كتب للقراءة

معالم الوسطية والاعتدال في عقيدة ومنهج أهل السنة والجماعة

معالم الوسطية والاعتدال في عقيدة ومنهج أهل السنة والجماعة

(في تعريف المعالم والمنهج والوسطية والاعتدال لُغَةً وشَرْعاً)

أولاً: تعريف المعالم:

مَعالِم: جمع مَعْلَم.

معالم المكان: ما يُستدلُّ بها عليه من آثارٍ، ونحوُها معالِمُ أثريَّةٌ، مَعالِمُ الطّريق: العلامات التي تدلُّ عليها، مَعالِمُ المدينة: الأبنية ونحوها التي تشتهر بها، وتميِّزها عن غيرها من المدن، مَعالِمُ تاريخيَّة: أَحْدَاثٌ تمثِّل نُقْطَةَ تحوُّلٍ في التاريخ.

فالمعالم في اللغة: هي العلامات التي تُعْرف بها البلدان، ويُهْتَدَى بها في الطريق، وتُسَمَّى مَعَارِفَ، ومناراتٍ، وكُلُّ علامةٍ بارزةٍ يُعْرَفُ بها الطريقُ، أو يُعْرَفُ بها المكان: يُسَمَّى مَعْلَماً، كالجبال المعروفة، وما تتميز معرفته بشكله الظاهر…

وقولي: «معالم في منهج الوسطية والاعتدال» أردتُّ بها أَبْرَزَ ما يحتاجه طالبُ العلم من الآدابِ والأُصولِ العامةِ، التي تُعِينُهُ على حُسْن طَلَبِ العِلْمِ، وعَظِيمِ استفادةِ الطالب منه، والتنَعُّم بجميل آثاره على الفرد والمجتمع.

ثانياً: تعريف المنهج لغةً واصطلاحاً:

(أ) المنهج لغةً: بالنظر في قواميس اللغة لكلمة (منهج) نجد أنها تدل على الطريق الواضح المستقيم.

قال ابن فارس: «النون والهاء والجيم أصلان متباينان، الأول: النهج: الطريق، ونَهَجَ لي الأَمْرَ: أَوْضَحَهُ، وهو مستقيم المنهاج، والمنهج الطريق أيضاً، والجمع المناهج…». اهـ([12])

فالمنهج من نَهَجَ الطريقُ ينهج نهجًا، ونهوجًا: وَضَحَ واسْتَبَان، ويقال: نَهَجَ أَمْرُهُ، ونَهَجَ الدابةُ أو الإنسانُ نَهْجًا ونَهِيجًا: تَتَابَعَ نَفَسُه من الإِعُياء، ونَهَجَ الثوبُ: بَلِيَ وأَخْلَقَ. ويقال: نَهَجَ الطريقَ: بَيَّنَهُ، ونَهَجَ الطريقَ: سَلَكَهُ.

وانتهجَ الطريقَ: اسْتبانه وسَلَكه، واستنهج الطريق: صار نهجًا، ونَهَجَ سبيل فلان: سَلَكَ مَسْلَكَهُ.

والمنهاج: الطريق الواضح، ومنه قوله تعالى: ‏لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ] {المائدة:48}، أي سبيلاً وسنّة.

والمنهاج: الخُطَّة المرسومة، ومنه: منهاج الدراسة، ومنهاج التعلُّم ونحوهما، والجمع: مناهج.

والمنهج: المنهاج، والجمع: مناهج.

ومن كل هذه المعاني، نرى أنَّ أَقْرَبَ معنى لغوي يُعَبِّرُ عنه (المنهجُ) ويَخُصُّ ما نحن فيه: هو المنهج بمعنى الطريق الواضح، أو بمعنى الخُطَّة المرسومة.

(ب) المنهج اصطلاحاً: هو الطّريق المُؤَدِّي إلى التعرّف على الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد، التي تُهَيْمِنُ على سَبْرِ العقل، وتحدّد عملياته؛ حتى يَصِلَ إلى نتيجة معلومة.

والمستقرئُ لحال العلماء -رحمهم الله- في التاريخ القديم والمعاصر يجد أن للعلماء المشهورين أصولاً راسخةً، ومَنْهَجاً واضحاً بَنَوْا عليه مذاهبهم، فتحقَّقَ الأثرُ والنفعُ من علومهم ومعارفهم.

ولا أَدَلُّ على ذلك من منهج الأئمة الأربعة -رحمهم الله-.

والملاحَظُ أنه بِقَدْرِ الاهتمام بالمنهج وسلامَتِهِ ووُضُوحه وإحاطته وشُموله؛ يهيئ الله القبول للعالم والاستفادة منه.

ثالثاً: تعريف الوسطية لغة وشرعاً:

قَالَ ابن فارس ـ رحمه الله ـ:

«(وَسَطَ) الْوَاوُ وَالسِّينُ وَالطَّاءُ: بِنَاءٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى الْعَدْلِ وَالنِّصْفِ، وَأَعْدَلُ الشَّيْءِ: أَوْسَطُهُ وَوَسَطُهُ، قَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: [ﭬ ﭭ] {البقرة:143}. وَيَقُولُونَ: ضَرَبْتُ وَسَطَ رَأْسِهِ بِفَتْحِ السِّينِ، وَوَسْطَ الْقَوْمِ بِسُكُونِهَا، وَهُوَ أَوْسَطُهُمْ حَسَبًا، إِذَا كَانَ فِي وَاسِطَةِ قَوْمِهِ وَأَرْفَعِهِمْ مَحَلًّا. وَالْوَسُوطُ: بَيْتٌ مِنْ بُيُوتِ الشَّعَرِ أَكْبَرُ مِنَ الْمِظَلَّةِ. وَيُقَالُ: الْوَسُوطُ مِنَ النُّوقِ كَالصَّفُوفِ تَمْلَأُ الْإِنَاءَ» اهـ([13]).

فكلمة «وَسْط» تُضْبَط بسكون السين وفتحها، وعلى الأول فمعناها: «بين» تقول: جلستُ وسْط القوم، أي بينهم، وعلى التحريك: تأتي بمعنى: «خيار، وأفضل، وأجود» ومنه: مَرْعًى وسَط، أي خيار، وواسطة القلادة: الجوهر الذي وسَطُها، وهو أَجْوَدُهَا، وتأتي بمعنى: عَدْل، وأَعْدَلُ الشيء أَوْسَطُه، وتأتي بمعنى يدل على أن الشيء بين الجيد والرديء، قَالَه الجوهري وغيره. اهـ([14]) إلا أن المعنى الأخير ليس مرادًا في موضوعنا؛ فإن الوسَط في موضوعنا هو الشيء الجيد، وما دونه الرديء.

والوسطية في الشرع تدور على هذه المعاني اللغوية، كما في قوله تعالى: [ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ] {البقرة:143}، وقَالَ -جل شأنه-: [ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ] {القلم:28} أي أَعْدَلُهم وخَيْرُهم.([15])

وفي حديث: «… فإذا سألتم الله؛ فاسألوه الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة، أو أعلى الجنة»([16]) أي أَعْدَلُها وأَفْضَلُها، ومما يدل على الوسطية الحسية قوله -تبارك وتعالى-: [ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ] {العاديات:5}، أي: دخَلْن به وسْط العدو، وقوله تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ] {البقرة:238} اهـ([17]).

والوسَط بين الإفراط والتفريط، فالإفراط: هو التقدم، والإعجال، والإسراف، ومجاوزة الحد في الأمر، والزيادة فيه، والتفريط: هو التقصير، والتضييع، كما في الحديث: «أَمَا إنه ليس في النوم تَفْريط، إنما التفْريط على من لا يُصَلِّي الصلاة حتى يجيء وقتُ الصلاة الأخرى»([18])

وكذا الغلو والجفاء: فالغلو: مجاوزة الحد، ومنه غلا السِّعْرُ يَغْلُو غلاءً، إذا ارتفع وزاد، قَالَ تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ] {النساء:171}، وقَالَ سبحانه: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ] {المائدة:77}.

* وقَالَ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إياكم والغُلُوَّ في الدين؛ إنما أَهْلَكَ من كان قبلكم الغُلُو»([19]) وكل هذا يدل على نتائج الغلو وعاقبته الوخيمة.

والجفاء: يدل على نُبُوّ الشيء عن الشيء، ومن ذلك جَفَوْتُ الرجلَ، أَجفوه، والجفاء: خلاف البر، والجُفاء -بضم الجيم-: ما نفاه السيلُ، ورَمَى به.

رابعاً: تعريف الاعتدال:

الاعتدال: هو اسم على وزن (انفعال) من المصدر (عَدْل) والألف والتاء والألف الثانية زائدة.

والعدل له معانٍ في اللغة:

قال ابن منظور -رحمه الله-: «العدل ما قام في النفوس أنه مستقيم». اهـ([20])

يعني أنه لا مَيْلَ فيه لجانبٍ من الجوانب، فلا إفراطَ ولا تفريطَ.

هذا؛ وقد تكلمتُ على نشأة مصطلح «أهل السنة والجماعة» بتفصيل في كتابي «أصول منهج التلقِّي والاستدلال عند أهل السنة والجماعة» بما يُغْني عن اعادته هنا، والله أعلم.

***