البِدَعِ، وهم – ما زالوا – مُسْتَمِرِّينَ في إيهام الناس بأنه لا يُوجد على وجْهِ الأرضِ مَن يَسْلُكُ مَسْلَكَ السَّلَفِ الصالحِ، وكبارِ علماء العصر إلا هُم ومن كان على شاكلتهم!!.
فتعيّن الردُّ عليهم بما يُطفئُ نارَهم، ويَكشِفُ عَوَارَهُم، فكان ذلك مِنيِّ – ومِن غيري- عَبْرَ أشرطةٍ صوتيةٍ، ومعلومٌ أن طبيعةَ الأشرطةِ، لا يكون الترتيبُ فيها دقيقاً، ثم فُرِّغَتْ مادتُها في هذه الأوراق وغيرها، وتمَّ جَمْعُ الأدلةِ وأقوالِ أهلِ العلمِ بما يُقَوِّيها، وآثرْتُ نشْرَ ذلك للحفاظ على أصول دعوة أهل السنة والجماعة وثوابتِها مِن الاندثارِ، والإسراعِ في إطفاءِ ما أمكن من هذه النِّيار، وإن كان ذلك لا زال يحتاجُ إلى مزيدِ ترتيبٍ وتبويبٍ، لكن لما كانت فتنة هؤلاء القوم فوقَ ما يتصوره من لم يعاصِرْها؛ قلتُ: لا بأس بنشر ما تَيَسَّرَ، وأعتذرُ للقراء عما فيه من خَلَلٍ أو ثَغَراتٍ، وما لا يُدْرَك كلُّه لا يُتْرَكُ جُلُّه؛ والله وليّ التوفيق والسداد.
كتبه
أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني
غفر الله له ولوالديه وذريته وأهله وجميع المسلمين.
***
مقدمة
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فإن دين الله -عز وجل- وَسَطٌ بين الغالي فيه والجافي عنه([1])، وإن الشيطان حريص على إخراج المرء من طريق الاعتدال، ولا يبالي: أكان ذلك بتفريط منه أو بإفراط، والموفَّق من وفقه الله تعالى، ولذا فالمؤمنون يَدْعُون ربهم في أشرف عباداتهم -وهي الصلاة- عدة مرات في اليوم والليلة، قائلين: [ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ] {الفاتحة:6، 7}([2]).
والمغضوب عليهم: هم أهل الإفراط والغُلُوِّ، والضالون: هم أهل التفريط والجفاء، ولا يَلْزَم من ذلك أن كلتا الطائفتين سالمةٌ من عيوب الطائفة الأخرى، فاليهود فيهم إفراط وجفاء، والنصارى فيهم تفريط وغُلُوٌّ.. وبِقَدْر فهْم المرء دينَهُ فَهْما صحيحا؛ بِقَدْر تحقيقه ما أوجبه الله عليه من الاعتدال، وعَكْسُه عَكْسُه.
قَالَ العلامة صالح بن فوزان الفوزان -حفظه الله تعالى-: «فالغُلُوُّ هلاكٌ في الدّنيا، وهلاكٌ في الآخرة، ولا يأتي بخير أبداً، ودينُ الله بين الغالي فيه والجافي عنه، دينُ الله وَسَطٌ: [ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ] {البقرة:143}، وَسَطٌ بين الغلو وبين الجفاء، وهذه الأمة عُدُولٌ خِيَار، ليس فيهم غلو، وليس فيهم جفاء، وإنما فيهم الاعتدال، هذا هو طريق النجاة دائماً وأبداً». اهـ.([3])
ومَنْ فَهِمَ مرادَ الله -عز وجل- ومراد رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولَزِمَ سبيلَ المؤمنين؛ أَمِنَ الفتنة، وكان مفتاح خير على نفسه وعلى غيره، وانتفع ونفع، وصَلُحَ وأَصْلَح، بخلاف من اضطرب في هذا الباب؛ فإنه يَبْني ثم يَهْدِم، وربما كان ضررُهُ أعظمَ من نفعه، والتاريخ السابق واللاحق يدلَّانِ على ذلك دلالةً واضحةً، وكما قَالَ القائل([4]):
| مَتَى يَبْلُغُ البُنْيَانُ يومًا تمَامَهُ | إِذَا كُنْتَ تَبْنِي وغَيرُكَ يَهْدِمُ؟ |
وصِمَامُ الأمانِ يكونُ بعد توفيق الله -جل ثناؤه- للمرء بالفهمِ السديدِ لنصوصِ الكتابِ والسنةِ، ومن المعلوم أننا لسنا أول من خوطب بنصوص الكتاب المُحْكَم وصحيح السنة، ولكن قد سَبَقَنَا إلى ذلك أجيال وقرون منذ زمن الصحابة –رضي الله عنهم- الذين شَهِدُوا التنزيلَ وعاصروا التأويلَ، ولذا كان من اللازم لمن أراد النجاة أن يسلك سبيلهم، ويَفْهَمَ دينَ الله بفهمِهِم، وفَهْمِ التابعين لهم بإحسان، كما قَالَ تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ] {التوبة:100}.
وقوله تعالى في مدح المهاجرين والأنصار: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ] {الحشر: 8-10}.
وقد ذكر الله –عز وجل- في فاتحة الكتاب وأم القرآن هذا المعنى، فقَالَ – جَلَّ ذِكْرُهُ-: [ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ] {الفاتحة:6، 7}.
فالصراط المستقيم لا يكون إلا بلزوم ما عليه الذين أنعم الله عليهم، والذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، والصحابة والقرون المفضَّلة داخلون في ذلك دخولًا أوَّليًّا، بل هم المعْنيُّون بذلك، ومنهجهم مغاير لما عليه المغضوب عليهم والضالون، والله أعلم.
ولأهمية هذا الأمر؛ فقد رأيتُ أن أوضِّحه -ما أمكن- في هذا الكتاب، وإن كان ذلك ارتجالًا مني في مادةٍ صوتيةٍ، درَّسْتُها لطلاب العلم في «دار الحديث بمأرب» -حفظها الله وجميع بلاد المسلمين- ثم فُرِّغَتْ في هذه الأوراق، مع مزيدِ جَمْعٍ وتنقيحٍ وترتيبٍ، ولكثرةِ التَّفَرُّقِ والاختلافِ وخَلْطِ الأمورِ في هذا الشأنِ؛ رأيتُ أنَّ نَشْرَ هذه المادة لا يخلو مِن فائدةٍ، وإن لم يبلغ ترتيبُها درجةً تَرْضى عنها نفسي، لاسيما وترتيب هذه المادة على وجه التفصيل والدِّقَّةِ البالغةِ فيه عُسْرٌ ومَشَقَّةٌ، فيكفي الترتيب العام أو المُجمل، والله أعلم.
والمقصودُ نُصْحُ المسلم بلزوم منهج الاعتدال والوسطية، وتحذيرُهُ مِن الإفراط والتفريط.
على أنني لا أَكْتُبُ كلَّ شيء من المعالم والخصائص في هذا الباب، ولكنني سأَهْتَمُّ بذِكْرِ المسائل التي وقع بسبب الجهل بها فِتنٌ وتهارُجٌ بين الدعاة وطلاب العلم في زماننا، فَفَرَّقَتْ شَمْلَهم، وزَرَعتْ البغضاءَ والعداوةَ في صدورهم لبعضهم البعض، وأفسَدَتْ ذاتَ بينهم بالتبديع والتضليل والهجر، وشَغَلَتْهُم عن نُصرة دينهم، وأَشمَتَتْ بهم عَدُوَّهم؛ فشرح الله صدْري للكتابة في هذا الجانب – وإن كان هناك مَن هو أَوْلى مِنِّي بالبيانِ، لكن انْشَغَلُوا عن ذلك بما يَرَوْنَهُ أَهَمَّ، وكُلٌّ له اجتهادُهُ – وذلك لِعِظَمِ النفعِ بهذا البيانِ، ولعظيم الحاجة إليه، بخلاف كثير من المسائل التي ظَهَرَ فيها تَوَسُّطُ أهلِ السُّنَّةِ بين انحرافات أهل الأهواء -إفراطًا وتفريطًا-، إذ الكثيرُ مِن ذلك موضعُ اتفاقٍ بين الدعاةِ إلى السُّنَّةِ اليوم، ومع ذلك فهم مختلفون متنافرون؛ فلا بد مِن وَضْعِ العلاجِ على مَوْطِنِ الداءِ، لا بعيداً عنه!!
ومع ذلك فقد أذْكرُ بعضَ المعالمِ والخصائصِ التي لا ينازِعُ فيها -في الجملة- كثيرٌ من المخالفين إفراطًا وتفريطًا؛ وذلك لأنها توضح كثيرًا من مزايا دعوة أهل السنة، ولأنها تَبْعَثُ الهِمَمَ على امْتِطَاء جَوَادِ العِزِّ والعَلْيَاء، فلا بد من طائفة -صادقة صافية نقِيَّة- في كل خَلَفٍ، تَنْفي عن هذا الدين تحريفَ الغالين، وانتحالَ المبطلين، وتأويلَ الجاهلين([5])، وهم الطائفة المنصورة، والفرقة الناجية، جَعَلنا الله وإياكم من أهل هذه الطائفة المباركة، وحَشَرنا في زمرتها.
ومعلوم أن أهل السنة هم أهل الوسط والاعتدال بين الفِرق والنِّحَل، كما أن أهل الإسلام هم الوسط بين أهل الأديان والمِلَل.
فقد قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى-: «الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ: هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ الْمَحْضُ، وَهُوَ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ «السُّنَّةُ وَالْجَمَاعَةُ» فَإِنَّ السُّنَّةَ الْمَحْضَةَ هِيَ دِينُ الْإِسْلَامِ الْمَحْضِ، والْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ «أَهْلُ السُّنَّةِ» هم وَسَطٌ فِي النِّحَلِ؛ كَمَا أَنَّ مِلَّةَ الْإِسْلَامِ وَسَطٌ فِي الْمِلَلِ»([6]). اهـ بتصرف.
وقَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ -رحمه الله- أَيْضًا: «فَإِنَّ الإِسْلَامَ وَسَطٌ في الْمِلَلِ بَيْنَ الأَطْرَافِ الْمُتَجَاذِبَةِ، والسُّنَّةُ في الإِسْلَامَ كَالإِسْلَامِ في الْمِلَلِ، فَالْمُسْلِمُونَ في صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى وَسَطٌ بَيْنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ شَبَّهُوا الْخَالِقَ بِالْمَخْلُوقِ؛ فَوَصَفُوا الْخَالِقَ بِالصِّفَاتِ التي تَخْتَصُ بِالْمَخْلُوقِ، وَهِيَ صِفَاتُ النَّقْصِ، فَقَالَوا: إنَّ اللهَ فَقِيرٌ، وإنَّ اللهَ بَخِيلٌ، و إنَّ اللهَ تَعِبَ لَمَّا خَلَقَ الْعَالمَ؛ فَاسْتَرَاحَ، و بَيْنَ النَّصَارَى الَّذِينَ شَبَّهُوا الْمَخْلُوقَ بِالْخَالِقِ؛ فَوَصَفُوهُ بِالصِّفَاتِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْخَالِقِ، فَقَالَوا: هو الله.
وَالْمُسْلِمُونَ وَصَفُوا الْخَالقَ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، وَنَزَّهُوهُ عَنْ صِفَاتِ النَّقِصِ، وَنَزَّهُوهُ أنْ يَكُونَ شيءٌ كُفْوًا لَهُ في شَيءٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، فَهُو مُنَزَّهٌ عَنْ صِفَاتِ النَّقِصِ مُطْلَقًا، وَمُنَزَّهٌ في صِفَاتِ الْكَمَالِ أَنْ يُمَاثِلَهُ فِيهَا شَيءٌ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ، وَكَذَلِكَ هُمْ فِي الأَنْبِيَاءِ وَسَطٌ؛ فَإِنَّ الْيَهُودَ كَمَا قَالَ فِيهِم [ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ] {البقرة:87}، وكَذَلِكَ كَانُوا يَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ -عليهم الصلاة والسلام- ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ.
والنَّصَارَى غَلَوْا: فَأَشْركُوا بِهمْ، وَمَنْ هُو دُونَهمْ، قَالَ اللهُ فِيهِم: [ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ] {التوبة:31}.
والْمُسْلِمُونَ آمَنُوا بِهِم كُلِّهِم، وَلَمْ يُفَرَقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُم؛ فَإِنَّ الإِيِمَانَ بِجَمِيعِ النَّبِيِّينَ فَرْضٌ وَاجِبٌ، وَمَنْ كَفَرَ بِوَاحِدٍ مِنْهُم؛ فَقَدْ كَفَرَ بِهِمْ كُلِّهِم، وَمَنْ سَبَّ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ؛ فَهُو كَافِرٌ، يَجِبُ قَتْلَهُ بِاتِفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وفي اسْتِتَابَتِهِ نِزَاعٌ، قَالَ تعالى: [ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ …] {البقرة:136}».
إلى أن قال -رحمه الله-: «وَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ وَسَطٌ فِي النَّسْخِ؛ فَإِنَّ اليَهُودَ قَالَوا: لَيْسَ لِرَبِ الْعَالَمِينَ أَنْ يَأْمُرَ ثَانِيًا بِخِلَافِ مَا أَمَرَ بِهِ أَوْلاً، وَالنَّصَارَى جَوَّزُوا لِرُؤُوسِهم أَنْ يُغَيِّرُوا شَرِيعَةَ الْمَسِيحِ، فَيُحَلِّلُوا مَا شَاءُوا، وَيُحَرِمُوا مَا شَاؤا، والْمُسْلِمُونَ قَالَوا: لِرَبِ الْعَالَمِينَ يَأْمُرُ بِمَا يَشَاءُ، لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْخَلْقِ أَنْ يُغَيِّرَ دِينَهُ، وَلا يُبَدِّلَ شَرْعَهُ، وَلَكِنْ هُوَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِه مَا يَشَاءُ، فَيَنْسَخُ مَا يَشَاءُ، وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ.
وَكَذَلِكَ فِي الشَّرَائِعِ، كَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ: فَإِنَّ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِم طَيْبَاتٌ أُحِلَّتْ لَهمْ، عُقُوبَةً لَهمْ، وَعَلَيْهِمْ تَشْدِيدٌ فِي النَّجَاسَاتِ، يَجْتَنِبُونَ أَشْيَاءَ كَثِيرةً طَاهِرةً مَعَ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ، وَالنَّصَارَى لَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، بَلْ يَسْتَحِلُّونَ الْخَبَائِثَ، وَيُبَاشِرُونَ النَّجَاسَاتِ، وَكُلَمَا كَانَ الرَّاهِبُ أَكْثَرَ مُلَابَسَةً لِلنَّجَاسَاتِ وَالْخَبَائِثِ؛ كَانَ أَفْضَلَ عِنْدَهُمْ، وَالْمُسْلِمُونَ أَبَاحَ اللهُ لَهُمْ الطَّيبَاتِ، وَحَرَّمَ عَلَيهِمْ الْخَبَائِثَ.
وَهُمْ وَسَطٌ فِي سَائِرِ الأُمُورِ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ السَّنَّةِ فِي الإسْلَامِ، فَهُمْ فِي الصَّحَابَةِ: وَسَطٌ بَيْنَ الرَّافِضَةِ، التِي يَغْلُونَ فِي عَلِىٍّ؛ فَيَجْعَلُونَه مَعْصُومًا أَوْ نَبِيًا أَوْ إِلَهًا، وَبَيْنَ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَه.
وَهُمْ وَسَطٌ فِي الْوَعِيدِ: بَيْنَ الوَعِيدِيةِ مِنْ الْخَوَارِجِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَبَيْنَ الْمُرْجِئةِ الَّذِينَ لا يَجْزِمُونَ بِتَعْذِيبِ أَحَدٍ مِنْ فُسَّاقِ الْأُمَّةِ.
وَهُمْ فِي الْقَدَرِ: وَسَطٌ بَيْنَ النُّفَاةِ لِلْقَدَرِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وبَيْنَ الْجَهْمِيةِ الْمُثْبِتَةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ حِكْمَةَ اللهِ فِي خَلْقِهِ، وَأَمْرِهِ.
وَهُمْ فِي الصِّفَاتِ: وَسَطٌ بَيْنَ الْمُعَطِّلَةِ الَّذِينَ يَنْفُونَ صِفَاتِ اللهِ أَوْ بَعْضَهَا، وَيُشَبِّهُونَه بِالْجَمَادِ وَالْمَعْدُومِ، وبَيْنَ الْمُمَثِّلَةِ الَّذِينَ يُمَثِّلُونَ صِفَاتَهُ بِصِفَاتِ خَلْقِهِ، فَيَصِفُونَ اللهَ بِصِفَاتِ خَلْقِهِ، فَيَصِفُونَ اللهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ، مِنْ غَيْرِ تَعْطِيلٍ وَلاَ تَمْثِيلٍ،وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيِفٍ، وَلاَ تَحْرِيفٍ»([7]).
وَقَالَ الإِمَامُ اِبْنُ الْقَيْمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: «فَصْل: وَالْفَرْقُ بَين الاقتصاد وَالتَّقْصِير: أَن الاقتصاد هُوَ التَّوَسُّط بَين طَرَفَيْ الإفراط والتفريط، وَله طرفان، هما ضِدَّانِ لَهُ: تَقْصِيرٌ ومجاوزةٌ، فالمُقْتَصِدُ قد أَخذ بالوسَط، وَعَدَلَ عَن الطَّرفَيْنِ، قَالَ تَعَالَى: [ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ] {الفرقان:67}. وَقَالَ تَعَالَى: [وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ﴾ [الإسراء: 29]. وَقَالَ تَعَالَى: [ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ] {الأعراف:31} وَالدّين كُله بَين هذَيْن الطَّرفَيْنِ، بل الْإِسْلَام قَصْدٌ بَين بقية الْملَل، وَالسّنة قَصْدٌ بَين البدع والنِّحَل، وَدين الله وسَط بَين الغالي فِيهِ والجافي عَنهُ، وَكَذَلِكَ الِاجْتِهَادُ: هُوَ بذْلُ الْجَهْد فِي مُوَافقَة الْأَمر، والغُلُوُّ: مجاوزَتُهُ وتَعَدِّيهِ، وَمَا أَمر الله بِأَمْر إِلَّا وللشيطان فِيهِ نزغتان: فَإما إِلَى غُلُوٍّ ومجاوزة، وإما إِلَى تَفْرِيط وتقصير، وهما آفتان لَا يَخْلُص مِنْهُمَا فِي الِاعْتِقَاد وَالْقَصْد وَالْعَمَل إِلَّا من مَشَى خَلْف رَسُول الله، وَتَرَكَ أَقْوَالَ النَّاس وآراءَهُم لِمَا جَاءَ بِهِ، لَا مَنْ تَرَكَ مَا جَاءَ بِهِ لأقوالهم وآرائهم، وَهَذَان المَرَضَان الخَطِران قد اسْتَوْلَيَا على أَكثر بني آدم، وَلِهَذَا حَذَّر السّلفُ مِنْهُمَا أَشْدَّ التحذير، وخَوَّفوا من بُلِيَ بِأَحَدِهِمَا بِالْهَلَاكِ، وَقد يَجْتَمِعَانِ فِي الشَّخْص الْوَاحِد، كَمَا هُوَ الْحَال في كثير من الْخلق، فيكون الرجل مُقَصِّرًا مُفَرِّطًا فِي بعض دينه، غَالِيًا مُتَجَاوِزًا فِي بَعْضِهِ، وَالْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَاهُ اللهُ ووفَّقه»([8]) اهـ.
وَقَالَ الإمام ابْنُ الْقَيمِ – رحمه الله – أَيْضًا: وَكِلَا طَرَفِّي قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمٌ، وَخَيرُ الأُمُورِ أَوْسَاطُهَا([9]).
وَالأَخْلَاقُ الفَاضِلَةُ كُلُهَا وَسَطٌ بَيْنَ طَرَفَيْ إِفْرَاطٍ وَتَفْرِيطٍ، وَكَذَلِكَ الدِّينُ الْمُسْتَقِيمُ وَسَطٌ بَيْنَ انْحِرَافَينِ، وَكَذَلِكَ السُّنَّةُ وَسَطٌ بَيْنَ بِدْعَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ الصَّوَابُ فِي مَسَائِلِ النِّزاَعِ إِذَا شِئتَ أَنْ تَحْظَى بِهِ؛ فَهُوَ الْقُولُ الْوَسَطُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ الْمُتَبَاعِدَيْنِ.([10])
وقَالَ أيضًا-رحمه الله-: «وَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِأَمْرٍ إِلَّا وَلِلشَّيْطَانِ فِيهِ نَزْعَتَانِ: إِمَّا إِلَى تَفْرِيطٍ وَإِضَاعَةٍ، وَإِمَّا إِلَى إِفْرَاطٍ وَغُلُوٍّ، وَدِينُ اللَّهِ وَسَطٌ بَيْنَ الْجَافِي عَنْهُ وَالْغَالِي فِيهِ، كَالْوَادِي بَيْنَ جَبَلَيْنِ، وَالْهُدَى بَيْنَ ضَلَالَتَيْنِ، وَالْوَسَطِ بَيْنَ طَرَفَيْنِ ذَمِيمَيْنِ، فَكَمَا أَنَّ الْجَافِيَ عَنِ الْأَمْرِ: مُضَيِّعٌ لَهُ؛ فَالْغَالِي فِيهِ: مُضَيِّعٌ لَهُ، هَذَا بِتَقْصِيرِهِ عَنِ الْحَدِّ، وَهَذَا بِتَجَاوُزِهِ الْحَدَّ.
وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنِ الْغُلُوِّ بِقَوْلِهِ: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ] {المائدة:77}.
وَالْغُلُوُّ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُطِيعًا: كَمَنْ زَادَ فِي الصَّلَاةِ رَكْعَةً، أَوْ صَامَ الدَّهْرَ مَعَ أَيَّامِ النَّهْيِ، أَوْ رَمَى الْجَمَرَاتِ بِالصَّخْرَاتِ الْكِبَارِ الَّتِي يُرْمَى بِهَا فِي الْمَنْجَنِيقِ، أَوْ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَشْرًا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ عَمْدًا.
وَغُلُوٌّ يُخَافُ مِنْهُ الِانْقِطَاعُ وَالِاسْتِحْسَارُ: كَقِيَامِ اللَّيْلِ كُلِّهِ، وَسَرْدِ الصِّيَامِ الدَّهْرَ أَجْمَعَ، بِدُونِ صَوْمِ أَيَّامِ النَّهْيِ، وَالْجَوْرِ عَلَى النُّفُوسِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْأَوْرَادِ، الَّذِي قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ؛ فَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَيَسِّرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» يَعْنِي اسْتَعِينُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ بِالْأَعْمَالِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ؛ فَإِنَّ الْمُسَافِرَ يَسْتَعِينُ عَلَى قَطْعِ مَسَافَةِ السَّفَرِ بِالسَّيْرِ فِيهَا.
* وَقَالَ -صلى الله عليه وسلم- «لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ؛ فَلْيَرْقُدْ» رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.
* وَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عَنْهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَنَّهُ قَالَ: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» – قَالَهَا ثَلَاثًا – «وَهُمُ الْمُتَعَمِّقُونَ الْمُتَشَدِّدُونَ».
* وَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» عَنْهُ -صلى الله عليه وسلم- «عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا» وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلَا تُبَغِّضَنَّ إِلَى نَفْسِكَ عِبَادَةَ اللَّهِ». أَوْ كَمَا قَالَ.([11])
وقبل الشروع في مادة الكتاب، أَذْكُر- إن شاء الله تعالى – بين يَدَيْ الكتاب مدخلا في مبحثيْن، أذكر فيهما معنى مفردات العنوان لغة واصطلاحا، ومتى يكون الرجل من أهل السنة أو عكسه؟
***













