(متى يكون الرجل من أهل السنة والجماعة)
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُ مَنْ وَقَفَ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ أَوْ مَقَالَتَيْنِ مُتبايِنَتيْن فَهُوَ عَلَى الْوَسَطِيةِ الْمَحْمُودَةِ، فَقَدْ يَكُونُ مَن ْكَانَ كَذَلِكَ مَذْمُومَاً أيضًا، كَالْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ: [ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ] {النساء:143} إِنَّمَا الْوَسَطُ الْمَحْمُودُ أَنْ يَكُونَ صاحبه عَلَى حَقٍّ بَيْنَ بَاطِلَينِ، وهُدًى بَيْنَ ضَلَالَتَينِ، وَأَنْ يَكُونَ كَالْوَادِي الْمَوْطُوءِ السَّهلِ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ الْوَعْرَينِ، فهو وسط محمود بين طَرَفَيْن متقابليْن مذموميْن.
وَنَحْنُ نَرَى فِي زَمَانِنَا فِرَقًا ضَالةً: كَالرَّافِضِةِ وَغُلَاةِ الصُّوفِيةِ الْخُرَافِيةِ – بَلْ الْمَاسُونية والعلمانية وأهل المجون والفجور والخلاعة، بَلْ ومِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ أَصْلاً – من يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ عَلَى الْوَسَطِيةِ، وَأَصْبَح َكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَدَّعُونَ الْوَسَطِيةَ، مع أَنَّهُمْ في أَقْصَى الْيَمِينِ أَوْ الشَّمَالِ !!.
والأمر كما قيل: والدَّعَاوَى إِنْ لَمْ تُقِيمُوا عَلَيهَا بَينَاتٍ؛ أَبْنَاؤهَا أَدْعِيَاء!!؛
فَالسُّنَّةِ الْمَحْضَةِ: هِيَ الإِسْلَامُ الْمَحْضُ بتمامِهِ وكمالِهِ، الصَّافِي مِمَّا أُلْحِقَ بِهِ مِنَ الْبِدَعِ وَالأَهْوَاءِ وَالآرَاءِ، وَهِيَ الْوَسَطِيةُ والاعتدال والأخذ بجميع الإسلام من جميع جوانبه.
فقد قَالَ شَيْخُ الإِسْلامِ ابن تيمية -رحمه الله-: «وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: التَّصْدِيقُ بِكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، وَمَا يُجْرِي اللَّهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، فِي أَنْوَاعِ الْعُلُومِ وَالْمُكَاشَفَاتِ، وَأَنْوَاعِ الْقُدْرَةِ وَالتَّأْثِيرَاتِ، كَالْمَأْثُورِ عَنْ سَالِفِ الْأُمَمِ، فِي سُورَةِ الْكَهْفِ وَغَيْرِهَا، وَعَنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ قُرُونِ الْأُمَّةِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِيهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ هُمْ مَعَ هَذِهِ الْأُصُولِ: يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ، عَلَى مَا تُوجِبُهُ الشَّرِيعَةُ، وَيَرَوْنَ إقَامَةَ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ، وَالْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ، مَعَ الْأُمَرَاءِ أَبْرَارًا كَانُوا أَوْ فُجَّارًا، وَيُحَافِظُونَ عَلَى الْجَمَاعَاتِ، وَيَدِينُونَ بِالنَّصِيحَةِ لِلْأُمَّةِ، وَيَعْتَقِدُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ -صلى الله عليه وسلم-: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ -صلى الله عليه وسلم- وَقَوْلِهِ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ: كَمَثَلِ الْجَسَدِ؛ إذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ» وَيَأْمُرُونَ بِالصَّبْرِ عِنْدَ الْبَلَاءِ، وَالشُّكْرِ عِنْدَ الرَّخَاءِ، وَالرِّضَا بِمُرِّ الْقَضَاءِ، وَيَدْعُونَ إلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ، وَيَعْتَقِدُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إيمَانًا: أَحْسَنُهُمْ خُلقًا». وَيَنْدُبُونَ إلَى أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَك، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَك، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَك؛ وَيَأْمُرُونَ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْإِحْسَانِ إلَى الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالرِّفْقِ بِالْمَمْلُوكِ؛ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ، وَالْبَغْيِ وَالِاسْتِطَالَةِ عَلَى الْخَلْقِ بِحَقِّ أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيَأْمُرُونَ بِمَعَالِي الْأَخْلَاقِ، وَيَنْهَوْنَ عَنْ سَفْسَافِهَا، وَكُلُّ مَا يَقُولُونَهُ أَوْ يَفْعَلُونَهُ مِنْ هَذَا أَوْ غَيْرِهِ: فَإِنَّمَا هُمْ فِيهِ مُتَّبِعُونَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَطَرِيقَتُهُمْ: هِيَ دِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا، لَكِنْ لَمَّا أَخْبَرَ النَّبِيُّ «أَنَّ أُمَّتَهُ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إلَّا وَاحِدَةٌ
-وَهِيَ الْجَمَاعَةُ-» وَفِي حَدِيثٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «هُمْ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي»؛ صَارَ الْمُتَمَسِّكُونَ بِالْإِسْلَامِ الْمَحْضِ الْخَالِصِ عَنْ الشَّوْبِ: هُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ وَفِيهِمْ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ، وَمِنْهُمْ أَعْلَامُ الْهُدَى، وَمَصَابِيحُ الدُّجَى، أُولُو الْمَنَاقِبِ الْمَأْثُورَةِ، وَالْفَضَائِلِ الْمَذْكُورَةِ، وَفِيهِمْ الْأَبْدَالُ: الْأَئِمَّةُ الَّذِينَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَدِرَايَتِهِمْ، وَهُمْ الطَّائِفَةُ الْمَنْصُورَةُ، الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ النَّبِيُّ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْهُمْ، وَأَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَانَا، وَيَهَبَ لَنَا مِنْ لَدُنْهُ رَحْمَةً؛ إنَّهُ هُوَ الْوَهَّابُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا»([21]) اهـ.
وقَالَ -رحمه الله-: «وَهَذَا الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ: هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ الْمَحْضِ، وَهُوَ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ «السُّنَّةُ وَالْجَمَاعَةُ» فَإِنَّ السُّنَّةَ الْمَحْضَةَ هِيَ دِينُ الْإِسْلَامِ الْمَحْضُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- رُوِيَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، رَوَاهَا أَهْلُ السُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ: كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُد، وَالتِّرْمِذِي، وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: «سَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إلَّا وَاحِدَةً، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ» وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي». وَهَذِهِ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ، أَهْلُ السُّنَّةِ، وَهُمْ وَسَطٌ فِي النِّحَلِ؛ كَمَا أَنَّ مِلَّةَ الْإِسْلَامِ وَسَطٌ فِي الْمِلَلِ، فَالْمُسْلِمُونَ وَسَطٌ فِي أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ: لَمْ يَغْلُوا فِيهِمْ، كَمَا غَلَتْ النَّصَارَى؛ فَاِتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا وَاحِدًا، لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، وَلَا جَفَوْا عَنْهُمْ، كَمَا جَفَتْ الْيَهُودُ؛ فَكَانُوا يَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ، وَكُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ؛ كَذَّبُوا فَرِيقًا، وَقَتَلُوا فَرِيقًا، بَلْ الْمُؤْمِنُونَ آمَنُوا بِرُسُلِ اللَّهِ، وَعَزَّرُوهُمْ، وَنَصَرُوهُمْ، وَوَقَّرُوهُمْ، وَأَحَبُّوهُمْ، وَأَطَاعُوهُمْ، وَلَمْ يَعْبُدُوهُمْ، وَلَمْ يَتَّخِذُوهُمْ أَرْبَابًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: [ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ] {آل عمران:79، 80}»([22]) اهـ.
(تَنْبِيهٌ): هُنَاكَ مَنْ يَنْتَمِي إِلَى أهل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَإِذَا وَقَفَ عَلَى قَوْلِ شَيْخِ الِإسْلَامِ -رحمه الله-، وَخُلَاصَتُهُ: «أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ هُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ الْمَحْضَةِ، الَّتِي لا شَوْبَ فِيهَا» فَيَفْهَمْ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ خَالَفَ الِإسْلَامَ أو السنة فِي كَثِيرٍ أَوْ قَلِيلٍ؛ فَلَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، بل يُلْحقه بأهل البدع والضلالات، مَعَ أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَى عَاقِلٍ أَنَّ الصَّحَابَةَ -رضي الله عنهم- وَهُمْ أَصْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وأَوَّلُ مَنْ حَقَّقَ هَذَا الْمَعْنَى بَعْدَ رَسُولِ اللهِ -صَلَى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلهِ وَسَلَّمَ- بِجَمِيِعِ جَوَانِبِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَمِنْهُمُ مَنْ زَنَى وَأُقِيمَ عَلَيهِ الْحَدُّ، ومِنْهُمْ مَنْ كان يَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَيُقَامُ عَلَيهِ الْحَدُّ، بَلْ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُؤْتَى بِهِ كَثِيرًا وَقَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، مِمَّا جَعَلَ رَجُلَاً يَقُولُ فِيهِ: «لَعَنَهُ اللهُ؛ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ» وَأَنْكَرَ عَلَيهِ النَّبيُ – صَلَى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلهِ وَسَلَّمَ – مَقَالَتَهُ تِلْكَ، وَقَالَ: «لا تلْعَنْهُ؛ فإنه يُحبُّ اللهَ ورسولَه»([23])،وَمِنْهُمْ مَنْ قَتَلَ مُسْلِمًا مَعْصُومَ الدَّمِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أو تأويلًا، وَمِنْهُمْ مَنْ آذَى جَارَه، وَمن قَذَفَ الْمُحْصَنَاتِ الغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ، بَلْ قَذَفَ أُمَ الْمُؤْمِنِينَ -عَائِشَةَ الصِّدِيقَةَ بِنْتَ الصَّدِيقِ رضي الله عنهما- وَهِيَ زَوجُ رَسُولِ اللهِ – صَلَى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلهِ وَسَلَّمَ – وَبَرَأَهَا اللهُ فِي كِتَابِهِ، مع أنه من المؤمنين الصادقين، وليس من المنافقين، وإنْ تأثر بهم في حادثة الإفك، وَمِنْهُمْ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ الْجِهَادِ الْوَاجِبِ عَلَيهِ مَعَ رَسُولِ اللهِ – صَلَى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلهِ وَسَلَّمَ -، وَمِنْهُمْ..، وَمِنْهُمْ..، بَلْ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَتَعَصَّبُ لِبَعْضِ الْمُنَافِقِينَ -مِنْ بَابِ الْحَمِيَّةِ وَعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ الدَّقِيقَةِ بِحَالِهِ، لَا مِنْ بَابِ كَرَاهِيتهِ لِلإِسْلامِ-…إلخ، كما قال تعالى: [ﯥ ﯦ ﯧ] {التوبة:47} وقصَّةُ سعد بن عبادة في ردِّه على أُسَيْدِ بن حُضَيْر معلومة([24])، وَمَعَ ذَلِكَ فَمَا قَالَ أَحَدٌ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ؛ فَهُوَ الضَّالُ الْمُبْتَدِعُ الزَّائِغُ الْهَالِكُ، إِنْ لَمْ يَتَدَاركَهُ اللهُ بِالتَّوْبَةِ وَالإِنَابَةِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ بَعْدَهُمْ: فَكَمْ مِنْ الأَئِمَّةِ العَالِمِينَ العَامِلِينَ الصَّادِقِينَ مَنْ زَلَّتْ قَدَمُهُ فِي مَقَالَةٍ، فَشَابَه فِيهَا أَهْلَ البِدَعِ، أَوْ تَأَثَّرَ بِعِلْمِ الْكَلَامِ، أَوْ بِطَرِيقَةِ الْمُتَصَوفَةِ، أَوْ بِالْأَشَاعِرَةِ، وَالْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُمْ أَهْلُ سُنَّةٍ، كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي خُرُوجِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ وَغَيْرِهِ، عَلَى الْحَجَّاجِ، فَعُدَّ خَطَؤُهُمْ زَلَّةً مِنْهُمْ، لا يُقْتَدَى بِهِمْ فِيهَا، مَعَ كَوْنِهِمْ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَكَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ خَطَأ ابْنِ خُزَيْمَةِ، وَابَنِ مَنْدَهِ، وَالْهَرَويِ صَاحبِ «مَنَازِلِ السَّائِرِينَ» الَّذِي يُلَقِّبُهُ ابْنُ القَيمِ بِـ «شَيْخِ الإِسْلامِ»، وَكَلَامُهُ فِيهِ شَبَهٌ بِكَلامِ الاتَّحَادِيةِ، وَكَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ كَلَامِ النَّوَويِّ، وَالْحَافِظِ ابْنِ حَجَرِ، فِي التَّمَشْعُرِ، وَالْحَافِظِ الذَّهَبِيِ فِي التَّبَركِ وَالتَّمَسُّحِ بِآثَارِ الصَّالِحينَ،…، وَهَكَذَا فِي كُلِ عَصْرٍ، وَمَصْرٍ، كَمْ مِنْ الأَئِمَّةِ الَّذِينَ أُصُولُهُمْ أصولٌ سُنِّيةٌ، وَقَضَوْا جُلَّ حَيَاتِهِم فِي الدِّفَاعِ عَنِ السُّنَّةِ، وَ الانْتِصَارِ لأَهْلِهَا وَأُصُولِهَا، وقَمْعِ البدع وأهلها، لَكِنَّهُمْ تَأَثَّرُوا –عن تأويل خاطئ- فِي قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ فِي بَعْضِ اجْتِهَادَاتِهمْ بِأَهْلِ البِدَعِ، وَمَعْ ذَلِكَ فَعُلَمَاءِ السُّنَّةِ يُصَنِّفُونَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ الذَّابِينَ عَنْهَا، وَيَمْدَحُونَ جُهُودَهُمْ الْمُبَارَكَةَ، وَيَذْكُرُونَ أَيَادِيَهُمْ الْبَيْضَاءَ فِي خِدْمَةِ السُّنَّةِ، وَيَلْتَمِسُونَ لَهُمْ الأَعْذَارَ فيما جانبوا فيه الصواب -دُونَ تَكَلُّفٍ أَوْ مُجَامَلَةٍ- وَيُحَذِّرونَ مِنْ أَخْطَائِهم الَّتِي لَا مَخْرَجَ لَهمْ فِيهَا، وليس لهم فيها تأويلٌ وجيه، أو عُذْرٌ مقبول، فَهَذَا هُوَ مِيزَانُ الْعَدْلِ الذي سار عليه سلفنا، وإن أطْلَقوا -أو بعضهم- على أقوالِ مَن زلَّ منهم وأفعالهم المخالِفة في الحُكْمِ العَامِّ أنها بدعةٌ ومخالَفةٌ للسنة، ورُبَّمَا أَطْلَقُوا على فاعِلِهَا أنه مُبْتَدِعٌ؛ للتحذيرِ فقط مِن الاقتداءِ به فيها، أو لتهويل أمر البدعة في نَظَرِ مَن يسمعُ كلامهم، أو لمقاصد كثيرةٍ، ذَكَرْتُها في مواضِعها في رُدُودِي على الغلاة، ولا يَلْزَمُ مِن ذلك أن نَنْسِبَ إلى القائلِ لهذا منهم: أنه حَكَمَ بإخراجِ فلانِ بنِ فلانٍ مِن مجموعِ أهلِ السنة والجماعة، وألْحَقَهُ بأهلِ البِدَعِ والأهواءِ، وأنه أَطْلَقَ التَّحْذِيرَ مِن جميعِ كُتُبِهِ ومَجَالِسِهِ، كما يُفْعل مِن كَثِيرٍ مِن أهلِ زماننا مع أُناسٍ أقوى منهم قِيلاً وأهدى سبيلاً!!.
والْأَصْلُ أَنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ إِذَا أَقرَّ بِمُعْتَقَدِهِمْ وَصِحَّةِ طَرِيقَتِهِمْ، وَأَعَلَنَ إِذْعَانَهُ لَهَا، وَتَمَسُّكَه بِهَا، وَبَرَاءَتَهُ مِمَا يُخَالِفَهَا -وَلَوْ بِالْإِجْمَالِ- كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي الدُّخُولِ فِي الإِسْلامِ،([25]) ثُمَّ إِنْ خَالَفَ ذَلِكَ؛ فيُنْصَحُ؛ فَإِنْ رَجَعَ وَأَنَابَ؛ فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ، وَإِلاَّ حَذَّرُوا مِنْ خَطَئِهِ دون إِفْرَاطٍ أَوْ تَفْريِطٍ، مَعَ مُرَاعَاةِ تَزَاحُمِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ الْمُتَرَتِبَةِ عَلَى ذَلِكَ فِي كُلِ حَادِثَةٍ بِعَيْنِهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا الَّتْنِبِيه لَمَّا رَأَيْتُ الغُلُوَّ وَالْجَفَاءَ، وَالتَّعَنُّتَ وَالتَّهَاونَ فِي فَهْمِ مَعْنَى مُصْطَلحِ «أَهْلِ السُّنَّةِ والجماعة»، وَمَعْنَى «الْوَسَطِيةِ»، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
وهذا أوانُ الشروع في المقصود من مادة الكتاب، ونسأل الله الإخلاص والصدق والعون والقبول والنفع والانتفاع به في الدارين.
***













