كتب للقراءة

معالم الوسطية والاعتدال في عقيدة ومنهج أهل السنة والجماعة

معالم الوسطية والاعتدال في عقيدة ومنهج أهل السنة والجماعة

(معالم منهج وعقيدة أهل السنة والجماعة)

واعْلم أنَّ مَنْهَجَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ قَدْ تَمَيَّزَ عَنْ الْفِرَقِ الضالَّةِ الأُخْرَى بِخَصَائِصَ ومزايا كَثِيِرةٍ، فَكَانَ مِنْ ثَمَرَتِهَا عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ -المُتمسِّكين به حقًّا مِن جميعِ جوانِبِهِ لا زُورًا وتَشَبُّعًاً- سِلُوكُ مَسْلَكِ الْوَسَطِيةِ وَالاعْتِدَالِ، وبقاءُ تماسُكِهِم وائتِلًافِهِم -عَبْرَ القرونِ المُتَطَاوِلَةِ-، وقيامُهم بالإسلامِ مِن جميعِ جوانِبِهِ، والدفاعُ عنه ضِدَّ كُلِّ ما أحدثه المحْدِثون، واشتغالهم بما ينفع الإسلام وأهله، بخلاف حال كثير من الخلف في هذا العصر؛ فإن كثيرًا منهم لم يفهموا أصول سلفهم، واغترُّوا بعبارات عامة أو مطلقة جاءتْ عن بعض السلف، ولهم فيها مقاصدُ شرعيةٌ وجيهةٌ، ودَخَلَتْ على هؤلاء من المعاصرين بعضُ الأهواءِ والحِزْبِيَّاتِ والعَصَبِيَّةِ؛ فتهارجوا، واختلفوا، واشتغلوا بأنفسهم، وتركوا أهل الإلحاد والانحراف والأهواء والضلالات والفجورُ والُمنكرات، بل ربما والَوْهم وعادَوْا إخوانَهم الذين يحسبونهم -جهلًاً منهم وظلماً وعدواناً- أنهم ضلُّوا السبيل، ولَحِقُوا برِكَابِ أهلِ البدع والضلال، مع أنهم أَهْدَى منهم سبيلا، وأَقْوَمُ قيلا، والله المستعان.

وأرجو بتوضيح هذه المعالم والخصائص التي امتاز بها منهج وعقيدة أهل السنة والجماعة ما يكون دافعا لنا على الثبات على الحق، واليقين به، كما يكونُ حاملاً لِمَنْ زَلَّتْ قَدَمُه بعد ثبوتها على أن يعودَ إلى الجادَّة، ويتوب الله على من تاب، والعَوْدُ أَحْمَدُ، وبالله التوفيق والسداد، فمن هذه المعالم:

الأوَّل:

  • سلامةُ مَصْدَرِ التَّلقِّي لأصول منهجهم: القَائِم عَلَى الكِتابِ والسُّنَّةِ وَالإجْمَاعِ:

وقد قَالَ شَيْخُ الإِسْلامِ ابن تيمية -رحمه الله-: «وَسُمُّوا «أَهْلَ الْجَمَاعَةِ»؛ لِأَنَّ «الْجَمَاعَةَ» هِيَ الِاجْتِمَاعُ، وَضِدُّهَا الْفُرْقَةُ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ «الْجَمَاعَةِ» قَدْ صَارَ اسْمًا لِنَفْسِ الْقَوْمِ الْمُجْتَمِعِينَ؛ «وَالْإِجْمَاعُ» هُوَ الْأَصْلُ الثَّالِثُ الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَهُمْ يَزِنُونَ بِهَذِهِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَعْمَالٍ بَاطِنَةٍ أَوْ ظَاهِرَةٍ مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالدِّينِ؛ وَالْإِجْمَاعُ الَّذِي يَنْضَبِطُ: هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ؛ إذْ بَعْدَهُمْ كَثُرَ الِاخْتِلَافُ، وَانْتَشَرَتْ الْأُمَّةُ»([26]) اهـ.

وقَالَ أيضًا -رحمه الله-: وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَدْعُوَ إلَى مَقَالَةٍ، أَوْ يَعْتَقِدَهَا لِكَوْنِهَا قَوْلَ أَصْحَابِهِ، وَلَا يُنَاجِزَ عَلَيْهَا، بَلْ لِأَجْلِ أَنَّهَا مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ؛ أَوْ أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ؛ لِكَوْنِ ذَلِكَ طَاعَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَيَنْبَغِي لِلدَّاعِي أَنْ يُقَدِّمَ فِيمَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ نُورٌ وَهُدًى؛ ثُمَّ يَجْعَلَ إمَامَ الْأَئِمَّةِ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ كَلَامَ الْأَئِمَّةِ.

وَلَا يَخْلُو أَمْرُ الدَّاعِي مِنْ أَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا أَوْ مُقَلِّدًا، فَالْمُجْتَهِدُ: يَنْظُرُ فِي تَصَانِيفِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ؛ ثُمَّ يُرَجِّحُ مَا يَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ. الثَّانِي: الْمُقَلِّدُ يُقَلِّدُ السَّلَفَ؛ إذْ الْقُرُونُ الْمُتَقَدِّمَةُ أَفْضَلُ مِمَّا بَعْدَهَا، فَإِذَا تَبَيَّنَ هَذَا؛ فَنَقُولُ كَمَا أَمَرَنَا رَبُّنَا: [ﭣ ﭤ ﭥ] إلَى قَوْلِهِ: [ﮁ] {البقرة:136} وَنَأْمُرُ بِمَا أَمَرَنَا بِهِ، وَنَنْهَى عَمَّا نَهَانَا عَنْهُ فِي نَصِّ كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَمَا قَالَ تَعَالَى: [ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ] {الحشر:7} الْآيَةَ، فَمَبْنَى أَحْكَامِ هَذَا الدِّينِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْكِتَابِ؛ وَالسُّنَّةِ؛ وَالْإِجْمَاعِ([27]).

وقَالَ شَيْخُ الإِسْلامِ -رحمه الله- أيضًا: «وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ أَبْوَابِ السُّنَّةِ: هُمْ وَسَطٌ –أي أَهْل السُّنَّةِ -؛ لِأَنَّهُمْ مُتَمَسِّكُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ -صلى الله عليه وسلم-. وَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانِ»([28]) اهـ.

وقَالَ -رحمه الله- في وَصْف الفِرَقِ المخالفة للسنة: «وَأَمَّا الْفِرَقُ الْبَاقِيَةُ: فَإِنَّهُمْ أَهْلُ الشُّذُوذِ وَالتَّفَرُّقِ وَالْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ، وَلَا تَبْلُغُ الْفِرْقَةُ مِنْ هَؤُلَاءِ قَرِيبًا مِنْ مَبْلَغِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ -يُريد في العَدد والكثرة-، -فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ بِقَدْرِهَا– بَلْ قَدْ تَكُونُ الْفِرْقَةُ مِنْهَا فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ، وَشِعَارُ هَذِهِ الْفِرَقِ: مُفَارَقَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، فَمَنْ قَالَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ؛ كَانَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ،([29]) وَأَمَّا تَعْيِينُ هَذِهِ الْفِرَقِ؛ فَقَدْ صَنَّفَ النَّاسُ فِيهِمْ مُصَنَّفَاتٍ، وَذَكَرُوهُمْ فِي كُتُبِ الْمَقَالَاتِ، لَكِنَّ الْجَزْمَ بِأَنَّ هَذِهِ الْفِرْقَةَ الْمَوْصُوفَةَ… هِيَ إحْدَى الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ؛ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ([30])؛ فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْقَوْلَ بِلَا عِلْمٍ عُمُومًا؛ وَحَرَّمَ الْقَوْلَ عَلَيْهِ بِلَا عِلْمٍ خُصُوصًا، فَقَالَ تَعَالَى: [ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ] {الأعراف:33}.

وَقَالَ تَعَالَى: [ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ] {البقرة:168، 169}.

وَقَالَ تَعَالَى: [ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ] {الإسراء:36}.

وَأَيْضًا: فَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يُخْبِرُ عَنْ هَذِهِ الْفِرَقِ بِحُكْمِ الظَّنِّ وَالْهَوَى؛ فَيَجْعَلُ طَائِفَتَهُ وَالْمُنْتَسِبَةَ إلَى مَتْبُوعِهِ، الْمُوَالِيَةَ لَهُ: هُمْ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ وَيَجْعَلُ مَنْ خَالَفَهَا: أَهْلَ الْبِدَعِ، وَهَذَا ضَلَالٌ مُبِينٌ؛ فَإِنَّ أَهْلَ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ لَا يَكُونُ مَتْبُوعُهُمْ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى؛ فَهُوَ الَّذِي يَجِبُ تَصْدِيقُهُ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ؛ وَطَاعَتُهُ فِي كُلِّ مَا أَمَرَ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَنْزِلَةُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ، بَلْ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَمَنْ جَعَلَ شَخْصًا مِنْ الْأَشْخَاصِ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مَنْ أَحَبَّهُ وَوَافَقَهُ؛ كَانَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَمَنْ خَالَفَهُ؛ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبِدْعَةِ وَالْفُرْقَةِ – كَمَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الطَّوَائِفِ مِنْ اتِّبَاعِ أَئِمَّةٍ فِي الْكَلَامِ فِي الدِّينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ -؛ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ وَالتَّفَرُّقِ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِأَنْ تَكُونَ هِيَ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ: أَهْلَ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ؛ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ مَتْبُوعٌ يَتَعَصَّبُونَ لَهُ إلَّا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهْم أَعْلَمُ النَّاسِ بِأَقْوَالِهِ وَأَحْوَالِهِ، وَأَعْظَمُهُمْ تَمْيِيزًا بَيْنَ صَحِيحِهَا وَسَقِيمِهَا، وَأَئِمَّتُهُمْ فُقَهَاءُ فِيهَا، وَأَهْلُ مَعْرِفَةٍ بِمَعَانِيهَا، وَاتِّبَاعًا لَهَا: تَصْدِيقًا وَعَمَلًا، وَحُبًّا وَمُوَالَاةً لِمَنْ وَالَاهَا، وَمُعَادَاةً لِمَنْ عَادَاهَا، الَّذِينَ يَرُدُّونَ الْمَقَالَاتِ الْمُجْمَلَةَ إلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ؛ فَلَا يُنَصِّبُونَ مَقَالَةً، وَيَجْعَلُونَهَا مِنْ أُصُولِ دِينِهِمْ وَجُمَلِ كَلَامِهِمْ إنْ لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، بَلْ يَجْعَلُونَ مَا بُعِثَ بِهِ الرَّسُولُ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي يَعْتَقِدُونَهُ وَيَعْتَمِدُونَهُ([31]).

* * *

الثاني:

  • التسليم لله -تعالى- ولرسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:

قَالَ الإمام الطحاوي -رحمه الله-([32]): «ولا تَثْبُتُ قَدَمُ الإسلام إلا على ظَهْر التسليم والاستسلام» وذلك لأن العقول لا تُدْرِكُ الغَيْبَ، ولا تَسْتَقِلُّ بمعرفة الشرائع على سبيل التفصيل؛ لعَجْزِها وقُصُورها، أما المخالفون لأهل السنة: فيُحَكِّمون آراءَهُم وعقولَهُم وأهواءَهُم على النصوص، ومنشأُ فساد الأمم والأديان؛ إنما هو في تقديم العَقْلِ على النقْلِ، والرأْيِ على الوحْي، والهَوَى على الهُدَى.

قَالَ ابن أبي العز الحَنفيُّ -رحمه الله- في «شرح الطحاوية»([33]): «لَا يَثْبُتُ إِسْلَامُ مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ لِنُصُوصِ الْوَحْيَيْنِ، وَيَنْقَدْ إِلَيْهَا، وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهَا، وَلَا يُعَارِضُهَا بِرَأْيِهِ وَمَعْقُولِهِ وَقِيَاسِهِ، رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- أَنَّهُ قَالَ: «مِنَ اللَّهِ الرِّسَالَةُ، وَمِنَ الرَّسُولِ الْبَلَاغُ، وَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ». وَهَذَا كَلَامٌ جَامِعٌ نَافِعٌ.

وَمَا أَحْسَنَ الْمَثَلَ الْمَضْرُوبَ لِلنَّقْلِ مَعَ الْعَقْلِ، وَهُوَ: أَنَّ الْعَقْلَ مَعَ النَّقْلِ كَالْعَامِّيِّ الْمُقَلِّدِ مَعَ الْعَالِمِ الْمُجْتَهِدِ، بَلْ هُوَ دُونَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ؛ فَإِنَّ الْعَامِّيَّ يُمْكِنُهُ أَنْ يَصِيرَ عَالِمًا، وَلَا يُمْكِنُ لِلْعَالِمِ أَنْ يَصِيرَ نَبِيًّا رَسُولًا، فَإِذَا عَرَفَ الْعَامِّيُّ الْمُقَلِّدُ عَالِمًا، فَدَلَّ عَلَيْهِ عَامِّيًّا آخَرَ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُفْتِي وَالدَّالُّ؛ فَإِنَّ الْمُسْتَفْتِيَ يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُ قَوْلِ الْمُفْتِي دُونَ الدَّالِّ، فَلَوْ قَالَ الدَّالُّ: الصَّوَابُ مَعِي دُونَ الْمُفْتِي، لِأَنِّي أَنَا الْأَصْلُ فِي عِلْمِكَ بِأَنَّهُ مُفْتٍ، فَإِذَا قَدَّمْتَ قَوْلَهُ عَلَى قَوْلِي؛ قَدَحْتَ فِي الْأَصْلِ الَّذِي بِهِ عَرَفْتَ أَنَّهُ مُفْتٍ؛ فَلَزِمَ الْقَدْحُ فِي فَرْعِهِ! فَيَقُولُ لَهُ الْمُسْتَفْتِي: أَنْتَ لَمَّا شَهِدْتَ لَهُ بِأَنَّهُ مُفْتٍ، وَدَلَلْتَ عَلَيْهِ؛ شَهِدْتَ لَهُ بِوُجُوبِ تَقْلِيدِهِ دُونَكَ، فَمُوَافَقَتِي لَكَ فِي هَذَا الْعَلَمِ الْمُعَيَّنِ، لَا تَسْتَلْزِمُ مُوَافَقَتَكَ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ، وَخَطَؤُكُ فِيمَا خَالَفْتَ فِيهِ الْمُفْتِيَ، الَّذِي هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ؛ لَا يَسْتَلْزِمُ خَطَأَكَ فِي عِلْمِكَ بِأَنَّهُ مُفْتٍ، هَذَا مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ ذَلِكَ الْمُفْتِيَ قَدْ يُخْطِئُ، وَالْعَاقِلُ يَعْلَمُ أَنَّ الرَّسُولَ مَعْصُومٌ فِي خَبَرِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ لَهُ، وَالِانْقِيَادُ لِأَمْرِهِ.

وَقَدْ عَلِمْنَا بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ: أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ قَالَ لِلرَّسُولِ: هَذَا الْقُرْآنُ الَّذِي تُلْقِيهِ عَلَيْنَا، وَالْحِكْمَةُ الَّتِي جِئْتَنَا بِهَا، قَدْ تَضَمَّنَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَشْيَاءَ كَثِيرَةً تُنَاقِضُ مَا عَلِمْنَاهُ بِعُقُولِنَا، وَنَحْنُ إِنَّمَا عِلِمْنَا صِدْقَكَ بِعُقُولِنَا، فَلَوْ قَبِلْنَا جَمِيعَ مَا تَقُولُهُ مَعَ أَنَّ عُقُولَنَا تُنَاقِضُ ذَلِكَ؛ لَكَانَ قَدْحًا فِي مَا عَلِمْنَا بِهِ صِدْقَكَ، فَنَحْنُ نَعْتَقِدُ مُوجَبَ الْأَقْوَالِ الْمُنَاقِضَةِ لِمَا ظَهَرَ مِنْ كَلَامِكَ، وَكَلَامُكَ نُعْرِضُ عَنْهُ، لَا نَتَلَقَّى مِنْهُ هَدْيًا وَلَا عِلْمًا؛ لَمْ يَكُنْ مِثْلُ هَذَا الرَّجُلِ مُؤْمِنًا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَلَمْ يَرْضَ مِنْهُ الرَّسُولُ بِهَذَا، بَلْ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا لَوْ سَاغَ؛ لَأَمْكَنَ كُلُّ أَحَدٍ أَنْ لَا يُؤْمِنَ بِشَيْءٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ؛ إِذِ الْعُقُولُ مُتَفَاوِتَةٌ، وَالشُّبُهَاتُ كَثِيرَةٌ، وَالشَّيَاطِينُ لَا تَزَالُ تُلْقِي الْوَسَاوِسَ فِي النُّفُوسِ، فَيُمْكِنُ كُلُّ أَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ هَذَا فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ وَمَا أَمَرَ بِهِ!! وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: [ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ] {المائدة:99}، وَقَالَ: [ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ] {النحل:35}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ] {إبراهيم:4}. وقَالَ تعالى: [ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ] {المائدة:15}. وقَالَ تعالى: [ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ] {الزخرف:1، 2}. وقَالَ تعالى: [ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ] {الشعراء:2}. وقَالَ تعالى: [ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ] {يوسف:111}. وقَالَ تعالى: [ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ] {النحل:89}، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ.

فَأَمْرُ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ تَكَلَّمَ فِيهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْحَقِّ أَمْ لَا؟ الثَّانِي بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَكَلَّمَ عَلَى الْحَقِّ بِأَلْفَاظٍ مُجْمَلَةٍ مُحْتَمِلَةٍ؛ فَمَا بَلَّغَ الْبَلَاغَ الْمُبِينَ، وَقَدْ شَهِدَ لَهُ خَيْرُ الْقُرُونِ بِالْبَلَاغِ، وَأَشْهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِمْ فِي الْمَوْقِفِ الْأَعْظَمِ، فَمَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ فِي أُصُولِ الدِّينِ لَمْ يُبَلِّغِ الْبَلَاغَ الْمُبِينَ؛ فَقَدِ افْتَرَى عَلَيْهِ -صلى الله عليه وسلم-».!!

وقَالَ شيخ الإسلام -رحمه الله- كما في الفتاوى([34]): «وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَضَعَ لِلنَّاسِ عَقِيدَةً وَلَا عِبَادَةً مِنْ عِنْدِهِ؛ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّبِعَ وَلَا يَبْتَدِعَ، وَيَقْتَدِيَ وَلَا يَبْتَدِيَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّدًا -صلى الله عليه وسلم- بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ؛ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَكَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا. وَقَالَ لَهُ: [ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ] {يوسف:108}.

وَقَالَ تَعَالَى: [ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ] {المائدة:3} وَالنَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ فِي دِينِهِمْ، فَيَأْخُذُ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعَ دِينِهِمْ مِنْ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْعِبَادَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِلْعَقْلِ الصَّرِيحِ؛ فَإِنَّ مَا خَالَفَ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ؛ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ بَاطِلٌ، وَلَكِنْ فِيهِ أَلْفَاظٌ قَدْ لَا يَفْهَمُهَا بَعْضُ النَّاسِ، أَوْ يَفْهَمُونَ مِنْهَا مَعْنًى بَاطِلًا؛ فَالْآفَةُ مِنْهُمْ لَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ».

* * *

الثالث:

  • الاستقرارُ والثباتُ على الحَقِّ، وعدمُ التَنَقُّلِ:

هذه العقيدةُ قائمةٌ على أن النَّقْلَ الصَّحِيحَ لا يُعارِضُ العقْلَ الصَّرِيحَ، والذي تَشْهَدُ له الفِطْرَةُ السليمةُ، وَأَمَّا غَيرُها مِنَ الْمَنَاهِجِ: فَهِي مَجْمُوعُ أَوْهَامٍ وتخرُّصات، تُعْمِي الفِطَرَ، وتُبلِّدُ الْعُقُولَ، وبِقَدْرِ انْحِرَافِهَا وَمُخَالَفَتِهَا لِلمَنْهَجِ النَّبَوِيِّ؛ بِقَدْرِ مَا يَكُونُ تَأْثِيرُهَا السَّيئ عَلَى أَهْلِهَا وَأَتْبَاعِهِم عَبْرَ الْقُرُونِ وَالأَجْيَالِ، فَانْظُرْ كَمْ هِيَ آثَارُ رُؤُوسِ الفِرقِ الضَّالةِ فِي الأُمَّةِ عَبْرَ التَّارِيخِ؟ فكَمْ صَدَّتْ أُنَاسًا عَنْ سَبِيِلِ اللهِ، وكَمْ أَرَاقَتْ مِنَ الدِّمَاءِ، ومَزَّقَتْ مِنَ الأَعْرَاضِ، ونَهَبَتْ مِنَ الأَمْوَالِ، وبَدَّدَتْ مِن الجُهُودِ والطَّاقَاتِ، وَكَمْ سَلَّطَتْ مِنَ الأَعْدَاءِ عَلَى بِلادِ الْمُسْلِمِينَ ودِمَائِهِم وَأَمْوَالِهم وَعِزِّهِم وَأَمْنِهمْ؟! ثم بعد ذلك جاء الأتباعُ أو خَلَفُهُم فَكفَّروا أَسْلَافَهُم، أو ضَلَّلُوهُم، وتَمَزَّقُوا فِرَقًا وأحزابَ، كلما جاءت أمةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها، وأما أهل السنة -القائمون بها حقًّا- فهُمْ أهلُ إجلال لسلفهم -وإن اختلفوا مع بعضهم في بعض الاجتهادات- لأن الأصولَ العامة تَجْمَعُهم، واتصالَهم بما عليه سلفهم يضبط اجتهاداتهم، فلا يخرجون عن إجماعهم، وإذا اختلفوا رجّحوا بينهم حسب الأدلة، ولم يخترعوا قولاً لم يُسْبَقُوا إليه، وأما الفِرَقُ الأخرى فليس لهم سَنَدٌ مُتَّصل إلى من أَسَّسُوا مقَالَتهم، وإن كان لهم فيها سَنَدٌ؛ فقد اخترعوا أقوالا أخرى بعدهم، وربما كانت ضد كلام أسلافهم، كما وصل الغلو ببعض الخوارج أن صار مرجئًا([35])، فاعتقد قولًا، ودعا إليه، ثم صار داعية إلى ضدّه!! والله المستعان.

قَالَ شيخ الإسلام -رحمه الله- كما في «مجموع الفتاوى»([36]): أَهْلُ الْكَلَامِ أَكْثَرُ النَّاسِ انْتِقَالَا مِنْ قَوْلٍ إلَى قَوْلٍ، وَجَزْمًا بِالْقَوْلِ فِي مَوْضِعٍ، وَجَزْمًا بِنَقِيضِهِ وَتَكْفِيرِ قَائِلِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَهَذَا دَلِيلُ عَدَمِ الْيَقِينِ؛ فَإِنَّ الْإِيمَانَ كَمَا قَالَ فِيهِ قَيْصَرُ -لَمَّا سَأَلَ أَبَا سُفْيَانَ عَمَّنْ أَسْلَمَ مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «هَلْ يَرْجِعُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ سَخْطَةً لَهُ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ إذَا خَالَطَ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ؛ لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ»، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ – عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَوْ غَيْرُهُ -: «مَنْ جَعَلَ دِينَهُ غَرَضًا لِلْخُصُومَاتِ؛ أَكْثَرَ التَّنَقُّلَ».([37])

وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ فَمَا يُعْلَمُ عن أَحَدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ وَلَا صَالِحِ عَامَّتِهِمْ أنه رَجَعَ قَطُّ عَنْ قَوْلِهِ وَاعْتِقَادِهِ -سخْطةً له-، بَلْ هُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ صَبْرًا عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ اُمْتُحِنُوا بِأَنْوَاعِ الْمِحَنِ، وَفُتِنُوا بِأَنْوَاعِ الْفِتَنِ، وَهَذِهِ حَالُ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ، كَأَهْلِ الْأُخْدُودِ وَنَحْوِهِمْ، وَكَسَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ، حَتَّى كَانَ مَالِكٌ -رَحِمَهُ اللَّهُ- يَقُولُ: «لَا تَغْبِطُوا أَحَدًا لَمْ يُصِبْهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ بَلَاءٌ»، يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ لَا بُدَّ أَنْ يَبْتَلِيَ الْمُؤْمِنَ، فَإِنْ صَبَرَ؛ رَفَعَ دَرَجَتَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: [ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ] { العنكبوت: 1-3}.

وَقَالَ تَعَالَى: [ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ] {السجدة:24}. وَقَالَ تَعَالَى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ] {العصر: 1-3}.

وَمَنْ صَبَرَ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ عَلَى قَوْلِهِ؛ فَذَاكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ؛ إذْ لَا بُدَّ فِي كُلِّ بِدْعَةٍ – عَلَيْهَا طَائِفَةٌ كَبِيرَةٌ من وجود شيء- مِنْ الْحَقِّ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وَيُوَافِقُ عَلَيْهِ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ مَا يُوجِبُ قَبُولَهَا، إذْ الْبَاطِلُ الْمَحْضُ لَا يُقْبَلُ بِحَالِ.

وَبِالْجُمْلَةِ: فَالثَّبَاتُ وَالِاسْتِقْرَارُ فِي أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ أَضْعَافِ مَا هُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ؛ بَلْ الْمُتَفَلْسِفُ أَعْظَمُ اضْطِرَابًا وَحَيْرَةً فِي أَمْرِهِ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ». اهـ

* * *

الرابع:

  • اتصالُ سَنَدِ هذا المنهج بالرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- والصحابة -رضي الله عنهم- والتابعين وأئمة الدين -رحمة الله عليهم- وعلى هذا؛ فهو منهج الحق:

فالخلفُ أتباعٌ لِلسَّلفِ، وَالْعِبْرةُ بِالأَمْرِ الْعَتِيِقِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ بِالأَمْسِ دِينَاً؛ فَلَيْسَ الْيومَ بِدِينٍ، وَأَمَا مَنَاهِجُ غَيْرِهِمْ فَهِيَ اجْتَهَادَاتٌ لِرؤُوسِ الْفِرَقِ، وغَالِبُهُم لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وممن جاء بعد أتباع التابعين، فَسَنَدُهُمْ لَا يَتَّصِلُ إِلَى مَا عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَأَئِمَةُ الْقُرُونِ الْمُفَضَلَةِ، فَضْلًا عَنْ اتِّصَالِهِمْ بِرَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بل كثير من الفرق ليس لهم اتصال ثابت بأئمتهم في بدعتهم، بل يقولون بخلاف ما قالوه، وَاتِّباَعُ مَنْهَجِ السَّلَفِ لَيسَ نَافِلَةً مِنَ الْقَوْلِ، وَأَنَّ الْمَرْءَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ اتِّبَاعِهِ وَتَرْكِهِ، فَقَدْ أَمَرَ اللهُ
-عَزَّ وَجَلَّ- بِاتِّبَاعِ مَا عَلَيْهِ السَّلفُ الصَّالِحُ، فَقَالَ -سُبْحَانَه وَتَعَالَى-: [ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ] {لقمان:15}، وقَالَ -تعالى-: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ] {النساء:115}، فَذَكَرَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَي- الْوَعِيدَ الأَكِيدَ لِمَنْ شَاقَّ الرَّسُولَ، وَلِمَنْ يَتَّبِعُ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُم السَّلفُ الذِّينَ أَثْنَى عَلَيهِمُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَمَدَحَتْهُمُ الآثَارُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ مُشَاقَةِ مَا عَلَيهِ السَّلَفُ الْمُنِيبُونَ للهِ –جَلَّ وَعَلَا-.

وقَالَ -تعالى-: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ] {التوبة:100} وَقَدْ مَدَحَ اللهُ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ فِي سُورةِ الحشر، ثم قَالَ -جل شأنه-: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ] {الحشر:10}، وقد ذكر الله دعاء المسلم في صلاته: [ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ] {الفاتحة:6، 7}.

* وقَالَ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «خير الناس قرني…»([38]) الحديث.

فَهَذِهِ الْخَيْرِيةُ لَيْسَتْ لِذَوَاتِهِم، وَلَكِنْ لِعِلْمِهِم النَّافِعِ، وَعَمَلِهِم الصَّالِحِ الَّذِي يَلْزَمُنَا الاقْتِدَاءُ بِهِمْ فِيِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: [ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ] {الأنعام:90}.

وقَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كما في «مجموع الفتاوى»([39]): «وَكُلُّ قَوْلٍ يَنْفَرِدُ بِهِ الْمُتَأَخِّرُ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَلَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ خَطَأً، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إيَّاكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي مَسْأَلَةٍ لَيْسَ لَك فِيهَا إمَامٌ([40])» ا هـ.

وقَالَ -رحمه الله- أيضًا في المصدر السابق([41]): «إنَّ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ إذَا تَنَازَعُوا فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ؛ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ إحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ، بَلْ الْقَوْلُ الثَّالِثُ يَكُونُ مُخَالِفًا لِإِجْمَاعِهِمْ.

وقَالَ الإمام ابن القيم -رحمه الله- في «إعلام الموقعين»([42]) في بيان فضل علم السلف: ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِي الصَّحِيحِ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَنَّهُ قَالَ: «خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ – -صلى الله عليه وسلم- – أَنَّ خَيْرَ الْقُرُونِ قَرْنُهُ مُطْلَقًا، وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَقْدِيمَهُمْ فِي كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْرِ، إلَّا لَوْ كَانُوا خَيْرًا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ؛ فَلَا يَكُونُونَ خَيْرَ الْقُرُونِ مُطْلَقًا، فَلَوْ جَازَ أَنْ يُخْطِئَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ فِي حُكْمٍ، وَسَائِرُهُمْ لَمْ يُفْتُوا بِالصَّوَابِ -، وَإِنَّمَا ظَفَرَ بِالصَّوَابِ مَنْ بَعْدَهُمْ، وَأَخْطَئُوا هُمْ – لَزِمَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَرْنُ خَيْرًا مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ الْقَرْنَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى الصَّوَابِ خَيْرٌ مِنْ الْقَرْنِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْخَطَأِ فِي ذَلِكَ الْفَنِّ، ثُمَّ هَذَا يَتَعَدَّدُ فِي مَسَائِلَ عَدِيدَةٍ؛ لِأَنَّ مَنْ يَقُولُ: «قَوْلُ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ» يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ أَصَابَ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ قَالَ فِيهَا الصَّحَابِيُّ قَوْلًا، وَلَمْ يُخَالِفْهُ صَحَابِيٌّ آخَرُ، وَفَاتَ هَذَا الصَّوَابُ الصَّحَابَةَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا يَأْتِي فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ تَفُوقُ الْعَدَّ وَالْإِحْصَاءَ، فَكَيْفَ يَكُونُونَ خَيْرًا مِمَّنْ بَعْدَهُمْ، وَقَدْ امْتَازَ الْقَرْنُ الَّذِي بَعْدَهُمْ بِالصَّوَابِ فِيمَا يَفُوقُ الْعَدَّ وَالْإِحْصَاءَ مِمَّا أَخْطَئُوا فِيهِ؟ وَمَعْلُومٌ أَنَّ فَضِيلَةَ الْعِلْمِ وَمَعْرِفَةَ الصَّوَابِ أَكْمَلُ الْفَضَائِلِ، وَأَشْرَفُهَا، فَيَا سُبْحَانَ اللَّهِ، أَيُّ وَصْمَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ: الصِّدِّيقُ، أَوْ الْفَارُوقُ، أَوْ عُثْمَانُ، أَوْ عَلِيٌّ، أَوْ ابْنُ مَسْعُودٍ، أَوْ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، أَوْ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَأَضْرَابُهُمْ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ – قَدْ أَخْبَرَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ أَنَّهُ كَيْتَ وَكَيْتَ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ، وَأَخْطَأَ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يَشْتَمِلْ قَرْنُهُمْ عَلَى نَاطِقٍ بِالصَّوَابِ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ، حَتَّى تَبِعَ مَنْ بَعْدَهُمْ؛ فَعَرَفُوا حُكْمَ اللَّهِ الَّذِي جَهِلَهُ أُولَئِكَ السَّادَةُ، وَأَصَابُوا الْحَقَّ الَّذِي أَخْطَأَهُ أُولَئِكَ الْأَئِمَّةُ؟ سُبْحَانَك هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ». ا هـ.

وقَالَ الإمام الشاطبي -رحمه الله- في «الموافقات»([43]) في بيان فضل علم المتقدمين، وأنَّ الذي يريد العِلْمَ عليه بِكُتُب المتقدمين:

«… أَنْ يَتَحَرَّى كُتُبَ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمُرَادِ؛ فَإِنَّهُمْ أَقْعَدُ بِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَأَصْلُ ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ وَالْخَبَرُ.

أَمَّا التَّجْرِبَةُ: فَهُوَ أَمْرٌ مُشَاهَدٌ فِي أَيِّ عِلْمٍ كَانَ، فَالْمُتَأَخِّرُ لَا يَبْلُغُ من الرُّسُوخِ فِي عِلْمٍ مَا يَبْلُغُهُ الْمُتَقَدِّمُ، وَحَسْبُكَ مِنْ ذَلِكَ أَهْلُ كُلِّ عِلْمٍ عَمَلِيٍّ أَوْ نَظَرِيٍّ؛ فَأَعْمَالُ الْمُتَقَدِّمِينَ -فِي إِصْلَاحِ دُنْيَاهُمْ وَدِينِهِمْ- عَلَى خِلَافِ أَعْمَالِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَعُلُومُهُمْ فِي التَّحْقِيقِ أَقْعَدُ، فَتَحَقُّقُ الصَّحَابَةِ بِعُلُومِ الشَّرِيعَةِ لَيْسَ كَتَحَقُّقِ التَّابِعِينَ، وَالتَّابِعُونَ لَيْسُوا كَتَابِعِيهِمْ، وَهَكَذَا إِلَى الْآنِ، وَمَنْ طَالَعَ سِيَرَهُمْ، وَأَقْوَالَهُمْ، وَحِكَايَاتِهِمْ؛ أَبْصَرَ الْعَجَبَ فِي هَذَا الْمَعْنَى([44]).

وَأَمَّا الْخَبَرُ: فَفِي الْحَدِيثِ: «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»، وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ قَرْنٍ مَعَ مَا بَعْدَهُ كَذَلِكَ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «أَوَّلُ دِينِكُمْ نُبُوَّةٌ وَرَحْمَةٌ، ثُمَّ مُلْكٌ وَرَحْمَةٌ، ثُمَّ مُلْكٌ وَجَبْرِيَّةٌ، ثُمَّ مُلْكٌ عَضُوضٌ»([45])، وَلَا يَكُونُ هَذَا إِلَّا مَعَ قِلَّةِ الْخَيْرِ، وَتَكَاثُرِ الشَّرِّ شيئا بعد شَيْءٍ، وَيَنْدَرِجُ مَا نَحْنُ فِيهِ تَحْتَ الْإِطْلَاقِ.

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ عَامٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، لَا أَقُولُ عَامٌ أَمْطَرُ من عَامٍ، ولا عامٌ أخضبُ مِنْ عَامٍ، وَلَا أَمِيرٌ خَيْرٌ مِنْ أَمِيرٍ، وَلَكِنْ ذَهَابُ خِيَارِكُمْ وَعُلَمَائِكُمْ، ثُمَّ يَحْدُثُ قَوْمٌ يقيسون الأمور برأيهم؛ فَيُهْدَمُ الإسلام ويُثْلَمُ»([46])

وَمَعْنَاهُ مَوْجُودٌ فِي «الصَّحِيحِ» فِي قَوْلِهِ: «وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ مَعَ قَبْضِ الْعُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ؛ فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ، يُسْتَفْتَوْنَ، فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ؛ فيَضِلُّون ويُضِلُّون».

* وَقَالَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: «إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ؛ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ». قِيلَ: مَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: «النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ».

* وَفِي رِوَايَةٍ: قِيلَ: وَمَنِ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الذين يَصْلُحُون عند فساد الناس».([47])

وَعَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ: «إِنَّ لِلْإِسْلَامِ عُرًى يَتَعَلَّقُ النَّاسُ بِهَا، وَإِنَّهَا تَمْتَلِخُ عُرْوَةً عُرْوَةً».([48])

وَعَنْ بَعْضِهِمْ: «تَذْهَبُ السُّنَّةُ سُنَّةً سُنَّةً، كَمَا يَذْهَبُ الْحَبْلُ قُوَّةً قُوَّةً».([49])

وَتَلَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَوْلَهُ تَعَالَى: [ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ] {النصر:1},

ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لِيَخْرُجُنَّ مِنْ دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، كَمَا دَخَلُوا فيه أفواجا.([50])

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ قَالَ: «أَتَدْرُونَ كَيْفَ يَنْقُصُ الْإِسْلَامُ؟». قَالَوا: نَعَمْ، كَمَا يَنْقُصُ صِبْغُ الثَّوْبِ، وَكَمَا يَنْقُصُ سِمَن الدَّابَّةِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «ذَلِكَ مِنْهُ».([51])

وَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: [ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ] {المائدة:3}، بَكَى عُمَرُ؛ فَقَالَ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- [لَهُ]: «مَا يُبْكِيكَ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا كُنَّا فِي زِيَادَةٍ مِنْ دِينِنَا، فَأَمَّا إِذَا كَمُلَ؛ فَلَمْ يَكْمُلْ شَيْءٌ قَطُّ إِلَّا نَقَصَ. فَقَالَ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صَدَقْتَ».([52])

وَالْأَخْبَارُ هُنَا كَثِيرَةٌ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى نَقْصِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَأَعْظَمُ ذَلِكَ الْعِلْمُ؛ فَهُوَ إِذًا فِي نَقْصٍ بِلَا شَكٍّ.

فَلِذَلِكَ صَارَتْ كُتُبُ الْمُتَقَدِّمِينَ وَكَلَامُهُمْ وَسِيَرُهُمْ؛ أَنْفَعُ لِمَنْ أَرَادَ الْأَخْذَ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْعِلْمِ، عَلَى أَيِّ نَوْعٍ كَانَ، وخصوصًا عِلْمُ الشريعة، الذي هو الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى، والوَزَر الْأَحْمَى([53])، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ». ا هـ.

وقَالَ أيضًا -رحمه الله-: في «الموافقات»([54]): «الحذرَ الحذرَ مِنْ مُخَالَفَةِ الْأَوَّلِينَ! فَلَوْ كَانَ ثَمَّ فَضْلٌ مَا؛ لَكَانَ الْأَوَّلُونَ أَحَقَّ بِهِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ» ا هـ.

* * *

الخامس:

  • الوضوحُ والسهولةُ والبيانُ، وعَدَمُ التعقيد:

ومن الآيات الدالة على ذلك أيضًا: قولهُ تعالى: [ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ] {فصلت:3}، وَقَولُهُ تَعَالَى: [ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ] {الأنعام:126}، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: [ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ] {الشعراء: 192-195}، أَي بَيِّنٌ ظَاهرٌ وَاضِحٌ، وَمَعَ وضوحه هَذَا؛ فقد أَرْسَل الله رَسُوله – صَلَى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلهِ وَسَلَّمَ – ليزيده بَيَانا ووضوحا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: [ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ] {النحل:44}، وكما قَالَ تعالى: [ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ] {القمر:17}، فلا تعقيد في هذا المنهج، ولا غموض، ولا التواء، انظر قوله -تعالى- في تقرير عقيدة المعاد: [ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ] {الروم:27}.

وقوله تعالى: [ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ] {يس: 78 – 82}.

وقوله -تعالى- في الوحدانية: [ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ] {الأنبياء:22}.

وقوله تعالى: [ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ] {النحل:17}.

فَهَذِهِ أَدلَةٌ يَفْهَمُهَا كُلُ مَنْ سَمِعَهَا، وَكَانَ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِلِسَانِ الْعَرَبِ؛ سَوَاءً كَانَ حَضَرِيًّا أَوْ بَدَوِيًّا، وَسَوَاءً كَانَ مِنْ الْمُهْتَمِينَ بِالْعِلْمِ، أَوْ دُونَ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ الأَعْرَابِيُّ يَأْتِي إِلَى النَّبِي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فَيَقُولَ لَهُ: قُلْ لِي فِي الإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ؟ فَيقُول لَهُ: «قُلْ آمنتُ بالله، ثم اسْتَقِمْ»([55]) أَرْبَعُ كَلِمَاتٍ فَقَطْ.

وَآخَرُ يَسْأَلُهُ: مَا الِإسْلَامُ؟ مَا الإِيِمَانُ؟ مَا الإِحْسَانُ؟ فَلَيْسَ فِي مَنْهَجِ الْحَقِ تَعْقِيدٌ وَلَا فَلْسَفَةٌ، أَوَ لَفٌّ، أَوَ دَوَرَانٌ…الخ، بِخِلَافِ أَدِلَةِ أَهْلِ الكلام والأَهْواءِ وَالْبِدَعِ، فَهِيَ مُعَقَّدةٌ، ومَركَّبَةٌ تَرَاكِيبَ لَا يَفْقَهُهَا غَالِبُ نُظَّارِهِمْ
–فَضْلًا عَمَّنْ دُوُنِهِمْ- وَذَلِكَ لأَنَّهُمْ اغْتَرَفُوا مِنْ أَقْوَالِ الْفَلَاسِفَةِ الْمَشَّائِينَ([56])، وِالنُّظَّارِ([57]) الْمُتَهَوِّكِينَ([58])، وَكُلَمَا جَاءَ مُنَظِّرٌ شَكَّكَ غَيْرَهُ فِي أَصْلِ دِينِهِ، وَأَفْسَدَ عَلَيهِ يَقِيِنَهُ وَطُمَأْنِينَةَ قَلْبِهِ، وَقَذَفَ فِيهِ بِذِورِ الشَّكِ وَالْوَسْوَسَةِ، وَرُبَّمَا انْتَكَسَ بِالْكُلِيةِ، وَخَالَفَ الإِجْمَاعَ وَالْعَقْلَ وَالْفِطْرَةَ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ.

* * *

السادس:

  • السلامة من الاضطراب والتناقض واللَّبْس:

كما قَالَ الله -عز وجل-: [ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ] {النساء:82} أما العقائد الأخرى فلا تَسَلْم من الاضطراب والتناقض واللبس: فالرافضة يقولون: «إن أئمتهم يَعْلَمُون ما كان وما يكون، ولا يخفى عليهم شيء في الأرض ولا في السماء، ويَعْلَمون متى يموتون، ولا يموتون إلا بإذنهم»([59]) ومع ذلك ينقُلون عن الأئمة أنهم أَخَذُوا بالتُّقِيَّة، وأن إمامهم الثاني عشر لازال في الشِّعْب مُخْتَفيًا حتى الآن خائفا من أعدائه !! فإذا كان لا يموت إلا بإذنه؛ فلماذا يختفي، أو يأخذ بالتَّقية؟! ويدّعون أن أئمتهم لهم هيمنة على جميع ذرات الكون، فماذا أَبْقَوْا لله -عز وجل-؟ ثم لماذا تَسَلَّط عليهم غيرهم، وأخذوا الـمُلْكَ منهم؟! وأكثر دين الرافضة قائم على هذه الجهالات والتناقضات، وحَدِّثْ ولا حَرَج عما عند غلاة الصوفية الخرافية من تناقضات وشطحات قبيحة، حتى بلغ ببعضهم القول بالحلول والاتحاد([60])!! وأن الله -عز وجل- حَلَّ في مخلوقاته، وفيها من أماكن النجاسة والقاذورات ما يُنَزِّهُ العاقل كثيرا من الناس -فكيف برب الناس- عن الحَوْم حولها؛ فضلًا من الحلول فيها([61])!!

وكذا الجهمية الذين يَعْبُدون عَدَمًا، والمجسّمة الذين يَعْبُدون صَنمًا، والمرجئة الذين جعلوا إيمان أفسق الناس كإيمان الملائكة والرسل!! وكذا القدرية الذين نَفَوا القَدَر والمشيئة، ومُقَابِلُهم الذين احتجُّوا بالقَدَر على المعايب والذنوب، والخوارج الذين كفَّروا المبشَّرين بالجنة، ومن أجمعت الأمة على عدالتهم وديانتهم!!

وإذا نظرت إلى تناقضات اليهود والنصارى؛ فَبَحْرٌ لا ساحل له.

والشيوعية أنكروا الله -عز وجل- وجميع الأديان، ولما سُلِّط عليهم هتلر أَمَر «استالين» بفتح المعابد والتضرع إلى الله تعالى([62])، فالقوم متناقضون غير ثابتين على كلامهم، كما قَالَ تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ] {النمل:14}.

ولذا فعقيدة أهل السنة قد تأتي بالمـُحَار لا بالتناقض والمـُحَال، كما في عذاب القبر ونعيمه والمغيبات، فهي أشياء تَحَارُ في كيفيتها العقول، ولذا أُمِرْنا بالتسليم بها، وعدم الخوض فيما لا نَصَّ فيه، وليست هذه الأمور مُحَالة عند العقل الصحيح الصافي من الشهوات والشبهات، أما اليهود فيزعمون أنهم شَعْب الله المختار، وأن الله خَلَق الشعوب الأخرى حميراً يمتطيها اليهود([63])، فكيف يَنْسِبون إلى أَحْكَم الحاكمين التحيُّزَ لشعب دون بقية الشعوب، أو لبعض مخلوقاته دون بقية خلقه؟! لا لأنهم أهل الطاعة والاستقامة، ولكن لمجرد النسب، والنصارى يقولون: باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد، فكيف يكون الثلاثة واحداً؟!

قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: [فساد اعتقادهم بالأقانيم الثلاثة]

«وسبب ذلك: أن المذهب في نفسه باطل بصريح العقل، وذلك أنهم يقولون: بسم الأب والابن وروح القدس إله واحد، ويقولون: الأَحَدِيُّ الذات، الثلاثيُّ الصفات، ويقولون: إن المتحد بالمسيح هو الابن، ويقولون: إن الرب هو جوهر واحد وله ثلاثة أقانيم، والأقنوم يفسرونه تارة بالشخص، وتارة بالصفة؛ إذ المذهب في نفسه متناقض، ويقولون: الأب هو أقنوم الوجود، والابن أقنوم الكلمة، والعلم وروح القدس أقنوم الحياة، فيكون المراد: أنه موجودٌ حَيٌّ متكلمٌ، ومنهم من يقول غير ذلك، وقد كان من طوائفهم المتقدمين من أنكر عليهم هذا، وجَرَتْ بينهم مخاصماتٌ ومنازعاتٌ، ودخلتْ عليهم الملوك، وصاروا يعاقِبُون من أَمَرَهُمْ بالتوحيد».([64])

ولقد أحسن من قَالَ:

جَعَلُوا الثلاثةَ واحداً ولو اهْتَدَوْا
لم يَجْعَلُوا العددَ الكثيرَ قليلا!!([65])

قَالَ شيخ الإسلام -رحمه الله-: «ولهذا قَالَ طائفة من العلماء([66]): إن عامة مقَالَات الناس يمكن تَصَوُّرُها إلا مقَالَة النصارى، وذلك أن الذين وضعوها لم يتصوروا ما قَالُوا، بل تكلموا بجهل، وجمعوا في كلامهم بَيْنَ النقيضين.

ولهذا قَالَ بعضهم: لو اجتمع عَشْرَةُ نصارى؛ لتَفَرَّقوا عن أَحَدَ عَشَرَ قولًا.

وقَالَ آخر: «لو سألتَ بعضَ النصارى وامرأتَهُ وابنَهُ عن توحيدهم؛ لقَالَ الرجلُ قولا، وامرأتُه قولا آخر، وابنُه قولا ثالثا»([67])،

وقَالَ شيخ الإسلام -رحمه الله- أيضًا: «وَلَمَّا قَصَّ – تَعَالَى – قِصَّةَ الْمَسِيحِ قَالَ: [ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ] {مريم:34} أَيْ يَشُكُّونَ وَيَتَمَارَوْنَ كَتَمَارِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.

ثُمَّ قَالَ – تَعَالَى -: [ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ] {مريم:37}، فَاخْتَلَفَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فِيهِ، ثُمَّ اخْتَلَفَتِ النَّصَارَى فِيهِ، وَصَارُوا أَحْزَابًا كَثِيرَةً جِدًّا، كَالنَّسْطُورِيَّةِ، وَالْيَعْقُوبِيَّةِ، وَالْمَلَكِيَّةِ، وَالْبَارُوبِيَّةِ، وَالْمَرْيَمَانِيَّةِ، وَالسُّمْيَاطِيَّةِ، وَأَمْثَالِ هَذِهِ الطَّوَائِفِ، كَمَا سَنَذْكُرُ – إِنْ شَاءَ اللَّهُ – كَثِيرًا مِنْ طَوَائِفِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ فِي مَجَامِعِهِمْ، كَمَا حَكَى ذَلِكَ عَنْهُمْ أَحَدُ أَكَابِرِهِمْ: سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ وَغَيْرُهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْأُمَمِ أَكْثَرُ اخْتِلَافًا فِي رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْهُمْ، فَوَيْلٌ لِلَّذِينِ كَفَرُوا مِنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ كُلِّهَا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ [ﰅ ﰆ ﰇ] {مريم:38} يَقُولُ تَعَالَى: مَا أَسْمَعَهُمْ وَمَا أَبْصَرَهُمْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا، لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ، كَالنَّصَارَى الَّذِينَ ظَلَمُوا بِإِفْكِهِمْ وَشِرْكِهِمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، ضَلُّوا عَنِ الْحَقِّ فِي الْمَسِيحِ، وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ النَّصَارَى بِالضَّلَالِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ – تَعَالَى -: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ] {المائدة:77}.

* وَقَالَ – تَعَالَى -: [ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ] {الكهف:4، 5}؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِمُ الْجَهْلُ بِالدِّينِ، وَأَنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامٍ لَا يَعْقِلُونَ مَعْنَاهُ، لَيْسَ مَنْقُولًا عَنِ الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى يُسَلَّمَ لِقَائِلِهِ، بَلْ هُمُ ابْتَدَعُوهُ، وَإِذَا سَأَلْتَهُمْ عَنْ مَعْنَاهُ؛ قَالَوا: هَذَا لَا يُعْرَفُ بِالْعُقُولِ، فَيَبْتَدِعُونَ كَلَامًا يَعْرِفُونَ بِأَنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَهُ، وَهُوَ كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ، يَنْقُضُ أَوَّلُهُ آخِرَهُ، وَلِهَذَا لَا تَجِدُهُمْ يَتَّفِقُونَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ فِي مَعْبُودِهِمْ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَوِ اجْتَمَعَ عَشَرَةُ نَصَارَى؛ افْتَرَقُوا عَلَى أَحَدَ عَشَرَ قَوْلًا».([68])

وقَالَ شيخ الإسلام -رحمه الله- أيضًا: «وَيَقُولُونَ أَيْضًا: إِنَّهُ اتَّحَدَ بِالْمَسِيحِ، وَأَنَّهُ صَعَدَ إِلَى السَّمَاءِ، وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ الْأَبِ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّاهُوتَ مُنْذُ اتَّحَدَ بِالنَّاسُوتِ لَمْ يُفَارِقْهُ،، بَلْ لَمَّا صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ الْأَبِ كَانَ الصَّاعِدُ عِنْدَهُمْ هُوَ الْمَسِيحَ، الَّذِي هُوَ نَاسُوتٌ وَلَاهُوتٌ، إِلَهٌ تَامٌّ، وَإِنْسَانٌ تَامٌّ، فَهُمْ لَا يَقُولُونَ: إِنَّ الْجَالِسَ عَنْ يَمِينِ الْأَبِ هُوَ النَّاسُوتُ فَقَط، بَلِ اللَّاهُوتُ الْمُتَّحِدُ بِالنَّاسُوتِ جَلَسَ عَنْ يَمِينِ اللَّاهُوتِ، فَأَيُّ تَبْعِيضٍ وَتَجْزِئَةٍ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا؟

وَلَيْسَ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ لَهُ مَعْنًى لَا نَفْهَمُهُ، بَلْ هُوَ مِنْ كَلَامِ أَكَابِرِهِمُ الَّذِي وَضَعُوهُ، وَجَعَلُوهُ عَقِيدَةَ إِيمَانِهِم، فَإِنْ كَانُوا تَكَلَّمُوا بِمَا لَا يَعْقِلُونَهُ؛ فَهُمْ جُهَّالٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّبَعُوا، وَإِنْ كَانُوا يَعْقِلُونَ مَا قَالَوهُ؛ فَلَا يَعْقِلُ أَحَدٌ مِنْ كَوْنِ اللَّاهُوتِ الْمُتَّحِدِ بِالنَّاسُوتِ جَلَسَ عَنْ يَمِينِ اللَّاهُوتِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الِاتِّحَادِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا اللَّاهُوتَ الْمُجَرَّدَ مُنْفَصِلٌ مُبَايِنٌ لِلَّاهُوتِ الْمُتَّحِدِ، وَلَيْسَ هُوَ مُتَّصِلًا بِهِ، بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مُمَاسًّا لَهُ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي يُمَاسُّ اللَّاهُوتَ الْمُجَرَّدَ هُوَ النَّاسُوتَ مَعَ اللَّاهُوتِ الْمُتَّحِدِ بِهِ، فَهَذَا حَقِيقَةُ التَّبْعِيضِ وَالتَّجْزِئَةِ، مَعَ انْفِصَالِ أَحَدِ الْبَعْضَيْنِ عَنِ الْآخَرِ.

وَأَيْضًا فَيُقَالُ لَهُمُ: الْمُتَّحِدُ بِالْمَسِيحِ: أَهْوَ ذَاتُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمْ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ؟ فَإِنْ كَانَ هُوَ الذَّاتَ، فَهُوَ الْأَبُ نَفْسُهُ، وَيَكُونُ الْمَسِيحُ هُوَ الْأَبَ نَفْسَهُ، وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ النَّصَارَى عَلَى بُطْلَانِهِ؛ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: هُوَ اللَّهُ، وَهُوَ ابْنُ اللَّهِ، كَمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُم، وَلَا يَقُولُونَ: هُوَ الْأَبُ وَالِابْنُ، وَالْأَبُ عِنْدَهُمْ هُوَ اللَّهُ، وَهَذَا مِنْ تَنَاقُضِهُم».([69])

والرافضة: يرون نَقْصَ وتحريفَ القرآن الذي بين أيدينا، وأن القرآن الصحيح مع الغائب المنتظَر في السرداب، الذي سيخرج في آخر الزمان، فما الفائدة إذًا من قرآن سيظهر بعد موت مُعْظَم الأمة دون وجود كتاب الله بينهم، يُبَصِّرُهم بما أراده الله منهم؟!

وأما النصيرية: فلهم القِدْح المُعَلَّى من هذه التُّرَّهات، فسائر فِرَقِهِم يَعْبدون عَليًّا، ومع ذلك يُعَظِّمون قاتِلَه عبدَالرحمن بنَ مَلْجم، بزعم أنه خلّص اللاهوت من الناسوت !!

وقِبْلَةُ البهائيين حيث يوجد زعيمُهم البهاءُ المازندراني، وتتقلَّب قِبْلَتُهم بتنقله، فكيف يتأتى لهم العلم بتنقُّل زعيمهم قبل الهواتف والأجهزة الموجودة في هذه الأيام؟ بل مع هذه الأجهزة؛ كيف يتأتى لهم في بقاع الأرض العِلْمُ بذلك على وجه الدقة؟

أما منهج أهل السنة؛ فليس فيه -ولله الحمد- تناقض ولا اضطراب، وما من إشكال أو اعتراضٍ أَوْرَدَهُ أهلُ البدع على أهل السنة؛ إلا وقد أجاب عليه علماءُ السنة بما يوافق العقلَ والنقلَ، ولو نَظَرْتَ فيما عند أصحاب هذه الإشكالات؛ لرأيتَ ما هو أَطَمُّ وأَعْظَمُ مما اعترضوا به على أهل السنة، وصدق الله القائل: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ] {الفرقان:33}.

* * *

السابع:

  • العموم والشمول والصلاحية لكل زمان ومكان:

وذلك لأن الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- آخر الرسل، وشريعَتَهُ آخرُ الشرائع، والناسَ جميعا مخاطَبُون بها، قَالَ -تعالى-: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ] {الأعراف:158}، وقَالَ -تعالى-: [ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ] {الأنعام:19} فلا بد أن تكون شريعته -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صالحة لكل زمان ومكان، ولذلك وُجِدَتْ قواعدُ عند علماء السنة تَحْكُم كلَّ جزئية مستحدثة بحُكْمٍ من أحكام الشرع، وتُلْحِقُ الجزئياتِ بالكليات، والفروعَ بالأصول، وتَرُدُّ الأشباه والنظائر إلى بعضها، فَتَجْمَع بين المتماثلين، وتُفَرِّق بين المختلفين، بما لا يناقض أصولهم العتيقة، وقواعدهم المُحْكمة، ومن قواعدهم: العملُ بالقياس، وهو إلحاق مَسْكُوتٍ عنه بمنصوصٍ عليه؛ لاشتراكهما في العلة المؤثِّرة في حُكم المنصوص عليه، ومن قواعدهم: أن الأصل في الأشياء الإباحة، و من قواعدهم العملُ بالعُرف والمصالح المرسلة مالم يخالف ذلك نصًّا معلومًا… الخ. وكل هذا يجعل الشريعة غَضَّةً طَرِيَّةً، مواكبةً لكل زمان ومكان، حاكمةً في كل حادثة بما يليق بها عقلًا ونقلًا مهما تباعد الزمان والمكان، بخلاف مناهج الفرق الضالة، كلما ذَرَّ فيهم قرْنٌ؛ نَقَضَ ما كان عليه أسلافه، وانحرف بمسار من معه من تلك الفرقة، وتمزَّقوا بسبب اضطراب رؤوسهم شِيَعًا وأحزابا، وقال بعض خلفهم بضد ما كان عليه أسلافهم حتى وصل الأمر ببعض الخوارج أن قَالَ بقول المرجئة كما سبق!!

الثامن:

  • ثباتُ أهل السنة أمام الابتلاءات المتوالية، كما هو حال أهل الإسلام الأوائل:

وهذا مما جعل المتمسِّكين بها أهلَ قوة في حجتهم، وتَمكينٍ وظُهورٍ على غيرهم، ولا يمكن أن يزيلهم عدوُّهم بالكلية –وإن كان التمكين له-.

فما أن يظُنَّ أعداءُ هذه الدعوة أن عِظَامَهَا قد وَهَنتْ، وأن جَذْوتَهَا قد خَبَتْ؛ حتى تَعُود جَذَعَةً فَتِيَّةً، نَاصِعَةً نَقِيَّةً، فهي ثابتة على مَرِّ التاريخ، لم تَفُتَّ في عَضُدِها تحريفاتُ الغالين، وتأويلاتُ الجاهلين، وانتحالاتُ المبطلين، كما قَالَ –عز وجل-: [ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ] {الحجر:9} فلم يُحَرِّف متأخرو أهل السنة ما كان عليه سَلَفُهم، كما هو الحال في الفرق الأخرى، فلو قارَنْتَ بين كلام متأخريهم وكلام متقدميهم؛ لوجدت التباين والتناقض، والانتقَالَ من قول إلى آخر، بل إلى ضده، فهناك من غلاة الخوارج من صار من غلاة المرجئة أو الرافضة… وهكذا، ومهما مَلَأتْ دعوةٌ غيرُ دعوة السنة الدنيا ضَجيجًا وصُراخًا، وبَلَغَتْ أَوْجَ مَجْدِها؛ إلا وانفرط عِقْدُها، وهُدِمَ نظامها على أيدي أتباعها، كما حصل للشيوعية وغيرهم.

أما أهل السنة فلا يضرهم من خالفهم من خارج الصف، ولا من خَذَلهم من داخل الصف؛ حتى تقوم الساعة، وذلك لسلامة إيمانهم، كما قَالَ الله تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ] {الأنعام:82}، وقَالَ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق…»([70])، وقد سبق شيء من ذلك في الخاصية الثالثة.

فمتى أَخَذت الأمةُ بهذه العقيدة؛ ظَهَرَتْ على عَدُوِّها، وإلا تَصَدّع كَيانُها، وتَفَرَّقَتْ كلمتُها، وتسلطَ عليها عَدُوُّها، ثم إن الأمة الزائغة عن عقيدتها الصحيحة، المنحرفة عن منهاج دينها القويم؛ لا تَلْبَثُ أن تَهْبِطَ من عَلْيائها، وتَسقط من شامخ عِزِّها، وتُشْرِف على حضيض التلاشي والفناء، فَتَلْقَى صَغاراً بعد شَمَمٍ، وخُمولاً بعد نَبَاهَةٍ، وذُلاًّ بعد عِزَّة، وانحِطاطا بعد رِفْعة، وجَهْلاً بعد علم، وتقاطعاً وتدابرا بعد ائتلاف وتلاحم!!

فما الذي أضاع الأندلس، وأَغْرَى النصارى الأذِلَّةَ باحتلالها وإذلال أهلها؟ وما الذي سَلّط التتارَ الهمجَ حتى شَنُّوا غاراتِهِم الشعواءَ على بغداد حاضرة الإسلام، فذهب ضَحِيَّتَها قرابةُ أَلْفَي أَلْفٍ، وَقُتِلَ الْخَلِيفَةُ رَفْسًا بِالأَرْجُلِ، وَتقوّض أو خلا بسببها صَرْحُ الْخِلَافَةِ الإِسْلَامِيةِ من خليفة تَصْدُر عن رأيه الأمة من الشرق إلى الغرب؟ وما الذي سَلَّط الأعداء على المسلمين في هذا الزمان إلا زيغُ العقيدة، وانتشارُ الأهواء، وإعجابُ كل ذي رأي برأيه، وتهارج الأحزاب والجماعات، والتخلي عن تعاليم الدين، واللهثُ والهرولة وراء سَرابِ الملْحدين والمُنْحَلّين والساقطين في الشهوات والشبهات؟!

ومع هذا، فلا يزال في الأرض من ينادي بقوة بهذه العقيدة المباركة، ويُذَكِّر الأمة بتاريخها الْمُشْرِقِ المشرِّف، ورجالاتها الذين هم مصابيح الدُّجَى وقناديلُ الهُدى، والسلسلة متصلة بهذه الطائفة، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.

* * *

التاسع:

  • ومن معالم وخصائص دعوة أهل السنة، أنها تدعو إلى الأُلْفة والاجتماع، وتنْهَى عن الفُرْقة والنزاع:

ومن الأدلة على ذلك: قوله تعالى: [ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ] {آل عمران:103}.

* وقَالَ -تعالى ذِكْرُه-: [ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ] {الأنعام:153}.

* وقَالَ -تعالى-: [ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ] {يوسف:108}.

* وقَالَ -تعالى-: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ] {النساء:115}.

* وروى العرباض بن سارية -رضي الله عنه- قَالَ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ
-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مَوْعِظَةً دَمَعَتْ مِنْهَا الْأَعْيُنُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَبِمَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ: «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ؛ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا؛ فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ ضَلَالَةٌ»([71]).

* وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ
-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَوْمًا خَطًّا، فَقَالَ: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ»، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا، فَقَالَ: «هَذِهِ سُبُلٌ عَلَى رَأْسِ كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ»، وَتَلَا: [ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ] {الأنعام:153}([72]).

قلت: وأهل السنة والجماعة هم أعلم الناس بسبيل الله -جل وعلا- وأصولُهم تحذِّر من التفرق وإن اختلفوا في المسائل الاجتهادية، كما يشهد بذلك تاريخُهم، وأما من يدَّعي اليوم أنه من أهل السنة، وإذا اختلف مع أخيه في أدنى شيء؛ رماه بالبدعة، ودعا إلى هجْره، فبيْنه وبين منهج السلف مفاوز؛ فلْيراجع نفسَه قبل فوات الأوان!!

* * *

العاشرة:

  • التَّمَيُّزُ والمفارقةُ للباطل وأهله:

ومن الأدلة على وجوب مفارقة الباطل الجليِّ وأهله، قولُه تعالى: [ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ] {الأنعام:68}.

قَالَ أبوعبد الله القرطبي -رحمه الله- في «الجامع لأحكام القرآن»([73]): قَالَ ابن العربي: «وهذا دليل على أن مجالسة أهل الكبائر لا تَحِلُّ، قَالَ ابن خُوَيْز مَنْداد: من خاض في آيات الله؛ تُرِكَتْ مجالستُه، وهُجِرَ: مؤمنا كان أو كافرا».

* وقَالَ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً».

* وفي «الصحيحين» عن عائشة -رضي الله عنها- قَالَت: تَلاَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- هَذِهِ الآيَةَ: [ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ] {آل عمران:7} قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ؛ فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ؛ فَاحْذَرُوهُمْ»([74]).

مسألة هجر أهل البدع:

قَالَ شيخ الإسلام إسماعيل الصابوني -رحمه الله- في «عقيدة السلف وأصحاب الحديث»([75]) عند كلامه على عقيدة السلف وأصحاب الحديث: «ويتجانبون أهل البدع والضلالات، ويعادون أصحاب الأهواء والجهالات، ويُبْغِضُون أهلَ البدع الذين أَحْدَثُوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم، ولا يَصْحَبونهم، ولا يَسْمَعون كلامهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين، ولا يناظرونهم، ويَرَوْن صَوْنَ آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مَرَّتْ بالآذان؛ وقَرَتْ في القلوب، وضَرَّتْ وجَرَّتْ إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جَرَّتْ، وقد أنزل الله -عز وجل- قوله: [ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ] {الأنعام:68}».

وقَالَ البغوي في «شرح السنة» باب مجانبة أهل الأهواء([76])، بعد ذكره لحديث كعب بن مالك: «هذا حديث صحيح، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هِجْرَانَ أَهْلِ الْبِدَعِ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَقَدْ مَضَتِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَأَتْبَاعُهُمْ، وَعُلَمَاءُ السُّنَّةِ عَلَى هَذَا، مُجْمِعِينَ مُتَّفِقِينَ عَلَى مُعَادَاةِ أَهْلِ الْبِدْعَةِ، وَمُهَاجَرَتِهِمْ».

وقَالَ الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ -رحمهم الله– كما في «الدرر السنية»([77]): «مواكلة الرافضي، والانبساط معه، وتقديمه في المجالس، والسلام عليه؛ لا يجوز؛ لأنه موالاة وموادة، والله تعالى قد قَطَعَ الموالاة بين المسلمين والمشركين.

وقَالَ الحسن: لا تجالس صاحبَ بدعة؛ فإنه يُمْرِضُ قلبك، وقَالَ النخعي: لا تجالسوا أهل البدع، ولا تُكَلِّمُوهم، فإني أخاف أن تَرْتَدَّ قلوبكم.

فانظر -رحمك الله-: إلى كلام السلف الصالح، وتحذيرهم عن مجالسة أهل البدع، والإصغاء إليهم، وتشديدهم في ذلك، ومنعهم من السلام عليهم؛ فكيف بالرافضة: الذين أخرجهم أهل السنة والجماعة من الثنتين والسبعين فرقة؟ مع ما هم عليه من الشرك البواح، من دعوة غير الله في الشدة والرخاء، كما هو معلوم من حالهم، فمواكلتهم، والسلام عليهم – والحالة هذه – من أعظم المنكرات، وأقبح السيئات، فيجب هجرهم والبُعْدُ عنهم، والهجر مشروع لإقامة الدين، وقَمْعِ المبطلين، وإظهارِ شرائع المرسَلين، وردعٍ لمن خالف طريقتهم من المعتدين». انتهى

وقَالَ الشيخ بكر أبوزيد -رحمه الله- في رسالة «هجر المبتدع»([78]) عند كلامه على قاعدة: الحب في الله والبغض في الله. قَالَ: «يؤصِّل علماء الإسلام «هجر المبتدع ديانة» تحت القاعدة العقدية الكبرى «قاعدة الولاء والبراء». ومفهوم هذه القاعدة الشريفة لدى أهل السنة والجماعة هو: الحب والبغض في الله، فهم يوالون أولياء الرحمن، ويعادون أولياء الشيطان، وكل بحسب ما فيه من الخير والشر، وهذه القاعدة من مسلَّمات الاعتقاد في الإسلام؛ لكثرة النصوص عليها من الكتاب والسنة والأثر، ومن أَوْلَى مقتضياتها، التي يُثاب فاعلها ويُعاقب تاركها: البراءةُ من أهل البدع والأهواء، ومعاداتُهم، وزَجْرُهُم بالهجر ونحوه على التأبيد؛ حتى يفيئوا، وهذا معقود في كتب اعتقاد أهل السنة والجماعة».

وقَالَ العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- في «شرح لمعة الاعتقاد»([79]): «وهجران أهل البدع واجب..، لكن إن كان في مجالستهم مصلحة لتبيين الحق لهم، وتحذيرهم من البدعة؛ فلا بأس بذلك..، ومِنْ هَجْرِ أهل البدع: تَرْكُ النظرِ في كُتبهم خوفاً من الفتنة بها، أو ترويجها بين الناس، فالابتعاد عن مواطن الضلال واجب، لقوله – صَلَى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلهِ وَسَلَّمَ – في الدجال: «من سمع من أمتِي الدَّجَّال؛ فَلْيَنْأَ عَنهُ؛ فَإِن الرجل يَأْتِيهِ وَهُوَ يحسبه مُؤمن؛ فيتبعه مِمَّا يرى من الشُّبُهَات»، لكن إن كان الغرض من النظر في كتبهم معرفة بدعتهم للرد عليها؛ فلا بأس بذلك لمن كان عنده من العقيدة الصحيحة ما يتحصن به، وكان قادراً من الرد عليهم».

وانظر رسالة «هجر المبتدع» لصاحب الفضيلة العلامة الشيخ بكر بن عبد الله «أبو زيد» -رحمه الله تعالى- فقد أورد فيها جملة من النصوص عن السلف في هذا الباب.

وانظر كتاب «موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع» للرحيلي([80]).

الحادي عشر:

  • أن منهجهم قائم على الإخلاص، وسلامةُ القصْدِ، وحُسْنُ العمل بالمتابعة:

وهذا مما تَمَيَّزَتْ به دعوةُ أهل السنة: أنهم يُقَرِّرون في كُتبهم ودروسهم ودعوتهم أن العمل لا يُقْبَلُ إلا إذا كان خالصا صوابا:

قَالَ الحافظ ابن كثير([81]) -رحمه الله تعالى- عند تفسير قوله تعالى: [ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ]: «أخْلَصَ العملَ لربه -عز وجل- فَعَمِلَ إيماناً واحتساباً، [ﮗ ﮘ ] {النساء:125} أي اتبع في عمله ما شرعه الله له، وما أَرْسَلَ به رسوله من الهدى ودين الحق، وهذان الشرطان لا يصح عَمَلُ عاملٍ بدونهما، أي يكون خالصاً صواباً، والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون متابعاً لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فيصح ظاهرُهُ بالمتابعة، وباطنُه بالإخلاص، فمتى فقَدَ العملُ أَحَدَ هذين الشرطين؛ فَسَدَ، فمن فَقَدَ الإخلاصَ؛ كان منافقاً، وهم الذين يُراءون الناسَ، ومن فَقَد المتابعة؛ كان ضالًّا جاهلاً، ومتى جَمَعَهما؛ كان عَمَلَ المؤمنين الذين يُتَقَبَّلُ عنهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويُتَجَاوز عن سيئاتهم، الآية، ولهذا قَالَ تعالى: [ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ] {النساء:125} وهم محمد وأتباعه إلى يوم القيامة، كما قَالَ تعالى: [ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ] {آل عمران:68} الآية، وقَالَ تعالى: [ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ] {النحل:123} والحنيفُ: هو المائلُ عن الشرك قَصْدًا، أي تاركاً له عن بصيرة، ومُقْبِلٌ على الحق بكليته، لا يَصُدُّه عنه صادٌّ، ولا يَرُدُّهُ عنه رادٌّ».

قَالَ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي -رحمه الله تعالى-: «مذهب أهل السنة والجماعة: أنهم يَشْهَدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الله متفرد بالخلق والملك والسلطان والتدبير، فليس له في ذلك شريك ولا عَوِين([82])، وأنه الإله الحق الذي لا معبود سواه، وأن كل من عُبِدَ من دونه من مَلَكٍ مُقَرَّبٍ، أو نبيّ مُرْسَل، أو غيرهما؛ فعبادته من أبطل الباطل، وأعظم الشرك، ويقومون بعبودية ربهم بكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، يخلصونها لله، ويتابعون فيها رسول الله، ويتقربون بها إلى ربهم على وجه المحبة التامة والذل الكامل، فإن عبادة الله مبنية على هذين الأصلين: الإخلاص والمتابعة، الناشئين عن محبة الله وتعظيمه، فعبودية الله الظاهرة والباطنة تدور على هذا، ولا نجاة ولا فلاح إلا بذلك، ويرون أَعْظَمَ القربات إلى الله الجِدَّ في إحسان الأعمال وإكمالها وإيقاعها على أكمل الوجوه، مع استحضار مقام المراقبة لله وقت تَلَبُّسِ العبد بها، فيجتهدون في إتقان العمل وتنقيته من جميع المُنْقِصات، ويعلمون أن هذا مراد الله من عباده، كما قَالَ تعالى: [ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ] {الملك:2}»([83]).

وقَالَ العلامة محمد رشيد رضا -رحمه الله-: «العبادة الصحيحة لله تعالى لا تتحقق إلا إذا خَلُصَتْ له وحده، فلم تَشُبْها شائبة ما من التوجه إلى غيره، كما قَالَ: [ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ] {الزمر:14}، وقَالَ: [ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ] {البينة:5}، والآيات في هذا المعنى كثيرة… ومتى انتفى الإخلاصُ؛ انتفت العبادة، ولذلك قَالَ: [ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ] {الزمر:2، 3} الآية… ويدل عليها أيضًا قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِى؛ تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ».([84]) وفي رواية – «فأنا منه بريء، هو للذي عَمِلَ له…».([85])

وقَالَ أيضًا: «اعلم أيها الأخ المستفهم: أن أصول دين الله تعالى وفروعه مبنية على أساسين:

أحدهما: أن لا يُعْبَدَ إلا الله تعالى.

وثانيهما: ألا يُعْبَد إلا بما شَرَعَ… فعبادات الدين لا تثبت إلا بنص من كتاب الله أو سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وليس لأحد أن يزيد فيها برأيه شيئاً؛ فإن الله تعالى قد أكمل دينه على لسان رسوله بنص الآية المشهورة([86]).

وقَالَ الشيخ صالح بن فوزان الفوزان -حفظه الله- في «إعانة المستفيد»([87]): «والعمل لا يكون صالحاً إلَّا إذا توفّر فيه شرطان:

الشرط الأول: الإخلاص لله -عزّ وجلّ- من الرياء والسمعة، ومن جميع أنواع الشرك الأكبر والأصغر.

والشرط الثاني: أن يكون موافقاً لسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خالياً من البدع والمحدَثات والخُرافات.

أما إنِ اختلّ شرطٌ من هذين الشرطين؛ فليس عملاً صالحاً، وإنما هو عملٌ باطل.

فإن اختلّ الشرط الأول؛ صار العمل حابِطاً لما دَخَله من الشرك.

وإنِ اختلّ الشرطُ الثاني؛ صار بِدَعاً ومُحْدَثات ومُخالَفات؛ فهو مردود باطل، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من عمِل عملاً ليس عليه أَمْرُنا؛ فهو رَدٌّ»، وفي رواية: «من أَحْدَث في أَمْرِنا هذا ما ليس منه؛ فهو رَدٌّ».

فلا يكون العمل صالحاً إلاَّ إذا توفّر فيه هذان الشرطان، كما قَالَ تعالى: [ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ] {الملك:2}، قَالَ الفُضيل بن عياض -رحمه الله-: «أَخْلَصُه وأَصْوَبُه»، قَالَوا: يا أبا علي، وما أَخْلَصُه وأَصْوَبُه؟، قَالَ: «أَخْلَصُه: أن يكون خالصاً لوجه الله، وأَصْوَبُه: أن يكون صواباً على سنة رسول الله، فإن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً؛ لم يُقْبَلُ، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً؛ لم يُقْبَل، وإنما يُقبل إذا كان خالصاً صواباً». وانظر كلامه -حفظه الله- في «شرح لمعة الاعتقاد»([88])

* * *

الثاني عشر:

  • تأثير العقيدة على السلوك والأخلاق والمعاملة للفرد والمجتمع:

فَلَيْسَتْ عَقِيدَة أهل السنة عَقِيدَةً مُفَرَّغَةً أو جافة عقيمة عَنْ مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ، وَصَالِحِ الأَعْمَالِ، وَالْمَعْرُوفِ مَنِ الآدَابِ وَالأَحْكَامِ؛ بَلْ لَابُدَّ فِيهَا مِنْ الْعَمَلِ وفْقَ مَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ، فَالْعِلمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ، إِنْ أَجَابَهُ وإِلَا ارْتَحَلَ.

وَقَدْ ذَكَرَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- فِي كِتَابِ «اقْتِضَاءِ الْعِلْمِ الْعَمَلَ» جُمْلَةً طَيِبِةً مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْمَعْنَى،([89]) فَمِنْ ذَلِكَ:

عن سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رحمه الله- قَالَ: «الدُّنْيَا جَهْلٌ وَمَوَاتٌ إِلَّا الْعِلْمَ، وَالْعِلْمُ كُلُّهُ حُجَّةٌ إِلَّا الْعَمَلَ بِهِ، وَالْعَمَلُ كُلُّهُ هَبَاءٌ إِلَّا الْإِخْلَاصَ، وَالْإِخْلَاصُ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ حَتَّى يُخْتَمَ بِهِ».

وقَالَ أَيْضًا -رحمه الله-: «الْعِلْمُ أَحَدُ لَذَّاتِ الدُّنْيَا، فَإِذَا عُمِلَ بِهِ صَارَ لِلْآخِرَةِ»

وعن أَبَي بَكْرٍ الرَّازِيِّ -رحمه الله- قَالَ: سَمِعْتُ الْخَوَّاصَ، يَقُولُ: «لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ، وَإِنَّمَا الْعَالِمُ مَنَ اتَّبَعَ الْعِلْمَ وَاسْتَعْمَلَهُ، وَاقْتَدَى بِالسُّنَنِ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلَ الْعِلْمِ».

وعن أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ -رحمه الله- قَالَ: حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ أَحْمَدَ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: [ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ] {العنكبوت:69} الْآيَةُ. قَالَ: «الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِمَا يَعْلَمُونَ؛ نَهْدِيهِمْ إِلَى مَا لَا يَعْلَمُونَ».

وعن أَبَي بَكْرٍ الرَّازِيِّ -رحمه الله- قال: قَالَ يُوسُفُ بْنُ الْحُسَيْنِ
-رحمه الله-: «فِي الدُّنْيَا طُغْيَانَانِ: طُغْيَانُ الْعِلْمِ وَطُغْيَانُ الْمَالِ، وَالَّذِي يُنْجِيَكَ مِنْ طُغْيَانِ الْعِلْمِ: الْعِبَادَةُ، وَالَّذِي يُنْجِيَكَ مِنْ طُغْيَانِ الْمَالِ: الزُّهْدُ فِيهِ».

وقَالَ يُوسُفُ بْنُ الْحُسَيْنِ -رحمه الله- أَيْضًا: «بِالْأَدَبِ تَفْهَمُ الْعِلْمَ، وَبِالْعِلْمِ يَصِحُّ لَكَ الْعَمَلُ، وَبِالْعَمَلِ تَنَالُ الْحِكْمَةَ، وَبِالْحِكْمَةِ تَفْهَمُ الزُّهْدَ وَتُوَفَّقُ لَهُ، وَبِالزُّهْدِ تَتْرُكُ الدُّنْيَا، وَبِتَرْكِ الدُّنْيَا تَرْغَبُ فِي الْآخِرَةِ، وَبِالرَّغْبَةِ فِي الْآخِرَةِ تَنَالُ رِضَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-».

وعن أَبَي الْقَاسِمِ الْجُنَيْدَ -رحمه الله- قال: «مَتَى أَرَدْتَ أَنْ تُشَرَّفَ بِالْعِلْمِ، وَتُنْسَبَ إِلَيْهِ، وَتَكُونَ مِنْ أَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ تُعْطِيَ الْعِلْمَ مَا لَهُ عَلَيْكَ؛ احْتَجَبَ عَنْكَ نُورُهُ، وَبَقِيَ عَلَيْكَ رَسْمُهُ وَظُهُورُهُ؛ ذَلِكَ الْعِلْمُ عَلَيْكَ لَا لَكَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْعِلْمَ يُشِيرُ إِلَى اسْتِعْمَالِهِ، فَإِذَا لَمْ تَسْتَعْمِلِ الْعِلْمَ فِي مَرَاتِبِهِ؛ رَحَلَتْ بَرَكَاتُهُ».

وعن أَبَي عَبْدِ اللَّهِ الرُّوذْبَارِيَّ -رحمه الله- قال: «مَنْ خَرَجَ إِلَى الْعِلْمِ يُرِيدُ الْعِلْمَ؛ لَمْ يَنْفَعْهُ الْعِلْمُ، وَمَنْ خَرَجَ إِلَى الْعِلْمِ يُرِيدُ الْعَمَلَ بِالْعِلْمِ؛ نَفَعَهُ قَلِيلُ الْعِلْمِ».

وعنه -رحمه الله- أيضًا قَالَ: «الْعِلْمُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعَمَلِ، وَالْعَمَلُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْإِخْلَاصِ، وَالْإِخْلَاصُ لِلَّهِ يُوَرِّثُ الْفَهْمَ عَنِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-».

وعن مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ -رحمه الله- قال: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا طَلَبَ الْعِلْمَ لِلْعَمَلِ؛ كَسَرَهُ عِلْمُهُ، وَإِذَا طَلَبَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ؛ ازْدَادَ بِهِ فُجُورًا أَوْ فَخْرًا».

وعَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ -رحمه الله- عَنْ مَطَرٍ-رحمه الله- قَالَ: «خَيْرُ الْعِلْمِ مَا نَفَعَ، وَإِنَّمَا يَنْفَعُ اللَّهُ بِالْعِلْمِ مَنْ عَلِمَهُ ثُمَّ عَمِلَ بِهِ، وَلَا يَنْفَعُ بِهِ مَنْ عَلِمَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ».

وعن حَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ -رحمه الله- عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ الرَّحَبِيِّ -رحمه الله- قَالَ: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ، وَاعْقِلُوهُ، وَانْتَفِعُوا بِهِ، وَلَا تَعَلَّمُوهُ لِتَجَمَّلُوا بِهِ؛ فَإِنَّهُ يُوشِكُ إِنْ طَالَ بِكُمُ الْعُمُرُ أَنْ يُتَجَمَّلَ بِالْعِلْمِ كَمَا يَتَجَمَّلُ الرَّجُلُ بِثَوْبِهِ».

وعن صَالِحِ بْنِ رُسْتُمَ -رحمه الله- قَالَ: قَالَ لِي أَبُو قِلَابَةَ -رحمة الله عليه-،: «إِذَا أَحْدَثَ اللَّهُ لَكَ عِلْمًا؛ فَأَحْدِثْ لَهُ عِبَادَةً، وَلَا يَكُنْ إِنَّمَا هَمُّكَ أَنْ تُحَدِّثَ بِهِ النَّاسَ».

وعَنْ أَبِي مَعْمَرٍ -رحمه الله- عَنِ الْحَسَنِ -رحمه الله- قَالَ: «هِمَّةُ الْعُلَمَاءِ الرِّعَايَةُ، وَهِمَّةُ السُّفَهَاءِ الرِّوَايَةُ».

وعن عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ –رضي الله عنه- قَالَ: «هَتَفَ الْعِلْمُ بِالْعَمَلِ، فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلَّا ارْتَحَلَ».

وعَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ -رحمه الله- قَالَ: «الْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ، فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلَّا ارْتَحَلَ».

وعَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ -رحمه الله- قَالَ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، «مَا عَلَّمَ اللَّهُ عَبْدًا عِلْمًا إِلَّا كَلَّفَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ضِمَارَهُ مِنَ الْعَمَلِ([90])».

وعن فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ -رحمه الله-: «لَا يَزَالُ الْعَالِمُ جَاهِلًا بِمَا عَلِمَ حَتَّى يَعْمَلَ بِهِ، فَإِذَا عَمِلَ بِهِ؛ كَانَ عَالِمًا».

وعنه -رحمه الله- قَالَ: «إِنَّمَا يُرَادُ مِنَ الْعِلْمِ الْعَمَلُ، وَالْعِلْمُ دَلِيلُ الْعَمَلِ».

وعنه -رحمه الله- أيضاً قَالَ: «عَلَى النَّاسِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا، فَإِذَا عَلِمُوا؛ فَعَلَيْهِمُ الْعَمَلُ».

وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُعْتَزِّ -رحمه الله-: «عِلْمٌ بِلَا عَمَلٍ كَشَجَرَةٍ بِلَا ثَمَرَةٍ».

وَقَالَ -رحمه الله- أَيْضًا: «عِلْمُ الْمُنَافِقِ فِي قَوْلِهِ، وَعِلْمُ الْمُؤْمِنِ فِي عَمَلِهِ».

وَقَالَ ابْنُ رَجَبِ الْحَنْبَلِي -رحمه الله- فِي «جَامِعِ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ»([91]): «إنَّ كمالَ الدُّنيا إنَّما هو في العلم والعمل، والعلمُ مقصودُ الأعمالِ». اهـ

قَالَ الخطيب البغدادي رحمه الله: «أنْشَدَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيُّ لِبَعْضِهِمْ:

اعْمَلْ بِعِلْمِكَ تَغْنَمْ أَيُّهَا الرَّجُلُ
لَا يَنْفَعُ الْعِلْمُ إِنْ لَمْ يَحْسُنِ الْعَمَلُ
وَالْعِلْمُ زَيْنٌ وَتَقَوَى اللَّهِ زِينَتُهُ
وَالْمُتَّقُونَ لَهُمْ فِي عِلْمِهِمْ شُغُلُ
وَحُجَّةُ اللَّهِ يَا ذَا الْعِلْمِ بَالِغَةٌ
لَا الْمَكْرُ يَنْفَعُ فِيهَا لَا وَلَا الْحِيَلُ
تَعَلَّمِ الْعِلْمَ وَاعْمَلْ مَا اسْتَطَعْتَ به
لَا يُلْهِيَنَّكَ عَنْهُ اللَّهْوُ وَالْجَدَلُ ِ
وَعَلِّمِ النَّاسَ وَاقْصِدْ نَفْعَهُمْ أَبَدًا
إِيَّاكَ إِيَّاكَ أَنْ يَعْتَادَكَ الْمَلَلُ
وَعِظْ أَخَاكَ بِرِفْقٍ عِنْدَ زَلَّتِهِ
فَالْعِلْمُ يَعْطِفُ مَنْ يَعْتَادُهُ الزَّلَلُ
وَإِنْ تَكُنْ بَيْنَ قَوْمٍ لَا خَلَاقَ لَهُمْ
فَأْمُرْ عَلَيْهِمْ بِمَعْرُوفٍ إِذَا جَهَلُوا
فَإِنْ عَصَوْكَ فَرَاجِعْهُمْ بِلَا ضَجَرٍوَاصْبِرْ وَصَابِرْ وَلَا يَحْزُنْكَ مَا فَعَلُوا
فَكُلُّ شَاةٍ بِرِجْلَيْهَا مُعَلَّقَةٌ
عَلَيْكَ نَفْسَكَ إِنْ جَارُوا وَإِنْ عَدَلُوا

* * *

الثالث عشر:

  • ومن خصائص هذه العقيدة: رَبْطُ خَلَفِ الأُمة بسَلَفِها لاسيما العلماء والأئمة:

فالخلف من أَهْلِ السُّنَّةِ يُعَظِّمُون ويُبَجِّلُون السَّلَفَ الصَّالِحَ، وَيَقْتَدُونَ بِهِمْ، وَيَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِمْ، ويُقَدِّرُونَ جُهُودَهُمْ فِي خِدْمَةِ السُّنَّةِ من جميع جوانبها، ويَرَوْن أن طريقتهم هي الأسلم والأعلم والأحكم في جميع الأبواب العلمية والعملية، ويُعَظِّمون هذا في نفوس طلبتهم؛ ليقتدوا بهم، والمقصود بالسلف الصالح: الصحابة -رضي الله عنهم- ومن تبعهم بإحسان من التابعين وتابعيهم -رحمهم الله-، ويُلْحَقُ بهم الأئمة الذين سبقونا وهم على نهج السلف، ودافعوا عنه، وانتصروا له، وجدّدوه في نفوس الخلف، وعَرَضُوه لهم صافيا نقيًّا من الشبهات والضلالات، فقد قَالَ تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ] {التوبة:100}.

وقَالَ الإمام أبو جعفر الطحاوي -رحمه الله-: «وَعُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنَ السَّابِقِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ: أَهْلِ الْخَيْرِ وَالْأَثَرِ، وَأَهْلِ الْفِقْهِ وَالنَّظَرِ؛ لَا يُذْكَرُونَ إِلَّا بِالْجَمِيلِ، وَمَنْ ذَكَرَهُمْ بِسُوءٍ؛ فَهُوَ عَلَى غَيْرِ السَّبِيلِ»([92]).

قَالَ ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله-: قَالَ تَعَالَى: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ] {النساء:115} فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَعْدَ مُوَالَاةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مُوَالَاةُ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ، خُصُوصًا الَّذِينَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، الَّذِينَ جعلهم الله بمنزلة النجوم، يُهْتَدَى بِهِمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَدِرَايَتِهِمْ؛ إِذْ كَلُّ أُمَّةٍ قَبْل مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- عُلَمَاؤُهَا شِرَارُهَا، إِلَّا الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ عُلَمَاءَهُمْ خِيَارُهُمْ، فَإِنَّهُمْ خُلَفَاءُ الرَّسُولِ مِنْ أُمَّتِهِ، وَالْمُحْيُونَ لِمَا مَاتَ مِنْ سُنَّتِهِ، فَبِهِمْ قَامَ الْكِتَابُ وَبِهِ قَامُوا، وَبِهِمْ نَطَقَ الْكِتَابُ وَبِهِ نَطَقُوا، وَكُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ اتِّفَاقًا يَقِينًا عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم- وَلَكِنْ إِذَا وُجِدَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ قَوْلٌ قَدْ جَاءَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ بخلافه؛ فلا بد لَهُ فِي تَرْكِهِ مِنْ عُذْرٍ». اهـ

وَمِنْ صُوَرِ رَبْطِ الْخَلَفِ بِالسَّلَفِ: أَنَّ إِجْمَاعَهُمْ -أي السلف- حُجَةٌ، لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ الْخَلَفِ الْخُرُوجُ عَنْهُ، وَإِذَا اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ؛ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلَفِ أَنْ يَأْتِي بِثَالِثٍ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لِابْنِهِ: «إِيَّاكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي مَسْأَلَةٍ لَيْسَ لَكَ فِيِهَا إِمَامٌ»([93]).

ومن بركة هذه الخصيصة: سلامةُ قلوب الخلف على السلف، عملًا بقوله تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ] {الحشر:10}.

* * *

الرابع عشر:

  • عبادةُ الله -جل وعلا- بأسمائه وصفاته:

العلم بالله -جل شأنه-، وبأسمائه وصفاته أَشْرَفُ العلوم، وأَجَلُّها على الإطلاق؛ لأنّ شَرَفَ العلم يكون بِشَرَف المعلوم، والمعلوم في هذا العلم هو الله -سبحانه، وتعالى- بأسمائه، وصفاته وأفعاله، فالاشتغال بفهم هذا العلم اشتغال بأعلى المطالب، وحصولُه للعبد من أشرف المواهب، ومعرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته تدعو إلى محبته، وخشيته، وخوفه، ورجائه، ومراقبته، وإخلاص العمل له، وهذا هو عين سعادة العبد، ولا سبيل إلى معرفة الله إلا بمعرفة أسمائه الحسنى، وصفاته العلا، والتفقه في معانيها وذلك مما يزيد الإيمان([94]).

قَالَ الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالي- في كتاب «مفتاح دار السعادة»([95]): «فصل: والأسماء الْحسنى وَالصِّفَات الْعُلَا مُقْتَضِيَةٌ لآثارها من الْعُبُودِيَّة، (وَأمْرُ اقتضائها) لآثارها من الْخَلْقِ والتكوين، فَلِكُل صفةٍ عبوديةٌ خَاصَّة هِيَ من موجباتها ومقتضياتها، أَعْنى من مُوجبَات الْعلم بهَا، والتحقُّقِ بمعرفتها، وَهَذَا مُطَّرَدٌ فِي جَمِيع أَنْوَاع الْعُبُودِيَّة، الَّتِي على الْقلب والجوارح، فَعِلمُ العَبْدِ بتفرد الرَّبِّ تَعَالَى بِالضُّرِ والنفعِ، وَالعطَاءِ وَالْمَنْعِ، والخلقِ والرزقِ، والإحياءِ والإماتةِ؛ يُثمر لَهُ عبوديةَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ بَاطِنا، ولوازِمَ التَّوَكُّل وثمراته ظَاهرا، وَعِلْمُه بسَمْعِهِ تَعَالَى وبَصَرِهِ وَعِلْمِهِ، وَأَنه لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْقَالُ ذرة فِي السَّمَوَات وَلَا فِي الأَرْض، وَأَنه يَعْلَم السِّرّ وأَخْفى، وَيَعْلَمُ خَائِنَة الْأَعْين وَمَا تُخْفى الصُّدُور؛ يُثمر لَهُ حِفْظَ لِسَانِهِ وجوارِحِهِ، وخَطَرَاتِ قَلْبِهِ عَن كل مَالا يُرْضِى الله، وَأَن يَجْعَل تَعَلُّقَ هَذِه الْأَعْضَاء بِمَا يُحِبهُ الله ويرضاه، فَيُثْمِرَ لَهُ ذَلِك الْحيَاءَ بَاطِنا، ويُثْمِرَ لَهُ الْحيَاءُ اجْتِنَابَ الْمُحرمَاتِ والقبائحِ، ومعرِفَتُهُ بغناه وجُوده وَكَرمه وبِرِّه وإحسانه وَرَحمته؛ تُوجِبُ لَهُ سَعَة الرَّجَاء، وتُثْمِرُ لَهُ ذَلِك من أَنْوَاع الْعُبُودِيَّة الظَّاهِرَة والباطنة بِحَسب مَعْرفَتِهِ وَعِلْمِهِ، وَكَذَلِكَ مَعْرفَتُهُ بِجلَال الله وعظمته وعِزِّه؛ تُثْمِر لَهُ الخضوعَ والاستكانَةَ والمحبة، وتُثْمِر لَهُ تِلْكَ الْأَحْوَالُ الْبَاطِنَةُ أنواعا من الْعُبُودِيَّة الظَّاهِرَة، هِيَ موجَباتُها، وَكَذَلِكَ عِلْمُه بِكَمَالِهِ وجماله وَصِفَاته العُلَى؛ يُوجب لَهُ محبَّةً خَاصَّةً بِمَنْزِلَة أَنْوَاع الْعُبُودِيَّة، فَرَجَعت الْعُبُودِيَّةُ كلُّهَا إِلَى مُقْتَضَى الْأَسْمَاء وَالصِّفَات، وارتبطت بهَا ارتباط الْخلق بهَا، فَخَلْقُه سُبْحَانَهُ وَأَمْرُهُ هُوَ مُوجَبُ أَسْمَائِهِ وَصِفَاته فِي الْعَالم، وآثارُها ومقتضاها؛ لِأَنَّهُ لَا يَتزيَّنُ من عباده بطاعتهم، وَلَا تَشِينُهُ معصيتُهُم، وَتَأَمَّلْ قَوْله فِي الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي يرويهِ عَن ربه -تبَارك وَتَعَالَى-: «يَا عبَادي، إنكُمْ لن تَبْلُغُوا ضُرِّى فَتَضُرُّونِي، وَلنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي» ذكر هَذَا عقب قَوْله: «يَا عبَادي، إِنَّكُم تخطئون بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار، وَأَنا أَغْفِرُ الذُّنُوب جَمِيعًا؛ فاستغفروني أَغْفِرْ لكم»، فتضمَّنَ ذَلِك أَن مَا يَفْعَله تَعَالَى بهم فِي غُفران زلاتهم، وَإجَابَة دعواتهم، وتفريج كُرُباتهم؛ لَيْسَ لجلب مَنْفَعَةٍ مِنْهُم، وَلَا لِدَفْع مضرَّة يتوقعها مِنْهُم، كَمَا هُوَ عَادَة الْمَخْلُوق الَّذِي يَنْفَعُ غَيره لِيُكَافِئَه بنْفع مِثْلِهِ، أَو لِيَدْفَعَ عَنهُ ضَرَرا، فالرب تَعَالَى لم يُحْسِن إِلَى عباده ليكافئوه، وَلَا ليدفعوا عَنهُ ضَرَرا، فَقَالَ: «لن تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، وَلنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي»، إَنِّي لَسْتُ إِذا هديتُ مُسْتَهْدِيَكُم، وأَطْعَمْتُ مُسْتَطْعِمَكُم، وكَسَوْتُ مُسْتَكْسِيَكُم، وأَرْوَيْتُ مُسْتَسْقِيَكُم، وكَفَيْتُ مُسْتَكْفِيَكُم، وغَفَرْتُ لمُسْتَغْفِرَكُم؛ بِالَّذِي أَطْلُبُ مِنْكُم أَن تنفعوني، أَو تدفعوا عني ضَرَرا، فإنكم لن تبلغوا ذَلِك، وَأَنا الْغَنِيّ الحميد، كَيفَ والخلق عاجزون عَمَّا يقدرُونَ عَلَيْهِ من الْأَفْعَال إِلَّا بإقداره وتيسيره وخَلْقه، فَكيف بِمَا لَا يقدرُونَ عَلَيْهِ، فَكيف يبلغون نفع الْغَنِيّ الصَّمد، الَّذِي يمْتَنع فِي حَقه أَن يستجلب من غَيره نفعا، أَو يستدفع مِنْهُ ضَرَرا، بل ذَلِك مُسْتَحِيل فِي حَقه، ثمَّ ذكر بعد هَذَا قَوْله: «يَا عبَادي، لَو أَن أَوَّلَكُم وآخِرَكُم وإِنْسَكُم وجِنَّكُم كَانُوا على أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُم؛ مَا زَاد ذَلِك فِي مُلْكِي شَيْئا، وَلَو أَن أَوَّلَكُم وآخِرَكُم وإِنْسَكُم وجِنَّكُم كَانُوا على أَفْجَرِ قَلْبِ رجلٍ وَاحِدٍ مِنْكُم؛ مَا نَقَصَ ذَلِك من مُلْكِي شَيْئا»، فَبين –سُبْحَانَهُ- أَن مَا أَمرهم بِهِ من الطَّاعَات، وَمَا نَهَاهُم عَنهُ من السَّيِّئَات، لَا يتَضَمَّن استجلابَ نَفْعِهِم، وَلَا اسْتِدْفَاعَ ضَرَرِهم، كأمر السَّيِّد عَبْدَهُ، وَالْوَالِد وَلَدَهُ والإِمام رَعِيَّتَهُ بِمَا ينفع الْآمِر والمأمور، ونهيهم عَمَّا يَضُرُّ الناهيَ والمَنْهِيَّ، فَبين –تَعَالَى- أَنه المُنَزَّهَ عَن لُحُوق نَفْعِهِم وضرهم بِهِ فِي إحسانه إِلَيْهِم بِمَا يَفْعَله بهم، وَبِمَا يَأْمُرهُم بِهِ، وَلِهَذَا لما ذكر الْأَصْلَيْنِ بعد هَذَا، وَأَن تقواهم وفجورهم الَّذِي هُوَ طاعتهم ومعصيتهم لَا يزِيد فِي ملكه شَيْئا وَلَا ينقصهُ، وَأَن نِسْبَة مَا يسألونه كُلُّهُم إِيَّاه فيعطيهم إِلَى مَا عِنْده كَلَا نِسْبَةٍ، فتضمن ذَلِك أَنه لم يَأْمُرْهُم، وَلم يُحْسِنْ إِلَيْهِم بإجابة الدَّعْوَات، وغُفْران الزلات، وتفريج الكُرُبات؛ لاسْتجْلاب مَنْفَعَةٍ، وَلَا لاسْتِدْفاع مَضَرَّة، وَأَنَّهُمْ لَو أطاعوه كلُّهم؛ لم يزِيدُوا فِي مُلْكِهِ شَيْئا، وَلَو عَصَوْه كلُّهم؛ لم يَنْقُصُوا من مُلْكِهِ شَيْئا، وَأَنه الْغَنِيّ الحميد، وَمن كَانَ هَكَذَا؛ فانه لَا يتزين بِطَاعَة عباده وَلَا تَشِينُهُ معاصيهم، وَلَكِن لَهُ من الحِكَم البوالغ فِي تَكْلِيف عباده وَأَمْرِهمْ ونَهْيِهم مَا يَقْتَضِيهِ مُلْكَهُ التَّامَّ وحَمْدَهُ وحِكْمَتَهُ، وَلَو لم يكن فِي ذَلِك إِلَّا أَنه يسْتَوْجب من عباده شُكْرَ نِعَمِهِ الَّتِي لَا تُحْصَى بِحَسب قُواهم وطاقتهم، لَا بِحَسب مَا يَنْبَغِي لَهُ؛ فإنه أعظم وَأَجَلُّ من أَن يَقْدِر خَلْقُه عَلَيْهِ، وَلكنه –سُبْحَانَهُ- يرضى من عباده بِمَا تَسْمَحُ بِهِ طبائعُهُم وقُواهم، فَلَا شَيْء أحْسَنَ فِي الْعُقُول وَالْفِطَرِ من شُكْر الْمُنْعِم، وَلَا أَنْفَعَ للْعَبد مِنْهُ، فهذان مَسْلَكان آخرَانِ فِي حُسْن التَّكْلِيف وَالْأَمر وَالنَّهْي:

أَحدهمَا: يتَعَلَّق بِذَاتِهِ وَصِفَاته، وَأَنه أهلٌ لذَلِك، وأن جماله تَعَالَى وكماله وأسماءه وَصِفَاته تَقْتَضِي من عباده غَايَة الْحبّ والذل وَالطَّاعَة لَهُ.

وَالثَّانِي: مُتَعَلِّق بإحسانه وإنعامه، وَلَا سِيمَا مَعَ غناهُ عَن عباده، وأنه إِنَّمَا يُحْسِن إِلَيْهِم رَحْمَةً مِنْهُ وجُودا وكَرَمًا، لَا لمعاوَضَةً، وَلَا لاسْتِجْلاب مَنْفَعَةٍ، وَلَا لِدَفْعِ مَضَرَّةٍ، وَأي المَسْلَكَيْن سَلَكَهُ العَبْد؛ أوقفهُ على محبته، وبَذْلِ الْجهد فِي مرضاته، فَأَيْنَ هَذَانِ المسلكان من ذَيْنِكَ المسلكين، وإنما أُتَى الْقَوْمُ من إنكارهم الْمحبَّةَ، وَذَلِكَ الَّذِي حرَمَهُم من الْعلم والإيمان مَا حرمهم، وَأوجب لَهُم سلوك تِلْكَ الطّرق المسدودة، وَالله الفتاح الْعَلِيم». اهـ

وقَالَ الحافظ ابن رجب الحنبلي -رحمه الله تعالى– في «جامع العلوم والحكم»([96]): «إنَّ العلم أصلُه العلمُ بالله وأسمائه وصفاته، وفي الآخرة يَنْكَشِفُ الغِطاءُ، ويصيرُ الخبر عياناً، ويصيرُ علمُ اليقين عينَ اليقين، وتصيرُ المعرفةُ بالله رؤيةً له ومشاهدةً، فأين هذا مما في الدُّنيا؟».

وقَالَ الشيّخ ابن سعدي -رحمه الله-: «إنّ الإيمان بأسماء الله الحسنى، ومعرِفَتَهَا يتضمّن أنواع التوحيد الثلاثة، توحيدَ الربوبيّة، وتوحيدَ الألوهية، وتوحيدَ الأسماء، والصفات، وهذه الأنواع هي رَوْحُ الإيمان ورُوحُه([97])، وأَصْلُه وغايته، فكلّما ازداد العبد معرفة بأسماء الله وصفاته؛ ازداد إيمانُهُ، وقَوِيَ يقينُهُ».

وقَالَ أيضًا -رحمه الله-: «واعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها: الإيمانَ بأسماء الله وصفاته، وأحكامِ الصفات.

فيؤمنون مثلاً بأنه رحمن رحيم، ذو الرحمة التي اتصف بها، المتعلقة بالمرحوم، فالنِّعَمُ كلُّها أَثَرٌ من آثار رحمته، وهكذا في سائر الأسماء. يقَالَ في العليم: إنه عليم ذو عِلْمٍ يَعْلَم به كل شيء، قدير ذو قدرةٍ يَقْدِر الأسماء وعلى كل شيء»([98]).

قلت: أما أهل البدع الذين يؤولون الأسماء والصفات ويُفْرِغُونها من معناها الذي يشهد له الخطاب الإلهي في القرآن والسنة، والذين يشبِّهونها بصفات المخلوقين، والذين يعطِّلُونها بالكلية -بعدما اعتقدوا أنها تدل على التشبيه- فإن كل هؤلاء محرومون من هذه النعمة التي يتمتع بها أهل السنة والجماعة.

* * *

الخامس عشر:

  • الدين قد اكتمل، ودعوة أهل السنة لا تُنافي العلومَ الدنيويةَ النافعةَ:

وهذا يدل على أنها دعوة مباركة، تجمع بين الدين والدنيا، وهذا من أسْرار نجاح وانتشار دعوة أهل السنة؛ فإن المسلم لابد له من عمارة الدنيا، والاستفادة من المستجدات العصرية -فيما لا يخالف الشرع- بما يُمَكِّن للدعوة في جميع الجوانب، فليستْ دعوةُ أهل السنة دعوةَ المنظِّرين المتكلِّمين المشغولين بجدل لا صلة له بعمارة الدنيا، وليست دعوةً صوفيةً تُوَلِّي الواجبات الدنيوية ظَهْرَها، وتَنْقَطِع عن الدنيا، وتَعْكُف على عبادات مُحْدَثَة!!

ومن الأدلة على ذلك: قولُ الله –تبارك وتعالى-: [ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ] {القصص:77}، وقوله تعالى: [ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ] {الجمعة:10}، وقوله تعالى: [ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ] {المزمل:20} وقَالَ تعالى: [ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ] {الأنفال:60}.

* وفي «صحيح مسلم» عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِىُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِى كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ؛ فَلاَ تَقُلْ: لَوْ أَنِّى فَعَلْتُ كذا؛ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ».

* وفي البخاري -رحمه الله- تعليقا: عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ -رضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَمَرَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كِتَابَ الْيَهُودِ قال: حَتَّى كَتَبْتُ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كُتُبَهُ، وَأَقْرَأْتُهُ كُتُبَهُمْ إِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ([99]).

فإن هذه الأدلة وما في معناها تدل بعمومها على أن علومَ الدنيا التي لا تخالف الدين، و التطوراتِ التي لا تزال تتجدد في الحياة والمجتمع قد وضع لها هذا الدينُ الكاملُ قواعدَ وأصولا، يتمكن العارف بالدين وبالواقع من تطبيقها مهما كَثُرَتْ وعَظُمَتْ وتغيرت بها الأحوال، وهذا من كمال هذا الدين، وقدرته على التعايش مع كل حَدَثٍ وجديد، بعد معرفة حُكْم الشرع فيه.

* * *

السادس عشر:

  • دعوة أهل السنة تُقَدِّر مكانَةَ العقلِ، وتُحَدِّد مجالَهُ:

فالعقل لابد من استعماله، بل هو شرط التكليف، لكن لا يخرج عن حدود مجاله، فهناك من يُلْغي العقل، كما هو الحال في غلاة الظاهرية، وفي المقابل فهناك من يُحَكِّم العقل على النقل، بل هناك من رفض النقل إذا خالف عقله، وفي هذا إحالة إلى أمر مضطرب غير منضبط، وفيه من الفساد ما فيه!!

قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- مُبَيِّنًا مَكَانَةَ الْعَقْلِ وَفَضْلَهُ وَمَنْزِلَتَهُ الْحَقِيقِيةَ: «الْعَقْلُ شَرْطٌ فِي مَعْرِفَةِ الْعُلُومِ وَكَمَالِ وَصَلَاحِ الْأَعْمَالِ، وَبِهِ يَكْمُلُ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ؛ لَكِنَّهُ لَيْسَ مُسْتَقِلًّا بِذَلِكَ؛ بَلْ هُوَ غَرِيزَةٌ فِي النَّفْسِ، وَقُوَّةٌ فِيهَا، بِمَنْزِلَةِ قُوَّةِ الْبَصَرِ الَّتِي فِي الْعَيْنِ: فَإِنْ اتَّصَلَ بِهِ نُورُ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ؛ كَانَ كَنُورِ الْعَيْنِ إذَا اتَّصَلَ بِهِ نُورُ الشَّمْسِ وَالنَّارِ، وَإِنْ انْفَرَدَ بِنَفْسِهِ؛ لَمْ يُبْصِرْ الْأُمُورَ الَّتِي يَعْجِزُ وَحْدَهُ عَنْ دَرْكِهَا، وَإِنْ عُزِلَ بِالْكُلِّيَّةِ؛ كَانَتْ الْأَقْوَالُ وَالْأَفْعَالُ مَعَ عَدَمِهِ أُمُورًا حَيَوَانِيَّةً، قَدْ يَكُونُ فِيهَا مَحَبَّةٌ وَوَجْدٌ وَذَوْقٌ، كَمَا قَدْ يَحْصُلُ لِلْبَهِيمَةِ، فَالْأَحْوَالُ الْحَاصِلَةُ مَعَ عَدَمِ الْعَقْلِ نَاقِصَةٌ، وَالْأَقْوَالُ الْمُخَالِفَةُ لِلْعَقْلِ بَاطِلَةٌ، وَالرُّسُلُ جَاءَتْ بِمَا يَعْجِزُ الْعَقْلُ عَنْ دَرْكِهِ، ولَمْ تَأْتِ بِمَا يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ امْتِنَاعُهُ، لَكِنْ الْمُسْرِفُونَ فِيهِ قَضَوْا بِوُجُوبِ أَشْيَاءَ وَجَوَازِهَا وَامْتِنَاعِهَا لِحُجَجِ عَقْلِيَّةٍ بِزَعْمِهِمْ، اعْتَقَدُوهَا حَقًّا وَهِيَ بَاطِلٌ، وَعَارَضُوا بِهَا النُّبُوَّاتِ وَمَا جَاءَتْ بِهِ، وَالْمُعْرِضُونَ عَنْهُ صَدَّقُوا بِأَشْيَاءَ بَاطِلَةٍ، وَدَخَلُوا فِي أَحْوَالٍ وَأَعْمَالٍ فَاسِدَةٍ، وَخَرَجُوا عَنْ التَّمْيِيزِ الَّذِي فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَنِي آدَمَ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَقَدْ يَقْتَرِبُ مِنْ كُلٍّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، تَارَةً بِعَزْلِ الْعَقْلِ عَنْ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ، وَتَارَةً بِمُعَارَضَةِ السُّنَنِ بِهِ، فَهَذَا الِانْحِرَافُ الَّذِي بَيْنَ الْحَرْفِيَّةِ وَالصَّوْتِيَّةِ فِي الْعَقْلِ التَّمْيِيزِيِّ بِمَنْزِلَةِ الِانْحِرَافِ الَّذِي بَيْنَهُمْ فِي الْوَجْدِ الْقَلْبِيِّ؛ فَإِنَّ الصَّوْتِيَّةَ: صَدَّقُوه وَعَظَّمُوهُ وَأَسْرَفُوا فِيهِ، حَتَّى جَعَلُوهُ هُوَ الْمِيزَانَ، وَهُوَ الْغَايَةَ، كَمَا يَفْعَلُ أُولَئِكَ فِي الْعَقْلِ، وَالْحَرْفِيَّةُ: أَعْرَضَتْ عَنْ ذَلِكَ، وَطَعَنَتْ فِيهِ، وَلَمْ تَعُدَّهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْفِ لَمَّا كَانَ مَطْلُوبُهُمْ الْعِلْمَ، وَبَابُهُ هُوَ الْعَقْلُ، وَأَهْلَ الصَّوْتِ لَمَّا كَانَ مَطْلُوبُهُمْ الْعَمَلَ، وَبَابُهُ الْحُبُّ: صَارَ كُلُّ فَرِيقٍ يُعَظِّمُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَيَذُمُّ الْآخَرَ، مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عِلْمٍ وَعَمَلٍ: عَقْلٍ عِلْمِيٍّ، وَعَمَلٍ ذِهْنِيٍّ، وَحُبِّ تَمْيِيزٍ وَحَرَكَةٍ: قَالٌ وَحَالٌ، حَرْفٍ وَصَوْتٍ، وَكِلَاهُمَا إذَا كَانَ مَوْزُونًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ كَانَ هُوَ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمِّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ».([100])

وقَالَ أيضًا -رحمه الله- في كتابه الفذ «درء تعارض العقل والنقل»([101] في رَدِّهِ على من يُقَدِّم العقل على النقل: قَالَ تعالى: [ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ] {البقرة:213}.

فأنزل الله الكتاب حاكماً بين الناس فيما اختلفوا فيه، إذ لا يُمكن الحُكْمُ بين الناس في موارد النزاع والاختلاف علي الإطلاق إلا بكتاب مُنَزَّلٍ من السماء، ولا ريب أن بعض الناس قد يعلم بعقله ما لا يَعْلَمْه غيره، وإن لم يُمْكِنْه بيانُ ذلك لغيره، ولكن ما عُلِمَ بصريح العقل لا يُتَصَوَّر أن يُعَارِضَه الشرع البتة، بل المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط.

وقد تأملتُ ذلك في عامة ما تنازع الناس فيه؛ فوجدتُ ما خالف النصوصَ الصحيحةَ الصريحةَ شُبهاتٍ فاسدةً، يُعْلَمُ بالعقل بطلانُها، بل يُعْلَم بالعقل ثبوتُ نقيضها الموافق للشرع.

وهذا تأملته في مسائل الأصول الكبار: كمسائل التوحيد والصفات، ومسائل القدر والنبوات والمعاد، وغير ذلك، ووجدتُ ما يُعْلَم بصريح العقل لم يخالفه سَمْعٌ قَطُّ، بل السمعُ الذي يقَالَ: إنه يخالفه: إما حديثٌ موضوعٌ، أو دلالةٌ ضعيفةٌ، فلا يَصْلُح أن يكون دليلاً لو تجرد عن معارضة العقل الصريح؛ فكيف إذا خالفه صريحُ المعقول؟.

ونحن نعلم أن الرسُلَ لا يُخْبِرون بمُحَالات العقول بل بمُحَاراة العقول، فلا يخبرون بما يَعْلَم العَقْلُ انتفاءَهُ، بل يُخْبِرون بما يَعْجَزُ العقلُ عن معرفته». انتهى

وقَالَ ابن أبي العز -رحمه الله- عند قول الطحاوي -رحمه الله-: «فَإِنَّهُ مَا سَلِمَ فِي دِينِهِ إِلَّا مَنْ سَلَّمَ لِلَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَلِرَسُولِهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَرَدَّ عِلْمَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ إِلَى عَالِمِهِ».

أَيْ: سَلَّمَ لِنُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهَا بِالشُّكُوكِ وَالشُّبَهِ وَالتَّأْوِيلَاتِ الْفَاسِدَةِ، أَوْ بِقَوْلِهِ: الْعَقْلُ يَشْهَدُ بِضِدِّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّقْلُ! وَالْعَقْلُ أَصْلُ النَّقْلِ!! فَإِذَا عَارَضَهُ قَدَّمْنَا الْعَقْلَ!! وَهَذَا لَا يَكُونُ قَطُّ، لَكِنْ إِذَا جَاءَ مَا يُوهِمُ مِثْلَ ذَلِكَ: فَإِنْ كَانَ النَّقْلُ صَحِيحًا؛ فَذَلِكَ الَّذِي يُدَّعَى أَنَّهُ مَعْقُولٌ إِنَّمَا هُوَ مَجْهُولٌ، وَلَوْ حَقَّقَ النَّظَرَ؛ لَظَهَرَ ذَلِكَ.

وَإِنْ كَانَ النَّقْلُ غَيْرَ صَحِيحٍ؛ فَلَا يَصْلُحُ لِلْمُعَارَضَةِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَتَعَارَضَ عَقْلٌ صَرِيحٌ وَنَقْلٌ صَحِيحٌ أَبَدًا، وَيُعَارَضُ كَلَامُ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ بِنَظِيرِهِ، فَيُقَالَ: إِذَا تَعَارَضَ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ؛ وَجَبَ تَقْدِيمُ النَّقْلِ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمَدْلُولَيْنِ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وَرَفْعَهُمَا رَفْعُ النَّقِيضَيْنِ، وَتَقْدِيمُ الْعَقْلِ مُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ قَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ السَّمْعِ وَوُجُوبِ قَبُولِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ -صلى الله عليه وسلم-، فَلَوْ أَبْطَلْنَا النَّقْلَ؛ لَكُنَّا قَدْ أَبْطَلْنَا دَلَالَةَ الْعَقْلِ، وَلَوْ أَبْطَلْنَا دَلَالَةَ الْعَقْلِ؛ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يَكُونَ مُعَارِضًا لِلنَّقْلِ؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِدَلِيلٍ، لَا يَصْلُحُ لِمُعَارَضَةِ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ، فَكَانَ تَقْدِيمُ الْعَقْلِ مُوجِبًا عَدَمَ تَقْدِيمِهِ، فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ، وَهَذَا بَيِّنٌ وَاضِحٌ؛ فَإِنَّ الْعَقْلَ هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَى صِدْقِ السَّمْعِ وَصِحَّتِهِ، وَأَنَّ خَبَرَهُ مُطَابِقٌ لِمَخْبَرِهِ، فَإِنْ جَازَ أَنْ تَكُونَ الدَّلَالَةُ بَاطِلَةً لِبُطْلَانِ النَّقْلِ؛ لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ الْعَقْلُ دَلِيلًا صَحِيحًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا صَحِيحًا؛ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُتَّبَعَ بِحَالٍ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَدَّمَ؛ فَصَارَ تَقْدِيمُ الْعَقْلِ عَلَى النَّقْلِ قَدْحًا فِي الْعَقْلِ»([102]).

وقَالَ الدكتور ناصر العقل -حفظه الله تعالى- في كتابه «مباحث في العقيدة»:

«ينبغي أن لا يُفْهَم من هذا أن الإسلام يَحْجُر على العقل، ويُعَطِّل وظيفته، ويُلْغِي موهبةَ التفكير لدى الإنسان، بالعكس: فالإسلام أتاح للعقل من مجالات العلم والنظر والتفكير والإبداع ما هو كفيل بإشباع هذه النزعة في خلق الله، وشئون الحياة، وآفاق الكون الواسعة، وعجائب النفس الكثيرة، إنما – كما قلت – قد أراح الله الناسَ من التفكير فيما لا سبيل له من أمور الغيب، وذلك إشفاقاً على العقل، وحمايةً له من التِّيه والضياع في متاهاتٍ لا يُدْرِكُ غَوْرَها، والله أعلم.

فَالْوَاجِبُ: كَمَالُ التَّسْلِيمِ لِلرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم-، وَالْانْقِيَادُ لِأَمْرِهِ، وَتَلَقِّي خَبَرِهِ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ، دُونَ أَنْ يُعَارِضَهُ بِخَيَالٍ بَاطِلٍ يُسَمِّيهِ مَعْقُولًا، أَوْ نُحَمِّلَهُ شُبْهَةً أَوْ شَكًّا، أَوْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِ آرَاءَ الرِّجَالِ وَزُبَالَةَ أَذْهَانِهِمْ، فَيُوَحِّدَهُ بِالتَّحْكِيمِ وَالتَّسْلِيمِ وَالْانْقِيَادِ وَالْإِذْعَانِ، كَمَا وَحَّدَ الْمُرْسِلَ بِالْعِبَادَةِ وَالْخُضُوعِ وَالذُّلِّ وَالْإِنَابَةِ وَالتَّوَكُّلِ». اهـ

* * *

السابع عشر:

  • دعوة أهل السنة لا تتجاهل أثر العواطف والشهوات الإنسانية، إلا أنها توجِّهُها بالآداب الشرعية وضوابطها وقيودها:

فالعواطفُ والشهواتُ شيء جَبَلَ اللهُ الإنسانَ عليه، ودعوةُ أهل السنة لا تتجاهلها بالكلِّيَّة؛ مُعْرِضَةً عنها وعن آثارها في الحال والمآل، لكنها لا تَتْرُكُ لها الحَبْلَ على الغارب، ولكن تُوَجِّهُها وِجْهَةً صحيحةً، وتَضَع لها القيود والضوابط لتحقق نفعها، وتجتنب ضررها.

فالإسلام وسط في هذا الباب بين قوم أطلقوا لأنفسهم العنان في ارتكاب الشهوات وإباحة المحرمات، وبين قوم ترهبنوا وتركوا ملذات الحياة مما أباحه الله تعالى، قَالَ تَعَالَى: [ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ] {المائدة:87}، وقَالَ تعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ] {المائدة:88}.

* وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: «أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سَأَلُوا أَزْوَاجَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُ أَحَدُهُمْ كَذَا وَكَذَا؟! لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَنَامُ وَأَقُومُ، وَآكُلُ اللَّحْمَ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي؛ فَلَيْسَ مِنِّي». وَفِي غَيْرِ «الصَّحِيحَيْنِ»: «سَأَلُوا عَنْ عِبَادَتِهِ فِي السِّرِّ، فَكَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا».

وَذُكِرَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: [ﮑ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ] {المائدة:87} الآية:

* عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: أن رجلًا أَتَى النبيَّ – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، فقال: يا رسول الله! إني إذا أصَبْتُ اللَّحْمَ انْتَشَرْتُ للنساء وأخذتني شهوتي؛ فحَرَّمْتُ عليّ اللحمَ؛ فأنزل الله: [ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ] {المائدة:87}.([103])

* وعن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-؛ أنه ذكر قوله تعالى: [ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ] {المائدة:87}؛ قال: هَمَّ رَهْطٌ من أصحاب النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – فقالوا: نَقْطَعُ مَذَاكِيرَنَا، ونَتْرُكُ شهواتِ الدنيا، ونَسْبَحُ في الأرض كما يَفْعَلُ الرهبان، فبلغ ذلك النبيَّ – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – فأرسل إليهم، فذكر لهم، فقالوا: نعم، فقال النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: «لكنى أَصُوم وأُفْطِر، وأُصَلِّي وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي؛ فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي؛ فليس مني».([104])

وعن أبي مالك؛ قال: نزلت في عثمان بن مظعون وأصحابه: حَرَّمُوا عليهم كثيراً من الطيبات والنساء، فهَمَّ بعضهم أن يَقْطَعَ ذَكَرَهُ؛ فأنزل الله: [ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ] {المائدة:87}.([105])

* وعن أبي قلابة؛ قال: أراد أناس من أصحاب النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – أن يرفضوا الدنيا، ويتركوا النساء، ويترهَّبوا؛ فقام رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، فَغَلَّظَ فيهم المقالَةَ، ثم قال: «إنما هَلَكَ من كان قبلكم بالتَّشْديد، وشَدَّدوا على أنفسهم؛ فشَدَّد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع، اعْبُدوا اللهَ ولا تُشركوا به شيئاً، وحُجُّوا واعْتمروا، واستقيموا يُسْتَقَمْ لكم»، ونزلت فيهم: [ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ] {المائدة:87}.([106])

* * *

الثامن عشر:

  • لا معصوم عند أهل السنة -قولاً وعملاً وحالاً- إلا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-([107])

فكُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ من قوله ويُرَدُّ بِقَدْر ما وافق الحقَّ أو خالفه، أما رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فهو الوحيد في هذه الأمة، الذي يجب قبولُ قوله كُلِّه، والعملُ بمقتضاه دون زيادة أو نقص، وهذا أصل متفق عليه عند أهل السنة قولاً وعملاً وحالاً من بداية هذه الدعوة إلى يوم الدين، ولم يخالف في ذلك – من جهة العمل والحال- إلا المتعصِّبة والمتحزِّبة للمذاهب والجماعات وأفراد العلماء والزعماء…إلخ.

وقد نقل شيخنا العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- في مقدمة كتابه «صفة الصلاة» جُمْلَةً طيبة في هذا المعنى عن كبار الأئمة، فقَالَ -رحمه الله-:

«أقوال الأئمة في اتباع السنة وتَرْكِ أقوالهم المخالفةِ لها: ومن المفيد أن نسوق هنا ما وقفنا عليه منها أو بَعْضَها؛ لعل فيها عِظَةً وذِكْرى لمن يُقَلِّدهم – بل يُقَلِّد من دونهم بدرجاتٍ تقليدا أَعْمَى – ويتمسك بمذاهبهم وأقوالهم، كما لو كانت نَزَلَتْ من السماء، والله -عز وجل -يقول: [ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ] {الأعراف:3}.

أولًا: أبو حنيفة -رحمه الله-:

فأولهم الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت -رحمه الله- وقد رَوَى عنه أصحابه أقوالا شتى، وعباراتٍ متنوعةً، كُلَّها تؤدي إلى شيء واحد: وهو وجوبُ الأَخْذِ بالحديث، وتَرْكِ تقليد آراء الأئمة المخالفة له:

1 – «إذا صحَّ الحديث؛ فهو مَذْهَبي»([108]) .

2 – لا يَحِلُّ لأحد أن يأْخذ بقولنا ما لم يَعْلَم من أين أَخَذْناه.([109]) وفي رواية: «حرام على من لم يَعْرِف دليلي أن يُفْتِي بكلامي».

زاد في رواية: «فإننا بَشَرٌ نقولُ القولَ اليومَ، ونرجع عنه غدا».

وفي أخرى: «ويحك يا يعقوب -يعني: أبا يوسف-: لا تَكْتُبْ كلَّ ما تَسْمَع مني؛ فإني قد أَرى الرأْيَ اليوم، وأَتْركُه غدا، وأرى الرأْيَ غدا وأَتْرُكُه بعد غَدٍ».

3 – إذا قلتُ قولا يخالف كتاب الله –تعالى- وخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ فاتْرُكُوا قولي.([110])

ثانيًا: مالك بن أنس -رحمه الله- وأما الإمام مالك بن أنس -رحمه الله- فقَالَ:

1 – «إنما أنا بَشَرٌ أُخْطِئ وأُصِيب، فانظروا في رأيي: فكلُّ ما وافق الكتابَ والسنةَ فَخُذُوه، وكلُّ ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه»([111]).

2- «ليس أحد بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا ويُؤْخَذُ من قوله ويُتْرَك، إلا النبي -صلى الله عليه وسلم-»([112]).

3 – وقَالَ ابن وهب: سمعت مالكا سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء فقَالَ: «ليس ذلك على الناس»، قَالَ: فتركته حتى خَفَّ الناسُ، فقلتُ له: عندنا في ذلك سنة، فقَالَ: وما هي؟ قلت: حدثنا الليث بن سعد وابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي عبد الرحمن الحنبلي عن المستورد بن شداد القرشي قَالَ: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُدَلِّكُ بخنصره ما بين أصابع رجليه. فقَالَ: إن هذا الحديث حسن، وما سمعتُ به قَطُّ إلا الساعة، ثم سمعته بعد ذلك يُسْأَل فيأمر بتخليل الأصابع.([113])

ثالثًا – الشافعي -رحمه الله-:

وأما الإمام الشافعي -رحمه الله- فالنقول عنه في ذلك أَكْثَرُ وأَطْيَبُ، وأتباعُه أَكْثَرُ عَمَلا بها وأَسْعَدُ، فمنها:

1 – «ما من أحد إلا وتَذْهَبُ عليه سُنةٌ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتَعْزُب عنه، فمهما قُلْتُ من قول، أو أَصَّلْتُ مِنْ أَصْلٍ فيه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خلافُ ما قلتُ؛ فالقولُ ما قَالَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو قولي»([114]).

2 – «أجمع المسلمون على أن من اسْتَبانَ له سنةٌ عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يَحِلَّ له أن يَدَعَهَا لقول أحد».([115])

3 – «إذا وَجَدْتُم في كتابي خلافَ سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فقولوا بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودَعُوا ما قلتُ». وفي رواية: «فاتَّبِعوها، ولا تَلْتَفِتُوا إلى قول أحد»([116]).

4 – «إذا صح الحديث فهو مَذْهَبي»([117]).

5- «أنتم أعلم بالحديث والرجال مني؛ فإذا كان الحديث الصحيح؛ فَأَعْلِمُوني به: أي شيء يكون: كوفيا، أو بصريا، أو شاميا، حتى أذهب إليه إذا كان صحيحا»([118]).

6 – «كُلُّ مسألةٍ صَحَّ فيها الخبر عن رسول الله- -صلى الله عليه وسلم- -عند أهل النقل بخلاف ما قلتُ؛ فأنا راجعٌ عنها في حياتي وبعد موتي»([119]).

7 – «إذا رأيتموني أقول قولا، وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- خلافُهُ؛ فاعْلَمُوا أن عَقْلِي قد ذَهَبَ»([120]).

8 – «كُلُّ ما قلتُ فكان عن النبي -صلى الله عليه وسلم- خلافُ قولي مما يَصِحُّ؛ فحديث النبي أَوْلَى، فلا تقلدوني»([121]).

9 – «كل حديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو قولي، وإن لم تَسْمَعُوه مني»([122]).

رابعًا: أحمد بن حنبل -رحمه الله-:

وأما الإمام أحمد فهو أكثر الأئمة جمعا للسنة وتمَسُّكا بها، حتى كان يَكْرَهُ وَضْعَ الكُتب التي تشتمل على التفريع والرأي، ولذلك قَالَ:

1 – «لا تُقَلِّدْنِي، ولا تُقَلِّد مالكًا، ولا الشافعيَّ، ولا الأوزاعيَّ، ولا الثوريَّ، وخُذْ من حيث أَخَذُوا»([123]).

وفي رواية: «لا تُقَلِّدْ دينَك أحدًا من هؤلاء، ما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه فَخُذْ به، ثم التابعين، ثم بَعْدُ فالرجلُ فيه مُخَيَّرٌ».

قلت: أي لأن الإمام أحمد – رحمه الله – قد عاصر أتباع التابعين.

وقَالَ مرة: «الاتِّبَاع: أن يَتَّبِعَ الرجلُ ما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وعن أصحابه، ثم هو من بعد التابعين مُخَيِّر»([124]).

2 – «رَأْيُ الأوزاعيِّ ورَأْيُ مالكٍ ورَأْيُ أبي حنيفة كلُّه رَأْيٌ، وهو عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار»([125]).

3 – «مَنْ رَدَّ حديثَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو على شَفَا هَلَكَةٍ»([126]).

ثم قال شيخنا – رحمه الله-: لك هي أقوال الأئمة -رضي الله تعالى عنهم- في الأمر بالتمسك بالحديث، والنهي عن تقليدهم دون بصيرة، وهي من الوضوح والبيان بحيث لا تَقْبَلُ جَدَلا ولا تأويلا، وعليه؛ فإنَّ مَنْ تمسك بكل ما ثبت في السنة ولو خالف بعضَ أقوال الأئمة؛ لا يكون مباينًا لمذهبهم، ولا خارجًا عن طريقتهم، بل هو مُتَّبِعٌ لهم جميعا، ومُتَمَسِّك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، وليس كذلك من ترك السنةَ الثابتةَ لمجرد مخالفتها لقولهم، بل هو بذلك عاصٍ لهم، ومخالفٌ لأقوالهم المتقدمة، والله –تعالى- يقول: [ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ] {النساء:65}.

وقَالَ تعالى: [ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ] {النور:63}.

قَالَ الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى-:

«فالواجب على كل من بلغه أَمْرُ الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعَرَفَهُ أن يبينه للأمة، وينصحَ لهم، ويَأْمُرَهم باتباع أَمْرِه، وإن خالف ذلك رَأْيَ عظيمٍ من الأمة؛ فإن أَمْرَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أَحَقُّ أن يُعَظَّم ويُقْتَدَى به مِنْ رَأْى أي مُعَظَّم قد خالف أَمْرَهُ في بعض الأشياء خطأً، ومن هنا رَدَّ الصحابةُ ومَنْ بعدهم على كُل مخالِفِ سُنَّةٍ صحيحةٍ، وربما أَغْلَظُوا في الرد؛ لا بُغْضًا له، بل هو مَحْبوب عندهم، مُعَظَّمٌ في نفوسهم، لكن رسولَ الله أَحَبُّ إليهم، وأَمْرَه فوق أَمْرِ كل مخلوق، فإذا تعارض أَمْرُ الرسول وأَمْرُ غيره؛ فَأَمْرُ الرسول أَوْلَى أن يُقَدَّم ويُتَّبَع. انتهى من مقدمة «صفة الصلاة» مع تصرف يسير.

* * *

التاسع عشر:

  • عدم خروج أهل السنة عن الإجماع؛ لأنه حُجَّةٌ شرعية عند أهل السنة والجماعة:

«الإجماع» في اللغة: الاتفاق، يقَالَ: أَجْمَعَ القوم على كذا، إذا اتفقوا عليه، ويُطْلَق على العزم المُصَمَّم، ومنه قوله تعالى: [ﭥ ﭦ ] {يونس:71}.

وفي الشرع: اتفاقُ علماء العصر من أُمة محمد – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – في زمن ما، على أَمْرٍ من أمور الدين بعد وفاته -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.

وذهب جمهور العلماء إلى أنه حُجَّةٌ على تفاصيل في ذلك؛ تُنظر في موضعها من كتب الأصول.

ومن جُملة ما استدلوا به: قوله -سبحانه وتعالى-: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ] {النساء:115}.

وَوَجْهُ الاستدلال بهذه الآية: أنه – سبحانه جل شأنه – جَمَعَ في أسباب التوعُّد بين مشاقة الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- واتِّبَاعِ غير سبيل المؤمنين في الوعيد، فلو كان اتباع غير سبيل المؤمنين مباحًا؛ لَمَا جَمَعَ بينه وبين المحظور، فثبت أن متابعة غير سبيل المؤمنين محظورة، ومتابعة غير سبيل المؤمنين عبارة عن متابعة قولٍ أو فتوى تخالف قولَهُم أو فتواهم، وإذا كانت تلك محظورة؛ وَجَبَ أن تكون متابعةُ قولهم وفتواهم واجبةً.

وقوله –سبحانه-: [ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ] {البقرة:143} فأخبر سبحانه عن كون هذه الأمة وسطًا، والوسط من كل شيء خياره وأَعْدُلُهُ، فيكون تعالى بذلك قد أخبر عن خيرية هذه الأمة، فلو أجمعوا على شيء من المحظورات؛ لما اتَّصَفُوا بالخيرية، وإذا ثَبَتَ أنهم لم يُجْمِعُوا على شيء من المحظورات؛ وَجَبَ أن يكون قولُهُم حجة.

وقوله –سبحانه-: [ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ] {آل عمران:110}، وتقرير الاستدلال بالآية: أنه – سبحانه جل ذكره- وَصَفَهم بالخيرية المفسَّرة على طريق الاستدلال بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».

وهذه الخيرية توجب الأحقِّيَّة لما أجمعوا عليه، وإلا كان ضلالًا، فماذا بعد الحق إلا الضلال.

وأيضًا: فلو أجمعوا على الخطأ؛ لكانوا آمرين بالمنكر وناهين عن المعروف، وهو خلاف المنصوص في الآية، والتخصيص بالصحابة لا يناسب وروده في مقابلة أمم سائر الأنبياء، فبهذا يظهر أن إجماع مجتهدي الأمة في أي زمانٍ يكون حقا، المهم: التثبُّتُ قبل دعْوى الإجماع، والسَّبْرُ لمقالات العلماء من جميع المذاهب، حتى لا يُدَّعى الإجماع في مواضع النزاع!.([127])

ومن ثمرة هذه الخاصية: انضباط المؤمنين من التهارج والتشتت والتفرق الذي نُهُوا عنه، ولزوم الخلف ما عليه السلف، وعدم افتئاتهم عليهم، وفي هذا من الخير في الدنيا والآخرة ما لا يخفى على عاقل.

* * *

العشرون:

  • عَدَمُ إِحْداثِ الخلف قَوْلًا لم يَقُلْ به العلماءُ المتقدمون،

قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في قوله تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ …] {التوبة:100} الآية، قَالَ: «فمن اتَّبَعَ السابقين الأولين؛ كان منهم… ولهذا كان معرفةُ أقوالِهِم في العلم والدين وأعمالِهِم خيراً وأَنْفَعَ من أقوال المتأخرين وأعمالهم في جميع علوم الدين وأعماله… فإنهم أفضل ممن بعدهم، كما دل عليه الكتاب والسنة؛ فالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم، ومعرفة إجماعهم ونزاعهم خَيْرٌ وأنفعُ من معرفة ما يُذْكَر من إجماع غيرهم ونزاعهم، وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصوماً، وإذا تنازعوا؛ فالحقُّ لا يخرج عنهم، فيمكن طلبُ الحق في بعض أقاويلهم، ولا يُحْكم بخطأ قول من أقوالهم حتى يُعرف دلالةُ الكتاب والسنة على خلافه….، لأن كثيراً من أصول المتأخرين مُحْدَثٌ مُبْتَدَعٌ في الإسلام، مَسْبُوقٌ بإجماع السلف على خلافه، والنزاعُ الحادثُ بعد إجماع السلف خطأ قطعا…. وأيضاً فلم يَبْقَ مسألة في الدين إلا وقد تكلم فيها السلف، فلابد أن يكون لهم قول يخالف ذلك القول أو يوافقه»([128]). اهـ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إيَّاكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي مَسْأَلَةٍ لَيْسَ لَك فِيهَا إمَامٌ([129])

* * *

الواحد والعشرون:

  • التمسكُ بالجماعة والجُمَل الثابتة بِالنَّصِ والإِجْمَاعِ، ونَبْذُ الفُرْقَة وما يُوَصِّل إليها:

قَالَ شيخ الإسلام -رحمه الله-: «فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَلْزَمَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وَسُنَّةَ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَالسَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَمَا تَنَازَعَتْ فِيهِ الْأُمَّةُ وَتَفَرَّقَتْ فِيهِ؛ إنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَفْصِلَ النِّزَاعَ بِالْعِلْمِ وَالْعَدْلِ؛ وَإِلَّا اسْتَمْسَكَ بِالْجُمَلِ الثَّابِتَةِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَأَعْرَضَ عَنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا، فَإِنَّ مَوَاضِعَ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ عَامَّتَهَا تَصْدُرُ عَنْ اتِّبَاعِ الظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ، وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى.

وَقَدْ بَسَطْت الْقَوْلَ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ بِبَيَانِ مَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ، الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعَقْلُ وَالسَّمْعُ، وَبَيَان مَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ الِاشْتِرَاكِ وَالِاشْتِبَاهِ وَالْغَلَطِ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، وَلَكِنْ نَذْكُرُ مِنْهَا جُمْلَةً مُخْتَصَرَةً، بِحَسَبِ حَالِ السَّائِلِ، بَعْدَ الْجَوَابِ بِالْجُمَلِ الثَّابِتَةِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَمَنْعِهِمْ مِنْ الْخَوْضِ فِي التَّفْصِيلِ، الَّذِي يُوقِعُ بَيْنَهُمْ الْفُرْقَةَ وَالِاخْتِلَافَ؛ فَإِنَّ الْفُرْقَةَ وَالِاخْتِلَافَ مِنْ أَعْظَمِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ»([130]) اهـ.

* * *

الثاني والعشرون:

  • التفرقة بين الواجبات العامة والواجبات التي هي على البعض دون البعض، وذلك على ضوء التفرقة بين العاجز والقادر، والعالم والجاهل فيما يجب عليهم من معرفة العِلْم والعمل:

قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في معرض جوابه على سؤالٍ: «لَا رَيْبَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُؤْمِنَ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ إيمَانًا عَامًّا مُجْمَلًا، وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَعْرِفَةَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ عَلَى التَّفْصِيلِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي تَبْلِيغِ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ، وَدَاخِلٌ فِي تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ وَعَقْلِهِ وَفَهْمِهِ وَعِلْمِ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ، وَحِفْظِ الذِّكْرِ، وَالدُّعَاءِ إلَى سَبِيلِ الرَّبِّ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَالْمُجَادَلَةِ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ – مِمَّا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ – فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ مِنْهُمْ.

وَأَمَّا مَا يَجِبُ عَلَى أَعْيَانِهِمْ: فَهَذَا يَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ قَدْرِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ وَحَاجَتِهِمْ، وَمَا أُمِرَ بِهِ أَعْيَانُهُمْ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْعَاجِزِ عَنْ سَمَاعِ بَعْضِ الْعِلْمِ، أَوْ عَنْ فَهْمِ دَقِيقِهِ مَا يَجِبُ عَلَى الْقَادِرِ عَلَى ذَلِكَ، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النُّصُوصَ وَفَهِمَهَا مِنْ عِلْمِ التَّفْصِيلِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، وَيَجِبُ عَلَى الْمُفْتِي وَالْمُحَدِّثِ وَالْمُجَادِلِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ»([131]).

قلت: وهذا إن دلَّ على شيء؛ فإنه يدل على أن هذه الدعوة دعوة رحمة، فلا تُكَلِّف الناس ما لا يطيقونه، ولا تأمرهم بما هم عن فَهْمه وأدائه عاجزون، وهذا مقتضى قول الله -تبارك وتعالى-: [ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ] {الحج:78}. وقوله تعالى: ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ] {التغابن:16}، وقال في الحجّ: [ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ] {آل عمران:97}.

* وعَنْ أَبي هُرُيرة – رضي الله عنه – قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – يقولُ: «ما نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ؛ فاجْتَنِبوهُ، وما أَمَرْتُكُم به؛ فأْتُوا منهُ ما استطعتُم؛ فإنَّما أَهْلَكَ الَّذين من قَبْلِكُم كَثْرَةُ مسائِلِهم واختلافُهم على أنبيائِهم».([132])

* * *

الثالث والعشرون:

  • كما أن مِلَّةَ نبينا محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هي الامتدادُ الصحيح لِمِلَلِ الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- فعقيدةُ أهل الحديث و السنة، هي الامتدادُ الصحيح لما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه، فلا يتعصَّب أهلُ السنة لقول أحد إذا خالف الحق، وهم بأحوالِ الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأقوالِهِ أَعْلَمُ من غيرهم؛ لأنهم لا يقبلون منها إلا ما ثَبَتَ عنه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حسب قواعد المحدثين.

قَالَ شيخ الإسلام -رحمه الله- في مَعْرِضِ كلامه على حديث الافتراق وأهل البدع: «وَشِعَارُ هَذِهِ الْفِرَقِ مُفَارَقَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، فَمَنْ قَالَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ؛ كَانَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَأَمَّا تَعْيِينُ هَذِهِ الْفِرَقِ؛ فَقَدْ صَنَّفَ النَّاسُ فِيهِمْ مُصَنَّفَاتٍ، وَذَكَرُوهُمْ فِي كُتُبِ الْمَقَالَاتِ؛ لَكِنَّ الْجَزْمَ بِأَنَّ هَذِهِ الْفِرْقَةَ الْمَوْصُوفَةَ… هِيَ إحْدَى الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ، فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْقَوْلَ بِلَا عِلْمٍ عُمُومًا؛ وَحَرَّمَ الْقَوْلَ عَلَيْهِ بِلَا عِلْمٍ خُصُوصًا؛ فَقَالَ تَعَالَى: [ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ] {الأعراف:33}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ] {البقرة:168}. وقَالَ تعالى: [ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ] {البقرة:169}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ] {الإسراء:36}.

وَأَيْضًا: فَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يُخْبِرُ عَنْ هَذِهِ الْفِرَقِ بِحُكْمِ الظَّنِّ وَالْهَوَى، فَيَجْعَلُ طَائِفَتَهُ، وَالْمُنْتَسِبَةَ إلَى مَتْبُوعِهِ، الْمُوَالِيَةَ لَهُ هُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ وَيَجْعَلُ مَنْ خَالَفَهَا أَهْلَ الْبِدَعِ، وَهَذَا ضَلَالٌ مُبِينٌ، فَإِنَّ أَهْلَ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ لَا يَكُونُ مَتْبُوعُهُمْ إلَّا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى، فَهُوَ الَّذِي يَجِبُ تَصْدِيقُهُ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ؛ وَطَاعَتُهُ فِي كُلِّ مَا أَمَرَ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَنْزِلَةُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ، بَلْ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-.

فَمَنْ جَعَلَ شَخْصًا مِنْ الْأَشْخَاصِ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَنْ أَحَبَّهُ وَوَافَقَهُ؛ كَانَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَمَنْ خَالَفَهُ؛ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبِدْعَةِ وَالْفُرْقَةِ، كَمَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الطَّوَائِفِ مِنْ أتْبَاعِ أَئِمَّةٍ فِي الْكَلَامِ فِي الدِّينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ وَالتَّفَرُّقِ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِأَنْ تَكُونَ هِيَ الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ: أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ؛ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ مَتْبُوعٌ يَتَعَصَّبُونَ لَهُ إلَّا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهْم أَعْلَمُ النَّاسِ بِأَقْوَالِهِ وَأَحْوَالِهِ، وَأَعْظَمُهُمْ تَمْيِيزًا بَيْنَ صَحِيحِهَا وَسَقِيمِهَا، – وَأَئِمَّتُهُمْ فُقَهَاءُ فِيهَا، وَأَهْلُ مَعْرِفَةٍ بِمَعَانِيهَا- وَاتِّبَاعًا لَهَا: تَصْدِيقًا، وَعَمَلًا، وَحُبًّا وَمُوَالَاةً لِمَنْ وَالَاهَا، وَمُعَادَاةً لِمَنْ عَادَاهَا، الَّذِينَ يَرُدُّوُنَ الْمَقَالَاتِ الْمُجْمَلَةَ إلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ، فَلَا يُنَصِّبُونَ مَقَالَةً وَيَجْعَلُونَهَا مِنْ أُصُولِ دِينِهِمْ وَجُمَلِ كَلَامِهِمْ إنْ لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، بَلْ يَجْعَلُونَ مَا بُعِثَ بِهِ الرَّسُولُ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي يَعْتَقِدُونَهُ وَيَعْتَمِدُونَهُ، وَمَا تَنَازَعَ فِيهِ النَّاسُ مِنْ مَسَائِلِ الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ وَالْوَعِيدِ وَالْأَسْمَاءِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ يَرُدُّونَهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَيُفَسِّرُونَ الْأَلْفَاظَ الْمُجْمَلَةَ الَّتِي تَنَازَعَ فِيهَا أَهْلُ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ؛ فَمَا كَانَ مِنْ مَعَانِيهَا مُوَافِقًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَثَبَتُوهُ، وَمَا كَانَ مِنْهَا مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَبْطَلُوهُ، وَلَا يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ، فَإِنَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ جَهْلٌ، وَاتِّبَاعَ هَوَى النَّفْسِ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ ظُلْمٌ، وَجِمَاعُ الشَّرِّ الْجَهْلُ وَالظُّلْمُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: [ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ] {الأحزاب:72} إلَى آخِرِ السُّورَةِ([133]) اهـ.

* * *

الرابع والعشرون:

  • أَهْلُ السنة لا يُفَرِّق جماعتَهم الاختلافُ في اجتهاداتهم، أو الاختلافُ في غير الأصول الكبار المتفق عليها، أو ما ثبت فيها الإجماع، مع القيام بواجب النصح والبيان بما لا يُفْضِي إلى شَرٍّ أَكْبَرَ:

قَالَ شيخ الإسلام -رحمه الله-: «… فَانْظُرُوا – رَحِمَكُمْ اللَّهُ – كَيْفَ دَعَا اللَّهُ إلَى الْجَمَاعَةِ، وَنَهَى عَنْ الْفُرْقَةِ، وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: [ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ] {الأنعام:159} فَبَرَّأَ نَبِيَّهُ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا، كَمَا نَهَانَا عَنْ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ بِقَوْلِهِ: [ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ] {آل عمران:105}. وَقَدْ كَرِهَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ الْمُجَادَلَةِ مَا يُفْضِي إلَى الِاخْتِلَافِ وَالتَّفَرُّقِ، فَخَرَجَ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهُمْ يَتَجَادَلُونَ فِي الْقَدَرِ؛ فَكَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ، وَقَالَ: «أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ؟ أَمْ إلَى هَذَا دُعِيتُمْ؟ أَنْ تَضْرِبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضِ؟! إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا، ضَرَبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضِ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- فَمَا أَغْبِطُ نَفْسِي كَمَا غَبَطْتُهَا أَلَّا أَكُونَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو دَاوُد فِي «سُنَنِهِ» وَغَيْرُهُ، وَأَصْلُهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» وَالْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ عَنْهُ -صلى الله عليه وسلم- فِي «السُّنَنِ» وَغَيْرِهَا، أَنَّهُ قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: «تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إلَّا وَاحِدَةً» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ هِيَ؟ قَالَ: «مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي» «وَفِي رِوَايَةٍ «هِيَ الْجَمَاعَةُ» وَفِي رِوَايَةٍ» «يَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ» فَوَصَفَ الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ بِأَنَّهُمْ الْمُسْتَمْسِكُونَ بِسُنَّتِهِ، وَأَنَّهُمْ هُمْ الْجَمَاعَةُ، وَقَدْ كَانَ الْعُلَمَاءُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إذَا تَنَازَعُوا فِي الْأَمْرِ؛ اتَّبَعُوا أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: [ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ] {النساء:59} وَكَانُوا يَتَنَاظَرُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ مُنَاظَرَةَ مُشَاوَرَةٍ وَمُنَاصَحَةٍ وَرُبَّمَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ، مَعَ بَقَاءِ الْأُلْفَةِ وَالْعِصْمَةِ وَأُخُوَّةِ الدِّينِ.

نَعَمْ، مَنْ خَالَفَ الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ، وَالسُّنَّةَ الْمُسْتَفِيضَةَ، أَوْ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ خِلَافًا لَا يُعْذَرُ فِيهِ؛ فَهَذَا يُعَامَلُ بِمَا يُعَامَلُ بِهِ أَهْلُ الْبِدَعِ، فَعَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَدْ خَالَفَتْ ابْنَ عَبَّاسٍ وَغَيْرَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي أَنَّ مُحَمَّدًا -صلى الله عليه وسلم- رَأَى رَبَّهُ، وَقَالَتْ: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ؛ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى الْفِرْيَةَ» وَجُمْهُورُ الْأُمَّةِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مَعَ أَنَّهُمْ لَا يُبَدِّعُونَ الْمَانِعِينَ الَّذِينَ وَافَقُوا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- وَكَذَلِكَ أَنْكَرَتْ أَنْ يَكُونَ الْأَمْوَاتُ يَسْمَعُونَ دُعَاءَ الْحَيِّ لَمَّا قِيلَ لَهَا: إنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»([134]) «فَقَالَتْ: إنَّمَا قَالَ: إنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الْآنَ أَنَّ مَا قُلْت لَهُمْ حَقٌّ([135])، وَمَعَ هَذَا فَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمَوْتَى يَسْمَعُونَ خَفْقَ النِّعَالِ، كَمَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ الرَّجُلِ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ؛ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ»([136]) صَحَّ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ.

وَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ تَأَوَّلَتْ -وَاَللَّهُ يَرْضَى عَنْهَا- وَكَذَلِكَ مُعَاوِيَةُ نُقِلَ عَنْهُ فِي أَمْرِ الْمِعْرَاجِ أَنَّهُ قَالَ: إنَّمَا كَانَ بِرُوحِهِ، وَالنَّاسُ عَلَى خِلَافِ مُعَاوِيَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ، وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي «الْأَحْكَامِ» فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَنْضَبِطَ، وَلَوْ كَانَ كُلَّمَا اخْتَلَفَ مُسْلِمَانِ فِي شَيْءٍ تَهَاجَرَا؛ لَمْ يَبْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عِصْمَةٌ وَلَا أُخُوَّةٌ، وَلَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- سَيِّدَا الْمُسْلِمِينَ يَتَنَازَعَانِ فِي أَشْيَاءَ لَا يَقْصِدَانِ إلَّا الْخَيْرَ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ: «لَا يُصَلِّيَن أَحَدٌ الْعَصْرَ إلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» فَأَدْرَكَتْهُمْ الْعَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ قَوْمٌ: لَا نُصَلِّي إلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، وَفَاتَتْهُمْ الْعَصْرُ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَمْ يُرِدْ مِنَّا تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ، فَصَلَّوْا فِي الطَّرِيقِ؛ فَلَمْ يَعِبْ وَاحِدًا مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ، أَخْرَجَاهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.

وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي الْأَحْكَامِ؛ فَمَا لَمْ يَكُنْ مِنْ الْأُصُولِ الْمُهِمَّةِ؛ فَهُوَ مُلْحَقٌ بِالْأَحْكَامِ، وَقَدْ قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ»؟ قَالَوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «إصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ؛ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ: تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-.([137])

* وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، يَلْتَقِيَانِ: فَيَصُدُّ هَذَا، وَيَصُدُّ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ».([138])

«نَعَمْ، صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ هَجَرَ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ – لَمَّا تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَظَهَرَتْ مَعْصِيَتُهُمْ، وَخِيفَ عَلَيْهِمْ النِّفَاقُ، فَهَجَرَهُمْ، وَأَمَرَ الْمُسْلِمِينَ بِهَجْرِهِمْ، حَتَّى أَمَرَهُمْ بِاعْتِزَالِ أَزْوَاجِهِمْ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ خَمْسِينَ لَيْلَةً، إلَى أَنْ نَزَلَتْ تَوْبَتُهُمْ مِنْ السَّمَاءِ، وَكَذَلِكَ أَمَرَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- الْمُسْلِمِينَ بِهَجْرِ صَبِيغ بْنِ عِسْلٍ التَّمِيمِيِّ لَمَّا رَآهُ مِنْ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْ الْكِتَابِ، إلَى أَنْ مَضَى عَلَيْهِ حَوْلٌ، وَتَبَيَّنَ صِدْقُهُ فِي التَّوْبَةِ؛ فَأَمَرَ الْمُسْلِمِينَ بِمُرَاجَعَتِهِ([139]([140]) اهـ.

وقَالَ أيضًا – رحمه الله –: «وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي جَمِيعِ الطَّوَائِفِ مَنْ هُوَ زَائِغٌ وَمُسْتَقِيمٌ، مَعَ أَنِّي فِي عُمْرِي إلَى سَاعَتِي هَذِهِ: لَمْ أَدْعُ أَحَدًا قَطُّ فِي أُصُولِ الدِّينِ إلَى مَذْهَبٍ حَنْبَلِيٍّ وَغَيْرِ حَنْبَلِيٍّ، وَلَا انْتَصَرْت لِذَلِكَ، وَلَا أَذْكُرُهُ فِي كَلَامِي، وَلَا أَذْكُرُ إلَّا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا، وَقَدْ قُلْت لَهُمْ غَيْرَ مَرَّةٍ: أَنَا أُمْهِلُ مَنْ يُخَالِفُنِي ثَلَاثَ سِنِينَ، إنْ جَاءَ بِحَرْفِ وَاحِدٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ يُخَالِفُ مَا قُلْته؛ فَأَنَا أُقِرُّ بِذَلِكَ، وَأَمَّا مَا أَذْكُرُهُ فَأَذْكُرُهُ عَنْ أَئِمَّةِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ بِأَلْفَاظِهِمْ وَبِأَلْفَاظِ مَنْ نَقَلَ إجْمَاعَهُمْ مِنْ عَامَّةِ الطَّوَائِفِ، هَذَا مَعَ أَنِّي دَائِمًا -وَمَنْ جَالَسَنِي يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنِّي-: أَنِّي مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ نَهْيًا عَنْ أَنْ يُنْسَبَ مُعَيَّنٌ إلَى تَكْفِيرٍ وَتَفْسِيقٍ وَمَعْصِيَةٍ، إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الرسالية، الَّتِي مَنْ خَالَفَهَا كَانَ كَافِرًا تَارَةً، وَفَاسِقًا أُخْرَى، وَعَاصِيًا أُخْرَى، وَإِنِّي أُقَرِّرُ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ خَطَأَهَا: وَذَلِكَ يَعُمُّ الْخَطَأَ فِي الْمَسَائِل الْخَبَرِيَّةِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ، وَمَا زَالَ السَّلَفُ يَتَنَازَعُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَحَدٍ لَا بِكُفْرِ وَلَا بِفِسْقِ وَلَا مَعْصِيَةٍ»([141]).

وقَالَ -رحمه الله- أيضاً: «وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ كَرِهُوا أَنْ يَقُولُ الرَّجُلُ: إيمَانِي كَإِيمَانِ جِبْرِيلَ وميكائيل – قَالَ مُحَمَّدٌ: لِأَنَّهُمْ أَفْضَلُ يَقِينًا – أَوْ إيمَانِي كَإِيمَانِ جِبْرِيلَ، أَوْ إيمَانِي كَإِيمَانِ أَبِي بَكْرٍ، أَوْ كَإِيمَانِ هَذَا، وَلَكِنْ يَقُولُ: آمَنْت بِمَا آمَنَ بِهِ جِبْرِيلُ وَأَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ لَا يُجَوِّزُونَ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْإِيمَانِ بِكَوْنِ الْأَعْمَالِ مِنْهُ، وَيَذُمُّونَ الْمُرْجِئَةَ، وَالْمُرْجِئَةُ عِنْدَهُمْ: الَّذِينَ لَا يُوجِبُونَ الْفَرَائِضَ وَلَا اجْتِنَابَ الْمَحَارِمِ، بَلْ يَكْتَفُونَ بِالْإِيمَانِ، وَقَدْ عُلِّلَ تَحْرِيمُ الِاسْتِثْنَاءِ فِيهِ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَى الشَّرْطِ لَا يُوجَدُ إلَّا عِنْدَ وُجُودِهِ، كَمَا قَالَوا فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ -إنْ شَاءَ اللَّهُ- فَإِذَا عُلِّقَ الْإِيمَانُ بِالشَّرْطِ كَسَائِرِ الْمُعَلَّقَاتِ بِالشَّرْطِ؛ لَا يَحْصُلُ إلَّا عِنْدَ حُصُولِ الشَّرْطِ، قَالَوا: وَشَرْطُ الْمَشِيئَةِ الَّذِي يَتَرَجَّاهُ الْقَائِلُ لَا يَتَحَقَّقُ حُصُولُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِذَا عَلَّقَ الْعَزْمَ بِالْفِعْلِ عَلَى التَّصْدِيقِ وَالْإِقْرَارِ؛ فَقَدْ ظَهَرَتْ الْمَشِيئَةُ، وَصَحَّ الْعَقْدُ؛ فَلَا مَعْنَى لِلِاسْتِثْنَاءِ؛ وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَقِيبَ الْكَلَامِ يَرْفَعُ الْكَلَامَ، فَلَا يَبْقَى الْإِقْرَارُ بِالْإِيمَانِ وَالْعَقْدِ مُؤْمِنًا، وَرُبَّمَا يَتَوَهَّمُ هَذَا الْقَائِلُ الْقَارِنُ بِالِاسْتِثْنَاءِ عَلَى الْإِيمَانِ بَقَاءَ التَّصْدِيقِ، وَذَلِكَ يُزِيلُهُ»([142]) اهـ.

* * *

الخامس والعشرون:

  • وهم خير الناس للناس: تعليمًا، وهدايةً، وإحسانا إليهم بلا عِوَضٍ منهم يُرْجَّىَ.

قَالَ شيخ الإسلام -رحمه الله-: كما قَالَ أحمد في خُطْبَتِهِ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي كُلِّ زَمَانِ فَتْرَةٍ مِنْ الرُّسُلِ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، يَدْعُونَ مِنْ ضَلَّ إلَى الْهُدَى، وَيَصْبِرُونَ مِنْهُمْ عَلَى الْأَذَى، يُحْيُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ الْمَوْتَى، وَيُبَصِّرُونَ بِنُورِ اللَّهِ أَهْلَ الْعَمَى، فَكَمْ مِنْ قَتِيلٍ لِإِبْلِيسَ قَدْ أَحْيَوْهُ، وَكَمْ مِنْ ضَالٍّ تَائِهٍ قَدْ هَدَوْهُ، فَمَا أَحْسَنَ أَثَرَهُمْ عَلَى النَّاسِ، وَمَا أَقْبَحَ أَثَرَ النَّاسِ عَلَيْهِمْ، يَنْفُونَ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ، الَّذِينَ عَقَدُوا أَلْوِيَةَ الْبِدْعَةِ، وَأَطْلَقُوا عَنَانَ الْفِتْنَةِ، فَهُمْ مُخَالِفُونَ لِلْكِتَابِ، مُخْتَلِفُونَ فِي الْكِتَابِ، مُجْتَمِعُونَ عَلَى مُفَارَقَةِ الْكِتَابِ، يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ وَفِي اللَّهِ وَفِي كِتَابِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، يَتَكَلَّمُونَ بِالْمُتَشَابِهِ مِنْ الْكَلَامِ، وَيَخْدَعُونَ جُهَّالَ النَّاسِ بِمَا يُشَبِّهُونَ عَلَيْهِمْ؛ فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ فِتَنِ الْمُضِلِّينَ».

فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ، يَتَكَلَّمُونَ بِالْمُتَشَابِهِ مِنْ الْكَلَامِ، وَيَخْدَعُونَ جُهَّالَ النَّاسِ بِمَا يُشَبِّهُونَ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ -سُبْحَانَهُ وتعالى- يُحِبُّ الْبَصَرَ النَّافِذَ عِنْدَ وُرُودِ الشُّبُهَاتِ، وَيُحِبُّ الْعَقْلَ الْكَامِلَ عِنْدَ حُلُولِ الشَّهَوَاتِ، وَقَدْ قِيلَ أَيْضًا: وَقَدْ يُحِبُّ الشَّجَاعَةَ وَلَوْ عَلَى قَتْلِ الْحَيَّاتِ، وَيُحِبُّ السَّمَاحَةَ وَلَوْ بِكَفٍّ مِنْ تَمَرَاتٍ»([143]) اهــ.

* * *

السادس والعشرون:

  • وهم أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع الحِفَاظِ على الجماعة، ويروْن نُصْحَ ولاة الأمور بالتي هي أحسن، مع الحفاظ على الجماعة، والسمع والطاعة لهم في المعروف:

قَالَ شيخ الإسلام -رحمه الله-: «من الأمر بالمعروف: الأمرُ بالائتلاف والاجتماع، والنهيُ عن الاختلاف والفرقة»([144]) اهـ.

وقَالَ أيضًا -رحمه الله-: «وهي -يعني طائفة أهل السنة- متوسطة بين طريقة الحرورية وأمثالهم، ممن يَسْلُكُ مسلك الورع الفاسد الناشئ عن قلة العلم، وبين طريقة المرجئة وأمثالهم، ممن يسلك مَسْلَكَ طاعة الأمراء مطلقا، وإن لم يكونوا أبرارا»([145]) اهـ.

وقَالَ العلامة صالح بن فوزان الفوزان –حفظه الله تعالى- في «شرحه لكتاب التوحيد»([146]): «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلوب، ولكن في حدود الشريعة، قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: «من رأى منكم منكراً؛ فَلْيُغَيِّرْهُ بيده، فإن لم يَسْتَطِعْ؛ فبلسانه، فإن لم يَسْتَطِعْ؛ فبِقَلْبِهِ» فجعل الأمْرَ بالمعروف والنهْيَ عن المنكر مراتب حسب الاستطاعة، ولم يأمر بالخروج على الولاة، ونقض البيعة، والتفريق بين المسلمين، وهذه طريقة المعتزلة و الخوارج.

قلت: وقد كتبْتُ في ذلك كتابا مستقلا؛ جمعتُ فيه أدلة أهل السنة على ذلك، وأجَبْتُ فيه عن شبهات المخالفين للحق، سواء كانوا من أهل السنة أو من الفِرق المخالفة لهم – ولله الحمد والمنة -.

* * *

السابع والعشرون:

  • رَبْطُ الولاء والبراء بالحق وَحْدَهُ، وبأسماء المدح في الشريعة، وبالجُمَل الثابتة بالنص والإجماع، لا بالمسائل الاجتهادية:

قلت: وقد سبق بعض هذه المزية، وقد ذكرتُ هنا ما لم أذْكره هناك، فالأمر سهل.

قَالَ شيخ الإسلام -رحمه الله-: «وليس لأحد أن يَعَلِّق الحمدَ والذمَّ، والحبَّ والبغضَ، والموالاةَ والمعاداةَ، والصلاةَ واللعن بغير الأسماء التي عَلَّق الله بها ذلك: مثل أسماء القبائل، والمدائن، والمذاهب، والطرائق المضافة إلى الأئمة والمشايخ، ونحو ذلك مما يُراد به التعريف… فمن كان مؤمنا؛ وَجَبَتْ موالاتُهُ من أي صِنْفٍ كان، ومن كان كافراً؛ وَجَبَتْ معاداتُهُ من أي صِنْفٍ كان… ومن كان فيه إيمان وفيه فجور؛ أُعْطِيَ من الولاء بحسب إيمانه، ومن البُغْض بحسب فجوره، ولا يَخْرُجُ من الإيمان بالكلية بمجرد الذنوب والمعاصي، كما يقول الخوارج والمعتزلة، ولا يُجْعَلُ الأنبياء والصدِّيقون والشهداء والصالحون بمنزلة الفساق في الإيمان والدين والحب والبغض والموالاة والمعاداة -أي كما هو مذهب المرجئة-»([147]) اهـ.

وقَالَ -رحمه الله-: «وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: فَهُمْ مُعْتَصِمُونَ بِحَبْلِ اللَّهِ، وَأَقَلُّ مَا فِي ذَلِكَ -أي من حال المخالفين لهذا-: أَنْ يُفَضِّلَ الرَّجُلُ مَنْ يُوَافِقُهُ عَلَى هَوَاهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَتْقَى لِلَّهِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ أَنْ يُقَدِّمَ مَنْ قَدَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيُؤَخِّرَ مَنْ أَخَّرَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيُحِبَّ مَا أَحَبَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيُبْغِضَ مَا أَبْغَضَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيَنْهَى عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ يَرْضَى بِمَا رَضِيَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ؛ وَأَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ يَدًا وَاحِدَةً، فَكَيْفَ إذَا بَلَغَ الْأَمْرُ بِبَعْضِ النَّاسِ إلَى أَنْ يُضَلِّلَ غَيْرَهُ وَيُكَفِّرَهُ، وَقَدْ يَكُونُ الصَّوَابُ مَعَهُ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ وَلَوْ كَانَ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ قَدْ أَخْطَأَ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ؛ فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ أَخْطَأَ يَكُونُ كَافِرًا وَلَا فَاسِقًا، بَلْ قَدْ عَفَا اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فِي دُعَاءِ الرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم- وَالْمُؤْمِنِينَ: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ] {البقرة:286} وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ اللَّهَ قَالَ: «قَدْ فَعَلْت»([148]) اهـ.

وقَالَ -رحمه الله- أيضًا في مَعْرِضِ ذمِّه لِظُلْم بعض من تأَثَّر ببدعة لمن هو مِثْلُهُ أو أَشَدُّ: «وَمَنْ لَمْ يَعْدِلْ فِي خُصُومِهِ وَمُنَازِعِيهِ، وَيَعْذُرْهُمْ بِالْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ، بَلْ ابْتَدَعَ بِدْعَةً، وَعَادَى مَنْ خَالَفَهُ فِيهَا، أَوْ كَفَّرَهُ؛ فَإِنَّهُ هُوَ ظَلَمَ نَفْسَهُ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ، وَيَرْحَمُونَ الْخَلْقَ؛ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ فَلَا يَبْتَدِعُونَ، وَمَنْ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ خَطَأً يَعْذُرُهُ فِيهِ الرَّسُولُ؛ عَذَرُوهُ، وَأَهْلُ الْبِدَعِ مِثْلُ الْخَوَارِجِ يَبْتَدِعُونَ بِدْعَةً، وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ، وَيَسْتَحِلُّونَ دَمَهُ، وَهَؤُلَاءِ كُلٌّ مِنْهُمْ يَرُدُّ بِدْعَةَ الْآخَرِينَ، وَلَكِنْ هُوَ أَيْضًا مُبْتَدِعٌ، فَيَرُدُّ بِدْعَةً بِبِدْعَةِ، وَبَاطِلًا بِبَاطِلِ»([149]) اهـ.

وقَالَ -رحمه الله-: «فهذا أصْلُ البدع التي ثَبَتَ بِنَصِّ سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإجماعِ السلف أنها بِدْعَةٌ، وهو: جَعْلُ العَفْوِ سيئةً، وجَعْلُ السيئةِ كُفْرا، فينبغي للمسلم أن يَحْذَر من هذيْن الأَصْليْن الخبيثيْن، وما يتولّد عنهما من بُغْض المسلمين، وذمِّهم، ولَعْنِهِم، واستحلال دمائهم وأموالهم»([150]) اهـ.

ومعنى قوله في أحد الأصليْن الخبيثين: «جَعْل العفو سيئة» أي جعل مسائل الاجتهاد المعْفُوِّ عن صاحبها -وإن أخطأ حقا لا ادعاءً- من مسائل السيئات والذنوب والعقوبات التي يُعَاقب صاحبها عليها بذم أو هجْر أو تعزير، فَنَقَلَهَا الغلاةُ المسرفون من مسائل العفو إلى مسائل العقوبات، فهذا ما وصفه شيخ الإسلام -رحمه الله- بأنه أَصْلٌ خبيث، وحذَّر منه وما يتولد عنه.. إلى آخر كلامه -رحمه الله-.

ومعنى قوله في الأصل الثاني الخبيث: «وجَعْلُ السيئة كُفْرا» أي الغلو والإسراف حتى يُكَفَّر من هو صاحب ذنب وسيئة، وإن كان لا يستحق التكفير، وفي نظري: أن الأصل الأول يُمَهِّد للثاني، ويَؤُولُ بصاحبه إليه، إلا أن يتداركه الله برحمته، فَيُبَصِّره بمآل هذا البابِ الذي وَلَجَهُ، والطريقِ الذي سَلَكَهُ، ولكن أهل الأهواء لا يكاد يفيق الرجل منهم إلا بعد فاجعة -إلا أن يشاء الله، وقليل ما هم-!!

وقَالَ -رحمه الله- أيضًا: «فَمَنْ جَعَلَ طَرِيقَ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ، أَوْ طَرِيقَ أَحَدٍ مِنْ الْعُبَّادِ وَالنُّسَّاكِ أَفْضَلَ مِنْ طَرِيقِ الصَّحَابَةِ؛ فَهُوَ مُخْطِئٌ ضَالٌّ مُبْتَدِعٌ، وَمَنْ جَعَلَ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِي طَاعَةٍ أَخْطَأَ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ مَذْمُومًا مَعِيبًا مَمْقُوتًا؛ فَهُوَ مُخْطِئٌ ضَالٌّ مُبْتَدِعٌ.

ثُمَّ النَّاسُ فِي الْحُبِّ وَالْبُغْضِ وَالْمُوَالَاةِ وَالْمُعَادَاةِ هُمْ أَيْضًا مُجْتَهِدُونَ، يُصِيبُونَ تَارَةً، وَيُخْطِئُونَ تَارَةً، وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ إذَا عَلِمَ مِنْ الرَّجُلِ مَا يُحِبُّهُ؛ أَحَبَّ الرَّجُلَ مُطْلَقًا، وَأَعْرَضَ عَنْ سَيِّئَاتِهِ، وَإِذَا عَلِمَ مِنْهُ مَا يُبْغِضُهُ؛ أَبْغَضَهُ مُطْلَقًا، وَأَعْرَضَ عَنْ حَسَنَاتِهِ»([151]) اهـ. فتأمل هذا الكلام، وانظر فيمن حولك، واحْمَدِ اللهَ على العافية والنجاة!!

وقَالَ -رحمه الله- في «رسالته إلى أهل البحرين»([152]) وَاخْتِلَافِهِمْ فِي صَلَاةِ الْجُمْعَةِ:

«وَاَلَّذِي أَوْجَبَ هَذَا: أَنَّ وَفْدَكُمْ حَدَّثُونَا بِأَشْيَاءَ مِنْ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ بَيْنَكُمْ، حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّ الْأَمْرَ آلَ إلَى قَرِيبِ الْمُقَاتَلَةِ، وَذَكَرُوا أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ فِي «رُؤْيَةِ الْكُفَّارِ رَبَّهُمْ»؛ وَمَا كُنَّا نَظُنُّ أَنَّ الْأَمْرَ يَبْلُغُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَى هَذَا الْحَدِّ؛ فَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ خَفِيفٌ، وَإِنَّمَا الْمُهِمُّ الَّذِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ اعْتِقَادُهُ: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ فِي عَرْصَةِ الْقِيَامَةِ، وَبَعْدَ مَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، عَلَى مَا تَوَاتَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِالْحَدِيثِ؛ فَإِنَّهُ أَخْبَرَ -صلى الله عليه وسلم- «أَنَّا نَرَى رَبَّنَا كَمَا نَرَى الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالشَّمْسَ عِنْدَ الظَّهِيرَةِ، لَا يُضَامُ فِي رُؤْيَتِهِ». وَرُؤْيَتُهُ -سُبْحَانَهُ- هِيَ أَعْلَى مَرَاتِبِ نَعِيمِ الْجَنَّةِ، وَغَايَةُ مَطْلُوبِ الَّذِينَ عَبَدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ؛ وَإِنْ كَانُوا فِي الرُّؤْيَةِ عَلَى دَرَجَاتٍ، عَلَى حَسَبِ قُرْبِهِمْ مِنْ اللَّهِ، وَمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ السَّلَفِ: أَنَّ مَنْ جَحَدَ رُؤْيَةَ اللَّهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ؛ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْعِلْمُ فِي ذَلِكَ؛ عُرِّفَ ذَلِكَ، كَمَا يُعَرَّفُ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ شَرَائِعُ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْجُحُودِ بَعْدَ بُلُوغِ الْعِلْمِ لَهُ؛ فَهُوَ كَافِرٌ، وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ، قَدْ دَوَّنَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا كُتُبًا، مِثْلَ: «كِتَابِ الرُّؤْيَةِ» للدارقطني، وَلِأَبِي نُعَيْمٍ، وللآجري؛ وَذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُونَ فِي السُّنَّةِ، كَابْنِ بَطَّةَ، واللالكائي، وَابْنِ شَاهِينَ، وَقَبْلَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ، وَحَنْبَلُ بْنُ إسْحَاقَ، وَالْخَلَّالُ، والطَّبَرَانِي وَغَيْرُهُمْ، وَخَرَّجَهَا أَصْحَابُ الصَّحِيحِ وَالْمَسَانِدِ وَالسُّنَنِ وَغَيْرِهِمْ.

فَأَمَّا «مَسْأَلَةُ رُؤْيَةِ الْكُفَّارِ» فَأَوَّلُ مَا انْتَشَرَ الْكَلَامُ فِيهَا وَتَنَازَعَ النَّاسُ فِيهَا – فِيمَا بَلَغَنَا – بَعْدَ ثَلَاثمِائَةِ سَنَةٍ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَأَمْسَكَ عَنْ الْكَلَامِ فِي هَذَا قَوْمٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَتَكَلَّمَ فِيهَا آخَرُونَ، فَاخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، مَعَ أَنِّي مَا عَلِمْتُ أَنَّ أُولَئِكَ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهَا تَلَاعَنُوا، وَلَا تهاجروا فِيهَا؛ إذْ فِي الْفِرَقِ الثَّلَاثِ قَوْمٌ فِيهِمْ فَضْلٌ، وَهُمْ أَصْحَابُ سُنَّةٍ، وَالْكَلَامُ فِيهَا قَرِيبٌ مِنْ الْكَلَامِ فِي مَسْأَلَةِ مُحَاسَبَةِ الْكُفَّارِ، هَلْ يُحَاسَبُونَ أَمْ لَا؟ هِيَ مَسْأَلَةٌ لَا يُكَفَّرُ فِيهَا بِالِاتِّفَاقِ، وَالصَّحِيحُ أَيْضًا: أَنْ لَا يُضَيَّقَ فِيهَا وَلَا يُهْجَرَ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ بَشَّارٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُصَلَّى خَلْفَ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُمْ يُحَاسَبُونَ، وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّهُ يُصَلَّى خَلْفَ الْفَرِيقَيْنِ، بَلْ يَكَادُ الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ يَرْتَفِعُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ؛ مَعَ أَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ فِيهَا أَصْحَابُ الْإِمَامِ أَحْمَد، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهُمْ يَقُولُونَ: لَا يُحَاسَبُونَ، وَاخْتَلَفَ فِيهَا غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَهْلِ الْكَلَامِ.

وَذَلِكَ أَنَّ الْحِسَابَ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْإِحَاطَةُ بِالْأَعْمَالِ، وَكِتَابَتُهَا فِي الصُّحُفِ، وَعَرْضُهَا عَلَى الْكُفَّارِ، وَتَوْبِيخُهُمْ عَلَى مَا عَمِلُوهُ، وَزِيَادَةُ الْعَذَابِ وَنَقْصُهُ بِزِيَادَةِ الْكُفْرِ وَنَقْصِهِ، فَهَذَا الضَّرْبُ مِنْ الْحِسَابِ ثَابِتٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَقَدْ يُرَادُ بِالْحِسَابِ وَزْنُ الْحَسَنَاتِ بِالسَّيِّئَاتِ لِيَتَبَيَّنَ أَيُّهُمَا أَرْجَحُ: فَالْكَافِرُ لَا حَسَنَاتِ لَهُ تُوزَنُ بِسَيِّئَاتِهِ؛ إذْ أَعْمَالُهُ كُلُّهَا حَابِطَةٌ، وَإِنَّمَا تُوزَنُ لِتَظْهَرَ خِفَّةُ مَوَازِينِهِ، لَا لِيَتَبَيَّنَ رُجْحَانُ حَسَنَاتٍ لَهُ، وَقَدْ يُرَادُ بِالْحِسَابِ أَنَّ اللَّهَ: هَلْ هُوَ الَّذِي يُكَلِّمُهُمْ أَمْ لَا؟ فَالْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يُكَلِّمُهُمْ تَكْلِيمَ تَوْبِيخٍ وَتَقْرِيعٍ وَتَبْكِيتٍ، لَا تَكْلِيمَ تَقْرِيبٍ وَتَكْرِيمٍ وَرَحْمَةٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَنْكَرَ تَكْلِيمَهُمْ جُمْلَةً».

وَهُنَا آدَابٌ تَجِبُ مُرَاعَاتُهَا:

  1. مِنْهَا: أَنَّ مَنْ سَكَتَ عَنْ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَمْ يَدْعُ إلَى شَيْءٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ هَجْرُهُ، وَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ؛ فَإِنَّ الْبِدَعَ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ مِنْهَا لَا يُهْجَرُ فِيهَا إلَّا الدَّاعِيَةُ دُونَ السَّاكِتِ؛ فَهَذِهِ أَوْلَى.
  2. أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَجْعَلُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِحْنَةً وَشِعَارًا، يُفَضِّلُونَ بِهَا بَيْنَ إخْوَانِهِمْ وَأَضْدَادِهِمْ؛ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا مِمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
  3. لَا يُفَاتِحُوا فِيهَا عَوَامَّ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي عَافِيَةٍ وَسَلَامٍ عَنْ الْفِتَنِ، وَلَكِنْ إذَا سُئِلَ الرَّجُلُ عَنْهَا، أَوْ رَأَى مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِتَعْرِيفِهِ ذَلِكَ؛ أَلْقَى إلَيْهِ مِمَّا عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ مَا يَرْجُو النَّفْعَ بِهِ؛ بِخِلَافِ الْإِيمَانِ بِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ؛ فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِذَلِكَ فَرْضٌ وَاجِبٌ؛ لِمَا قَدْ تَوَاتَرَ فِيهَا عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَصَحَابَتِهِ وَسَلَفِ الْأُمَّة

4- تَرْكُ الإطلاق والتعميم في القول في موضع التخصيص.

5- لا يَخْرُجَنَّ أحد عن الألفاظ المأثورة.

6- إذا اشْتَبَهَ الأمرُ: هل هذا القولُ مما يعاقب عليه أم لا؟ فَتُتْرَكُ العقوبةُ لحديث: «ادْرَءوا الحدودَ بالشبهات….»([153]) ولاسيما إذا آل الأمر إلى شَرٍّ طويل، وافتراق أهل السنة والجماعة؛ فإن الفسادَ الناشئَ في هذه الفُرقة أضعاف الشرِّ الناشئ من خطأ نَفَرٍ قليلٍ في مسألة فرعية.

7- إذا اشتبه الأمر على الإنسان؛ فَلْيَدْعُ بدعاء: «اللهم ربَّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطِرَ السماوات والأرض، عالِمَ الغيب والشهادة، أنت تَحْكُم بين عبادك فيما كانوا فيه يَخْتلفون؛ اهْدِني لما اخْتُلِفَ فيه من الحق بإذنك؛ إنك تَهْدِي من تشاء إلى صراط مستقيم»([154]).

فتأمل هذا الفقه لهذه الشريعة السمحة من هذا العالم الفذِّ المجدِّد لهذه الأمة أمر دينها، وانظر أحوال المتهارِجين المتهارِشين ممن تأثروا بالهوى والفتن، وممن قلَّ فِقههم وورعهم، وممن قلَّدوا دينهم الرجال الذين ضلّوا في هذه المواضع، وهم يَحْسَبون أنهم يُحْسِنُون صُنعا، وسَلِ اللهَ لنا ولك و لهم الهداية، واحْمَدْ رَبَّكَ أن عافاك من الضلال والغواية وأهلهما!!

* * *

الثامن والعشرون:

  • أهل السنة لا يَمْتَحِنون الناس بما لم يَأْمُر به الله -جل شأنه- ولا رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كالمسائل الاجتهادية، والفرعيات الفقهية، والخلاف في الجرح والتعديل، والانتماءات للجماعات والأحزاب والمذاهب… إلخ:

قَالَ شيخ الإسلام – رحمه الله -: «وَكَذَلِكَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْأُمَّةِ وَامْتِحَانُهَا بِمَا لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ بِهِ وَلَا رَسُولُهُ: مِثْلَ أَنْ يُقَالَ لِلرَّجُلِ: أَنْتَ شكيلي، أَوْ قرفندي؛ فَإِنَّ هَذِهِ أَسْمَاءٌ بَاطِلَةٌ، مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلَا فِي الْآثَارِ الْمَعْرُوفَةِ عَنْ سَلَفِ الْأَئِمَّةِ: لَا شكيلي، وَلَا قرفندي. وَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ إذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: لَا أَنَا شكيلي وَلَا قرفندي؛ بَلْ أَنَا مُسْلِمٌ مُتَّبِعٌ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ: أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- فَقَالَ: أَنْتَ عَلَى مِلَّةِ عَلِيٍّ أَوْ مِلَّةِ عُثْمَانَ؟ فَقَالَ: لَسْتُ عَلَى مِلَّةِ عَلِيٍّ وَلَا عَلَى مِلَّةِ عُثْمَانَ، بَلْ أَنَا عَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-([155]) وَكَذَلِكَ كَانَ كُلٌّ مِنْ السَّلَفِ يَقُولُونَ: كُلُّ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ فِي النَّارِ: وَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: مَا أُبَالِي أَيُّ النِّعْمَتَيْنِ أَعْظَمُ عَلَىَّ: أَنْ هَدَانِي اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ، أَوْ أَنْ جَنَّبَنِي هَذِهِ الْأَهْوَاءَ»([156]).

وقَالَ أيضاً -رحمه الله-: «فكيف يجوز مع هذا لأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- أن تَفْترق وتَخْتلف حتى يُواليَ الرجلُ طائفةً، ويُعاديَ أخرى بالظن والهوى، بلا برهان من الله تعالى، وقد برّأ الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- ممن كان هكذا، فهذا فِعْلُ أهل البدع: كالخوارج، الذين فارقوا المسلمين، واستحلوا دماء من خالفهم، وأما أهل السنة والجماعة فهم معتصمون بحبل الله، وأَقَلُّ ما في ذلك (أي من عمل أهل الأهواء) أن يُفَضِّل الرجلُ من يوافقه على هواه، وإن كان غيره أَتْقَى لله منه… وكيف يجوز التفريق بين الأمة بأسماء مبتدعة، لا أصل لها في كتاب الله ولا سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-؟ وهذا التفريق الذي حَصَل من الأمة: علمائها، ومشايخها، وأمرائها، وكبرائها، هو الذي أَوْجَبَ تَسَلُّطَ الأعداء عليها، وذلك بِتَرْكِهم العملَ بطاعة الله ورسوله، فمتى تَرَكَ الناسُ بعضَ ما أمرهم الله به؛ وقعتْ بينهم العداوةُ والبغضاءُ ، وإذا تَفَرَّقَ القومُ؛ فَسَدُوا وهَلَكُوا، وإذا اجتمعوا؛ صَلَحوا ومَلَكُوا؛ فإن الجماعةَ رَحْمةٌ والفُرْقَةَ عذابٌ»([157]) اهـ.

* * *

التاسع والعشرون:

  • أهل السنة لا يُعَصِّمون ولا يُؤَثِّمون، أي لا يَرَوْن العصمة لأحد غير رسول الله – صَلَى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلهِ وَسَلَّمَ – ولا يحْكمون بالإثم على كل من أخطأ:

قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- كما في «مجموع الفتاوى»([158]): «وَسَائِرُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ لَا يَعْتَقِدُونَ عِصْمَةَ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا الْقَرَابَةِ وَلَا السَّابِقِينَ وَلَا غَيْرِهِمْ؛ بَلْ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ وُقُوعُ الذُّنُوبِ مِنْهُمْ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَغْفِرُ لَهُمْ بِالتَّوْبَةِ، وَيَرْفَعُ بِهَا دَرَجَاتِهِمْ، وَيَغْفِرُ لَهُمْ بِحَسَنَاتِ مَاحِيَةٍ، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِك مِنْ الْأَسْبَابِ، قَالَ تَعَالَى: [ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ] {الزمر: 33-35}.

وَقَالَ تَعَالَى: [ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ] {الأحقاف: 15- 16}.

وَلَكِنَّ الْأَنْبِيَاءَ -رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ- هُمْ الَّذِينَ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ الْإِصْرَارِ عَلَى الذُّنُوبِ، فَأَمَّا الصِّدِّيقُونَ، وَالشُّهَدَاءُ؛ وَالصَّالِحُونَ: فَلَيْسُوا بِمَعْصُومِينَ، وَهَذَا فِي الذُّنُوبِ الْمُحَقَّقَةِ، وَأَمَّا مَا اجْتَهَدُوا فِيهِ: فَتَارَةً يُصِيبُونَ، وَتَارَةً يُخْطِئُونَ، فَإِذَا اجْتَهَدُوا فَأَصَابُوا؛ فَلَهُمْ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدُوا وَأَخْطَئُوا؛ فَلَهُمْ أَجْرٌ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ، وَخَطَؤُهُمْ مَغْفُورٌ لَهُمْ، وَأَهْلُ الضَّلَالِ يَجْعَلُونَ الْخَطَأَ وَالْإِثْمَ مُتَلَازِمَيْنِ: فَتَارَةً يَغْلُونَ فِيهِمْ؛ وَيَقُولُونَ: إنَّهُمْ مَعْصُومُونَ، وَتَارَةً يَجْفُونَ عَنْهُمْ؛ وَيَقُولُونَ: إنَّهُمْ بَاغُونَ بِالْخَطَأِ. وَأَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ لَا يُعَصِّمُونَ، وَلَا يُؤَثِّمُون.

وقَالَ -رحمه الله- أيضًا في «منهاج السنة»([159]): «وَالْقَوْلُ الْمَحْكِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ، هَذَا مَعْنَاهُ: أَنَّهُ كَانَ لَا يُؤَثِّمُ الْمُخْطِئَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ: لَا فِي الْأُصُولِ وَلَا فِي الْفُرُوعِ، وَأَنْكَرَ جُمْهُورُ الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالرَّأْيِ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ هَذَا الْقَوْلَ.

وَأَمَّا غَيْرُ هَؤُلَاءِ فَيَقُولُ: هَذَا قَوْلُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى، كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِمْ، لَا يُؤَثِّمُونَ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا لَا فِي الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ، وَلَا فِي الْفُرُوعِيَّةِ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُمُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ، وَلِهَذَا كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا يَقْبَلُونَ شَهَادَةَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، إِلَّا الْخَطَّابِيَّةَ، وَيُصَحِّحُونَ الصَّلَاةَ خَلْفَهُمْ، وَالْكَافِرُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُصَلَّى خَلْفَهُ.

وَقَالَوا: هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَعْرُوفُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ: إِنَّهُمْ لَا يُكَفِّرُونَ وَلَا يُفَسِّقُونَ وَلَا يُؤَثِّمُونَ أَحَدًا مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُخْطِئِينَ، لَا فِي مَسْأَلَةٍ عَمَلِيَّةٍ وَلَا عِلْمِيَّةٍ، قَالَوا: وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَسَائِلِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْبِدَعِ».

قلت: ففي هذه الخَصيصة ردٌ صريح على غلاة التبديع في زماننا؛ بل هم -لاتِّباعهم الهوى وتقليدهم في هذا الباب الخطير- يؤثِّمون ويهجرون ويبدِّعون من لم يقع في خطأ شرعي أصلا؛ إنما خالفهم في تبديع الكثير من علماء السنة – وإن أخطأ بعضهم فيما لا يستحق به التبديع – !! فأطلقوا قاعدتهم المشؤومة – والتي أحْدثوها تقليدا لزعمائهم-: «من لم يبدِّع المبتدع؛ فهو مبتدع، ومن لم يهجره؛ يُهْجر… وهكذا إلى ما لا نهاية!!!» مع أننا لو سلمْنا لهم بأن فلانا مبتدع، فلا يلزم كلَّ من وقع في بدعة أن يُهْجر؛ ففي الهجر تفاصيل كثيرة، قد ذكرتُها في عدة مواضع.

* * *

الثلاثون:

  • أهلُ السنة يَعْمَلون على تأليف القلوب واجتماع الكلمة، وصلاح ذات البين، وأئمتُهم يتجاوزون عمن أَساء إليهم، مع دعوتِهِ للصواب، والدعاءِ له بالمغفرة والهداية والرشاد:

قَالَ شيخ الإسلام -رحمه الله-: «وَتَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مَنَّ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ مِنْ الْمِنَنِ الَّتِي فِيهَا مِنْ أَسْبَابِ نَصْرِ دِينِهِ، وَعُلُوِّ كَلِمَتِهِ، وَنَصْرِ جُنْدِهِ، وَعَزَّةِ أَوْلِيَائِهِ، وَقُوَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَذُلِّ أَهْلِ الْبِدْعَةِ وَالْفُرْقَةِ، وَتَقْرِيرِ مَا قُرِّرَ عِنْدَكُمْ مِنْ السُّنَّةِ وَزِيَادَاتٍ عَلَى ذَلِكَ، بِانْفِتَاحِ أَبْوَابٍ مِنْ الْهُدَى وَالنَّصْرِ وَالدَّلَائِلِ، وَظُهُورِ الْحَقِّ لِأُمَمِ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَإِقْبَالِ الْخَلَائِقِ إلَى سَبِيلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمِنَنِ مَا لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ عَظِيمِ الشُّكْرِ، وَمِنْ الصَّبْرِ، وَإِنْ كَانَ صَبْرًا فِي سَرَّاءَ.

تَعْلَمُون أن من القواعد العظيمة التي هي من جِماع الدين: تأليفُ القلوب، واجتماعُ الكلمة، وصلاحُ ذات البين؛ فإن الله تعالى يقول: [ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ] {الأنفال:1} أو أمثال ذلك من النصوص التي تَأْمُر بالجماعة والائتلاف، وتَنْهَى عن الفُرقة والاختلاف، وأهْلُ هذا الأصل: هم أهل الجماعة، كما أن الخارجين عنه أهلُ الفُرقة، وجِماعُ السنة: طاعةُ الرسول -صلى الله عليه وسلم-».

وقَالَ – رحمه الله -: «وإنِّي لا أحِبُّ أن يُؤْذَى أحدٌ من عموم المسلمين -فضلاً عن أصحابنا- بشيء أصْلا: لا باطنا ولا ظاهرا، ولا عندي عَتَبٌ على أحد منهم، ولا لَوْمٌ أصْلا، بل لهم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم أضعافُ أضعافِ ما كان، كلٌّ بحسْبه، ولا يخلو الرجل: إما أن يكون مجتهدا مصيبا، أو مخطئا مذنبا، فالأول: مأجورٌ مَشْكُور، والثاني مع أجره على الاجتهاد: فَمَعْفُوٌّ عنه مَغْفُور له، والثالث: فالله يَغْفِر لنا وله ولسائر المؤمنين…. وتَعْلَمُون أَنَّا جميعا متعاوِنون على البر والتقوى، وواجبٌ علينا نَصْرُ بعضِنا البعضَ أعظمَ مما كان وأشدَّ، وأنا أحب الخير لكل المسلمين، وأريد لكل مؤمن من الخير ما أُحِبُّهُ لنفسي… وأهلُ القَصْدِ الصالح يُشْكَرون على قَصْدِهم، وأهلُ العمل الصالح يُشْكَرون على عملهم، وأهلُ السيئات نسأل الله أن يتوب عليهم»([160]) اهـ.

وقَالَ أيضًا -رحمه الله-: «وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ فِيهَا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءَ بَعْضٍ، وَجَعَلَهُمْ إخْوَةً، وَجَعَلَهُمْ مُتَنَاصِرِينَ مُتَرَاحِمِينَ مُتَعَاطِفِينَ، وَأَمَرَهُمْ سُبْحَانَهُ بالائتلاف، وَنَهَاهُمْ عَنْ الِافْتِرَاقِ وَالِاخْتِلَافِ، فَقَالَ: [ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ] {آل عمران:103}. وَقَالَ: [ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ] {الأنعام:159} الْآيَةَ.

فَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ هَذَا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ تَفْتَرِقَ وَتَخْتَلِفَ؛ حَتَّى يُوَالِيَ الرَّجُلُ طَائِفَةً وَيُعَادِيَ طَائِفَةً أُخْرَى بِالظَّنِّ وَالْهَوَى، بِلَا بُرْهَانٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ بَرَّأَ اللَّهُ نَبِيَّهُ -صلى الله عليه وسلم- مِمَّنْ كَانَ هَكَذَا، فَهَذَا فِعْلُ أَهْلِ الْبِدَعِ؛ كَالْخَوَارِجِ الَّذِينَ فَارَقُوا جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتَحَلُّوا دِمَاءَ مَنْ خَالَفَهُمْ، وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَهُمْ مُعْتَصِمُونَ بِحَبْلِ اللَّهِ، وَأَقَلُّ مَا فِي ذَلِكَ -أي من عمل أهل البدع-: أَنْ يُفَضِّلَ الرَّجُلُ مَنْ يُوَافِقُهُ عَلَى هَوَاهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَتْقَى لِلَّهِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ أَنْ يُقَدِّمَ مَنْ قَدَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيُؤَخِّرَ مَنْ أَخَّرَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيُحِبَّ مَا أَحَبَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيُبْغِضَ مَا أَبْغَضَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيَنْهَى عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ يَرْضَى بِمَا رَضِيَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ يَدًا وَاحِدَةً، فَكَيْفَ إذَا بَلَغَ الْأَمْرُ بِبَعْضِ النَّاسِ إلَى أَنْ يُضَلِّلَ غَيْرَهُ وَيُكَفِّرَهُ، وَقَدْ يَكُونُ الصَّوَابُ مَعَهُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؟ وَلَوْ كَانَ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ قَدْ أَخْطَأَ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ؛ فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ أَخْطَأَ يَكُونُ كَافِرًا وَلَا فَاسِقًا، بَلْ قَدْ عَفَا اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فِي دُعَاءِ الرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم- وَالْمُؤْمِنِينَ: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ] {البقرة:286} وَثَبَتَ فِي «الصَّحِيحِ» أَنَّ اللَّهَ قَالَ: «قَدْ فَعَلْتُ». لَا سِيَّمَا وَقَدْ يَكُونُ مَنْ يُوَافِقُكُمْ فِي أَخَصَّ مِنْ الْإِسْلَامِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ مِثْلَكُمْ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، أَوْ مُنْتَسِبًا إلَى الشَّيْخِ عَدِيٍّ، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا قَدْ يُخَالِفُ فِي شَيْءٍ، وَرُبَّمَا كَانَ الصَّوَابُ مَعَهُ، فَكَيْفَ يُسْتَحَلُّ عِرْضُهُ وَدَمُهُ أَوْ مَالُهُ؟ مَعَ مَا قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِ وَالْمُؤْمِنِ؟ وَكَيْفَ يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْأُمَّةِ بِأَسْمَاءِ مُبْتَدَعَةٍ، لَا أَصْلَ لَهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ -صلى الله عليه وسلم-؟ وَهَذَا التَّفْرِيقُ الَّذِي حَصَلَ مِنْ الْأُمَّةِ: عُلَمَائِهَا، وَمَشَايِخِهَا، وَأُمَرَائِهَا، وَكُبَرَائِهَا، هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ تَسَلُّطَ الْأَعْدَاءِ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ بِتَرْكِهِمْ الْعَمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ] {المائدة:14}. فَمَتَى تَرَكَ النَّاسُ بَعْضَ مَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ بِهِ؛ وَقَعَتْ بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ، وَإِذَا تَفَرَّقَ الْقَوْمُ؛ فَسَدُوا وَهَلَكُوا، وَإِذَا اجْتَمَعُوا؛ صَلَحُوا وَمَلَكُوا؛ فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ رَحْمَةٌ وَالْفُرْقَةَ عَذَابٌ»([161]).

* * *

الحادي والثلاثون:

  • وَيَروْنَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يُحَبُّ ويُبْغَض، ويُمْدَحُ ويُذَمُّ، ويُوصَلُ وَيُهْجَرُ، وَيُوَالَى وَيُعَادَى، عَلَى حَسَبِ مَا فِيهِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍ، وَحَسَنَةٍ وَسَيِّئةٍ، وَبِرٍ وَفُجُورٍ، وَطَاعَةٍ وَمَعْصِيةٍ، وَسُنَّةٍ وَبِدْعَةٍ، وَيَروْنَ تَبَعُّض الولاء والبراء -ما لم يَصِل المرءُ المُخَالِفُ إلى الكُفْرِ الأكبرِ، واسْتَوْفَى شُروطَ التكفير، وانْتَفَتْ عنه موانِعُهُ- وأما أهل البدع فهم أبْعَدُ الناس عن الانضباط في الاتباع في الولاء والبراء.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشَرٌّ، وفجورٌ وطاعة ومعصية، وسُنّةٌ وبدعةٌ؛ استحقَّ من الموالاة والثواب بِقَدْر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسَب ما فيه من الشر، فَيَجْتَمِعُ في الشخص الواحد موجِبَاتُ الإكرامِ والإهانةِ، فَيَجْتَمِعُ له من هذا وهذا، كاللِّص الفقير: تُقْطَعُ يَدُهُ لِسَرِقَتِهِ، ويُعْطَى من بيت المال ما يكْفِيه لحاجته، هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهلُ السنة والجماعة، وخالفهم الخوارجُ والمعتزلةُ ومَن وافقهم عليه، فلم يجعلوا الناسَ إلا مُسْتَحِقًّا للثوابِ فقط، وإلا مُسْتَحِقًّا للعقابِ فقط، وأهلُ السنة يقولون: إن الله يُعَذّب بالنار مِنْ أهل الكبائر مَنْ يُعَذِّبه، ثم يُخْرِجُهم بشفاعة من يأذن له في الشفاعة بِفَضْلِ رحمته…» انتهى.([162])

وقال أيضًا -رحمه الله-: «وكثير من الناس إذا عَلِم من الرجل ما يُحِبُّهُ؛ أحبَّ الرجلَ مطلقًا، وأَعْرَضَ عن سيئاته، وإذا عَلِم منه ما يُبْغِضُه؛ أَبْغَضَه مطلقًا، وأَعْرَضَ عن حسناته، وهذا من أقوال أهل البدع، والخوارج، والمعتزلة، والمرجئة» قال: «وأهل السنة يقولون ما دلَّ عليه الكتاب والسنة والإجماع، وهو: أن المؤمن يستحق وعْدَ الله وفَضْلَهُ، والثوابَ على حسناته، ويستحق العقاب على سيئاته؛ فإن الشخص الواحد يجتمع فيه ما يُثاب عليه، وما يُعاقَب عليه، وما يُحْمَد عليه، وما يُذَمُّ عليه، وما يُحَبُّ منه، وما يُبْغَض منه، فهذا وهذا» انتهى.([163])

وقال -رحمه الله-: «وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، بخلاف الخوارج، والمعتزلة، وبخلاف المرجئة والجهمية؛ فإن أولئك يميلون إلى جانب، وهؤلاء يميلون إلى جانب، وأهل السنة والجماعة وَسَطٌ…» انتهى.([164])

وبنحوه في «منهاج السنة»، حيث قال -رحمه الله-: «وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْبَابِ: أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الرَّجُلَ الْعَظِيمَ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ، مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَهْلِ الْبَيْتِ وَغَيْرِهِمْ، قَدْ يَحْصُلُ مِنْهُ نَوْعٌ مِنَ الِاجْتِهَادِ مَقْرُونًا بِالظَّنِّ وَنَوْعٍ مِنَ الْهَوَى الْخَفِيِّ؛ فَيَحْصُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَا لَا يَنْبَغِي اتِّبَاعُهُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ.

وَمِثْلُ هَذَا إِذَا وَقَعَ يَصِيرُ فِتْنَةً لِطَائِفَتَيْنِ: طَائِفَةٍ تُعَظِّمُهُ؛ فَتُرِيدُ تَصْوِيبَ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَاتِّبَاعَهُ عَلَيْهِ، وَطَائِفَةٍ تَذُمُّهُ؛ فَتَجْعَلُ ذَلِكَ قَادِحًا فِي وِلَايَتِهِ وَتَقْوَاهُ، بَلْ فِي بِرِّهِ وَكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، بَلْ فِي إِيمَانِهِ حَتَّى تُخْرِجَهُ عَنِ الْإِيمَانِ، وَكِلَا هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ فَاسِدٌ.

وَالْخَوَارِجُ وَالرَّوَافِضُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ ذَوِي الْأَهْوَاءِ دَخَلَ عَلَيْهِمُ الدَّاخِلُ مِنْ هَذَا، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَ الِاعْتِدَالِ؛ عَظَّمَ مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ، وَأَحَبَّهُ وَوَالَاهُ، وَأَعْطَى الْحَقَّ حَقَّهُ، فَيُعَظِّمُ الْحَقَّ، وَيَرْحَمُ الْخَلْقَ، وَيَعْلَمُ أَنَّ الرَّجُلَ الْوَاحِدَ تَكُونُ لَهُ حَسَنَاتٌ وَسَيِّئَاتٌ، فَيُحْمَدُ وَيُذَمُّ، وَيُثَابُ وَيُعَاقَبُ، وَيُحَبُّ مِنْ وَجْهٍ، وَيُبْغَضُ مِنْ وَجْهٍ.

هَذَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، خِلَافًا لِلْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَقَدْ بُسِطَ هَذَا فِي مَوْضِعِهِ». اهـ([165]).

وقال -رحمه الله-: «الْمُؤْمِنُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَادِيَ فِي اللَّهِ، وَيُوَالِيَ فِي اللَّهِ، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مُؤْمِنٌ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يُوَالِيَهُ وَإِنْ ظَلَمَهُ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ لَا يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ الْإِيمَانِيَّةَ، قَالَ تَعَالَى: [ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ] {الحجرات:9-10} فَجَعَلَهُمْ إخْوَةً مَعَ وُجُودِ الْقِتَالِ وَالْبَغْيِ، وَالْأَمْرِ بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمْ.

فَلْيَتَدَبَّرْ الْمُؤْمِنُ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، فَمَا أَكْثَرَ مَا يَلْتَبِسُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، وَلْيَعْلَمْ أَنَّ الْمُؤْمِنَ تَجِبُ مُوَالَاتُهُ وَإِنْ ظَلَمَك وَاعْتَدَى عَلَيْك، وَالْكَافِرَ تَجِبُ مُعَادَاتُهُ وَإِنْ أَعْطَاك وَأَحْسَنَ إلَيْك؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ؛ لِيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، فَيَكُونُ الْحُبُّ لِأَوْلِيَائِهِ، وَالْبُغْضُ لِأَعْدَائِهِ، وَالْإِكْرَامُ لِأَوْلِيَائِهِ، وَالْإِهَانَةُ لِأَعْدَائِهِ، وَالثَّوَابُ لِأَوْلِيَائِهِ، وَالْعِقَابُ لِأَعْدَائِهِ». اهـ([166])

ويُلَخِّصُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية -رحمه الله- مذهبَ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ في ذلك، فيقول – رحمه الله -: «وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُعَلِّقَ الْحَمْدَ وَالذَّمَّ، وَالْحُبَّ وَالْبُغْضَ، وَالْمُوَالَاةَ وَالْمُعَادَاةَ، وَالصَّلَاةَ وَاللَّعْنَ بِغَيْرِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي عَلَّقَ اللَّهُ بِهَا ذَلِكَ: مِثْلِ أَسْمَاءِ الْقَبَائِلِ، وَالْمَدَائِنِ، وَالْمَذَاهِبِ، وَالطَّرَائِقِ الْمُضَافَةِ إلَى الْأَئِمَّةِ وَالْمَشَايِخِ؛ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُرَادُ بِهِ التَّعْرِيفُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: [ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ] {الحجرات:13}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ] {يونس:62-63}، وَقَالَ: [ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ] {مريم:63}، وَقَدْ قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إنَّ آلَ أَبِي فُلَانٍ لَيْسُوا لِي بأولياء؛ إنَّمَا وَلِيِّي اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ» وَقَالَ: «أَلَا إنَّ أَوْلِيَائِي الْمُتَّقُونَ حَيْثُ كَانُوا وَمَنْ كَانُوا» وَقَالَ: «إنَّ اللَّهَ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ، النَّاسُ رَجُلَانِ: مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، النَّاسُ مِنْ آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» وَقَالَ: «إنَّهُ لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيِّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَبْيَضَ: إلَّا بِالتَّقْوَى».

يُقْصَدُ بِهَا التَّعْرِيفُ؛ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِهِ، فَأَمَّا الْحَمْدُ وَالذَّمُّ، وَالْحُبُّ وَالْبُغْضُ، وَالْمُوَالَاةُ وَالْمُعَادَاةُ، فَإِنَّمَا تَكُونُ بِالْأَشْيَاءِ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا سُلْطَانَهُ، وَسُلْطَانُهُ: كِتَابُهُ، فَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا؛ وَجَبَتْ مُوَالَاتُهُ مِنْ أَيِّ صِنْفٍ كَانَ، وَمَنْ كَانَ كَافِرًا؛ وَجَبَتْ مُعَادَاتُهُ مِنْ أَيِّ صِنْفٍ كَانَ، قَالَ تَعَالَى: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ] {المائدة:55-56}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ] {المائدة:51}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ] {التوبة:71}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ] {الممتحنة:1}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ] {الكهف:50}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ] {المجادلة:22}. وَمَنْ كَانَ فِيهِ إيمَانٌ وَفِيهِ فُجُورٌ؛ أُعْطِيَ مِنْ الْمُوَالَاةِ بِحَسَبِ إيمَانِهِ، وَمِنْ الْبُغْضِ بِحَسَبِ فُجُورِهِ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ الْإِيمَانِ بِالْكُلِّيَّةِ بِمُجَرَّدِ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي، كَمَا يَقُولُهُ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ، وَلَا يُجْعَلُ الْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ بِمَنْزِلَةِ الْفُسَّاقِ: فِي الْإِيمَانِ وَالدِّينِ، وَالْحُبِّ وَالْبُغْضِ، وَالْمُوَالَاةِ وَالْمُعَادَاةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: [ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ] {الحجرات: 9-10} فَجَعَلَهُمْ إخْوَةً مَعَ وُجُودِ الِاقْتِتَالِ وَالْبَغْيِ، وَقَالَ تَعَالَى: [ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ] {ص:28}، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: [ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ] {النور:2}، فَهَذَا الْكَلَامُ فِي الْأَنْوَاعِ.

وَأَمَّا الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ فَيُذْكَرُ مَا فِيهِ مِنْ الشَّرِّ فِي مَوَاضِعَ…»، وذَكَرَ مواضعَ إباحة غِيبَةِ المسلم». اهـ([167])

وقال -رحمه الله- أيضًا: «ومَن كان فيه ما يُوالَى عليه من حسناتٍ، وما يُعادَى عليْه من سيِّئاتٍ؛ عُومل بِموجَب ذلك، كفُسَّاق أهل الملَّة؛ إذْ هُم مستحقُّون للثَّواب والعقاب، والمُوالاة والمعاداة، والحبِّ والبغض، بِحسب ما فيهم من البِرِّ والفجور، فإنَّ الله يقول: [ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ] {الزلزلة:7، 8}». اهـ([168])

وقال -رحمه الله- أيضًا: «والأَصْلُ أنَّ دماءَ المسلمين وأموالَهم وأعراضَهم مُحرَّمةٌ من بعضِهم على بعض، لا تَحلُّ إلا بإذن الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم – قال النبي – صلى الله عليه وسلم – لمَّا خطبَهُم في حجَّة الوداع -: «إنَّ دماءَكم وأموالَكم وأعْرَاضَكُم عليْكم حرامٌ، كَحُرمة يومِكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا»، وقال: «كلُّ المسلم على المسلِمِ حرامٌ: دمُه، ومالُه، وعرضُه»، وقال: «مَن صلَّى صلاتَنا، واستقْبَل قِبْلَتنا، وأكَل ذبيحَتَنا؛ فهُو المُسْلِم، له ذمَّة الله ورسولِه».

وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ مَعَ الِاقْتِتَالِ يُوَالِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا مُوَالَاةَ الدِّينِ، لَا يُعَادُونَ كَمُعَادَاةِ الْكُفَّارِ، فَيَقْبَلُ بَعْضُهُمْ شَهَادَةَ بَعْضٍ، وَيَأْخُذُ بَعْضُهُمْ الْعِلْمَ عَنْ بَعْضٍ، وَيَتَوَارَثُونَ، وَيَتَنَاكَحُونَ، وَيَتَعَامَلُونَ بِمُعَامَلَةِ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، مَعَ مَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْقِتَالِ وَالتَّلَاعُنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.». اهـ([169])

وقال -رحمه الله-: «فَإِنَّ الذَّمَّ وَالْحَمْدَ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَ ذَلِكَ، وَذَكَرْنَا أَنَّ الْحَمْدَ وَالذَّمَّ، وَالْحُبَّ وَالْبُغْضَ، وَالْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ، وَالْمُوَالَاةَ وَالْمُعَادَاةَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ؛ لَا يَصْلُحُ إلَّا بِالْأَسْمَاءِ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا سُلْطَانَهُ، فَأَمَّا تَعْلِيقُ ذَلِكَ بِأَسْمَاءِ مُبْتَدَعَةٍ؛ فَلَا يَجُوزُ، بَلْ ذَلِكَ مِنْ بَابِ شَرْعِ دِينٍ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ». اهـ([170])

وحَذَّرَ شيخ الإسلام -رحمه الله- أيضاً من إطلاق العنان للنفس؛ لِتُحِبَّ من تشاء، وتُبْغِضَ من تشاء، دون تقيد بسلطان القرآن ومنهاج السنة، فقال -رحمه الله-: «مِنْ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ حُبُّهُ وَبُغْضُهُ وَإِرَادَتُهُ وَكَرَاهَتُهُ بِحَسَبِ مَحَبَّةِ نَفْسِهِ وَبُغْضِهَا؛ لَا بِحَسَبِ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَبُغْضِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَهَذَا مِنْ نَوْعِ الْهَوَى؛ فَإِنْ اتَّبَعَهُ الْإِنْسَانُ؛ فَقَدْ اتَّبَعَ هَوَاهُ». اهـ([171])

وقال الإمام ابنُ القيم -رحمه الله-: «.. مِن قواعدِ الشَّرْعِ والحِكْمةِ: أنَّ مَنْ كَثُرَتْ حَسَنَاتُهُ وعَظُمَتْ، وكان له في الإسلامِ تأثيرٌ ظاهرٌ؛ فإنه يُحْتَمَلُ منه ما لا يُحتمل من غيره، ويُعْفَى عنه ما لا يُعْفَى من غيره؛ فإن المعصية خَبَثٌ، والماءُ إذا بَلَغَ القلتين لم يَحْمِلُ الخَبَثَ.. وهذا أمرٌ معلومٌ عند النَّاسِ مُسْتَقِرٌّ في فِطَرِهِم: أنَّ مَن له ألوفُ الحَسَنَاتِ فإنه يُسَامَحُ بالسَّيِّئَةِ والسَّيِّئَتَيْنِ، وكما قيل:

وإذا الحبيبُ أتى بذنبٍ واحدٍ
جاءتْ محاسِنُهُ بألفِ شفيعِ» اهـ

وقال -رحمه الله-([172]): «والشيءُ قد يُحَبُّ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، وليس شيءٌ يُحَبُّ لِذَاتِهِ مِن كُلِّ وَجْهٍ إلا اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ وَحْدَهُ- الذي لا تَصْلُحُ الأُلُوهِيَّةُ إلّا له، فلو كان في السماواتِ والأرضِ آلهةٌ إلا اللهُ فَسَدَتَا». اهـ

وقال ابن أبي العز -رحمه الله-([173]): «وَالْحُبُّ وَالْبُغْضُ بِحَسَبِ مَا فِيهِمْ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ يَجْتَمِعُ فِيهِ سَبَبُ الْوِلَايَة وَسَبَبُ الْعَدَاوَة، وَالْحُبُّ وَالْبُغْضُ، فَيَكُونُ مَحْبُوبًا مِنْ وَجْه، مَبْغُوضًا مِنْ وَجْه، وَالْحُكْمُ لِلْغَالِبِ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْعَبْدِ عِنْدَ اللَّهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ يُحِبُّ الشَّيْءَ مِنْ وَجْه وَيَكْرَهُه مِنْ وَجْه آخَرَ، كَمَا قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّه -عَزَّ وَجَلَّ-: «وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُه تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ، يَكْرَه الْمَوْتَ، وَأَنَا أَكْرَه مَسَاءَتَه، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ». فَبَيَّنَ أَنَّهُ يَتَرَدَّدُ؛ لِأَنَّ التَّرَدُّدَ تَعَارُضُ إِرَادَتَيْنِ، وَهُوَ -سُبْحَانَهُ- يُحِبُّ مَا يُحِبُّ عَبْدُه الْمُؤْمِنُ، وَيَكْرَه مَا يَكْرَهُه، وَهُوَ يَكْرَه الْمَوْتَ؛ فَهُوَ يَكْرَهُه، كَمَا قَالَ: «وَأَنَا أَكْرَه مَسَاءَتَه»، وَهُوَ -سُبْحَانَهُ- قَضَى بِالْمَوْتِ، فَهُوَ يُرِيدُ كَوْنَه، فَسَمَّى ذَلِكَ تَرَدُّدًا، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِ ذَلِكَ؛ إِذْ هُوَ مُفْضٍ إِلَى مَا هُوَ أَحَبُّ مِنْهُ». اهـ

وقال الشيخ سليمان بن سحمان -رحمه الله-([174]):

قَوْلُ السَّائِلِ: ما الشخص الذي يُحَبُّ جُمْلَةً، ومن الذي يُحَبُّ مِنْ وَجْهٍ، ويُبْغَضُ مِنْ وَجْهٍ، والذي يُبْغَضُ جُملةً؟

والجواب أن نقول:

الشخص الذي يُحَبُّ جُملةً: هو مَن آمَنَ باللهِ ورسولِهِ، وقامَ بوظائفِ الإسلامِ ومَبَانِيهِ العِظامِ: عِلماً وعَمَلاً واعتقاداً، وأَخْلَصَ أعمالَهُ وأقوالَهُ، وانْقَادَ لأوامرِ اللهِ، وانتهى عَمَّا نَهَى الله عنه ورسولُه، وأَحَبَّ في الله، ووالى في الله، وأَبْغَضَ في الله، وعادى في الله، وقَدَّمَ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- على قَوْلِ كُلِّ أَحَدٍ كائناً مَن كان، إلى غير ذلك مِن القيامِ بحقوق الإسلام وشرائِعِهِ.

وأما الذي يُحَبُّ مِنْ وَجْهٍ ويُبْغَضُ مِنْ وَجْهٍ آخر: فهو المُسْلِمُ الذي خَلَطَ عَمَلاً صالحاً وآخرَ سَيِّئَاً، فَيُحَبُّ ويُوَالَى على قَدْرِ ما مَعَهُ مِنَ الخَيْرِ، ويُبْغَضُ ويُعَادَى على قَدْرِ ما مَعَهُ مِنَ الشَّرِّ، ومَنْ لَمْ يَتَّسِعْ قلبُهُ لهذا؛ كان يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ، وهلاكُه أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُفْلِحَ، وإذا أَرَدْتَّ الدليلَ على ذلك؛ فهذا عبدُ الله «حمار» وهو رجلٌ مِن أصحابِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- كان يَشْرَبُ الخَمْرَ، فأُتِيَ به إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَلَعَنَهُ رَجُلٌ، وقال: ما أَكْثَرَ ما يُؤْتَى به، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تَلْعَنْهُ؛ فإنه يحب الله ورسوله» مع أنه لَعَنَ الخَمْرَ، وشَارِبَها، وبَائِعَهَا، وعَاصَرَهَا، ومُعْتَصِرَهَا، وحَامِلَهَا، والمَحْمُولَةَ إليه، وتَأَمَّلَ قِصَّةَ حاطبِ بنِ أبي بَلْتَعَة، وما فيها من الفوائد: فإنه هاجر إلى الله ورسوله، وجاهد في سبيله، لكن حَدَثَ منه أنه كَتَبَ بِسِرِّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المشركين مِن أَهْلِ مَكَّة، يُخْبِرُهُم بشأنِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ومَسِيرِهِ لجهادهم؛ ليتخذ بذلك يداً عندهم، يَحْمِي بها أَهْلَهُ ومَالَهُ بمكة، فنزل الوحيُ بِخَبَرِهِ، وكان قد أَعْطَي الكتاب ظعينةً؛ جَعَلَتْهُ في شَعْرِهَا، فأرسل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- علياً والزُّبَيْرَ في طَلَبِ الظَّعِينَةِ، وأَخْبَرَهُمَا أنهما يَجِدَانِهَا في رَوْضَةِ خَاخٍ، فكان ذلك، فَتَهَدَّدَاهَا حتى أَخْرَجَتْ الكِتَابَ مِن ضَفَائِرِهَا، فأَتَيَا به رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فدعا حاطبَ بنَ أبي بلتعة، فقال له: «ما هذا؟» فقال: يا رسول الله، لم أَكْفُرْ بعد إيمانٍ، ولم أَفْعَلْ هذا رغبةً عن الإسلامِ، وإنما أَرَدْتُّ أن تكون لي عند القومِ يَدٌ أَحْمِي بها أهلي ومالي، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «صَدَقَكُم؛ خَلُّوا سبيله» واستأذن عمر في قتله، فقال: دعني أَضْرِبْ عُنق هذا المنافق، فقال: «وما يدريك؛ أن الله اطلع على أهل بدرـ فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غَفَرْتُ لكم» وأنزل الله في ذلك صَدْر سورة الممتحنة، فقال: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ] {الممتحنة:1} الآيات، فدخل حاطبٌ في المُخَاطَبَةِ بِاسْمِ الإيمان، ووَصْفَهُ به، وتناولَهُ النهيُ بعمومه، وله خصوصُ السَّبَبِ الدالُّ على إرادته، مع أن في الآية الكريمة ما يُشْعِر أن فِعْلَ حاطب نوعُ موالاة، وأنه أَبْلَغَ بالمودة، فإنَّ كُلَّ مَن فَعَلَ ذلك؛ قَدْ ضَلَّ سواءَ السبيلِ» قال: لكن قوله: «صَدَقَكُم؛ خَلُّوا سبيلَه» ظاهرٌ في أنه لا يَكْفُر بذلك؛ إذ كان مؤمناً بالله ورسوله، غير شاكٍّ ولا مرتابٍ، وإنما فَعَلَ ذلك لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، ولو كَفَرَ؛ لما قيل: «خَلُّوا سَبِيلَه»، لا يقال: قوله -صلى الله عليه وسلم- لعمر: «وَمَا يُدْرِيكَ؛ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ على أهلِ بَدْرٍ، فقال: اعْمَلُوا ما شِئْتُم؛ فقد غَفَرْتُ لكم» هو المانِعُ مِن تَكْفِيرِهِ؛ لأنا نقولُ: لو كَفَرَ لَمَا بَقِيَ مِن حَسَنَاتِه ما يَمْنَعُه مِن إِلْحَاقِ الكُفْرِ وأَحْكَامِه؛ فإنَّ الكُفْرَ يَهْدِمُ ما قبله؛ لقوله تعالى: [ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ] {المائدة:5}، وقوله تعالى: [ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ] {الأنعام:88} والكُفْرُ مُحْبِطٌ للحسناتِ والإيمانِ بالإجماع، فلا يُظَنُّ هذا.

ومن الأدلة على ذلك: قوله تعالى: [ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ]-إلى قوله- [ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ] {الحجرات:9-10} فجعلهم إخوةً مع وجودِ الاقْتِتَالِ والبَغْيِ، وأَمَرَ بالإصلاحِ بَيْنَهُم، وكان مِسْطَحُ بنُ أثاثة من المهاجرين والمجاهدين مع رسول -صلى الله عليه وسلم-، وكان ممن سَعَى بالإفك، فأقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الحَدَّ عليه، وجَلَدَه، وكان أبو بكر
-رضي الله عليه وسلم- يُنْفِق عليه لقرابته وفَقْرِه، فآلى أبو بكر أن لا يُنْفِقَ عليه بعدما قال لعائشة ما قال، فأنزل الله: [ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ] {النور:22} فقال أبو بكر: بلى والله؛ إني أحب أن يغفر الله لي؛ فأعاد عليه نفقته، وأمثال هذا كثير، لو تَتَبَّعْنَاه؛ لطال الكلام«.

ثم أورد -رحمه الله- كلاماً لشيخ الإسلام، ثم قال: وأما الذي يُبْغَضُ جُملةً؛ فهو من كَفَرَ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولم يؤمن بالقَدَر خيره وشره، وأنه كُلَّه بقضاء الله وقَدَرِهِ، وأنكر البعث بعد الموت، وتَرَكَ أحد أركان الإسلام الخمسة، وأشرك بالله -سبحانه- في عبادته أحداً من الأنبياء والأولياء والصالحين، وصَرَفَ لهم نوعاً من أنواع العبادة: كالحب، والدعاء، والخوف، والرجاء، والتعظيم، والتوكل، والاستعانة، والاستعاذة، والاستغاثة، والذبح، والنذر، والإنابة، والذل، والخضوع، والخشوع، والخشية، والرغبة، والرهبة، والتعلق على غير الله في جميع الطلبات، وكَشْفِ الكُربات، وإغاثة اللهفات، وجميع ما كان يفعله عُبَّاد القبور اليوم عند ضرائح الأولياء والصالحين، وجميع المعبودات، وكذلك من أَلْحَدَ في أسمائه وصفاته، واتَّبَعَ غير سبيل المؤمنين، وانْتَحَلَ ما كان عليه أهل البدع والأهواء المُضِلَّة، وكذلك من قامَتْ به نواقضُ الإسلام، والله أعلم». اهـ

وقال الشيخ القاسمي -رحمه الله-([175]): «فإن هذه الكبائر كُلَّها من شُعَب الكُفْر، كما في الصحاح: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» إلخ. ففيهم مِنْ نَقْصِ الإيمان ما يوجب زوالَ الرأفة بهم، ولا منافاة بين كون الواحد يُحَبُّ مِنْ وَجْهٍ ويُبْغَضُ مِنْ وَجْهٍ، ويُثَابُ مِنْ وَجْهٍ ويُعَاقَبُ مِنْ وَجْهٍ؛ خلافا للخوارج والمعتزلة، ولهذا جاء في السنة أن من أقيم عليه الحد، يُرْحَمُ مِنْ وَجْهٍ آخر، فيُحْسَنُ إليه، ويُدْعَى له.

وهذا الجانب أغلب في الشريعة، كما في صفة الرب -سبحانه وتعالى-.

* ففي «الصحيح»: «إن رحمتي تغلب غضبي»، وقال: [ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ] {الحجر:49، 50}، وقال: [ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ] {المائدة:98}، فجعل الرحمة صفة مذكورة في أسمائه. وأما العذاب والعقاب فجعلهما من مفعولاته. ومن هذا ما أمر الله تعالى به من الغلظة على الكفار والمنافقين». اهـ

وقال الشيخ الفوزان -حفظه الله- في «الولاء والبراء في الإسلام»([176]): «الناسُ في الولاءِ والبراءِ على ثلاثةِ أقسامٍ:

القسمُ الأولُ: منْ يُحَبُ محبةً خالصةً لا معادةَ معها:

وهم المؤمنونَ الخُلَّصُ منْ الأنبياءِ والصديقينَ والشهداءِ والصالحينَ.

وفي مقدمتِهِمْ رسولُ اللهِ؛ فإنَّه تجبُ محبتُهُ أكثرَ منْ محبةِ النفسِ والوالدِ والولدِ والناسِ أجمعينَ.

ثم زوجاتُه أمهاتُ المؤمنينَ، وأهلُ بيتِهِ الطيبونَ، وصحابتُه الكرامُ
-خصوصاً – الخلفاءُ الراشدونَ، وبقيةُ العشرةِ، والمهاجرونَ، والأنصارُ، وأهلُ بدرٍ، وأهلُ بيعةِ الرضوانِ، ثم بقيةُ الصحابةِ – رضي اللهُ عنهم -أجمعين.

ثمَّ التابعونَ، والقرونُ المفضلةُ، وسلفُ هذه الأمةِ، وأئمتُها، كالأئمةِ الأربعةِ.

قال تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ] {الحشر:10}.

ولا يُبغضُ الصحابةَ وسلفَ هذه الأمةِ مَنْ في قلبِه إيمانٌ.

وإنما يُبغِضهمْ أهلُ الزَّيْغِ والنفاقِ، وأعداءُ الإسلامِ: كالرافضةِ، والخوارجِ، نسألُ اللهَ العافيةَ.

القسمُ الثاني: منْ يُبغَضُ ويُعادَى بُغضاً ومعاداةً خالصيْنِ لا محبةَ ولا موالاةَ معهما:

وهم الكفارُ الخُلَّصُ: من الكفارِ، والمشركينَ، والمنافقينَ، والمرتدينَ والملحدينَ، على اختلافِ أجناسِهمْ.

كما قال اللهُ تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ] {المجادلة:22}.

وقال تعالى عائباً على بني إسرائيل: [ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] { المائدة:80، 81}.

القسم الثالث: من يُحَبُ مِنْ وَجْهٍ ويُبغَضُ مِنْ وَجْهٍ:

فتجتمعُ فيه المحبةُ والعداوةُ، وهمْ عصاةُ المؤمنينَ، يُحَبونَ لِمَا فيهمْ منْ الإيمانِ، ويُبْغَضونَ لما فيهم منْ المعصيةِ التي هي دونَ الكفرِ والشركِ.

ومحبتُهمْ تَقتضي مُناصحَتَهمْ والإنكارَ عليهمْ، فلا يجوزُ السكوتُ على معاصيِهِمْ، بلْ يُنكَرُ عليهِمْ، ويُؤْمَرُونَ بالمعروفِ، ويُنْهَوْنَ عنْ المُنكرِ، وتُقامُ عليهم الحدودُ والتعزيراتُ؛ حتى يكفُّوا عنْ معاصيِهم، ويتوبوا منْ سيئاتِهمْ.

ولكنْ لا يُبْغَضُونَ بُغضاً خالصاً، ويُتبرأُ منْهم؛ كما تقولُه الخوارجُ في مرتكبِ الكبيرةِ، التي هي دونَ الشركِ.

ولا يُحَبُّونَ ويُوَالَوْنَ حُبًّا وموالاةً خالصَيْن، كما تقولُه المرجئةُ، بل يُعْتَدَلُ في شأنِهم على ما ذكرنا، كما هو مذهبُ أهلِ السنةِ والجماعةِ.

والحُبُّ في اللهِ، والبُغضُ في اللهِ أَوْثَقُ عُرى الإيمانِ، والمرءُ مع منْ أَحبَّ يومَ القيامةِ، كما في الحديثِ». اهـ

وقال الإمام العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- في صدد كلامه عن صاحب المعصية: «فإذا قًلْنا: إنه لا يخرج من الإيمان؛ فهل نحبّه على سبيل الإطلاق، أو نكرهه على سبيل الإطلاق؟ نقول: لا هذا، ولا هذا، نحبه بما معه من الإيمان، ونكرهه بما معه من المعاصي» انتهى([177])

قلت: وهذا هو مذهب أهل السنة المتفق عليه بينهم، ولم يخالفهم فيه إلا أهل البدع من الطرفين: إما بإطلاق الولاء والمدح والفضل، أو بإطلاق البراء والقدح والهَجْر!!!

والغلاةُ في زماننا – شِيباً وشُباناً – يُنْكِرون هذا الأصل، ويرمون من قال به بتمييع الدعوة، وأنه مُفْسِدٌ ومُلَبِّسٌ، مع أنه قد مضى معنا دَعْوى العلماء إجماع أهل السنة على ذلك، خلافاً لأهل البِدَعِ والأهواء، ولِأَجْلِ إصرارِ الغلاةِ على قَوْلهم الضالِّ الضارِّ، وكثرةِ تلبيسهم على صغارِ طلاب العلم؛ أَطَلْتُ النَّفَسَ في نَقْلِ كلامِ أهلِ العلمِ في ذلك، والمُوَفَّقُ مَن وفَّقَه الله – عز وجل -.

* * *

الثاني والثلاثون:

  • ليس كُلُّ مخالف للحق في مسألة فأكثر -وإن كانت في باب الشبهات العقدية- يَخْرُج من دائرة أهل السنة والجماعة، ويُلْحق بالفِرق الضالة عند أهل السنة؛ فقد يقع السُّنِّي المجتهد في الدفاع عن السنة في بعض البدع:

فموقف أهل السنة والجماعة من العالم السُّنِّي إذا أخطأ: أنه يُعْذَر، فلا يُبَدَّع ولا يُهْجَر، على تفاصيل في ذلك؛ فليست العصمة لأحد بعد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كائنًا من كان؛ فلا يَسْلَم عالمٌ من خطأ، إلا أَنَّ مَنْ أخطأ مهما كان عِلْمُهُ وفَضْلُهُ؛ فلا يُتابَعُ على خطئه، ولا يُقتدى به في زلتِه، وفي المقابل: لا يُتَّخَذُ ذلك الخطأُ ذريعةً إلى عَيْبِه وتشويهه والتحذير منه، بل يُغتفر خطؤه القليل في صوابه الكثير، لكن لابد من نُصْحه وتقويمه إن أَمْكَن، وإلا حُذِّر من اتباعه على خطئه دون إهدار ما بقي عنده من جوانب الخير.

ومن كان من هؤلاء العلماء قد مات؛ فَيُسْتَفاد من عِلْمِهِ، مع الحذر من متابعته على الخطأ، ويُدْعَى له، ويُتَرَحَّم عليه، ومن كان حيًّا: سواء كان عالماً أو طالب علم؛ فيُنَبَّه على خطئه برفق ولين، ومحبة وحِرْصٍ على سلامته من الخطأ، ورجوعه إلى الصواب.

قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في سياق الدفاع عن أهل السنة، وتفنيد شبهات أهل البدع في ذم أهل السنة ورمْيهم بقِلِّة الفهم، والاحتجاج بالموضوعات والمنكر من الحكايات، بعد أن سلَّم بوجود شيءٍ من ذلك عند بعض أهل السنة -لا كُلِّهم- فقَالَ –رحمه الله-: «وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا مَوْجُودٌ فِي بَعْضِهِمْ: يَحْتَجُّونَ بِأَحَادِيثَ مَوْضُوعَةٍ فِي مَسَائِلِ» الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ «وَبِآثَارِ مُفْتَعَلَةٍ، وَحِكَايَاتٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ، وَيَذْكُرُونَ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ مَا لَا يَفْهَمُونَ مَعْنَاهُ، وَرُبَّمَا تَأَوَّلُوهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ؛ وَوَضَعُوهُ عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ثُمَّ إنَّهُمْ بِهَذَا الْمَنْقُولِ الضَّعِيفِ، وَالْمَعْقُولِ السَّخِيفِ، قَدْ يُكَفِّرُونَ وَيُضَلِّلُونَ وَيُبَدِّعُونَ أَقْوَامًا مِنْ أَعْيَانِ الْأُمَّةِ، ويُجَهِّلُونَهم، فَفِي بَعْضِهِمْ مِنْ التَّفْرِيطِ فِي الْحَقِّ، وَالتَّعَدِّي عَلَى الْخَلْقِ، مَا قَدْ يَكُونُ بَعْضُهُ خَطَأً مَغْفُورًا، وَقَدْ يَكُونُ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ الَّتِي تُوجِبُ غَلِيظَ الْعُقُوبَاتِ؛ فَهَذَا لَا يُنْكِرُهُ إلَّا جَاهِلٌ أَوْ ظَالِمٌ، وَقَدْ رَأَيْتُ مِنْ هَذَا عَجَائِبَ، لَكِنْ هُمْ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِمْ فِي ذَلِكَ: كَالْمُسْلِمِينَ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَقِيَّةِ الْمِلَلِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الظُّلْمِ وَالْجَهْلِ وَالْبِدَعِ وَالْفُجُورِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا مَنْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، لَكِنْ كُلُّ شَرٍّ يَكُونُ فِي بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَهُوَ فِي غَيْرِهِمْ أَكْثَرُ، وَكُلُّ خَيْرٍ يَكُونُ فِي غَيْرِهِمْ؛ فَهُوَ فِيهِمْ أَعْلَى وَأَعْظَمُ، وَهَكَذَا أَهْلُ الْحَدِيثِ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِمْ»([178]) اهـ.

فيا سبحان الله، ما أنْفَعَ هذا الكلامَ، وأسَدَّه، وأحْرَاه بأن يَفْقَهَهُ الغلاةُ في التبديع والتضليل لإخوانهم من أهل السنة والجماعة، بل في تبديعهم مَنْ هم أفضل منهم قيلًا، وأَهْدَى سبيلًا!!

وقَالَ-رحمه الله-: «لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ تُعْرَفَ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ إسْنَادًا وَمَتْنًا، فَالْقُرْآنُ مَعْلُومٌ ثُبُوتُ أَلْفَاظِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ وُجُوهُ دَلَالَتِهِ، وَالسُّنَّةُ يَنْبَغِي مَعْرِفَةُ مَا ثَبَتَ مِنْهَا، وَمَا عُلِمَ أَنَّهُ كَذِبٌ. فَإِنَّ طَائِفَةً مِمَّنْ انْتَسَبَ إلَى السُّنَّةِ، وَعَظَّمَ السُّنَّةَ وَالشَّرْعَ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ اعْتَصَمُوا فِي هَذَا الْبَابِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ جَمَعُوا أَحَادِيثَ وَرَدَتْ فِي الصِّفَاتِ، مِنْهَا مَا هُوَ كَذِبٌ مَعْلُومٌ أَنَّهُ كَذِبٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ إلَى الْكَذِبِ أَقْرَبُ، وَمِنْهَا مَا هُوَ إلَى الصِّحَّةِ أَقْرَبُ، وَمِنْهَا مُتَرَدَّدٌ، وَجَعَلُوا تِلْكَ الْأَحَادِيثَ عَقَائِدَ، وصَنَّفُوا مُصَنَّفَاتٍ، ومنهم من يُكَفِّر من يخالف ما دَلَّتْ عليه تلك الأحاديثُ، وَبِإِزَاءِ هَؤُلَاءِ: الْمُكَذِّبونَ بِجِنْسِ الْحَدِيثِ، وَمَنْ يَقُولُ عَنْ أَخْبَارِ «الصَّحِيحَيْنِ» وَغَيْرِهَا: هَذِهِ أَخْبَارُ آحَادٍ لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ، وَأَبْلَغُ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: دَلَالَةُ الْقُرْآنِ لَفْظِيَّةٌ سَمْعِيَّةٌ، وَالدَّلَالَةُ السَّمْعِيَّةُ اللَّفْظِيَّةُ لَا تُفِيدُ الْيَقِينَ، وَيَجْعَلُونَ الْعُمْدَةَ عَلَى مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ الْعَقْلِيَّاتِ، وَهِيَ بَاطِلَةٌ فَاسِدَةٌ، مِنْهَا مَا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ وَكَذِبُهُ، وَهَؤُلَاءِ أَيْضًا قَدْ يُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ، كَمَا فَعَلَ أُولَئِكَ، وَكِلَا الطَّرِيقَيْنِ بَاطِلٌ وَلَوْ لَمْ يُكَفِّرْ مُخَالِفَهُ، فَإِذَا كَفَّرَ مُخَالِفَهُ؛ صَارَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ يَبْتَدِعُونَ بِدْعَةً وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهَا، كَمَا فَعَلَتْ الْخَوَارِجُ وَغَيْرُهُمْ، وَقَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ الْأَدِلَّةَ الَّتِي تُوجِبُ الْعِلْمَ لَا تُنَاقَضُ قَطُّ، وَلَا يُنَاقِضُ الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ الَّذِي يُفِيدُ الْعِلْمَ الدَّلِيلَ السَّمْعِيِّ الَّذِي يُفِيدُ الْعِلْمَ قَطُّ، كَمَا قَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كِتَابِ»([179]) اهـ.

وقَالَ -رحمه الله- في «منهاج السنة»([180]): «فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ فِيهِمْ بِدْعَةٌ، مِنْ جِنْسِ بِدَعِ الرَّافِضَةِ وَالْخَوَارِجِ، وَأَصْحَابُ الرَّسُولِ – -صلى الله عليه وسلم- – عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرُهُ لَمْ يُكَفِّرُوا الْخَوَارِجَ الَّذِينَ قَاتَلُوهُمْ، بَلْ أَوَّلُ مَا خَرَجُوا عَلَيْهِ، وَتَحَيَّزُوا بِحَرُورَاءَ، وَخَرَجُوا عَنِ الطَّاعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، قَالَ لَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: إِنَّ لَكُمْ عَلَيْنَا أَنْ لَا نَمْنَعَكُمْ مَسَاجِدَنَا، وَلَا حَقَّكُمْ مِنَ الْفَيْءِ([181]). ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَنَاظَرَهُمْ، فَرَجَعَ نَحْوُ نِصْفِهِمْ([182] ثُمَّ قَاتَلَ الْبَاقِيَ وَغَلَبَهُمْ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَسْبِ لَهُمْ ذُرِّيَّةً، وَلَا غَنِمَ لَهُمْ مَالًا، وَلَا سَارَ فِيهِمْ سِيرَةَ الصَّحَابَةِ فِي الْمُرْتَدِّينَ، كَمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ وَأَمْثَالِهِ، بَلْ كَانَتْ سِيرَةُ عَلِيٍّ وَالصَّحَابَةِ فِي الْخَوَارِجِ مُخَالِفَةً لِسِيرَةِ الصَّحَابَةِ فِي أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ عَلَى عَلِيٍّ ذَلِكَ، فَعُلِمَ اتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُرْتَدِّينَ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ.

قَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ: «وَقَدْ وَلِيَ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قِتَالَ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَرَوَى عَنِ النَّبِيِّ – -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- – فِيهِمْ مَا رَوَى، وَسَمَّاهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَحَكَمَ فِيهِمْ بِأَحْكَامِ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَذَلِكَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ» اهـ.

وقال شيخ الإسلام ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رحمه الله-: «بل يَضِلُّ عن الحق مَنْ قَصَدَ الحق، وقد اجتهد في طلبه، فعجز عنه؛ فلا يُعاقَبُ، بل يكون له أجر على اجتهاده، وخطؤه الذي ضَلَّ فيه عن حقيقة الأمر مغفور له، وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفَعَلُوا ما هو بِدْعَةٌ، ولم يَعْلَموا أنه بِدْعَةٌ؛ إما لأحاديثَ ضعيفة ظَنُّوها صحيحةً، وإما لآياتٍ فَهِمُوا منها ما لم يُرَد منها، وإما لِرَأْيٍ رَأَوْهُ، وفي المسألة نصوصٌ لم تَبْلُغْهُم، وإذا اتقى الرجلُ رَبَّهُ ما استطاع؛ دَخَلَ في قوله: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ] {البقرة: 286} وفي الصحيح من حديث ابن عباس -رضي الله عنه- أن الله قال: قد فَعَلْتُ». اهـ([183])

قلت: فتأمل – رحمني الله وإياك – كيف أثبت اقتراف البعض البدعةَ قولا أو فعلا، ومع ذلك وصفهم بأنهم من مجتهدي السلف والخلف، وذكر أنهم مغفور لهم؛ لاجتهادهم في قصْد الحق، وإن أخطؤوا طريقه، فأين هذا من غلاة زماننا المتعجرفين، ومع ذلك يزعمون أنهم أولى الناس بالسلفية!!

وقال -رحمه الله-: «ومما يتعلق بهذا الباب: أن يُعْلَمَ أن الرجل العظيم في العلم والدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة: أهلِ البيت وغيرِهِمْ، قد يَحْصُلُ منه نَوْعٌ من الاجتهاد مقروناً بالظن، ونوعٍ من الهوى الخَفِيِّ، فيحصُل بسبب ذلك مالا ينبغي اتباعُهُ فيه، وإن كان من أولياء الله المتقين، ومثل هذا إذا وَقَعَ يصير فتنةً لطائفتين: طائفةٍ تُعَظِّمُه، فتريد تصويبَ ذلك الفعلِ واتباعَهُ عليه، وطائفةٍ تَذُمّه، فتجعل ذلك قادحاً في ولايته وتقواه، بل في برّه وكونه من أهل الجنة، بل في إيمانه حتى تُخْرِجَه عن الإيمان، وكلا هَذَيْنِ الطرفين فاسد، والخوارج والروافض وغيرهم من ذوي الأهواء دَخَلَ عليهم الداخِلُ من هذا.

ومن سَلَكَ طريق الاعتدال؛ عظَّم من يَسْتَحِقُّ التعظيم، وأَحَبَّه، ووالاه، وأَعْطَى الحقَّ حقَّه، فَيُعَظِّم الحقَّ، ويَرْحَمُ الخَلْقَ، ويَعْلَم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات: فيُحْمَدُ ويُذَمُّ، ويُثابُ ويعاقبُ، ويُحَبُّ مِنْ وَجْهٍ، ويُبْغَضُ مِنْ وَجْهٍ، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافاً للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم». اهـ([184])

وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله- وقد أشار لبعض شَطَحَات المخالفين وإن كانوا في الأصل من المنتسبين للسنة- فقال -رحمه الله-: «وهذه الشطحات أوجبتْ فتنةً على طائفتين من الناس:

إحداهما: حُجِبتْ بها عن محاسن هذه الطائفة، ولُطْف نفوسهم، وصِدْقِ معاملاتهم، فأَهْدَروها لأجل هذه الشطحات، وأَنْكَروها غايةَ الإنكار، وأساؤوا الظنَّ بهم مُطْلقًا، وهذا عُدْوانٌ وإِسْرافٌ، فلو كان كُلُّ من أخطأ أو غَلِطَ، تُرِكَ جُملةً، وأُهْدِرَتْ محاسِنُه؛ لَفَسَدتِ العلومُ والصناعاتُ والحِكَمُ، وتَعَطَّلَتْ مَعَالِمُهَا…».

ثم ذَكَر -رحمه الله- الطائفة المضادة لما سبق، وسماهم مُعْتَدين مُغَرِّضين، ثم قال:

والطائفة الثالثة: «وهم أهل العدل والإنصاف، والذين أَعْطَوْا كلَّ ذي حَقٍّ حقَّه، وأَنْزَلوا كُلَّ ذي منـزلة منـزلَتَهُ؛ فلم يَحْكُموا للصحيح بحُكْم السقيم المعلول، ولا للمعْلول السقيم بحُكْم الصحيح، بل قَبِلُوا ما يُقْبَلُ، ورَدُّوا ما يُرَدُّ». اهـ.([185])

وقال -أيضًا رحمه الله- في «مدارج السالكين»([186])- في سياق ذِكر ما أُخذ على أبي إسماعيل الهروي -رحمه الله- فقال: «ولا تُوجِبُ هذه الزلةُ من شيخ الإسلام إهدارَ محاسِنِهِ، وإساءَةَ الظَّنِّ به؛ فَمَحَلًّه من العلم والإمامة والمعرفة والتقدُّم في طريق السلوك المحلُّ الذي لا يُجْهَلُ، وكلُّ أَحَدٍ فمأخوذ من قوله ومَتْروك، إلا المعصوم -صلوات الله وسلامه عليه- والكامِلُ مَنْ عُدَّ خطؤه، ولا سيما في مثل هذا المجال الضنك، والمُعْتَرَكِ الصعبِ، الذي زَلَّتْ فيه أقدامٌ، وضَلَّتْ فيه أفهامٌ، وافترقَتْ بالسالكين فيه الطرقاتُ، وأَشْرَفوا -إلا أقلُّهم- على أودية المُهْلِكات، وكيف لا؛ وهو البَحْر الذي تَجْرِي سفينةُ راكِبِهِ في مَوْجٍ كالجبال، والمعتركُ الذي تَضَاءَلَتْ لشُهوده شجاعةُ الأبطال، وتحيرتْ فيه عقولُ ألِبّاءِ الرجال،…» إلخ

وقَالَ -رحمه الله- في «مدارج السالكين»([187]): «فَلَوْ كَانَ كُلُّ مَنْ أَخْطَأَ أَوْ غَلِطَ تُرِكَ جُمْلَةً، وَأُهْدِرَتْ مَحَاسِنُهُ؛ لَفَسَدَتِ الْعُلُومُ وَالصِّنَاعَاتُ، وَالْحِكَمُ، وَتَعَطَّلَتْ مَعَالِمُهَا». اهـ

وقال -رحمه الله-: «الثاني: معرفة فَضْل أئمة الإسلام، ومقاديرهم، وحقوقهم، ومراتبهم، وأن فضلهم وعِلْمَهُم ونُصْحَهُم لله ورسوله؛ لا يُوجِبُ قبولَ كُلِّ ما قالوه، وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خَفِيَ عليهم فيها ما جاء به الرسول، فقالوا بمِبْلَغِ عِلْمِهم، والحق في خلافها؛ لا يُوجِبُ اطِّراحَ أقوالِهِم جُملةً، وتنقُّصَهُمْ، والوقيعةَ فيهم، فهذان طرفان جائران عن القَصْد، وقَصْدُ السبيل بينهما: فلا نُؤَثِّم ولا نُعَصِّم، ولا نَسْلُكُ بهم مَسْلَكَ الرافضة في عليٍّ، ولا مَسْلَكَهُم في الشيخَيْنِ، بل نَسْلُكُ مَسْلَكَهُم أَنْفِسِهِم -لعله يريد أتباعَ المذاهب الأربعة- فيمن قَبْلهم من الصحابة؛ فإنهم لا يؤثِّمونهم، ولا يُعَصِّمُونهم، ولا يَقْبَلُون كُلَّ أقوالهم، ولا يُهْدرونها، فكيف يُنكرون علينا في الأئمة الأربعة، مسلكًا يَسْلُكونه هم في الخلفاء الأربعة وسائر الصحابة، ولا منافاة بين هذين الأمرين، لمن شَرَحَ الله صَدْرَه للإسلام، وإنما يتنافيان عند أَحَدِ رَجُلَيْن: جاهل بمقدار الأئمة وفضلهم، أو جاهل بحقيقة الشريعة التي بَعَثَ الله بها رسولَهُ، ومن له عِلْمٌ بالشرع والواقع؛ يَعْلَم قطعًا أن الرجل الجليل، الذي له في الإسلام قَدَمٌ صَالِحٌ، وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان؛ قد تكون منه الهفوة والزلة، هو فيها معذور، بل ومأجور لاجتهاده؛ فلا يجوز أن يُتَّبَعَ فيها، ولا يجوز أن تُهْدَرَ مكانته وإمامته ومنـزلته من قلوب المسلمين». اهـ.([188])

قلت: هذه الدُّرَرَ وما قبلها وما بعدها، وقارِنْ ذلك بحال الغلاة في التبديع والهجر؛ تجد الفرق بينهما كالفرق بين الهُدَى والضلال!!

وقد قال الشاطبي -رحمه الله-: «إن زَلَّةَ العالم لا يَصِحُّ اعتمادُهَا من جهة، ولا الأخذُ بها تقليدًا له… كما أنه لا ينبغي أن يُنْسَب صاحِبُها إلى التقصير، ولا أن يُشنَّع عليه بها، ولا يُنْتَقَصَ من أجلها، أو يُعْتَقَدَ فيه الإقدامُ على المخالفة بَحْتًا؛ فإن هذا كُلَّه خلافُ ما تقتضي رُتْبَتُهُ في الدين». اهـ.([189])

وقال الحافظ الذهبي -رحمه الله- في ترجمة ابن خزيمة، قال
-رحمه الله-: «ولابن خزيمة عَظَمَةٌ في النفوس، وجَلَالُةُ في القلوب؛ لِعِلْمِهِ ودينه واتِّبَاعِهِ السنةَ، وكتابُهُ في التوحيد مجلد كبير، وقد تأول في ذلك حديث الصورة، فَلْيُعْذرْ مَنْ تَأَوَّلَ بعضَ الصفات، وأما السلفُ فما خاضُوا في التأويل، بل آمنوا وكَفُّوا، وفَوّضوا عِلْمَ ذلك إلى الله ورسوله([190])، ولو أنَّ كل من أخطأ في اجتهاده، مع صحة إيمانه، وتوخِّيه لاتباع الحق، أَهْدَرْناه، وبَدَّعْناه؛ لَقَلَّ مَنْ يَسْلَمُ مِنَ الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنه وكرمه». اهـ([191])

قلت: فهل يعقل الغلاة عن علماء السنة؟!

وقَالَ الحافظ الذهبي -رحمه الله- في «السير»([192]): «ثُمَّ إِنَّ الكَبِيْرَ مِنْ أَئِمَّةِ العِلْمِ إِذَا كَثُرَ صَوَابُه، وَعُلِمَ تَحَرِّيهِ لِلْحقِّ، وَاتَّسَعَ عِلْمُه، وَظَهَرَ ذَكَاؤُهُ، وَعُرِفَ صَلاَحُه وَوَرَعُه وَاتِّبَاعُه؛ يُغْفَرُ لَهُ زَلَلُهُ، وَلاَ نُضِلِّلْهُ، وَنَطْرَحُهُ، وَنَنْسَى مَحَاسِنَه، نَعَم، وَلاَ نَقتَدِي بِهِ فِي بِدعَتِه وَخَطَئِه، وَنَرجُو لَهُ التَّوبَةَ مِنْ ذَلِكَ». اهـ

قلت: اللهم لك الحمد على نعمة الهداية والاعتدال، والعافية مما ضلَّ فيه الضالُّون!!

وقَالَ أيضاً -رحمه الله- في ترجمة القفال الشاشي من «السير»([193]): «قَالَ أَبُو الحَسَنِ الصَّفَّارُ: سَمِعْتُ أَبا سَهْلٍ الصُّعْلُوْكِيُّ، وَسُئِلَ عَنْ تَفْسِيْرِ أَبِي بَكْرٍ القَفَّالِ، فَقَالَ: قدَّسَهُ مِنْ وَجْهٍ، وَدنَّسَهُ مِنْ وَجْهٍ، أَي: دنَّسَهُ مِنْ جهَةِ نَصْرِهِ للاعتزَالِ.

قَالَ -رحمه الله-: قُلْتُ: قَدْ مرَّ مَوْتُهُ، وَالكمَالُ عزيزٌ، وَإِنَّمَا يُمْدَحُ العَالِمُ بكَثْرَةِ مَالَهُ مِنَ الفضَائِلِ، فَلاَ تُدفنُ المَحَاسِنُ لِوَرْطَةٍ، وَلَعَلَّهُ رَجعَ عَنْهَا، وَقَدْ يُغفرُ لَهُ بِاسْتفرَاغِهِ الوُسْعَ فِي طلبِ الحَقِّ، وَلاَ قوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ».

وقال صاحب الفضيلة الشيخ ابن عثيمين- رحمه الله-: «وأما موقفنا من العلماء المؤَوِّلِين، فنقول: من عُرِفَ منهم بحُسْن النية، وكان لهم قَدَمُ صِدْقٍ في الدين، واتباعُ السنة؛ فهو معذور بتأويله السائغ، ولكنَّ عُذْرَهُ في ذلك؛ لا يَمْنَعُ من تخطئة طريقته المخالفة لما كان عليه السلف الصالح: من إجراء النصوص على ظاهرها، واعتقاد ما دَلَّ عليه ذلك الظاهر، من غير تكييف ولا تمثيل؛ فإنه يجب التفريق بين حُكْم القولِ وقائله، والفعلِ وفاعله، فالقولُ الخطأ إذا كان صادرًا عن اجتهاد وحُسْن قَصْدٍ؛ فلا يُذَم عليه قائلُه، بل يكون له أَجْرٌ على اجتهاده؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا حَكَم الحاكم، فاجتهد، ثم أصاب؛ فله أجران، وإذا حَكَم، فاجتهد، ثم أخطأ؛ فله أجر» متفق عليه، وأما وَصْفُه بالضلال: فإن أُرِيدَ بالضلال الضلالُ المطلق، الذي يُذَمُّ به الموصوف، ويُمْقَتُ عليه؛ فهذا لا يتوجَّه في مثل هذا المجتهد، الذي عُلِمَ منه حُسْنُ النية، وكان له قَدَمُ صِدْقٍ في الدين، واتباعِ السنة، وإن أُرِيدَ بالضلال مخالفةُ قولِهِ للصواب، من غير إشْعَارٍ بذَمِّ القائل؛ فلا بأس بذلك؛ لأن مِثْلَ هذا ليس ضلالًا مطلقًا؛ لأنه من حيث الوسيلةُ صوابٌ، حيث بَذَلَ جُهْدَهُ في الوصول إلى الحق، لكنه باعتبار النتيجة ضلال، حيث كان خلافَ الحق، وبهذا التفصيل يزول الإشكالُ والتهويلُ، والله المستعان». اهـ([194])

قلت: هذا هو منهج السلف والخلف، وأما غلاة التبديع في زماننا فمنهجهم الذي أحْدثَه لهم شيخُهم، وقلّدوه عليه؛ منهج مُبْتدعٌ مُنْحرف عن طريقة الأئمة سلفًا وخلفًا، كما ظهر لك من هذه النقولات، وأضعافُ أضعافها ذكرتُه في مواضع أخرى، ولله الحمد والمنة.

وفي «مجلة البحوث الإسلامية»([195]) فتوى لسماحة المفتي الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ، فقد سُئل -حفظه الله تعالى-: ما هو الضابط في التعامل مع المبتدع؟ وهل يُهجر بمجرد فِعْلِهِ بِدعةً أو أكثر؟

قال: «من أَعْلَن بدعةً؛ وَجَبَ أنْ ننصحَه ونُوَجِّهَه، ونناقشه؛ فلعلّ شُبْهَةً عَرَضَتْ له، وتأويلًا خَطَر بِبَالِهِ، وعليه: يجب أنْ نُزيلَ شبهته، ونُبينَ خطأ تأويله، ونوضحَ له الحق؛ فإنّ هذا هو الواجب علينا؛ لأنّ كُلًّا عُرضةٌ للخطأ، وربما هو أخطأ ويظن أنه مصيب، وتُعْرَض عليه شبهةٌ أو تأويل وظَنَّ أنّ ذلك خيرٌ، فيجب أنْ ننصحه أولًا، ونوجهه، ونقنعه، ونجادله بالتي هي أحسن؛ لِنُحِقَّ الحقَّ، ونُبْطِلَ الباطل.

فإنّ كثيرًا من الناس قد يقع في الخطأ من غير قَصْد، ولكن لأَجْلِ سُوء فَهْمٍ، وقِلَّةِ إدراكٍ، وشُبْهةٍ عَرَضَتْ له، وتأويلٍ لبعض النصوص، ظنّ أنّ هذا التأويل تأويلٌ سائغ، فلا بُدَّ من النصيحة والإقناع، فعسى الله أنْ يفتحَ على قلبه، ويُخَلِّصَه من تلك الشبهات، ويصرفَ قلْبَه عن تلك التأويلات الباطلة».

ثم قال بعد ذلك: «وإذا أُقيم الحقُّ عليه، وأَبَى واسْتَكْبَر، ولم يَنْقَدْ إلى الحق؛ وَجَبَ أنْ نَهْجُرَهُ على قَدْرِ بدعته، ونَكْرَهَه على قَدْر ما قام به من الشر». اهـ

وقال معالي الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله-: «الطريقة الصحيحة للتعامل مع العلماء عند ظن خطئهم: نعم، أنا لا أقول عن العلماء: معصومون، وأنهم لا يخطئون، العصمة لكتاب الله، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- والعلماء يخطئون، ولكن ليس العلاج أننا نُشَهِّر بهم، وأننا نَتَّخِذُهم أغراضًا في المجالس، أو ربما على بعض المنابر، أو بعض الدروس، لا يجوز هذا أبدًا، حتى لو حَصَلَتْ من عالم زَلَّةٌ أو خَطَأٌ؛ فإنَّ العلاج يكون بغير هذه الطريقة، قال تعالى: [ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ] {النور:19}، نسأل الله العافية والسلامة، فالواجب أن نَتَنَبَّهَ لهذا الأمر، وأن يَحْتَرِمَ بعضُنا بعضًا، ولا سيما العلماء؛ فإن العلماء ورثةُ الأنبياء، ولو كان فيهم ما فيهم». اهـ.([196])

* * *

الثالث والثلاثون:

  • أَهْلُ السنة يعترفون بما عند أحدهم -ولو كان إمامًا معظَّمًا في أنفسهم- من خطأ وقُصُور، ولا يُجادِلُون بالباطل دِفَاعًا عن كُلِّ مَنْ أَخْطَأَ ممن انتمى إليهم، مع الاعتراف بعُلُوِّ قدْره في غير زلَّته:

روى الإمام ابن أبي حاتم -رحمهما الله تعالى- في مقدمة «الجرح والتعديل»([197]) في ترجمة يحيى بن سعيد القطان عن عبد الرحمن بن مهدي قَالَ: «اختلفوا يومًا عند شعبة، فقَالَوا: اجعل بيننا وبينك حَكَمًا، فقَالَ: قد رَضِيتُ بالأَحْول -يعني: يحيى بن سعيد القطان- فما بَرِحْنَا حتى جاء يحيى، فتحاكموا إليه، فقضى على شعبة، وهو شيخه، ومنه تَعَلَّم، وبه تَخَرَّج، فقَالَ له شعبة: ومن يُطيق نَقْدَكَ – أو من له مثل نَقْدِكَ – يا أَحْوَل؟!

قَالَ ابن أبي حاتم -رحمهما الله-: هذه غاية المنزلة ليحيى بن سعيد القطان؛ إذ اخْتاره شيخُه شعبةُ من بين أهل العلم، ثم بلغ من عدالته بنفسه وصلابته في دينه أن قَضَى على شُعبةَ شَيْخِهِ ومُعَلِّمِهِ».

وهذا الإمام أبو إسماعيل الهروي -رحمه الله- له كتاب معروف اسمه «ذم الكلام» وكتاب آخر في التصوف اسمه «منازل السائرين» الذي شرحه الإمام ابن القيم -رحمه الله- في «مدارج السالكين»؛ والإمام الهروي ممن يُلَقَّب بشيخ الإسلام، لكن الحافظ ابن القيم استدرك عليه في كتابه هذا مسائل عديدة، وتَعَقَّبَه في ألفاظ مختلفة، فمن ذلك ما قاله الإمام ابن القيم
– رحمه الله -:

«فَصْلٌ:

وَأَمَّا طَلَبُ أَعْذَارِ الْخَلِيقَةِ؛ فَهَذَا لَهُ وَجْهَانِ: وَجْهٌ مَحْمُودٌ، وَوَجْهٌ مَذْمُومٌ حَرَامٌ.

فَالْمَذْمُومُ: أَنْ تَطْلُبَ أَعْذَارَهُمْ نَظَرًا إِلَى الْحُكْمِ الْقَدَرِيِّ، وَجَرَيَانِهِ عَلَيْهِمْ، شَاءُوا أَمْ أَبَوْا، فَتَعْذُرَهُمْ بِالْقَدَرِ.

وَهَذَا الْقَدَرُ يَنْتَهِي إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ السَّالِكِينَ، وَالنَّاظِرِينَ إِلَى الْقَدَرِ، الْفَانِينَ فِي شُهُودِهِ، وَهُوَ – كَمَا تَقَدَّمَ – دَرْبٌ خَطِرٌ جِدًّا، قَلِيلُ الْمَنْفَعَةِ، لَا يُنْجِي وَحْدَهُ.

وَأَظُنُّ هَذَا مُرَادَ صَاحِبِ «الْمَنَازِلِ»، لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ:

مُشَاهَدَةُ الْعَبْدِ الْحُكْمَ؛ لَمْ يَدَعْ لَهُ اسْتِحْسَانَ حَسَنَةٍ، وَلَا اسْتِقْبَاحَ سَيِّئَةٍ؛ لِصُعُودِهِ مِنْ جَمِيعِ الْمَعَانِي إِلَى مَعْنَى الْحُكْمِ…

وَهَذَا الشُّهُودُ شُهُودٌ نَاقِصٌ مَذْمُومٌ، إِنْ طَرَدَهُ صَاحِبُهُ، فَعَذَرَ أَعْدَاءَ اللَّهِ، وَأَهْلَ مُخَالَفَتِهِ وَمُخَالَفَةِ رُسُلِهِ، وَطَلَبَ أَعْذَارَهُمْ؛ كَانَ مُضَادًّا لِلَّهِ فِي أَمْرِهِ، عَاذِرًا مَنْ لَمْ يَعْذُرْهُ اللَّهُ، طَالِبًا عُذْرَ مَنْ لَامَهُ اللَّهُ، وَأَمَرَ بِلَوْمِهِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ مُوَافَقَةً لِلَّهِ، بَلْ مُوَافَقَتُهُ: لَوْمُ هَذَا، وَاعْتِقَادُ أَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَاللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- قَدْ أَعْذَرَ إِلَيْهِ، وَأَزَالَ عُذْرَهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَوْ كَانَ مَعْذُورًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عِنْدَ اللَّهِ؛ لَمَا عَاقَبَهُ الْبَتَّةَ، فَإِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- أَرْحَمُ وَأَغْنَى وَأَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُعَاقِبَ صَاحِبَ عُذْرٍ، فَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَرْسَلَ الرُّسُلَ، وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ؛ إِزَالَةً لِأَعْذَارِ خَلْقِهِ؛ لِئَلَّا يَكُونَ لَهُمْ عَلَيْهِ حُجَّةٌ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ طَالِبَ عُذْرِهِمْ، وَمُصَحِّحَهُ؛ مُقِيمٌ لِحُجَّةٍ قَدْ أَبْطَلَهَا اللَّهُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ، وَمَنْ لَهُ عُذْرٌ مِنْ خَلْقِهِ – كَالطِّفْلِ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ، وَالْمَعْتُوهِ، وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، وَالْأَصَمِّ الْأَعْمَى، الَّذِي لَا يُبْصِرُ وَلَا يَسْمَعُ – فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ هَؤُلَاءِ بِلَا ذَنْبٍ الْبَتَّةَ، وَلَهُ فِيهِمْ حُكْمٌ آخَرُ فِي الْمَعَادِ، يَمْتَحِنُهُمْ بِأَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا يَأْمُرُهُمْ وَيَنْهَاهُمْ، فَمَنْ أَطَاعَ الرَّسُولَ مِنْهُمْ؛ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَاهُ؛ أَدْخَلَهُ النَّارَ…

وَالْمَقْصُودُ: أَنَّهُ لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ الْبَتَّةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَمُخَالَفَةِ أَمْرِهِ، مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ، وَتَمَكُّنِهِ مِنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ؛ لَمَا اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ وَاللَّوْمَ، لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْعُقْبَى…

ثم قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: فَصْلٌ: فَهَذَا أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ مِنْ حَقَائِقِ التَّوْبَةِ طَلَبَ أَعْذَارِ الْخَلِيقَةِ.

وَقَدْ ظَهَرَ لَكَ بِهَذَا أَنَّ طَلَبَ أَعْذَارِهِمْ فِي الْجِنَايَةِ عَائِدٌ عَلَى التَّوْبَةِ بِالنَّقْضِ وَالْإِبْطَالِ.

الْمَعْنَى الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ: إِقَامَةَ أَعْذَارِهِمْ فِي إِسَاءَتِهِمْ إِلَيْكَ، وَجِنَايَتِهِمْ عَلَيْكَ، وَالنَّظَرَ فِي ذَلِكَ إِلَى الْأَقْدَارِ، وَأَنَّ أَفْعَالَهُمْ بِمَنْزِلَةِ حَرَكَاتِ الْأَشْجَارِ، فَتَعْذُرَهُمْ بِالْقَدَرِ فِي حَقِّكَ، لَا فِي حَقِّ رَبِّكَ؛ فَهَذَا حَقٌّ، وَهُوَ مِنْ شَأْنِ سَادَاتِ الْعَارِفِينَ، وَخَوَاصِّ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْكُمَّلِ، يَفْنَى أَحَدُهُمْ عَنْ حَقِّهِ، وَيَسْتَوْفِي حَقَّ رَبِّهِ، يَنْظُرُ فِي التَّفْرِيطِ فِي حَقِّهِ، وَفِي الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ إِلَى الْقَدَرِ، وَيَنْظُرُ فِي حَقِّ اللَّهِ إِلَى الْأَمْرِ، فَيَطْلُبُ لَهُمُ الْعُذْرَ فِي حَقِّهِ، وَيَمْحُو عَنْهُمُ الْعُذْرَ وَيَطْلُبُهُ فِي حَقِّ اللَّهِ…

فَهَذَا الْمَعْنَى الثَّانِي – وَإِنْ كَانَ حَقًّا – لَكَانَ لَيْسَ هُوَ مِنْ شَرَائِطِ التَّوْبَةِ، وَلَا مِنْ أَرْكَانِهَا، وَلَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِهَا، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُقِمْ أَعْذَارَهُمْ فِي إِسَاءَتِهِمْ إِلَيْهِ؛ لَمَا نَقَصَ ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ تَوْبَتِهِ، فَمَا أَرَادَ إِلَّا الْمَعْنَى الْأَوَّلَ، وَقَدْ عَرَفْتَ مَا فِيهِ.

وَلَا رَيْبَ أَنَّ صَاحِبَ «الْمَنَازِلِ» إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَعْذُرَهُمْ بِالْقَدَرِ، وَيُقِيمَ عَلَيْهِمْ حُكْمَ الْأَمْرِ، فَيَنْظُرَ بِعَيْنِ الْقَدَرِ، وَيَعْذرَهُمْ بِهَا، وَيَنْظُرَ بِعَيْنِ الْأَمْرِ، وَيَحْمِلَهُمْ عَلَيْهَا بِمُوجَبِهَا، فَلَا يَحْجُبُهُ مُطَالَعَةُ الْأَمْرِ عَنِ الْقَدَرِ، وَلَا مُلَاحَظَةُ الْقَدَرِ عَنِ الْأَمْرِ.

فَهَذَا – وَإِنْ كَانَ حَقًّا لَا بُدَّ مِنْهُ – فَلَا وَجْهَ لِعُذْرِهِمْ، وَلَيْسَ عُذْرُهُمْ مِنَ التَّوْبَةِ فِي شَيْءٍ الْبَتَّةَ، وَلَوْ كَانَ صَحِيحًا – فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ بَاطِلًا – فَلَا هُمْ مَعْذُورُونَ، وَلَا طَلَبُ عُذْرِهِمْ مِنْ حَقَائِقِ التَّوْبَةِ، بَلِ التَّحْقِيقُ: أَنَّ الْغَيْرَةَ لِلَّهِ، وَالْغَضَبَ لَهُ، مِنْ حَقَائِقِ التَّوْبَةِ، فَتَعْطِيلُ عُذْرِ الْخَلِيقَةِ فِي مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَشِدَّةِ الْغَضَبِ: هُوَ مِنْ عَلَامَاتِ تَعْظِيمِ الْحُرْمَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ حَقَائِقِ التَّوْبَةِ أَوْلَى مِنْ عُذْرِ مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.

وَلَا سِيَّمَا أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي هَذَا عُذْرُ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ، وَقَتَلَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ، وَنَمْرُودَ بْنِ كَنْعَانَ، وَأَبِي جَهْلٍ وَأَصْحَابِهِ، وَإِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ، وَكُلِّ كَافِرٍ وَظَالِمٍ، وَمُتَعَدٍّ حُدُودَ اللَّهِ، وَمُنْتَهِكٍ مَحَارِمَ اللَّهِ؛ فَإِنَّهُمْ كُلَّهُمْ تَحْتَ الْقَدَرِ، وَهُمْ مِنَ الْخَلِيقَةِ، أَفَيَكُونُ عُذْرُ هَؤُلَاءِ مِنْ حَقِيقَةِ التَّوْبَةِ؟

فَهَذَا مِمَّا أَوْجَبَهُ السَّيْرُ فِي طَرِيقِ الْفَنَاءِ فِي تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَجَعَلَهُ الْغَايَةَ الَّتِي يُشَمِّرُ إِلَيْهَا السَّالِكُونَ!!

ثُمَّ أَيُّ مُوَافَقَةٍ لِلْمَحْبُوبِ فِي عُذْرِ مَنْ لَا يَعْذِرُهُ هُوَ؟ بَلْ قَدِ اشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَيْهِ، وَأَبْعَدَهُ عَنْ قُرْبِهِ، وَطَرَدَهُ عَنْ بَابِهِ، وَمَقَتَهُ أَشَدَّ الْمَقْتِ؟ فَإِذَا عَذَرْتَهُ؛ فَهَلْ يَكُونُ عُذْرُهُ إِلَّا تَعَرُّضًا لِسُخْطِ الْمَحْبُوبِ، وَسُقُوطًا مِنْ عَيْنِهِ؟…

ثم قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- بعد استنكاره على الإمام الهروي -رحمه الله -:

«وَلَا تُوجِبُ هَذِهِ الزِّلَّةُ مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ إِهْدَارَ مَحَاسِنِهِ، وَإِسَاءَةَ الظَّنِّ بِهِ؛ فَمَحَلُّهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْإِمَامَةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالتَّقَدُّمِ فِي طَرِيقِ السُّلُوكِ الْمَحَلُّ الَّذِي لَا يُجْهَلُ، وَكُلُّ أَحَدٍ فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمَتْرُوكٌ إِلَّا الْمَعْصُومَ -صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ- وَالْكَامِلُ مَنْ عُدَّ خَطَؤُهُ، وَلَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَجَالِ الضَّنْكِ، وَالْمُعْتَرَكِ الصَّعْبِ، الَّذِي زَلَّتْ فِيهِ أَقْدَامٌ، وَضَلَّتْ فِيهِ أَفْهَامٌ، وَافْتَرَقَتْ بِالسَّالِكِينَ فِيهِ الطُّرُقَاتُ، وَأَشْرَفُوا – إِلَّا أَقَلَّهُمْ – عَلَى أَوْدِيَةِ الْهَلَكَاتِ».

وقَالَ الإمام ابن القيم -رحمه الله- في موضع آخر: «شَيْخُ الْإِسْلَامِ حَبِيبٌ إِلَيْنَا، وَالْحَقُّ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْهُ، وَكُلُّ مَنْ عَدَا الْمَعْصُومِ -صلى الله عليه وسلم- فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمَتْرُوكٌ، وَنَحْنُ نَحْمِلُ كَلَامَهُ عَلَى أَحْسَنِ مَحَامِلِهِ، ثُمَّ نُبَيِّنُ مَا فِيهِ».([198]).

وقد بَيَّنَ الإمامُ ابن القيم -رحمه الله تعالى- كيفية التعامل مع زلات العلماء بميزان العدل والإنصاف، لا الظلم والإجحاف، والتهوُّر والإسراف:

فقَالَ -رحمه الله-: «هَذَا وَنَحْوُهُ مِنَ الشَّطَحَاتِ الَّتِي تُرْجَى مَغْفِرَتُهَا بِكَثْرَةِ الْحَسَنَاتِ، وَيَسْتَغْرِقُهَا كَمَالُ الصِّدْقِ، وَصِحَّةُ الْمُعَامَلَةِ، وَقُوَّةُ الْإِخْلَاصِ، وَتَجْرِيدُ التَّوْحِيدِ، وَلَمْ تُضْمَنُ الْعِصْمَةُ لِبَشَرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ
-صلى الله عليه وسلم-.

وَهَذِهِ الشَّطَحَاتُ أَوْجَبَتْ فِتْنَةً عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنَ النَّاسِ، إِحْدَاهُمَا: حُجِبَتْ بِهَا عَنْ مَحَاسِنِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ، وَلُطْفِ نُفُوسِهِمْ، وَصِدْقِ مُعَامَلَتِهِمْ؛ فَأَهْدَرُوهَا لِأَجْلِ هَذِهِ الشَّطَحَاتِ، وَأَنْكَرُوهَا غَايَةَ الْإِنْكَارِ، وَأَسَاءُوا الظَّنَّ بِهِمْ مُطْلَقًا؛ وَهَذَا عُدْوَانٌ وَإِسْرَافٌ؛ فَلَوْ كَانَ كُلُّ مَنْ أَخْطَأَ أَوْ غَلِطَ تُرِكَ جُمْلَةً، وَأُهْدِرَتْ مَحَاسِنُهُ؛ لَفَسَدَتِ الْعُلُومُ وَالصِّنَاعَاتُ وَالْحِكَمُ، وَتَعَطَّلَتْ مَعَالِمُهَا.

وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ: حُجِبُوا بِمَا رَأَوْهُ مِنْ مَحَاسِنِ الْقَوْمِ، وَصَفَاءِ قُلُوبِهِمْ، وَصِحَّةِ عَزَائِمِهِمْ، وَحُسْنِ مُعَامَلَاتِهِمْ عَنْ رُؤْيَةِ عُيُوبِ شَطَحَاتِهِمْ، وَنُقْصَانِهَا، فَسَحَبُوا عَلَيْهَا ذَيْلَ الْمَحَاسِنِ، وَأَجْرَوْا عَلَيْهَا حُكْمَ الْقَبُولِ وَالِانْتِصَارِ لَهَا، وَاسْتَظْهَرُوا بِهَا فِي سُلُوكِهِمْ.

وَهَؤُلَاءِ أَيْضًا مُعْتَدُونَ مُفْرِطُونَ.

وَالطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ: – وَهُمْ أَهْلُ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ – الَّذِينَ أَعْطَوْا كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، وَأَنْزَلُوا كُلَّ ذِي مَنْزِلَةٍ مَنْزِلَتَهُ: فَلَمْ يَحْكُمُوا لِلصَّحِيحِ بِحُكْمِ السَّقِيمِ الْمَعْلُولِ، وَلَا لِلْمَعْلُولِ السَّقِيمِ بِحُكْمِ الصَّحِيحِ. بَلْ قَبِلُوا مَا يُقْبَلُ. وَرَدُّوا مَا يُرَدُّ»([199]).

فتأمل كلام الإمام ابن القيم -رحمه الله- حيث بيَّن زلَّة الهروي -رحمه الله- مع أن ابن القيم – رحمه الله – يلقِّبه بــ «شيخ الإسلام» وهي زَلَّةٌ عَقَدِيَّةٌ خَطْيرَةٌ، ومع ذلك قال فيه ما قال، فهل يفيق الغلاة -شِيبًا وشبَّانا- في هذا الزمان، الذين يطلقون فيه التبديعَ على أمور لا تستحق ذلك، بل يطلقون التبديع على كثير من مسائل الحق الجليِّ، لكنهم لفساد فهم الكثير منهم -وربما فسَاد قصد البعض منهم- يطلقون التبديع، ولم يكتفوا بالحكم المطلق في المسألة؛ بل أنزلوا أحكامهم الضالة الزائفة على الأعيان، وأمروا بهجرهم، وإلا فهجر وتبديع من لم يأخذ بقولهم!!!

وقَالَ الحافظ الذهبي في «السير»([200]) في ترجمة قَتَادَةَ بنِ دِعَامَةَ السَّدُوْسِيِّ: «وَكَانَ يَرَى القَدَرَ – نَسْأَلُ اللهَ العَفْوَ -.

وَمعَ هَذَا، فَمَا تَوقَّفَ أَحَدٌ فِي صِدقِه، وَعَدَالَتِه، وَحِفظِه، وَلَعَلَّ اللهَ يَعْذُرُ أَمْثَالَه مِمَّنْ تَلبَّسَ بِبدعَةٍ يُرِيْدُ بِهَا تَعْظِيْمَ البَارِي وَتَنزِيهَه، وَبَذَلَ وُسْعَهُ، وَاللهُ حَكَمٌ عَدلٌ لَطِيْفٌ بِعِبَادِه، وَلاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ.

ثُمَّ إِنَّ الكَبِيْرَ مِنْ أَئِمَّةِ العِلْمِ إِذَا كَثُرَ صَوَابُه، وَعُلِمَ تَحَرِّيهِ لِلْحقِّ، وَاتَّسَعَ عِلْمُه، وَظَهَرَ ذَكَاؤُهُ، وَعُرِفَ صَلاَحُه وَوَرَعُه وَاتِّبَاعُه؛ يُغْفَرُ لَهُ زَلَلُهُ، وَلاَ نُضِلِّلُهُ، وَنَطْرَحُهُ، وَنَنسَى مَحَاسِنَه، نَعَم؛ وَلاَ نَقتَدِي بِهِ فِي بِدعَتِه وَخَطَئِه، وَنَرجُو لَهُ التَّوبَةَ مِنْ ذَلِكَ». اهـ

فيا سبحان الله، ما أعظمَ فهمَ العلماء الكبار -رحمهم الله تعالى-.

* * *

الرابع والثلاثون:

  • أهل السنة يَرَوْن تفاوُتَ مراتبِ البدع والذنوب؛ فليس كلُّ البدع والذنوب في مرتبة واحدة، وعلى ضوء هذا التفاوت يكون تعاملهم مع كل أحَد بما يليق به؛ حَسَب المراد الشرعي، لا حَسَب الأهواء:

فمن البِدَعِ ما يُخْرج من السنة، ومنها ما دون ذلك، كما ذكر الشاطبي -رحمه الله- في «الاعتصام» وقد قسَّم البدعة إلى كلية وجزئية، وأن الجزئية لا تُخرج من السنة إلا إذا كَثُرتْ([201])، حتى تقوم مقام البدعة الكلية القائمة على أصلٍ مخالف للكتاب والسنة والإجماع، وأن البدعة -وإن كانت كلية- فإن كانت دون الكفر؛ فهي أخفُّ شرَّا منه، وإن كانت شرًّا في نفسها، وكذا تتفاوتُ مراتبُ الكفر والفسوق والعصيان والنفاق والذنوب، وكذلك يرون تفاوتَ أهل البدع، وأن بعضَهم أقربُ إلى الحق مِنْ بَعْض، وأن بعضهم أَحْسَنُ قَصْدًا من بعض، وإن ساء فَهْمُهُ ومقَالَته، فهذا الفهم والتقسيم ساعد أَهْلَ السنة على وَضْعِ الشيء في موضعه، والسلامَةِ من التناقض، ونجّاهم من الإفراط والتفريط، وألزمهم القول بالعدل والحق.

وقد ذكر الإمام الشاطبي -رحمه الله-: أن إثم المبتدع ليس على رُتْبَة واحدة، بل هو على مراتب مختلفة، وأن اختلافها يقع من عدة جهات، على النحو الآتي:

1 – من جهة كون صاحب البدعة مُدَّعياً للاجتهاد أو مُقَلِّداً.

2 – ومن جهة وقوعها في الضروريات: الدين، والنفس، والعرض، والعقل، والمال أو غيرها.

3 – ومن جهة كون صاحبها مُسْتَتِراً بها أو مُعْلناً لها.

4 – ومن جهة كونه داعياً إليها أو غير داعٍ إليها.

5 – ومن جهة كونه أصبح بها خارجاً عن جملة أهل السنة أو غير خارج.

6 – ومن جهة كون البدعة حقيقية أو إضافية.

7 – ومن جهة كون البدعة في أمور بيِّنة أو مُشْكِلة.

8 – ومن جهة كون البدعةُ كفراً أو دون الكُفْر.

9 – ومن جهة الإصرار على البدعة أو عدمه.

وبيّن -رحمه الله- أن هذه المراتب تختلف في الإثم والعقوبة على حَسَب النظر إلى دركاتها.([202])

وأوضح -رحمه الله- أن هذه المراتب منها ما هو مُحَرَّم، ومنها ما هو مَكْروه، وأن وَصْفَ الضلال مُلازِمٌ لها، وشَامِلٌ لأنواعها.([203])

حيث قَالَ -رحمه الله-: «… البدع من جملة المعاصي، وقد ثبت التفاوت في المعاصي، فكذلك يُتَصَوَّر مِثْلُهُ في البدع… وإذا قلنا: إن من البدع ما يكون صغيرة؛ فذلك بشروط:

أحدها: أن لا يداوم عليها؛ فإن الصغيرة لمن داوم عليها تَكْبُر بالنسبة إليه؛ لأن ذلك ناشئ عن الإصرار عليها، والإصرارُ على الصغيرة يُصَيِّرها كبيرةً، فكذلك البدعة من غير فَرْقٍ.

والشرط الثاني: ألا يَدْعُوَ إليها؛ فإن البدعة قد تكون صغيرة، ثم يَدْعُو مُبْتَدِعُها إلى القولِ بها، والعملِ على مقتضاها؛ فيكون إثْمُ ذلك كُلِّه عليه.

والشرط الثالث: ألا تُفْعَلَ في المواضع التي هي مُجتمعات الناس، أو المواضع التي تُقَام فيها السنة، وتَظْهَر فيها أعلامُ الشريعة، فأما إظهارها في المجتمعات ممن يُقْتَدى به، أو ممن يُحْسَنُ به الظنُّ؛ فذلك منْ أَضَرِّ الأشياء على سُنة الإسلام؛ فإنها لا تَعْدُو أَمْرين: إما أن يُقْتَدَى بصاحبها فيها؛ فإن العوامَّ أتباعُ كُلِّ ناعقٍ، وإذا اقْتُدِيَ بصاحبِ البدعة الصغيرة؛ كَبُرَتْ بالنسبة إليه؛ لأن كُلَّ من دعا إلى ضلالة؛ كان عليه وِزْرُها، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بها، فعلى حَسَب كَثْرة الأَتْباع يَعْظُمُ الوِزْر، وأما اتخاذُها في المواضع التي تُقام فيها السنة؛ فهو كالدُّعاء إليها بالتصريح؛ لأن عَمَل إِظْهَار الشعائر الإسلامية يُوهِم أن كُلَّ ما أُظْهِرَ فيها فهو من الشعائر، فكأَنَّ المُظْهِرَ لها يقول: هذه سنة؛ فاتَّبِعُوها.

الشرط الرابع: ألا يَسْتَصْغِرَهَا ولا يَسْتَحْقِرَهَا ـ وإن فرضناها صغيرة ـ فإن ذلك استهانةٌ بها، والاستهانةُ بالذنب أَعْظَمُ من الذنب؛ فكان ذلك سبباً لِعِظَمِ ما هو صغير.

فإذا تحَصَّلَتْ هذه الشروطُ؛ فإن ذلك يُرْجَى أن تكون صغيرتُها صغيرةً، فإن تَخَلَّفَ شَرْطٌ منها أو أَكْثَرُ؛ صارَتْ كبيرةً، أو خِيفَ أن تَصِيرَ كبيرةً، كما أن المعاصي كذلك، والله أعلم».([204])

وقال الإمام الشاطبي – رحمه الله –: «إن البدع إذا تُؤُمِّلَ معقولُها؛ وُجِدَتْ رُتْبَتُهَا متفاوتةً: فمنها ما هو كُفْر صُراح، كبدعة الجاهلية التي نَبَّهَ عليها القرآن… وكذلك بدعةُ المنافقين، حيث اتخذوا الدِّين ذريعة لحفظ النفس والمال، وما أَشْبَه ذلك مما لا يُشَكُّ أنه كُفْرٌ صُراح.

ومنها: ما هو من المعاصي التي ليست بكُفر أو يُخْتَلَفُ: هل هي كُفْر أم لا؟ كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة، ومن أَشْبَهَهم من الفرق الضالة.

ومنها: ما هو معصية، ويُتَّفَقُ عليها، ولَيْسَتْ بكُفْر: كبدعة التَّبَتُّلِ، والصيامِ قائمًا في الشمس، والخَصَاءِ بقَصْد قَطْعِ شَهوة الجماع». اهـ([205])

وهل هناك بدعة مكروهة؟

قال الإمام الشاطبي – رحمه الله -: «وأما كلام العلماء: فإنهم وإن أَطْلَقُوا الكراهية في الأمور المنهي عنها؛ لا يَعْنُون بها كراهِيَةَ التنزيه فقط، وإنما هذا اصطلاح المتأخرين، حين أرادوا أن يُفَرِّقُوا بين القَبِيلَيْنِ، فيُطْلِقُون لفظ «الكراهية» على كراهية التنزيه فقط، ويَخُصُّون كراهية التحريم بلفظ «التحريم» و«المنع»، وأَشْبَاهِ ذلك.

وأما المتقدمون من السلف: فإنهم لم يَكُنْ من شأنهم فيما لا نص فيه صريحاً أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام. ويتحامَون العبارةَ خوفاً مما في الآية من قوله تعالى: [ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ] {النحل:116}، وحكى مالكٌ عَمَّنْ تَقَدَّم هذا المعنى، فإذا وَجَدْتَ في كلامهم في البدعة أو غيرها: «أكره هذا»، «ولا أحب هذا»، «وهذا مكروه»، وما أَشْبَه ذلك؛ فلا تَقْطَعَنَّ على أنهم يريدون التنزيه فقط؛ فإنه إذا دَلَّ الدليل في جميع البدع على أنها ضلالة؛ فمِنْ أَيْن يُعَدُّ فيها ما هو مكروهٌ كراهيةَ التنزيه؟». اهـ([206])

وقال – رحمه الله -: «الْبِدَعُ تَنْقَسِمُ إِلَى مَا هِيَ كُلِّيَّةٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَإِلَى جُزْئِيَّةٍ… ثم ذَكَرَ معنى ذلك كما سبق عنه -رحمه الله-، ثم قَالَ: كُلُّ بِدْعَةٍ كَبِيرَةٌ عَظِيمَةٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مُجَاوَزَةِ حُدُودِ اللَّهِ بِالتَّشْرِيعِ، إِلَّا أَنَّهَا وَإِنْ عَظُمَتْ لِمَا ذَكَرْنَاهُ؛ فَإِذَا نُسِبَ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ؛ تَفَاوَتَتْ رُتْبَتُهَا، فَيَكُونُ مِنْهَا صِغَارٌ وَكِبَارٌ، إِمَّا بِاعْتِبَارِ أَنَّ بَعْضَهَا أَشَدُّ عِقَابًا مِنْ بَعْضٍ، فَالْأَشَدُّ عِقَابًا أَكْبَرُ مِمَّا دُونَهُ، وَإِمَّا بِاعْتِبَارِ فَوْتِ الْمَطْلُوبِ فِي الْمَفْسَدَةِ، فَكَمَا انْقَسَمَتِ الطَّاعَةُ بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ إِلَى الْفَاضِلِ وَالْأَفْضَلِ، لِانْقِسَامِ مَصَالِحِهَا إِلَى الْكَامِلِ وَالْأَكْمَلِ؛ انْقَسَمَتِ الْبِدَعُ لِانْقِسَامِ مَفَاسِدِهَا إِلَى الرَّذْلِ وَالْأَرْذَلِ، وَالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، مِنْ بَابِ النِّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ، فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ كَبِيرًا فِي نَفْسِهِ، لَكِنَّهُ صَغِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ»([207]).

وقَالَ الشاطبي -رحمه الله-أيضًا: «ثُمَّ إِنَّ الْبِدَعَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: كُلِّيَّةٌ وَجُزْئِيَّةٌ، فَأَمَّا الْكُلِّيَّةُ؛ فَهِيَ السَّارِيَةُ فِيمَا لَا يَنْحَصِرُ مِنْ فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَمِثَالُهَا: بِدَعُ الْفِرَقِ الثَّلَاثِ وَالسَّبْعِينَ؛ فَإِنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالْكُلِّيَّاتِ مِنْهَا دُونَ الْجُزْئِيَّاتِ، حَسْبَمَا يَتَبَيَّنُ بَعْدُ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ-.

وَأَمَّا الْجُزْئِيَّةُ؛ فَهِيَ الْوَاقِعَةُ فِي الْفُرُوعِ الْجُزْئِيَّةِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ دُخُولُ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ الْبِدَعِ تَحْتَ الْوَعِيدِ بِالنَّارِ – وَإِنْ دَخَلَتْ تَحْتَ الْوَصْفِ بِالضَّلَالِ – كَمَا لَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي سَرِقَةِ لُقْمَةٍ، أَوِ التَّطْفِيفِ بِحَبَّةٍ، وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا تَحْتَ وَصْفِ السَّرِقَةِ، بَلِ الْمُتَحَقِّقُ دُخُولُ عَظَائِمِهَا وَكُلِّيَّاتِهَا: كَالنِّصَابِ فِي السَّرِقَةِ، فَلَا تَكُونُ تِلْكَ الْأَدِلَّةُ وَاضِحَةَ الشُّمُولِ لَهَا، أَلَّا تَرَى أَنَّ خَوَاصَّ الْبِدَعِ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ الْجُزْئِيَّةِ غَالِبًا: كَالْفُرْقَةِ، وَالْخُرُوجِ عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَإِنَّمَا تَقَعُ الْجُزْئِيَّاتُ فِي الْغَالِبِ كَالزَّلَّةِ، وَالْفَلْتَةِ، وَلِذَلِكَ لَا يَكُونُ اتِّبَاعُ الْهَوَى فِيهَا مَعَ حُصُولِ التَّأْوِيلِ فِي فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْفُرُوعِ، وَلَا الْمَفْسَدَةُ الْحَاصِلَةُ بِالْجُزْئِيَّةِ؛ كَالْمُفْسِدَةِ الْحَاصِلَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَعَلَى هَذَا ; إِذَا اجْتَمَعَ فِي الْبِدْعَةِ وَصْفَانِ: كَوْنُهَا جُزْئِيَّةً، وَكَوْنُهَا بِالتَّأْوِيلِ؛ صَحَّ أَنْ تَكُونَ صَغِيرَةً ـ وَاللَّهُ أَعْلَمُ([208]).

وهذه عِدَّةُ نُقُولاتٍ عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في هذا المعنى:

فقد قَالَ -رحمه الله وأَعْلَى مقامَهُ– في «درء تعارض العقل والنقل»([209]): «وأَصْلُ هذا الضلال: جَهْلُهم بحقيقة ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- ونَصْرُهم لما يظُنونه جاء به بما يظُنونه من المعقول، ومعارضتُهم لما يُعْلَم أنه جاء به بما يَظُنونه من المعقول، وتَوَهُّمُهم تعارضَ صحيحِ المنقول وصريحِ المعقول، وهذا هو الكلام الذي عابَهُ السلفُ والأئمةُ، وأما أهلُ المعرفة العالمون بالمعقول والمنقول؛ فلا يقولون في سَلَفهم ما هو من لوازم قولِهِم، كما أنهم لا يقولون في الأنبياء ذلك، بل يَعْلَمون قطعا أن كلام الأنبياء هو الحقُّ، وكُلَّ ما ناقضه من قول مُتَفَلْسِف أو مُتَكَلِّم أو غيرهما فباطل، وأنه لا يجوز أن يكون في العقل ما يناقض قول الأنبياء، ولا يجوز تَعَارُضُ الأدلة العلمية السمعية والعقلية أبدا، ويَعْلَمون أن جِنْسَ المتكلِّمين أَقْرَبُ إلى المعقول والمنقول من جِنْسِ كلام الفلاسفة، وإن كان الفلاسفة قد يصيبون أحيانا، كما أن جِنْسَ المسلمين خير من جِنْسِ أهل الكتابين، وإن كان قد يُوجَد في أهل الكتاب من له عَقْلٌ وصِدْقٌ وأَمَانَةٌ، لا تُوجَدُ في كثير من المنتسبين إلى الإسلام

كما قَالَ تعالى: [ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ] {آل عمران:75}

وهم يَعْلَمُون مع هذا أن كل من كان مؤمنا بنبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- باطنا وظاهرا على الوجه الذي يرضاه الله؛ فهو خير من كل كتابي، لكن من المُظْهرين للإسلام من المنافقين من يكون في الآخرة أشدَّ عذابا من بعض اليهود والنصارى؛ فإن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، والإسلامُ الظاهر يتناول المؤمنَ والمنافقَ، والسعداءُ في الآخرة هم المؤمنون دون المنافقين، والمنافقون وإن أُجْرِيَتْ عليهم في الدنيا أحكامُ الإسلام؛ فما لهم في الآخرة مِنْ خَلَاق.

ثم عَقَدَ -رحمه الله- فصلا في بيان أن أهل الكلام أَقْرَبُ إلى الإسلام من الفلاسفة، فقَالَ -رحمه الله-:

«فصل: أهل الكلام أَقْرَبُ إلى الإسلام من الفلاسفة:

ونحن نُبَيِّن هنا ما نَنْصُر به أهلَ الكلام، الذين هُمْ أَقْرَبُ إلى الإسلام والسنة من هؤلاء الفلاسفة، وإن كانوا ضالِّين فيما خالفوا به السنة». اهـ

وقد أشار شيخ الإسلام إلى هذا التفاوت من حيث قُرْبُ الفِرَق وبُعْدُها عن الحق قائلاً: «والنجَّارية والضِّرارية وَغَيْرُهُمْ: يَقْرُبُونَ مِنْ جَهْمٍ فِي مَسَائِلِ الْقَدَرِ وَالْإِيمَانِ، مَعَ مُقَارَبَتِهِمْ لَهُ أَيْضًا فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ، والْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةُ: خَيْرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي بَابِ الصِّفَاتِ؛ فَإِنَّهُمْ يُثْبِتُونَ لِلَّهِ الصِّفَاتِ الْعَقْلِيَّةَ، وَأَئِمَّتُهُمْ يُثْبِتُونَ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةَ فِي الْجُمْلَةِ، كَمَا فَصَّلْتُ أَقْوَالَهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَأَمَّا فِي بَابِ الْقَدَرِ وَمَسَائِلِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ؛ فَأَقْوَالُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، والْكُلَّابِيَة: هُمْ أَتْبَاعُ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ الَّذِي سَلَكَ الْأَشْعَرِيُّ خُطَّتَهُ، وَأَصْحَابُ ابْنِ كُلَّابٍ: كَالْحَارِثِ الْمُحَاسَبِيِّ، وَأَبِي الْعَبَّاسِ القلانسي، وَنَحْوِهِمَا خَيْرٌ مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ فِي هَذَا وَهَذَا، فَكُلَّمَا كَانَ الرَّجُلُ إلَى السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ أَقْرَبَ؛ كَانَ قَوْلُهُ أَعْلَى وَأَفْضَلَ». اهـ([210])

وقَالَ أيضًا -رحمه الله- كما في «مجموع الفتاوي»([211]): «وَقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ مُبْتَدِعَةِ الْمُسْلِمِينَ: مِنْ الرَّافِضَةِ وَالْجَهْمِيَّة وَغَيْرِهِمْ إلَى بِلَادِ الْكُفَّارِ، فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَانْتَفَعُوا بِذَلِكَ، وَصَارُوا مُسْلِمِينَ مُبْتَدِعِينَ، وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَكُونُوا كُفَّارًا، وَكَذَلِكَ بَعْضُ الْمُلُوكِ قَدْ يَغْزُو غَزْوًا يَظْلِمُ فِيهِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارَ، وَيَكُونُ آثِمًا بِذَلِكَ، وَمَعَ هَذَا فَيَحْصُلُ بِهِ نَفْعُ خَلْقٍ كَثِيرٍ كَانُوا كُفَّارًا فَصَارُوا مُسْلِمِينَ، وَذَاكَ كَانَ شَرًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَائِمِ بِالْوَاجِبِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكُفَّارِ فَهُوَ خَيْرٌ، وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَالْفَضَائِلِ وَالْأَحْكَامِ وَالْقِصَصِ، قَدْ يَسْمَعُهَا أَقْوَامٌ فَيَنْتَقِلُونَ بِهَا إلَى خَيْرٍ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ كَذِبًا، وَهَذَا كَالرَّجُلِ يُسْلِمُ رَغْبَةً فِي الدُّنْيَا وَرَهْبَةً مِنْ السَّيْفِ، ثُمَّ إذَا أَسْلَمَ وَطَالَ مُكْثُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ دَخَلَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ، فَنَفْسُ ذُلِّ الْكَفْرِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَانْقِهَارُهُ، وَدُخُولُهُ فِي حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَبْقَى كَافِرًا، فَانْتَقَلَ إلَى خَيْرٍ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَخَفَّ الشَّرُّ الَّذِي كَانَ فِيهِ، ثُمَّ إذَا أَرَادَ اللَّهُ هِدَايَتَهُ؛ أَدْخَلَ الْإِيمَانَ فِي قَلْبِهِ.

وَاَللَّهُ تَعَالَى بَعَثَ الرُّسُلَ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا، وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا، وَالنَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- دَعَا الْخَلْقَ بِغَايَةِ الْإِمْكَانِ، وَنَقَلَ كُلَّ شَخْصٍ إلَى خَيْرٍ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ [ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ] {الأحقاف:19}. وَأَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ يَرُدُّونَ بَاطِلًا بِبَاطِلِ، وَبِدْعَةً بِبِدْعَةِ، لَكِنْ قَدْ يَرُدُّونَ بَاطِلَ الْكُفَّارِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ بِبَاطِلِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَصِيرُ الْكَافِرُ مُسْلِمًا مُبْتَدِعًا، وَأَخَصُّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَرُدُّ الْبِدَعَ الظَّاهِرَةَ، كَبِدْعَةِ الرَّافِضَةِ بِبِدْعَةِ أَخَفَّ مِنْهَا، وَهِيَ بِدْعَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَصْنَافَ الْبِدَعِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ خَيْرٌ مِنْ الرَّافِضَةِ وَمِنْ الْخَوَارِجِ؛ فَإِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ تُقِرُّ بِخِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَكُلُّهُمْ يَتَوَلَّوْنَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَكَذَلِكَ الْمَعْرُوفُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَتَوَلَّوْنَ عَلِيًّا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَضِّلُهُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ،… وَكُلُّهُمْ يَتَوَلَّى عُثْمَانَ وَيُعَظِّمُونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَيُعَظِّمُونَ الذُّنُوبَ، فَهُمْ يَتَحَرَّوْنَ الصِّدْقَ كَالْخَوَارِجِ، لَا يَخْتَلِقُونَ الْكَذِبَ كَالرَّافِضَةِ، وَلَا يَرَوْنَ أَيْضًا اتِّخَاذَ دَارٍ غَيْرِ دَارِ الْإِسْلَامِ، كَالْخَوَارِجِ، وَلَهُمْ كُتُبٌ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وَنَصْرِ الرَّسُولِ، وَلَهُمْ مَحَاسِنُ كَثِيرَةٌ يُتَرَجَّحُونَ عَلَى الْخَوَارِجِ، وَالرَّوَافِضِ، وَهُمْ قَصْدُهُمْ إثْبَاتُ تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَرَحْمَتِهِ، وَحِكْمَتِهِ، وَصِدْقِهِ، وَطَاعَتِهِ، وَأُصُولُهُمْ الْخَمْسُ، عَنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْخَمْسِ؛ لَكِنَّهُمْ غَلِطُوا فِي بَعْضِ مَا قَالَوهُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أُصُولِهِمْ الْخَمْسِ: فَجَعَلُوا مِنْ «التَّوْحِيدِ» نَفْيَ الصِّفَاتِ، وَإِنْكَارَ الرُّؤْيَةِ، وَالْقَوْلَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ، فَوَافَقُوا فِي ذَلِكَ الْجَهْمِيَّة، وَجَعَلُوا مِنْ «الْعَدْلِ» أَنَّهُ لَا يَشَاءُ مَا يَكُونُ، وَيَكُونُ مَا لَا يَشَاءُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ أَفْعَالَ الْعِبَادِ؛ فَنَفَوْا قُدْرَتَهُ وَمَشِيئَتَهُ وَخَلْقَهُ لِإِثْبَاتِ الْعَدْلِ، وَجَعَلُوا مِنْ الرَّحْمَةِ نَفْيَ أُمُورٍ خَلَقَهَا، لَمْ يَعْرِفُوا مَا فِيهَا مِنْ الْحِكْمَةِ، وَكَذَلِكَ هُمْ وَالْخَوَارِجُ قَالَوا بـ «إنْفَاذِ الْوَعِيدِ» لِيُثْبِتُوا أَنَّ الرَّبَّ صَادِقٌ لَا يَكْذِبُ؛ إذْ كَانَ عِنْدَهُمْ قَدْ أَخْبَرَ بِالْوَعِيدِ الْعَامِّ، فَمَتَى لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ؛ لَزِمَ كَذِبُهُ، وَغَلِطُوا فِي فَهْمِ الْوَعِيدِ، وَكَذَلِكَ «الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ بِالسَّيْفِ» قَصَدُوا بِهِ طَاعَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، كَمَا يَقْصِدُهُ الْخَوَارِجُ وَالزَّيْدِيَّةُ؛ فَغَلِطُوا فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إنْكَارُهُمْ لِلْخَوَارِقِ غَيْرِ الْمُعْجِزَاتِ، قَصَدُوا بِهِ إثْبَاتَ النُّبُوَّةِ، وَنَصْرَهَا؛ وَغَلِطُوا فِيمَا سَلَكُوهُ؛ فَإِنَّ النَّصْرَ لَا يَكُونُ بِتَكْذِيبِ الْحَقِّ، وَذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُحَقِّقُوا خَاصَّةَ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ.

وَالْأَشْعَرِيَّةُ: مَا رَدُّوهُ مِنْ بِدَعِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ وَالْجَهْمِيَّة وَغَيْرِهِمْ، وَبَيَّنُوا مَا بَيَّنُوهُ مِنْ تَنَاقُضِهِمْ، وَعَظَّمُوا الْحَدِيثَ وَالسُّنَّةَ وَمَذْهَبَ الْجَمَاعَةِ، فَحَصَلَ بِمَا قَالَوهُ مِنْ بَيَانِ تَنَاقُضِ أَصْحَابِ الْبِدَعِ الْكِبَارِ وَرَدِّهِمْ مَا انْتَفَعَ بِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ».

وقَالَ -رحمه الله- أيضًا في «منهاج السنة»([212]): «وَالرَّافِضَةُ فِيهِمْ مَنْ هُوَ مُتَعَبِّدٌ مُتَوَرِّعٌ زَاهِدٌ، لَكِنْ لَيْسُوا فِي ذَلِكَ مِثْلَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، فَالْمُعْتَزِلَةُ أَعْقَلُ مِنْهُمْ، وَأَعْلَمُ، وَأَدْيَنُ، وَالْكَذِبُ وَالْفُجُورُ فِيهِمْ أَقَلُّ مِنْهُ فِي الرَّافِضَةِ.

وَالزَّيْدِيَّةُ مِنَ الشِّيعَةِ خَيْرٌ مِنْهُمْ: أَقْرَبُ إِلَى الصِّدْقِ وَالْعَدْلِ وِالْعِلْمِ، وَلَيْسَ فِي أَهْلِ الْأَهْوَاءِ أَصْدَقُ وَلَا أَعْبَدُ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَمَعَ هَذَا فَأَهْلُ السُّنَّةِ يَسْتَعْمِلُونَ مَعَهُمُ الْعَدْلَ وَالْإِنْصَافَ، وَلَا يَظْلِمُونَهُمْ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ حَرَامٌ مُطْلَقًا كَمَا تَقَدَّمَ، بَلْ أَهْلُ السُّنَّةِ لِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ هَؤُلَاءِ خَيْرٌ مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، بَلْ هُمْ لِلرَّافِضَةِ خَيْرٌ وَأَعْدَلُ مِنْ بَعْضِ الرَّافِضَةِ لِبَعْضٍ.

وَهَذَا مِمَّا يَعْتَرِفُونَ هُمْ بِهِ، وَيَقُولُونَ: أَنْتُمْ تُنْصِفُونَنَا مَا لَا يُنْصِفُ بَعْضُنَا بَعْضًا؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي اشْتَرَكُوا فِيهِ أَصْلٌ فَاسِدٌ، مَبْنِيٌّ عَلَى جَهْلٍ وَظُلْمٍ، وَهُمْ مُشْتَرِكُونَ فِي ظُلْمِ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَصَارُوا بِمَنْزِلَةِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ الْمُشْتَرِكِينَ فِي ظُلْمِ النَّاسِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمُسْلِمَ الْعَالِمَ الْعَادِلَ أَعْدَلُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ.

وَالْخَوَارِجُ تُكَفِّرُ أَهْلَ الْجَمَاعَةِ، وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ يُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ، وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ الرَّافِضَةِ، وَمَنْ لَمْ يُكَفِّرْ فُسِّقَ. وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ يَبْتَدِعُونَ رَأْيًا، وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهِ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَتَّبِعُونَ الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمُ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَلَا يُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهِ، بَلْ هُمْ أَعْلَمُ بِالْحَقِّ وَأَرْحَمُ بِالْخَلْقِ، كَمَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: [ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ] {آل عمران:110}.

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كُنْتُمْ خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ نَقَاوَةُ الْمُسْلِمِينَ، فَهُمْ خَيْرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ». اهـ

وقَالَ الحافظ الذهبي -رحمه الله- في «السير»([213]): «غُلاَةُ المُعْتَزِلَةِ، وَغُلاَة الشِّيْعَة، وَغُلاَة الحَنَابِلَة، وَغُلاَة الأَشَاعِرَةِ، وَغلاَة المُرْجِئَة، وَغُلاَة الجَهْمِيَّة، وَغُلاَة الكَرَّامِيَّة قَدْ مَاجت بِهِم الدُّنْيَا، وَكثرُوا، وَفِيهِم أَذكيَاءُ وَعُبَّاد وَعُلَمَاء، نَسْأَلُ اللهَ العفوَ وَالمَغْفِرَة لأَهْل التَّوحيد، وَنبرَأُ إِلَى اللهِ مِنَ الهَوَى وَالبِدَع، وَنُحبُّ السُّنَّةَ وَأَهْلَهَا، وَنُحِبُّ العَالِمَ عَلَى مَا فِيْهِ مِنَ الاتِّبَاعِ وَالصِّفَاتِ الحمِيدَة، وَلاَ نُحبُّ مَا ابْتدعَ فِيْهِ بتَأْوِيْلٍ سَائِغٍ، وَإِنَّمَا العِبرَةُ بِكَثْرَةِ المَحَاسِنِ». اهـ

وقال شيخنا العلامة ابن عثيمين – رحمه الله -: «نحن نؤمن بأنَّ كل بدعة ضلالة، ثم هذه الضلالات تنقسم إلى: بِدَعٍ مُكَفِّرة، وبِدَعٍ مُفَسِّقَة، وبِدَعٍ يُعْذَرُ فيها صاحِبُها». اهـ([214])

وقال الشيخ صالح الفوزان -رحمه الله- في «شرح كتاب التوحيد»: «كل بدعة في الدين فهي محرمة وضلالة، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «وإياكم ومُحْدثَاتِ الأمور؛ فإن كُلَّ مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكُلَّ بدعةٍ ضلالةٌ»، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من أَحْدَثَ في أَمْرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رَدٌّ»، وفي رواية: «من عَمِلَ عملاً ليس من أمرنا؛ فهو رَدٌّ»… إلى أن قال: ومعنى ذلك: أن البدع في العبادات والاعتقادات محرمة، ولكن التحريم يتفاوت بحسب نوعية البدعة، فمنها ما هو كُفْر صُراحٌ، كالطوافِ بالقبور تَقَرُّباً إلى أصحابها، وتقديم الذبائح والنذور لها، ودعاءِ أصحابِهَا والاستغاثَةِ بهم، وكأقوال غلاة الجهمية والمعتزلة -ومنها ما هو فِسْقٌ اعتقاديٌّ: كبدعة الخوارج، والقَدَرية، والمرجئة في أقوالهم واعتقاداتهم المخالفة للأدلة الشرعية، ومنها ما هو معصية: كبِدْعَةِ التَّبَتُّلِ، والصيامِ قائماً في الشمس، والخُصَاءِ بقصْد قَطْعِ شهوة الجماع. انتهى». اهـ([215])

* * *

الخامس والثلاثون:

  • التفرقة عند أهل السنة في الأحكام بين العموم أو الإطلاق، وبين الحكم على المُعَيَّن:

فالتفريق بين حُكْم القول والقائل، والفعل والفاعل، ومراعاة ضوابط تَنْزِيل الحكم العام على الأعيان: مَعْلم بارِزٌ في دعوة أهل السنة.

واعلم أن عدم مراعاة ذلك فيه تشويه لأحكام الشريعة بوضعها في غير موضعها, ولذا فلا يقوم بهذه المسألة إلا العلماء العاملون، والقضاة العادلون، الذين سيترتب على حُكْمِهم أمورٌ معلومة في الشريعة، ومما يدل على هذا المَعْلَمِ ما يلي:

أولًا: أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «لَعَنَ فِي الخَمْرِ عَشَرَةً: عَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَشَارِبَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالمَحْمُولَةُ إِلَيْهِ، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَآكِلَ ثَمَنِهَا، وَالمُشْتَرِي لَهَا، وَالمُشْتَرَاةُ لَهُ»([216]).

ومع ذلك فإن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَنْكَر على بعض الصحابة لَعْنَهم رجلا كان يَشْرَب الخمر كثيرًا، فيُقَام الحَدُّ عليه، ثم يعود لشربها، حتى قَالَ رجل: لعنه الله؛ ما أَكْثَرَ ما يُؤْتَى به، فقَالَ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تَلْعنوه؛ فو الله ما عَلِمْتُ إنه يُحِبُّ اللهَ ورسولَه»([217] وسواء كانت «ما» موصولة أو زائدة، فالمراد: ما عَلِمْتُ إلا أنه يحب الله ورسوله.

فَمَعَ كَوْنِ النَّبِي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَعَنَ شَارِبَ الْخَمْرِ عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ كما مَرَّ سابقا؛ إِلَّا أَنَّهُ عِنْدَمَا لُعِنَ أَحَدُ مَنْ شَرِبَ الَخَمْرَ، وَمَنْ شَمَلَهُ هذا الْعُمُومُ؛ نَهَى عَنْ لَعْنِهِ، وَذَكَرَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ – مَانِعَا مِنْ جَعْلِ هَذَا الرَّجُلِ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ تَشْمَلُهُ الْلَعْنَة، فَذَكَرَ: أَنَّهُ يُحِبُ اللهَ وَرَسُولَهُ.

فهذا دليل على أن إطلاق النصوص لا يَلْزَمُ منه إنزالُها على المعين، فقد يقوم بالمعين مانع من موانع إنزالها عليه، وهذا مما يُستدل به على قاعدة التفرقة بين إطلاق الحكم العام وبين إنزاله على المعين.

وما سبق ذكره وإن كان من المعاصي والمخالفات الشهوانية، فمعلوم أن المخالفة للإسلام المحض تكون بالشهوة والشبهة –و حُكْمُهما في هذا الباب واحد-، والمخالفة بالشبهة كالخطأ في التأويل والفهم، فكَمْ من عالم من علماء السنة زَلَّتْ قَدَمُهُ في تأويلِ أو فَهْمِ المراد من آية أو حديث، مع حُسْن قَصْده، فالإثم عن هؤلاء الأئمة المجتهدين مرفوع، -وإن أخطأوا- بل هم مأجورون أجرا واحدا؛ لاستفراغهم الوُسْعَ في معرفة الصواب، وإتيانهم البيتَ من باب الاجتهاد والتأويل، ولهذا أمثلة كثيرة، تَظْهَر لمن يطالع تراجم المشاهير من علماء الأمة، ولو أخذ بقول تلك الشِّرْذمة التي ضَلَّتْ السبيل في هذا الزمان، وأسْرفت في الأحكام على غيرها –باسم الجرح والتعديل-؛ لَمَا سَلِمَ لنا أحد من علماء الأمة، والله الهادي إلى سواء السبيل !!.

قال الإمام الشافعيُّ – رحمه الله – عند كلامِه على الأسماءِ والصِّفات الثابتة في القرآن والسُّنة: «فإنْ خالف بعد ذلك بعد ثبوت الحجة عليه؛ فهو كافر، فأمَّا قبْل ثبوت الحجة عليه؛ فمعذور بالجهل». اهـ([218])

وهذه بعض المواضع التي صرّح فيها شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- بأنه لا يلزم من إطلاق الحكم على القول أو الفعل أن يكون القائل أو الفاعل كذلك:

فقد قَالَ -رحمه الله-: «وَكُنْت أُبَيِّنُ لَهُمْ أَنَّمَا نُقِلَ لَهُمْ عَنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مِنْ إطْلَاقِ الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِ مَنْ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا؛ فَهُوَ أَيْضًا حَقٌّ، لَكِنْ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّعْيِينِ، وَهَذِهِ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ تَنَازَعَتْ فِيهَا الْأُمَّةُ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ الْكِبَارِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ «الْوَعِيدِ» فَإِنَّ نُصُوصَ الْقُرْآنِ فِي الْوَعِيدِ مُطْلَقَةٌ، كَقَوْلِهِ: [ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ] {النساء:10} الْآيَةَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا وَرَدَ: «مَنْ فَعَلَ كَذَا؛ فَلَهُ كَذَا»؛ فَإِنَّ هَذِهِ مُطْلَقَةٌ عَامَّةٌ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ: «مَنْ قَالَ كَذَا؛ فَهُوَ كَذَا»، ثُمَّ الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ يَلْتَغِي حُكْمُ الْوَعِيدِ فِيهِ: بِتَوْبَةِ، أَوْ حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ، أَوْ مَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ، أَوْ شَفَاعَةٍ مَقْبُولَةٍ»([219]) اهـ.

وقَالَ أيضًا -رحمه الله-: «وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا، كَمَقَالَاتِ الْجَهْمِيَّة، الَّذِينَ قَالَوا: إنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ، وَلَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ؛ وَلَكِنْ قَدْ يَخْفَى عَلَى بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ كُفْرٌ، فَيُطْلِقُ الْقَوْلَ بِتَكْفِيرِ الْقَائِلِ؛ كَمَا قَالَ السَّلَفُ: مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؛ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ، وَلَا يَكْفُرُ الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ»([220])اهـ.

وقَالَ -رحمه الله- أيضًا: «إِنَّ التَّكْفِيرَ لَهُ شُرُوطٌ وَمَوَانِعُ، قَدْ تَنْتَفي فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ، وَأَنَّ تَكْفِيرَ الْمُطْلَقِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَكْفِيرَ الْمُعَيَّنِ، إلَّا إذَا وُجِدَتْ الشُّرُوطُ، وَانْتَفَتْ الْمَوَانِعُ، يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد وَعَامَّةَ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ أَطْلَقُوا هَذِهِ العموماتِ لَمْ يُكَفِّرُوا أَكْثَرَ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ بِعَيْنِهِ»([221]) اهـ.

وقَالَ -رحمه الله- أيضًا([222]): «هَذَا مَعَ أَنِّي دَائِمًا وَمَنْ جَالَسَنِي يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنِّي: أَنِّي مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ نَهْيًا عَنْ أَنْ يُنْسَبَ مُعَيَّنٌ إلَى تَكْفِيرٍ وَتَفْسِيقٍ وَمَعْصِيَةٍ، إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الرسالية، الَّتِي مَنْ خَالَفَهَا كَانَ كَافِرًا تَارَةً، وَفَاسِقًا أُخْرَى، وَعَاصِيًا أُخْرَى، وَإِنِّي أُقَرِّرُ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ خَطَأَهَا، وَذَلِكَ يَعُمُّ الْخَطَأَ فِي الْمَسَائِلِ الْخَبَرِيَّةِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ؛ وَمَا زَالَ السَّلَفُ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَحَدٍ لَا بِكُفْرِ وَلَا بِفِسْقِ وَلَا مَعْصِيَةٍ…» إلى أن قَالَ -رحمه الله-: «وَكُنْتُ أُبَيِّنُ لَهُمْ: أَنَّمَا نُقِلَ لَهُمْ عَنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مِنْ إطْلَاقِ الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِ مَنْ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا؛ فَهُوَ أَيْضًا حَقٌّ، لَكِنْ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّعْيِينِ، وَهَذِهِ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ تَنَازَعَتْ فِيهَا الْأُمَّةُ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ الْكِبَارِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ «الْوَعِيدِ» فَإِنَّ نُصُوصَ الْقُرْآنِ فِي الْوَعِيدِ مُطْلَقَةٌ، كَقَوْلِهِ: [ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ] {النساء:10} الْآيَةَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا وَرَدَ: مَنْ فَعَلَ كَذَا؛ فَلَهُ كَذَا؛ فَإِنَّ هَذِهِ مُطْلَقَةٌ عَامَّةٌ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ: مَنْ قَالَ كَذَا؛ فَهُوَ كَذَا، ثُمَّ الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ يَلْتَغِي حُكْمُ الْوَعِيدِ فِيهِ: بِتَوْبَةِ، أَوْ حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ، أَوْ مَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ، أَوْ شَفَاعَةٍ مَقْبُولَةٍ»([223]) اهـ.

وقَالَ -رحمه الله-: «وَقَدْ كَانَ الْعُلَمَاءُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إذَا تَنَازَعُوا فِي الْأَمْرِ؛ اتَّبَعُوا أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: [ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ] {النساء:59}، وَكَانُوا يَتَنَاظَرُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ مُنَاظَرَةَ مُشَاوَرَةٍ وَمُنَاصَحَةٍ، وَرُبَّمَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ مَعَ بَقَاءِ الْأُلْفَةِ وَالْعِصْمَةِ وَأُخُوَّةِ الدِّينِ، نَعَمْ؛ مَنْ خَالَفَ الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ، وَالسُّنَّةَ الْمُسْتَفِيضَةَ، أَوْ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ، خِلَافًا لَا يُعْذَرُ فِيهِ؛ فَهَذَا يُعَامَلُ بِمَا يُعَامَلُ بِهِ أَهْلُ الْبِدَعِ، فَعَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَدْ خَالَفَتْ ابْنَ عَبَّاسٍ وَغَيْرَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي أَنَّ مُحَمَّدًا -صلى الله عليه وسلم- رَأَى رَبَّهُ، وَقَالَتْ: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ؛ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى الْفِرْيَةَ» وَجُمْهُورُ الْأُمَّةِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مَعَ أَنَّهُمْ لَا يُبَدِّعُونَ الْمَانِعِينَ الَّذِينَ وَافَقُوا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ
-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-
وَكَذَلِكَ أَنْكَرَتْ أَنْ يَكُونَ الْأَمْوَاتُ يَسْمَعُونَ دُعَاءَ الْحَيِّ، لَمَّا قِيلَ لَهَا: إنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ» فَقَالَتْ: إنَّمَا قَالَ: «إنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الْآنَ أَنَّ مَا قُلْت لَهُمْ حَقٌّ»، وَمَعَ هَذَا فَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمَوْتَى يَسْمَعُونَ خَفْقَ النِّعَالِ، كَمَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، وقوله: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ الرَّجُلِ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ؛ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ؛ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» صَحَّ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ تَأَوَّلَتْ، وَاَللَّهُ يَرْضَى عَنْهَا»([224]) اهـ.

ويقول -رحمه الله- في «بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية»([225]) : «وبَيَّنَّا أن المؤمن الذي لا ريب في إيمانه قد يخطئ في بعض الأمور العلمية الاعتقادية؛ فيُغْفَرُ له كما يُغْفَرُ له ما يخطئ فيه من الأمور العملية وأن حُكْم الوعيد على الكفر لا يَثْبُتُ في حق الشخص المعين حتى تقوم عليه حجة الله التي بَعَثَ بها رُسُلَهُ، كما قال تعالى: [ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ] {الإسراء:15} وأن الأمكِنةَ والأزمِنةَ التي تَفتُرُ فيها النُّبوَّةُ لا يكونُ حُكمُ مَن خَفِيَت عليه آثارُ النبُوَّةِ حتى أنكر ما جاءت به خطأً، كما يكونُ حُكمُه في الأمكِنةِ والأزمِنةِ التي ظهَرَت فيها آثارُ النبوَّةِ». اهـ

وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله- بعد ذِكْره كُفرَ مَن هَجَر فريضة من فرائض الإسلام، أو أَنْكَر صفةً من صفات الله تعالى، أو أَنْكَر خبرًا أخبر الله به عمدًا، قال: «وأمَّا جَحْد ذلك جهلاً، أو تأويلاً يُعْذَر فيه صاحبه؛ فلا يَكْفُر صاحبه به». اهـ([226])

وقال ابن أبي العِزِّ الحنفي – رحمه الله – في (شرح الطحاوية)، عند كلامه على تكفير المُعَيَّن: «الشَّخص المعيَّن يُمْكِن أن يكونَ مجتهدًا مخطِئًا مغفورًا له، أو يُمْكِن أن يكونَ ممن لم يبلغْه ما وراء ذلك منَ النصوص، ويُمْكِن أن يكونَ له إيمانٌ عظيم، وحسنات أَوْجَبَتْ له رحمة الله… ثمَّ إذا كانَ القول في نفسِه كفرًا، قيل: إنَّه كُفْر، والقائل له يَكْفُر بشروط، وانتفاء موانع». اهـ([227])

وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- كما في «الدرر السنية»([228]): «ومسألة تكفير المعين مسألة معروفة، إذا قال قولاً كان القولُ به كُفْراً، فيقال: من قال بهذا القول؛ فهو كافر، ولكن الشخص المعين إذا قال ذلك، لا يُحْكم بكُفْره حتى تقوم عليه الحجةُ التي يَكْفُر تاركُها». اهـ

وقال الشيخ عبدالله بن عبداللطيف، وأخوه الشيخ إبراهيم بن عبداللطيف، والشيخ سليمان بن سحمان -رحمهم الله- تعالى: «ومسألة تَكْفِيرِ المُعَيَّن مسألة معروفة، إذا قال قولاً يكون القول به كفرًا، فيقال: مَن قال بهذا القول؛ فهو كافِر؛ ولكن الشخص المُعَيَّن إذا قال ذلك؛ لا يُحْكَم بكُفْره، حتى تقومَ عليه الحجة التي يكَفْر تاركُها». اهـ([229])

وقال شيخنا محمد بن صالح العُثَيْمِين – رحمه الله -: «الواجِب قبل الحكم بالتَّكْفير أن يُنْظَر في أمرين: الأمر الأول: دلالة الكتاب والسُّنَّة على أن هذا مُكَفِّر؛ لئِلاَّ يُفْتَرى على الله الكَذِب. الثاني: انطباق الحُكم على الشخص المُعَيَّن؛ بحيث تَتِمُّ شروطُ التكفير في حَقِّه، وتنتفي الموانع». اهـ([230])

فهذا غَيْضٌ من فيْضٍ من كلام أهل السنة سلفاً وخلفاً في التفرقة بين القول والقائل، ومراعاة الشروط والموانع عند إنزال الحكم المطلق أو العامِّ على الشخص المعيَّن، وإن كانت هذه النقولات أكثرها في الكلام على التكفير؛ فهي شاملة للتبديع والتفسيق، فالبدعة منها المكفِّر، ومنها المفسِّق، ولا فرق في المعنى في هذا المقام بين التكفير والتبدع والتفسيق، وإن كان بينها فرق واضح من جهة أخرى، والله أعلم.

* * *

السادس والثلاثون:

  • إذا تعارض عند العالم السُّنِّي القول بالقيام بأَمْرٍ أو تَرْكِهِ؛ فلابد من النظر والموازنة بين خَيْر الخيريْن وشَرِّ الشريْن، فَيُعْمَل بالأول، ويُتركُ الثاني، وأهل السنة يقولون بمراعاة تزاحم المصالح والمفاسد، والنظر في الحال والمآل؛ فإن الشريعة جاءَتْ بتكْمِيلِ المصالح وإلا فتَحْصِيلِها، وبتَعْطِيل المفاسد وإلا فَتَقْلِيلِها، فتُرْتَكَبُ أَدْنى المَفْسَدتَيْنِ إذا عجز المرء عن دَفْعِهِما جميعا، وتُفَوَّتُ أَدْنى المصْلَحَتَيْنِ إذا عَجَزَ المرء عن تحصيلهما جميعا، وهذا مقتضى النقل الصحيح والعقل الصريح.

وهذه مسألة مشهورة عند أهل العلم، وقد قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية
-رحمه الله-
مُبَيِّنًا أن العقل يَشْهَد لذلك أيضًا، فقَالَ: «كما يقَالَ: ليس العاقلُ الذي يَعْلَمُ الخير من الشر؛ وإنما العاقلُ الذي يَعْلمُ خَيْرَ الخيريْن وشَرَّ الشَّرَّيْن، ويُنْشَد:

إن اللبيبَ إذا بَدَى مِنْ جِسْمِهِ مَرَضانِ مُختلفانِ دَاوَى الأخْطَرا

قال -رحمه الله-: وَهَذَا ثَابِتٌ فِي سَائِرِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ الطَّبِيبَ مَثَلًا يَحْتَاجُ إلَى تَقْوِيَةِ الْقُوَّةِ وَدَفْعِ الْمَرَضِ؛ وَالْفَسَادُ أَدَاةٌ تَزِيدُهُمَا مَعًا؛ فَإِنَّهُ يُرَجَّحُ عِنْدَ وُفُورِ الْقُوَّةِ تَرْكُهُ إضْعَافًا لِلْمَرَضِ، وَعِنْدَ ضَعْفِ الْقُوَّةِ فِعْلُهُ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ إبْقَاءِ الْقُوَّةِ وَالْمَرَضِ أَوْلَى مِنْ إذْهَابِهِمَا جَمِيعًا؛ فَإِنَّ ذَهَابَ الْقُوَّةِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْهَلَاكِ، وَلِهَذَا اسْتَقَرَّ فِي عُقُولِ النَّاسِ أَنَّهُ عِنْدَ الْجَدْبِ يَكُونُ نُزُولُ الْمَطَرِ لَهُمْ رَحْمَةً، وَإِنْ كَانَ يَتَقَوَّى بِمَا يُنْبِتُهُ أَقْوَامٌ عَلَى ظُلْمِهِمْ، لَكِنَّ عَدَمَهُ أَشَدُّ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ، وَيُرَجِّحُونَ وُجُودَ السُّلْطَانِ مَعَ ظُلْمِهِ عَلَى عَدَمِ السُّلْطَانِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعُقَلَاءِ: «سِتُّونَ سَنَةً مِنْ سُلْطَانٍ ظَالِمٍ خَيْرٌ مِنْ لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ بِلَا سُلْطَانٍ» ثُمَّ السُّلْطَانُ يُؤَاخَذُ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ مِنْ الْعُدْوَانِ، وَيُفَرِّطُ فِيهِ مِنْ الْحُقُوقِ مَعَ التَّمَكُّنِ»([231]) اهـ.

وقَالَ العِزُّ بن عبد السلام -رحمه الله تعالي- في «قواعد الأحكام»([232]): إذا تفاوتَتْ رُتَبُ الفسوق في حق الأئمة؛ قَدَّمْنا أَقَلَّهم فُسوقًا، مثل إن كان فِسْقُ أحد الأئمة بقَتْلِ النفوس، وفِسْقُ الآخر بانتهاك حُرْمَة الأبضاع، وفِسْقُ الآخر بالتعَرُّض للأموال؛ قَدَّمْنا المُتَعَرِّضَ للأموال على المتعرِّضِ للدماء والأبضاع… فإن قيل: أَيَجوز القتالُ مع أحدهما لإقامَةِ ولايته، وإدامَةِ تصرُّفِهِ مع إعانته على معصيته؟ قلنا: نعم؛ دَفْعًا لما بين مَفْسَدَتَيْ الفسوقَيْنِ من التفاوت، ودرءًا للأَفْسَدِ فالأَفْسَدِ…

وكذلك إذا حصل بالإعانة مصلحةٌ تُربِي على تفويت المفسدة، كما تُبْذَل الأموال في فداء الأسرى الأحرار من المسلمين من أيدي الكفرة والفجرة». اهـ.

وقَالَ شيخ الإسلام -رحمه الله- كما في «مجموع الفتاوى»([233]): الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَإِتْمَامَهُ بِالْجِهَادِ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَعْرُوفِ الَّذِي أُمِرْنَا بِهِ؛ وَلِهَذَا قِيلَ: لِيَكُنْ أَمْرُك بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُك عَنْ الْمُنْكَرِ غَيْرَ مُنْكَرٍ، وَإِذَا كَانَ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْوَاجِبَاتِ والمستحبات؛ فَالْوَاجِبَاتُ والمستحباتُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْمَصْلَحَةُ فِيهَا رَاجِحَةً عَلَى الْمَفْسَدَةِ؛ إذْ بِهَذَا بُعِثَتْ الرُّسُلُ، وَنَزَلَتْ الْكُتُبُ، وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ؛ بَلْ كُلُّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ صَلَاحٌ.

وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَى الصَّلَاحِ وَالْمُصْلِحِينَ، وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَذَمَّ الْمُفْسِدِينَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فَحَيْثُ كَانَتْ مَفْسَدَةُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ أَعْظَمَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ؛ لَمْ تَكُنْ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تُرِكَ وَاجِبٌ وَفُعِلَ مُحَرَّمٌ؛ إذْ الْمُؤْمِنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ فِي عِبَادِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ هُدَاهُمْ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: [ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ] {المائدة:105}، وَالِاهْتِدَاءُ إنَّمَا يَتِمُّ بِأَدَاءِ الْوَاجِبِ، فَإِذَا قَامَ الْمُسْلِمُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، كَمَا قَامَ بِغَيْرِهِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ؛ لَمْ يَضُرَّهُ ضَلَالُ الضُّلَّالِ، وَذَلِكَ يَكُونُ تَارَةً بِالْقَلْبِ؛ وَتَارَةً بِاللِّسَانِ؛ وَتَارَةً بِالْيَدِ.

وقَالَ أيضًا -رحمه الله-([234]): وَجِمَاعُ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي «الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ»: فِيمَا إذَا تَعَارَضَتْ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ وَالْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ أَوْ تَزَاحَمَتْ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ تَرْجِيحُ الرَّاجِحِ مِنْهَا، فِيمَا إذَا ازْدَحَمَتْ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ، وَتَعَارَضَتْ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ، فَإِنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَإِنْ كَانَ مُتَضَمِّنًا لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ وَدَفْعِ مَفْسَدَةٍ؛ فَيُنْظَرُ فِي الْمُعَارِضِ لَهُ: فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَفُوتُ مِنْ الْمَصَالِحِ، أَوْ يَحْصُلُ مِنْ الْمَفَاسِدِ أَكْثَرَ؛ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ؛ بَلْ يَكُونُ مُحَرَّمًا إذَا كَانَتْ مَفْسَدَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ، لَكِنَّ اعْتِبَارَ مَقَادِيرِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ هُوَ بِمِيزَانِ الشَّرِيعَةِ، فَمَتَى قَدَرَ الْإِنْسَانُ عَلَى اتِّبَاعِ النُّصُوصِ؛ لَمْ يَعْدِلْ عَنْهَا، وَإِلَّا اجْتَهَدَ بِرَأْيِهِ لِمَعْرِفَةِ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ، وَقَلَّ أنْ تُعْوِزَ النُّصُوصُ مَنْ يَكُونُ خَبِيرًا بِهَا وَبِدَلَالَتِهَا عَلَى الْأَحْكَامِ.

وَعَلَى هَذَا إذَا كَانَ الشَّخْصُ أَوْ الطَّائِفَةُ جَامِعَيْنِ بَيْنَ مَعْرُوفٍ وَمُنْكَرٍ، بِحَيْثُ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا؛ بَلْ إمَّا أَنْ يَفْعَلُوهُمَا جَمِيعًا؛ أَوْ يَتْرُكُوهما جَمِيعًا؛ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤْمَرُوا بِمَعْرُوفِ وَلَا أَنْ يُنْهَوْا مِنْ مُنْكَرٍ؛ يَنْظُرُ: فَإِنْ كَانَ الْمَعْرُوفُ أَكْثَرَ؛ أُمِرَ بِهِ وَإِنْ اسْتَلْزَمَ مَا هُوَ دُونَهُ مِنْ الْمُنْكَرِ، وَلَمْ يُنْهَ عَنْ مُنْكَرٍ يَسْتَلْزِمُ تَفْوِيتَ مَعْرُوفٍ أَعْظَمَ مِنْهُ؛ بَلْ يَكُونُ النَّهْيُ حِينَئِذٍ مِنْ بَابِ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَالسَّعْيِ فِي زَوَالِ طَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَزَوَالِ فِعْلِ الْحَسَنَاتِ، وَإِنْ كَانَ الْمُنْكَرُ أَغْلَبَ؛ نُهِىَ عَنْهُ؛ وَإِنْ اسْتَلْزَمَ فَوَاتَ مَا هُوَ دُونَهُ مِنْ الْمَعْرُوفِ، وَيَكُونُ الْأَمْرُ بِذَلِكَ الْمَعْرُوفِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْمُنْكَرِ الزَّائِدِ عَلَيْهِ؛ أَمْرًا بِمُنْكَرٍ، وَسَعْيًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنْ تَكَافَأَ الْمَعْرُوفُ وَالْمُنْكَرُ الْمُتَلَازِمَانِ؛ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِمَا، وَلَمْ يُنْهَ عَنْهُمَا، فَتَارَةً يَصْلُحُ الْأَمْرُ؛ وَتَارَةً يَصْلُحُ النَّهْيُ؛ وَتَارَةً لَا يَصْلُحُ لَا أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ، حَيْثُ كَانَ الْمَعْرُوفُ وَالْمُنْكَرُ مُتَلَازِمَيْنِ؛ وَذَلِكَ فِي الْأُمُورِ الْمُعَيَّنَةِ الْوَاقِعَةِ.

وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ النَّوْعِ فَيُؤْمَرُ بِالْمَعْرُوفِ مُطْلَقًا، وَيُنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ مُطْلَقًا، وَفِي الْفَاعِلِ الْوَاحِدِ وَالطَّائِفَةِ الْوَاحِدَةِ يُؤْمَرُ بِمَعْرُوفِهَا، وَيُنْهَى عَنْ مُنْكَرِهَا، وَيُحْمَدُ مَحْمُودُهَا، وَيُذَمُّ مَذْمُومُهَا؛ بِحَيْثُ لَا يَتَضَمَّنُ الْأَمْرُ بِمَعْرُوفِ فَوَاتَ أَكْثَرَ مِنْهُ، أَوْ حُصُولَ مُنْكَرٍ فَوْقَهُ، وَلَا يَتَضَمَّنُ النَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ حُصُولَ أَنْكَرَ مِنْهُ، أَوْ فَوَاتَ مَعْرُوفٍ أَرْجَحَ مِنْهُ، وَإِذَا اشْتَبَهَ الْأَمْرُ؛ اسْتَبَانَ الْمُؤْمِنُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ؛ فَلَا يَقْدُمُ عَلَى الطَّاعَةِ إلَّا بِعِلْمِ وَنِيَّةٍ؛ وَإِذَا تَرَكَهَا كَانَ عَاصِيًا؛ فَتَرْكُ الْأَمْرِ الْوَاجِبِ مَعْصِيَةٌ؛ وَفِعْلُ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ الْأَمْرِ مَعْصِيَةٌ، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ.

وَمِنْ هَذَا الْبَابِ إقْرَارُ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ وَأَمْثَالِهِ مِنْ أَئِمَّةِ النِّفَاقِ وَالْفُجُورِ لِمَا لَهُمْ مِنْ أَعْوَانٍ، فَإِزَالَةُ مُنْكَرِهِ بِنَوْعِ مِنْ عِقَابِهِ مُسْتَلْزِمَةٌ إزَالَةَ مَعْرُوفٍ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، بِغَضَبِ قَوْمِهِ وَحَمِيَّتِهِمْ؛ وَبِنُفُورِ النَّاسِ إذَا سَمِعُوا أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ؛ وَلِهَذَا لَمَّا خَاطَبَ النَّاسَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ بِمَا خَاطَبَهُمْ بِهِ، وَاعْتَذَرَ مِنْهُ، وَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ قَوْلًا الَّذِي أَحْسَنَ فِيهِ؛ حَمِيَ لَهُ سَعْدُ بْنُ عبادة مَعَ حُسْنِ إيمَانِهِ». اهـ

وقَالَ الإمام ابن القيم -رحمه الله-([235]): «فَإِنْكَارُ الْمُنْكَرِ أَرْبَعُ دَرَجَاتٍ:

الْأُولَى: أَنْ يَزُولَ وَيَخْلُفَهُ ضِدُّهُ.

الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقِلَّ، وَإِنْ لَمْ يَزُلْ بِجُمْلَتِهِ.

الثَّالِثَةُ: أَنْ يَخْلُفَهُ مَا هُوَ مِثْلُهُ.

الرَّابِعَةُ: أَنْ يَخْلُفَهُ مَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ؛ فَالدَّرَجَتَانِ الْأُولَيَانِ مَشْرُوعَتَانِ، وَالثَّالِثَةُ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ، وَالرَّابِعَةُ مُحَرَّمَةٌ؛ فَإِذَا رَأَيْت أَهْلَ الْفُجُورِ وَالْفُسُوقِ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ، كَانَ إنْكَارُك عَلَيْهِمْ مِنْ عَدَمِ الْفِقْهِ وَالْبَصِيرَةِ إلَّا إذَا نَقَلْتَهُمْ مِنْهُ إلَى مَا هُوَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، كَرَمْيِ النُّشَّاب([236])، وَسِبَاقِ الْخَيْلِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِذَا رَأَيْت الْفُسَّاقَ قَدْ اجْتَمَعُوا عَلَى لَهْوٍ وَلَعِبٍ أَوْ سَمَاعِ مُكَاءٍ وَتَصْدِيَةٍ؛ فَإِنْ نَقَلْتَهُمْ عَنْهُ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ؛ فَهُوَ الْمُرَادُ، وَإِلَّا كَانَ تَرْكُهُمْ عَلَى ذَلِكَ خَيْرًا مِنْ أَنْ تُفْرِغَهُمْ لِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، فَكَانَ مَا هُمْ فِيهِ شَاغِلًا لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَكَمَا إذَا كَانَ الرَّجُلُ مُشْتَغِلًا بِكُتُبِ الْمُجُونِ وَنَحْوِهَا، وَخِفْتَ مِنْ نَقْلِهِ عَنْهَا انْتِقَالَهُ إلَى كُتُبِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ وَالسِّحْرِ؛ فَدَعْهُ وَكُتُبَهُ الْأُولَى، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ.

وَسَمِعْت شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ، وَنَوَّرَ ضَرِيحَهُ- يَقُولُ: مَرَرْتُ أَنَا وَبَعْضُ أَصْحَابِي فِي زَمَنِ التَّتَارِ بِقَوْمٍ مِنْهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ؛ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ مَنْ كَانَ مَعِي؛ فَأَنْكَرْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ لَهُ: إنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ الْخَمْرَ لِأَنَّهَا تَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ، وَهَؤُلَاءِ يَصُدُّهُمْ الْخَمْرُ عَنْ قَتْلِ النُّفُوسِ، وَسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ، وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ؛ فَدَعْهُمْ».

سبحان الله، ما أَفْقَهَ هذا الإمامَ في دِينِ اللهِ -عز وجل-، نعم، الأمرُ كما قيل: «فَقِيهٌ واحِدٌ أَشَدُّ على الشيطان مِنْ أَلْفِ عابِدٍ»([237]).

* * *

السابع والثلاثون:

  • أهلُ السنة لا يتجاوزون الحَدَّ جَرْحا وتعديلا -وإن كان المتكلم فيه موافقاً أو مخالفاً- ولما كانوا أهل إنصاف وعَدْل كتب الله لكلامهم البقاء، ولأنهم تكلموا بما تكلموا به لحفظ الدين، لا اتباعًا للهوى، ولذلك فإنهم يَقْبَلُون الحقَّ من كل أَحَدٍ، كائنًا من كان، وإنْ كان عدوًّا لَدُودًا، وَيَرُدُّونَ الباطلَ على كل أَحَدٍ كائنا من كان، وإن كان صديقًا وَدُودًا؛ لأن الحقَّ هَمُّهُم وبُغْيَتُهم، فَيَنْظُرون إلى القول لا إلى القائل.

قَالَ أبو حاتم ابن حبان البستي -رحمه الله تعالى- في كتابه «الثقات»([238]): «لسنا مِمَّن يُوهِمُ الرعاعَ مَالا يَسْتَحِلُّه، وَلَا مِمَّن يَحِيفُ بالقَدْح فِي إِنْسَان وَإِن كَانَ لنا مُخَالفا، بل نُعْطِي كل شيخ حَظَّهُ مِمَّا كَانَ فِيهِ، ونقول فِي كل إِنْسَان مَا كَانَ يسْتَحقّهُ من الْعَدَالَة وَالْجرْح». اهـ

وقَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «وَأَهْلُ الْعِلْمِ الْمَأْثُورِ عَنْ الرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم- أَعْظَمُ النَّاسِ قِيَامًا بِهَذِهِ الْأُصُولِ، لَا تَأْخُذُ أَحَدَهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَلَا يَصُدُّهُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الْعَظَائِمُ؛ بَلْ يَتَكَلَّمُ أَحَدُهُمْ بِالْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ، وَيَتَكَلَّمُ فِي أَحَبِّ النَّاسِ إلَيْهِ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ] {النساء:135}.

وقَوْله تَعَالَى: [ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ] {المائدة:8}. وَلَهُمْ مِنْ التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ، وَالتَّضْعِيفِ وَالتَّصْحِيحِ مِنْ السَّعْيِ الْمَشْكُورِ، وَالْعَمَلِ الْمَبْرُورِ مَا كَانَ مِنْ أَسْبَابِ حِفْظِ الدِّينِ، وَصِيَانَتِهِ عَنْ إحْدَاثِ الْمُفْتَرِينَ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى دَرَجَاتٍ: مِنْهُمْ الْمُقْتَصِرُ عَلَى مُجَرَّدِ النَّقْلِ وَالرِّوَايَةِ، وَمِنْهُمْ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ وَالدِّرَايَةِ، وَمِنْهُمْ أَهْلُ الْفِقْهِ فِيهِ وَالْمَعْرِفَةِ بِمَعَانِيهِ»([239]).

وقد ذَكَر شيخُ الإسلام -رحمه الله- قاعدةً عامةً في المناقشة، لا بُدَّ من سلوكها، وهي العَدْل مع الخَصْم، وقبولُ ما عنده من الحق، وردُّ ما في كلامه من الباطل، وأن لا يقابَل الباطلُ بباطلٍ، ولا البدعةُ ببدعةٍ، وبَيَّن أن هذه طريقة السلف، فمما قَالَه في ذلك -رحمه الله- قوله: «فَالْوَاجِبُ إِذَا كَانَ الْكَلَامُ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ؛ أَنْ يُبَيَّنَ رُجْحَانُ قَوْلِ الْفَرِيقِ الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ إِلَى السُّنَّةِ بِالْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، وَلَا نَنْصُرُ الْقَوْلَ الْبَاطِلَ الْمُخَالِفَ لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ أَبَدًا؛ فَإِنَّ هَذَا مُحَرَّمٌ وَمَذْمُومٌ، يُذَمُّ بِهِ صَاحِبُهُ، وَيَتَوَلَّدُ عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ مَا لَا يُوصَفُ، كَمَا تَوَلَّدَ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُبْتَدَعَةِ مِثْلُ ذَلِكَ»([240]).

وقَالَ أيضًا -رحمه الله-: «وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ بَيَانَ رُجْحَانِ بَعْضِ الْأَقْوَالِ، فَهَذَا مُمْكِنٌ فِي نَفْسِهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَسْلُكُهُ فِي كَثِيرٍ مِمَّا عَابَ بِهِ الرَّافِضَةَ كَثِيرٌ مِنَ الطَّوَائِفِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ فِي إِثْبَاتِ خِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ ، فَإِنَّهُمْ عَابُوا كَثِيرًا مِنْهُمْ بِأَقْوَالٍ هِيَ مَعِيبَةٌ مَذْمُومَةٌ، وَاللَّهُ قَدْ أَمَرَنَا أَلَّا نَقُولَ عَلَيْهِ إِلَّا الْحَقَّ، وَأَلَّا نَقُولَ عَلَيْهِ إِلَّا بِعِلْمٍ، وَأَمَرَنَا بِالْعَدْلِ وَالْقِسْطِ، فَلَا يَجُوزُ لَنَا إِذَا قَالَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ – فَضْلًا عَنِ الرَّافِضِيِّ – قَوْلًا فِيهِ حَقٌّ؛ أَنْ نَتْرُكَهُ أَوْ نَرُدَّهُ كُلَّهُ، بَلْ لَا نَرُدُّ إِلَّا مَا فِيهِ مِنَ الْبَاطِلِ دُونَ مَا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ»([241]).

وقَالَ في بيان طريقة السلف في الرد: «لَكِنَّ أَئِمَّةَ السُّنَّةِ وَالسَّلَفِ عَلَى خِلَافِ هَذَا، وَهُمْ يَذُمُّونَ أَهْلَ الْكَلَامِ الْمُبْتَدَعِ الَّذِينَ يَرُدُّونَ بَاطِلًا بِبَاطِلٍ، وَبِدْعَةً بِبِدْعَةٍ، وَيَأْمُرُونَ أَلَّا يَقُولَ الْإِنْسَانُ إِلَّا الْحَقَّ، لَا يَخْرُجُ عَنِ السُّنَّةِ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَرَسُولُهُ، وَلِهَذَا لَمْ نَرُدَّ مَا تَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَالرَّافِضَةُ مِنْ حَقٍّ، بَلْ قَبِلْنَاهُ، لَكِنْ بَيَّنَّا أَنَّ مَا عَابُوا بِهِ مُخَالِفِيهِمْ مِنَ الْأَقْوَالِ؛ فَفِي أَقْوَالِهِمْ مِنَ الْعَيْبِ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ».([242])

* وذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده الذي رواه أحمد وغيره أن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خرج على أصحابه وهم يتنازعون في القَدَر، وقائلٌ يقول: أَلَمْ يَقُل اللهُ كذا؟ وآخرُ يقول: أَلَمْ يَقُلْ الله كذا؟ فقَالَ: «أبهذا أُمِرْتُم؟ أم إلى هذا دُعِيتُم: أن تَضْرِبُوا كتابَ الله بعضَه ببعض؟ انظروا ما أُمرتم به؛ فافعلوه، وما نُهيتم عنه؛ فاتركوه»([243]).

قَالَ شيخ الإسلام -رحمه الله-: «فهذا الحديث ونحوه مما يَنْهَى فيه عن معارضة حَقٍّ بِحَقٍّ؛ فإن ذلك يقتضي التكذيبَ بأحد الحقَّيْن، أو الاشتباه والحَيْرة، والواجب التصديق بهذا الحق وهذا الحق، فعلى الإنسان أن يُصَدّق بالحق الذي يقوله غيرُه، كما يُصَدّق بالحق الذي يقوله هو، ليس له أن يؤمن بمعنى آيةٍ استدل بها، ويردّ معنى آيةٍ استدل بها مُناظِرُه، ولا أن يقبل الحقَّ من طائفةٍ، ويردَّه من طائفةٍ أخرى، ولهذا قَالَ تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ] {الزمر:32-33}، فَذمَّ -سبحانه- من كَذَبَ أو كذَّبَ بحق، ولم يَمْدَح إلا من صَدَقَ وصَدَّق بالحق، فلو صَدَقَ الإنسان فيما يقوله، ولم يُصدِّق بالحق الذي يقوله غيره، لم يكن مَمْدُوحًا، حتى يكون ممن يجيء بالصِّدْق ويُصَدّق به، فأولئك هم المتقون»([244]).

وقَالَ الإمام ابن القيم -رحمه الله- في «إعلام الموقعين»([245]): «فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَّبِعَ هَدْيَ النَّبِيِّ – -صلى الله عليه وسلم- – فِي قَبُولِ الْحَقِّ مِمَّنْ جَاءَ بِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَعَدُوٍّ، وَحَبِيبٍ وَبَغِيضٍ، وَبَرٍّ وَفَاجِرٍ، وَيَرُدَّ الْبَاطِلَ عَلَى مَنْ قَالَهُ، كَائِنًا مَنْ كَانَ». اهـ

* * *

الثامن والثلاثون:

  • أهل السنة يَذْكُرون ما لَهُمْ وما عليهم، وأهل البدعة يَذْكُرون ما لَهُم، ويكْتُمون ما عليهم:

ولأن أهل السنة أَسَّسُوا مذْهبهم على الحق المبين، فلا يخافون مِنْ ذِكْر ما ظاهره أنه ضِدُّهُم؛ لأنهم واثقون من أنفسهم أنهم قادرون على وَضْعِهِ في مَوْضِعِه الذي أراده الله -جل وعلا- ورسولُه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مع بقية الأدلة، وذلك بالجمع بينهما على قواعد أهل العلم، أو تأويله تأويلا سائغًا، أو الترجيح عند تعذُّر ذلك، فإذا اتضح الحق لهم -ولو في مسألة خَفِيَّةٍ أو اجتهادية- على خلاف ما كانوا عليه؛ فإنهم يفيئون إلى الحق راضِين مُخْتَارِين؛ لأنهم لا يَشْهَدون بالعصمة لأحد إلا لرسول الله
– صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهذا يُعَدُ عندهم من الأمانة العلمية: فالأمانة زينَةُ العِلْم، ورُوحُه الذي يجعله زاكي الثمر، لذيذ المطعم، وأَهل السنة لهم القِدحُ المعَلَّى في ذلك الشأن.

ومن مظاهر الأمانة العلمية عندهم: الأمانةُ في النقل، والبعدُ عن التزوير، وقَلْبِ الحقائق، وبَتْرِ النصوص وتحريفِها، فإذا نقلوا عن مخالف لهم نقلوا كلامه تامّاً، فلا يأخذون منه ما يوافق ما يذهبون إليه، ويَدَعُون ما سواه؛ كي يدينوا المنقول عنه، ويُشَنِّعُوا عنه بكلام مبتور عن سياقه وسباقه ولحاقه، وإنما ينقلون كلامه تامّاً، فإن كان حقًّا؛ أقرّوه، وإن كان باطلاً؛ ردُّوه، وإن كان فيه حق وباطل؛ قَبِلُوا الحقَّ، وردُّوا الباطلَ، كل ذلك بالدليل القاطع، والبرهان الساطع([246]).

قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ يُبَيِّنُ أَنَّ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ يُمَيِّزُونَ الْمَنْقُولَاتِ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، فَيَرُدُّونَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مِنْ فَضَائِلِ نَبِيِّهِمْ وَأَعْلَامِهِ، وَفَضَائِلِ أَصْحَابِهِ وَأُمَّتِهِ مَا هُوَ عَظِيمٌ، وَيَقْبَلُونَ الصِّدْقَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ شُبْهَةُ إِشْكَالٍ، وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ الْمُنَازِعُونَ لَهُمْ.

وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ يَقُولُ: أَهْلُ الْعِلْمِ يَكْتُبُونَ مَا لَهُمْ وَمَا عَلَيْهِمْ، وَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ لَا يَكْتُبُونَ إِلَّا مَا لَهُمْ([247]).

* * *

التاسع والثلاثون:

  • إنصافُ أهل السنة لأهل البدع، ورحمتُهُم بهم -بمعنى بيان الحق لهم ليهتدوا- أكثر من رحمة أهل البدع ببعضهم؛ لأن أهل السنة أهلُ عدْلٍ وشَفَقَةٍ ورحمةٍ بالأمة، وهم أَعْلَمُ الناس بالحقِّ، وأَرْحَمُ الناس بالخَلْقِ، وليسوا أهل انتقام وتشفٍّ من المخالف، كالوالد إذا أَنْكَر على ولده بِشِدةٍ، وهو يريد له الخير، وكالطبيب مع المريض إذا عالجه بما يَكْره من نَزْع عضو منه ونحو ذلك، وهو يريد له العافية.

ومن ذلك: رَدُّ أهل السنة على بعضهم إذا خالفوا الحقَّ في معاملة أهل البدع، كالغلو في الأحكام عليهم، أو رميهم بما ليس فيهم، أو ظلمهم والاعتداء عليهم بغير وجه حق، أو في الانتصار بعض أهل السنة للحق الذي عندهم بنوعٍ من الخطأ، أو ببدعة أخرى، أو بباطل آخر، مع مراعاة شروط ذلك: من التأكد من وجود الخطأ، وأن الرد على فاعله أكثر نفعا له أو لغيره، مع لزوم الأدب والرفق، وتخيُّر الألفاظ التي تليق بذلك المقام: فلا مبالغة أو تهويل في التحذير، ولا مجاملة أو تهوين في البيان والتنفير، كل هذا مع مراعاة مكانة المرء المردود عليه، وآثاره في خدمة السنة والعقيدة، والعلم النافع والعمل الصالح.

ومقصدهم من الرد على أهل البدع الإِحسانُ إليهم، برجوعهم إلى الحق، وعدم اتباع الناسِ خطأهم؛ فيَزْدَاد وِزْرهم، لا التشفي والانتقام.

قَالَ شيخ الإسلام –رحمه الله-: قَالَ تَعَالَى: [ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ] {آل عمران:186}.

فَأمر سُبْحَانَهُ بِالصبرِ على أَذَى الْمُشْركين وَأهل الْكتاب مَعَ التَّقْوَى، وَذَلِكَ تَنْبِيه على الصَّبْر على أَذَى الْمُؤمنِينَ بَعضهم لبَعض: متأولين كَانُوا، أَو غير متأولين.

وَقد قَالَ سُبْحَانَهُ: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ] {المائدة:8} فَنهى أَن يَحْمِلَ الْمُؤمنِينَ بُغْضُهم للْكفَّار على أَلا يعدلُوا عَلَيْهِم، فَكيف إِذا كَانَ البغض لفَاسِق أَو مُبْتَدع متأول من أهل الْإِيمَان، فَهُوَ أولى أَن يجب عَلَيْهِ أَلا يَحْمِلهُ ذَلِك على أَلا يَعْدل على مُؤمن وَإِن كَانَ ظَالِما لَهُ، فَهَذَا مَوضِع عَظِيم الْمَنْفَعَة فِي الدّين وَالدُّنْيَا فَإِن الشَّيْطَان مُوكَل ببني آدم، وَهُوَ يَعْرِضُ للْجَمِيع ولا يَسْلم أحد من مثل هَذِه الْأُمُور؛ دَعْ ما سواها من نوع تَقْصِير فِي مَأْمُورٍ، أَو فِعْلِ مَحْظُورٍ بِاجْتِهَادٍ أَو غير اجْتِهَاد، وَإِن كَانَ هُوَ الْحق»([248]).

وقَالَ شيخ الإسلام -رحمه الله- أيضًا، وهو يذكر بعض الفوائد المستنبطة من قوله تعالى: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ] {المائدة:105}: «أَلَّا يَعْتَدِيَ عَلَى أَهْلِ الْمَعَاصِي بِزِيَادَةِ عَلَى الْمَشْرُوعِ فِي بُغْضِهِمْ، أَوْ ذَمِّهِمْ، أَوْ نَهْيِهِمْ، أَوْ هَجْرِهِمْ، أَوْ عُقُوبَتِهِمْ؛ بَلْ يُقَالَ لِمَنْ اعْتَدَى عَلَيْهِمْ: عَلَيْك نَفْسَك؛ لَا يَضُرُّك مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتَ، كَمَا قَالَ: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ] {المائدة:8}.

وَقَالَ: [ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ] {البقرة:190}، وَقَالَ: [ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ] {البقرة:193} فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْآمِرِينَ النَّاهِينَ قَدْ يَتَعَدَ حُدُودَ اللَّهِ، إمَّا بِجَهْلِ وَإِمَّا بِظُلْمِ، وَهَذَا بَابٌ يَجِبُ التَّثَبُّتُ فِيهِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْإِنْكَارُ عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْفَاسِقِينَ وَالْعَاصِينَ».

وقال: «وَلَا سِيَّمَا كَثْرَةُ الْفُضُولِ فِيمَا لَيْسَ بِالْمَرْءِ إلَيْهِ حَاجَةٌ مِنْ أَمْرِ دِينِ غَيْرِهِ وَدُنْيَاهُ، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ التَّكَلُّمُ لِحَسَدِ أَوْ رِئَاسَةٍ.

وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ: فَصَاحِبُهُ إمَّا مُعْتَدٍ ظَالِمٌ، وَإِمَّا سَفِيهٌ عَابِثٌ، وَمَا أَكْثَرُ مَا يُصَوِّرُ الشَّيْطَانُ ذَلِكَ بِصُورَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَيَكُونُ مِنْ بَابِ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ.

فَتَأَمَّلْ الْآيَةَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ أَنْفَعِ الْأَشْيَاءِ لِلْمَرْءِ، وَأَنْتَ إذَا تَأَمَّلْت مَا يَقَعُ مِنْ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ: عُلَمَائِهَا وَعُبَّادِهَا وَأُمَرَائِهَا وَرُؤَسَائِهَا؛ وَجَدْت أَكْثَرَهُ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ، الَّذِي هُوَ الْبَغْيُ بِتَأْوِيلِ أَوْ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ، كَمَا بَغَتْ الْجَهْمِيَّة عَلَى الْمُسْتَنَّةِ فِي مِحْنَةِ الصِّفَاتِ وَالْقُرْآنِ؛ مِحْنَةِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ، وَكَمَا بَغَتْ الرَّافِضَةُ عَلَى الْمُسْتَنَّةِ مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةً وَكَمَا بَغَتْ النَّاصِبَةُ عَلَى عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَكَمَا قَدْ تَبْغِي الْمُشَبِّهَةُ عَلَى الْمُنَزِّهَةِ، وَكَمَا قَدْ يَبْغِي بَعْضُ الْمُسْتَنَّةِ: إمَّا عَلَى بَعْضِهِمْ، وَإِمَّا عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ، بِزِيَادَةِ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَهُوَ الْإِسْرَافُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِمْ: [ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ] {آل عمران:147}. وَبِإِزَاءِ هَذَا الْعُدْوَانِ تَقْصِيرُ آخَرِينَ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الْحَقِّ، أَوْ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ كُلِّهَا، فَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَا أَمَرَ اللَّهُ بِأَمْرِ إلَّا اعْتَرَضَ الشَّيْطَانُ فِيهِ بِأَمْرَيْنِ – لَا يُبَالِي بِأَيِّهِمَا ظَفَرَ -: غُلُوٍّ، أَوْ تَقْصِيرٍ؛ فَالْمُعِينُ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ بِإِزَائِهِ تَارِكُ الْإِعَانَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَفَاعِلُ الْمَأْمُورِ بِهِ وَزِيَادَةٍ مَنْهِيٍّ عَنْهَا بِإِزَائِهِ تَارِكُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَبَعْضِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَاَللَّهُ يَهْدِينَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ». اهـ([249]).

وقَالَ شيخ الإسلام – رحمه الله -: «وَمَنْ لَمْ يَعْدِلْ فِي خُصُومِهِ وَمُنَازَعِيهِ، وَيَعْذُرْهُمْ بِالْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ، بَلْ ابْتَدَعَ بِدْعَةً، وَعَادَى مَنْ خَالَفَهُ فِيهَا، أَوْ كَفَّرَهُ؛ فَإِنَّهُ هُوَ ظَلَمَ نَفْسَهُ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ، وَيَرْحَمُونَ الْخَلْقَ؛ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ فَلَا يَبْتَدِعُونَ، وَمَنْ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ خَطَأً يَعْذُرُهُ فِيهِ الرَّسُولُ؛ عَذَرُوهُ، وَأَهْلُ الْبِدَعِ مِثْلُ الْخَوَارِجِ يَبْتَدِعُونَ بِدْعَةً، وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ، وَيَسْتَحِلُّونَ دَمَهُ، وَهَؤُلَاءِ كُلٌّ مِنْهُمْ يَرُدُّ بِدْعَةَ الْآخَرِينَ، وَلَكِنْ هُوَ أَيْضًا مُبْتَدِعٌ، فَيَرُدُّ بِدْعَةً بِبِدْعَةِ، وَبَاطِلًا بِبَاطِلِ، وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْكَلَامَ بِعِلْمِ وَعَدْلٍ، وَيَكْرَهُ الْكَلَامَ بِجَهْلِ وَظُلْمٍ، وَقَدْ حَرَّمَ -سُبْحَانَهُ- الْكَلَامَ بِلَا عِلْمٍ مُطْلَقًا، وَخَصَّ الْقَوْلَ عَلَيْهِ بِلَا عِلْمٍ بِالنَّهْيِ، فَقَالَ تَعَالَى: [ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ] {الإسراء:36}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ] {الأعراف:33}، وَأَمَرَ بِالْعَدْلِ عَلَى أَعْدَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: [ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ] {المائدة:8}»([250]).

وقَالَ شيخ الإسلام -رحمه الله- أيضاً: «وَهَكَذَا الرَّادُّ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ مِنَ الرَّافِضَةِ وَغَيْرِهِمْ: إِنْ لَمْ يَقْصِدْ فِيهِ بَيَانَ الْحَقِّ وَهُدَى الْخَلْقِ وَرَحْمَتَهُمْ وَالْإِحْسَانَ إِلَيْهِمْ؛ لَمْ يَكُنْ عَمَلُهُ صَالِحًا، وَإِذَا غَلَّظَ فِي ذَمِّ بِدْعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ؛ كَانَ قَصْدُهُ بَيَانَ مَا فِيهَا مِنَ الْفَسَادِ؛ لِيَحْذَرَهَا الْعِبَادُ، كَمَا فِي نُصُوصِ الْوَعِيدِ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ يُهْجَرُ الرَّجُلُ عُقُوبَةً وَتَعْزِيرًا، وَالْمَقْصُودُ بِذَلِكَ رَدْعُهُ وَرَدْعُ أَمْثَالِهِ، لِلرَّحْمَةِ وَالْإِحْسَانِ، لَا لِلتَّشَفِّي وَالِانْتِقَامِ.

كَمَا هَجَرَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَصْحَابَهُ الثَّلَاثَةَ الَّذِي خُلِّفُوا، لَمَّا جَاءَ الْمُتَخَلِّفُونَ عَنِ الْغُزَاةِ يَعْتَذِرُونَ، وَيَحْلِفُونَ، وَكَانُوا يَكْذِبُونَ، وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ صَدَقُوا، وَعُوقِبُوا بِالْهَجْرِ، ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِبَرَكَةِ الصِّدْق.

وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الذَّنْبَ لَا يُوجِبُ كُفْرَ صَاحِبِهِ، كَمَا تَقُولُهُ الْخَوَارِجُ، بَلْ وَلَا تَخْلِيدَهُ فِي النَّارِ، وَمَنْعَ الشَّفَاعَةِ فِيهِ، كَمَا يَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ.

الثَّانِي: أَنَّ الْمُتَأَوِّلَ الَّذِي قَصْدُهُ مُتَابَعَةُ الرَّسُولِ لَا يَكْفُرُ، بَلْ وَلَا يَفْسُقُ إِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ، وَهَذَا مَشْهُورٌ عِنْدَ النَّاسِ فِي الْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ، وَأَمَّا مَسَائِلُ الْعَقَائِدِ فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ كَفَّرَ الْمُخْطِئِينَ فِيهَا، وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يُعَرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْأَصْلِ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْبِدَعِ، الَّذِينَ يَبْتَدِعُونَ بِدْعَةً وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ، كَالْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، وَوَقَعَ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ، كَبَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ يَسْلُكُونَ فِي التَّكْفِيرِ ذَلِكَ: فَمِنْهُمْ مَنْ يُكَفِّرُ أَهْلَ الْبِدَعِ مُطْلَقًا، ثُمَّ يَجْعَلُ كُلَّ مَنْ خَرَجَ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَهَذَا بِعَيْنِهِ قَوْلُ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ الْجَهْمِيَّةِ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا يُوجَدُ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَيْسَ هُوَ قَوْلَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ، وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ كَفَّرَ كُلَّ مُبْتَدِعٍ، بَلِ الْمَنْقُولَاتُ الصَّرِيحَةُ عَنْهُمْ تُنَاقِضُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ قَدْ يُنْقَلُ عَنْ أَحَدِهِمْ أَنَّهُ كَفَّرَ مَنْ قَالَ بَعْضَ الْأَقْوَالِ، وَيَكُونُ مَقْصُودُهُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ كُفْرٌ لِيُحَذِّرَ، وَلَا يَلْزَمُ إِذَا كَانَ الْقَوْلُ كُفْرًا أَنْ يَكَفِّرَ كُلَّ مَنْ قَالَهُ مَعَ الْجَهْلِ وَالتَّأْوِيلِ؛ فَإِنَّ ثُبُوتَ الْكُفْرِ فِي حَقِّ الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ، كَثُبُوتِ الْوَعِيدِ فِي الْآخِرَةِ فِي حَقِّهِ، وَذَلِكَ لَهُ شُرُوطٌ وَمَوَانِعُ، كَمَا بَسَطْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ.

وَإِذَا لَمْ يَكُونُوا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كُفَّارًا؛ لَمْ يَكُونُوا مُنَافِقِينَ؛ فَيَكُونُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَيُسْتَغْفَرُ لَهُمْ، وَيُتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ، وَإِذَا قَالَ الْمُؤْمِنُ: [ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ] {الحشر:10}، يَقْصِدُ كُلَّ مَنْ سَبَقَهُ مِنْ قُرُونِ الْأُمَّةِ بِالْإِيمَانِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخْطَأَ فِي تَأْوِيلٍ تَأَوَّلَهُ، فَخَالَفَ السُّنَّةَ، أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَإِنَّهُ مِنْ إِخْوَانِهِ الَّذِينَ سَبَقُوهُ بِالْإِيمَانِ، فَيَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّنْتَيْنِ وَالسَبْعِينَ فِرْقَةً؛ فَإِنَّهُ مَا مِنْ فِرْقَةٍ إِلَّا وَفِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ لَيْسُوا كُفَّارًا، بَلْ مُؤْمِنِينَ فِيهِمْ ضَلَالٌ وَذَنْبٌ يَسْتَحِقُّونَ بِهِ الْوَعِيدَ، كَمَا يَسْتَحِقُّهُ عُصَاةَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالنَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- لَمْ يُخْرِجْهُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ، بَلْ جَعَلَهُمْ مِنْ أُمَّتِهِ، وَلَمْ يَقُلْ: إِنَّهُمْ يَخْلُدُونَ فِي النَّارِ، فَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ يَنْبَغِي مُرَاعَاتُهُ: فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ فِيهِمْ بِدْعَةٌ، مِنْ جِنْسِ بِدَعِ الرَّافِضَةِ وَالْخَوَارِجِ. وَأَصْحَابُ الرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم- عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرُهُ لَمْ يُكَفِّرُوا الْخَوَارِجَ الَّذِينَ قَاتَلُوهُمْ، بَلْ أَوَّلُ مَا خَرَجُوا عَلَيْهِ، وَتَحَيَّزُوا بِحَرُورَاءَ، وَخَرَجُوا عَنِ الطَّاعَةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ قَالَ لَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: إِنَّ لَكُمْ عَلَيْنَا أَنْ لَا نَمْنَعَكُمْ مَسَاجِدَنَا، وَلَا حَقَّكُمْ مِنَ الْفَيْءِ،. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَنَاظَرَهُمْ، فَرَجَعَ نَحْوُ نِصْفِهِمْ، ثُمَّ قَاتَلَ الْبَاقِيَ وَغَلَبَهُمْ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَسْبِ لَهُمْ ذُرِّيَّةً، وَلَا غَنِمَ لَهُمْ مَالًا، وَلَا سَارَ فِيهِمْ سِيرَةَ الصَّحَابَةِ فِي الْمُرْتَدِّينَ، كَمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ وَأَمْثَالِهِ، بَلْ كَانَتْ سِيرَةُ عَلِيٍّ وَالصَّحَابَةِ فِي الْخَوَارِجِ مُخَالِفَةً لِسِيرَةِ الصَّحَابَةِ فِي أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ عَلَى عَلِيٍّ ذَلِكَ، فَعُلِمَ اتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُرْتَدِّينَ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ.

قَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ: «وَقَدْ وَلِيَ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قِتَالَ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَرَوَى عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِيهِمْ مَا رَوَى، وَسَمَّاهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَحَكَمَ فِيهِمْ بِأَحْكَامِ الْمُؤْمِنِينَ. وَكَذَلِكَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ»([251]).

وذكر الحافظ الذهبي -رحمه الله- في «النبلاء»([252]) يحيى بن عمار السجستاني، وقال: «وكان مُتَحرِّقًا على المبتدعة والجهمية، بحيث يَؤُولُ به ذلك إلى تجاوُزِ طريقة السلف، وقد جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شيءٍ قدْرا» اهـ

ولذلك قال القرافي -رحمه الله- في «الفروق»([253]): «أربابُ البِدَعِ والتصانيف المُضِلَّة ينبغي أن يُنْشَر للناس فسادُها وعَيْبُها، وأنهم على غير الصواب؛ لِيَحْذَرها الناسُ الضعفاءُ، فلا يَقَعُوا فيها، ويُنَفَّروا عن تلك المفاسد ما أَمْكَن، بِشَرْط ألاّ يُتَعَدَّى فيها الصِّدْق، ولا يُفْتَرى على أهلها الفواحشُ ما لم يَفْعَلُوه، بل يُقْتَصَر على ما فيهم من المنفِّرات خاصَّةً، فلا يُقال على المبتدع: إنه يَشْرَبُ الخمر، ولا أنه يَزْني، ولا غير ذلك مما ليس فيه» اهـ.([254])

وقَالَ سماحة العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمه الله- في جوابه عن سؤال فيمن أَلَّف كتابا ينقد فيه الحافظَ ابن حجر -رحمه الله-: «الحافظُ ابنُ حجر -رحمه الله- وغيره من أهل العلم ليس معصوما عن الخطأ، ولم يُعْصَم أي واحد منهم، ولقد كَتَبْتُ على «الفتح» بعض الشيء، من أوله إلى كتاب الحج، ولاحَظْتُ عليه بعضَ الشيء، مِنْ أَوَّلِهِ إلى كتاب الحج، ولاحَظْتُ عليه بعض الملاحظات -رحمه الله-.

فالمقصود: أنه ليس معصوما، ولم يُعْصَم من هو أكبر منه، فإذا ظهر الحق؛ فالحق هو ضالة المؤمن، فإذا قام الدليل على مسألة من المسائل؛ وجب الأخْذُ بما قام عليه الدليل من كتاب الله، أو سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وإن خالف إماما كبيرا؛ فالحق أكبر من الحافظ ابن حجر، بل وإن خالف بعض الصحابة، فالله يقول: [ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ] {النساء:59}، ولم يَقُلْ سبحانه: رُدُّوه إلى فلان أو فلان، بل قَالَ: [ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ] {النساء:59}، وقَالَ -سبحانه-: [ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ] {الشورى:10} لكن لا بد من التثبتِ، واحترامِ أهل العلم، والتأدبِ معهم، فإذا وجد المرء قولًا ضعيفًا عن أحد الأئمة، أو العلماء، أو المحدثين المُعْتَبَرِين؛ فإنَّ ذلك لا يَنْقُص من قَدْرهم، وعليه أن يحترم أهلَ العلم، والتأدبُ معهم، ويتكلم بالكلام الطيب، ولا يَسُبَّهُم ولا يَحْتَقِرَهُم، ولكن يبين الحق بالدليل مع دعائه للعالم، والترحم عليه، وسؤال الله أن يَعْفُوَ عنه.

هكذا يجب أن تكون أخلاق أهل العلم مع أهل العلم: يُقَدِّرون أهلَ العلم لمكانتهم، ويَعْرِفون لهم قَدْرَهم ومحلَّهم وفضلَهم، ولكن لا يمنعهم هذا من أن يُنَبِّهوا على الخطأ إذا وجدوا خطأ ظاهرا، سواء كان من العلماء المتقدمين أو المتأخرين، ولم يَزَلْ أهلُ العلم يَرُدُّ بعضهم على بعض إلى يومنا هذا، وإلى يوم القيامة، يقول الإمام مالك -رحمه الله-: ما منا إلا رَادٌّ ومردودٌ عليه، إلا صاحب هذا القبر.. يعني رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وقَالَ الإمام الشافعي -رحمه الله-: «أَجْمَعَ الناسُ على أن من اسْتَبانَتْ له سنةُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لم يَكُنْ له أن يَدَعَها لقول أحد من الناس».

وقَالَ الإمام أحمد -رحمه الله-: «عَجِبْتُ لقوم عَرَفُوا الإسنادَ وصِحَّتَهُ -يعني عن النبي -صلى الله عليه وسلم- يذهبون إلى رَأْيِ سفيان
-يعني الثوريَّ- وسفيانُ -رحمه الله-: إمامٌ عظيمٌ.. ومع هذا أَنْكَر أحمدُ على من يترك الحديث، ويذهب إلى رأيه، ثم قرأ الإمام أحمد -رحمه الله- قول الله تعالى: [ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ] {النور:63}» وقَالَ الإمام أبو حنيفة -رحمه الله-: «إذا جاء الحديثُ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فَعَلَى العَيْن والرأْسِ، وإذا جاء عن الصحابة -رضي الله عنهم-؛ فَعَلَى العَيْن والرأْسِ، وإذا جاء عن التابعين؛ فنحن رِجَال وهُمْ رِجَال». وكلام أهل العلم في هذا الباب كثير.. وبالله التوفيق»([255]).

* * *

الأربعون:

  • أهلُ السنة يُخَطِّئون من خالفهم، ولا يُكَفِّرون كلَّ مخالفٍ لهم -إذا لم يكُن بمخالفته كافرا، وإن كان المخالف يُكفرِّهم- كأهل البدع:

قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فِي رده على ابْن الْبكْرِيّ: «فَلهَذَا كَانَ أهل الْعلم وَالسّنة لَا يُكَفِّرون من خالفهم، وَإِن كَانَ ذَلِك الْمُخَالف يُكَفِّرهم؛ لِأَن الْكُفْر حُكْم شَرْعِي، فَلَيْسَ للإنسان أَن يُعَاقب بِمثلِهِ، كمن كَذَبَ عَلَيْك، وزَنَى بأهلك؛ لَيْسَ لَك أَن تَكْذِب عَلَيْهِ، وتَزْنِي بأَهْله؛ لِأَن الزِّنَا وَالْكذب حرَام لِحَقِّ الله تَعَالَى، وَكَذَلِكَ التَّكْفِير حق لله تَعَالَى، فَلَا يُكَفَّر إِلَّا من كَفَّره الله وَرَسُوله»([256]).

وقَالَ أيضًا -رحمه الله-: «مِنْ عُيُوبِ أَهْلِ الْبِدَعِ: تَكْفِيرُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَمِنْ مَمَادِحِ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّهُمْ يُخَطِّئُونَ وَلَا يُكَفِّرُونَ.، وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ أَحَدَهُمْ قَدْ يَظُنُّ مَا لَيْسَ بِكَفْرٍ كُفْرًا، وَقَدْ يَكُونُ كُفْرًا؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ تَكْذِيبٌ لِلرَّسُولِ، وَسَبٌّ لِلْخَالِقِ، وَالْآخَرُ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ ذَلِكَ، فَلَا يَلْزَمُ إِذَا كَانَ هَذَا الْعَالِمُ بِحَالِهِ يَكْفِّرُ إِذَا قَالَهُ؛ أَنْ يَكْفِّرَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِحَالِهِ»([257]).

* * *

الحادي والأربعون:

  • مراعاةُ أهل السنة في ردودهم على المخالف أَدَبَ الخلاف:
أولاً: تعريف الخلاف:

قَالَ المناوي -رحمه الله-: «الخلاف: منازعةٌ تَجْري بين المتعارِضَيْن؛ لتحقيق جوازِ إبْطَالِ باطلٍ، ذَكَرَهُ ابن الكمال، وقَالَ الراغب: الخلاف والاختلاف والمخالفة: أن يأخذ كل واحد طريقا غير طريق الأول في فِعْلِهِ أو حاله»([258]).

والخلاف منه ما هو سائغ يُعْذَر المجتهد فيه، ومنه ما هو غير سائغ، قَالَ الإمام الشاطبي -رحمه الله-: «وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ النُّظَّارِ: أَنَّ النَّظَرِيَّاتِ لَا يُمْكِنُ الِاتِّفَاقُ فِيهَا عَادَةً، فَالظَّنِّيَّاتُ عَرِيقَةٌ فِي إِمْكَانِ الِاخْتِلَافِ، لَكِنْ فِي الْفُرُوعِ دُونَ الْأُصُولِ، وَفِي الْجُزْئِيَّاتِ دُونَ الْكُلِّيَّاتِ؛ فَلِذَلِكَ لَا يَضُرُّ هَذَا الِاخْتِلَافُ».([259])

وقد بَيَّنَ الأئمة -رحمهم الله- أن الخلاف السائغ لا يكون في المسائل التي انْعَقَد الإجماعُ فيها، كعُلُوِّ الله -عز وجل- وكلامِهِ -جَلَّ وعلا- فإنْ وَقَع خلافٌ من مُجتهد في مثل هذا؛ فهو اجتهادٌ يُعْذَر فيه -من جهة عدم المبادرة بتكفيره وتفسيقه وعقوبته قبل إقامة الحجة الشرعية- لكننا لا نُسَوِّغه له.

قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «وُقُوع الْغَلَط فِي مثل هَذَا – يعني عُلُوَّ الله -تبارك وتعالى- على خَلْقِهِ – يُوجب مَا نقُوله دَائِما: إِنَّ الْمُجْتَهد فِي مثل هَذَا من الْمُؤمنِينَ إِن اسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ فِي طَلَبِ الْحق؛ فَإِن الله يغْفر لَهُ خطأه، وَإِن حَصَلَ مِنْهُ نوعُ تَقْصِير؛ فَهُوَ ذَنْب؛ لَا يَجِبُ أن يَبْلُغَ الْكفْر، وَإِن كَانَ يُطْلَقُ القَوْلُ بِأَن هَذَا الْكَلَام كُفْر، كَمَا أَطْلَقَ السّلفُ الْكفْر على من قَالَ بِبَعْض مقَالَات الْجَهْمِية؛ مثل القَوْل بِخَلْق الْقُرْآن، أَو إِنْكَار الرُّؤْيَة، أَو نَحْو ذَلِك مِمَّا هُوَ دون إِنْكَار عُلُوِّ الله على الْخلق، وَأَنه فَوق الْعَرْش؛ فَإِن تَكْفِير صَاحب هَذِه الْمقَالَة كَانَ عِنْدهم من أظهر الْأُمُور؛ فَإِنَّ التَّكْفِيرَ الْمُطلقَ مثلُ الْوَعيد الْمُطْلَق، لَا يسْتَلْزم تَكْفِيرَ الشَّخْصِ الْمعَيَّنِ حَتَّى تقوم عَلَيْهِ الْحجَّة الَّتِي تُكَفِّر تاركَها»([260]).

وقَالَ أيضًا -رحمه الله-: «نَعَمْ، مَنْ خَالَفَ الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ، وَالسُّنَّةَ الْمُسْتَفِيضَةَ، أَوْ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ، خِلَافًا لَا يُعْذَرُ فِيهِ؛ فَهَذَا يُعَامَلُ بِمَا يُعَامَلُ بِهِ أَهْلُ الْبِدَعِ»([261]).

وقَالَ الحافظ الذهبي -رحمه الله-: «مَا زَالَ العُلَمَاءُ يَخْتلِفُوْنَ، وَيَتَكَلَّم العَالِمُ فِي العَالِم باجْتِهَاده، وَكُلٌّ مِنْهُم معذور مَأْجُور، وَمَنْ عَاند، أَوْ خَرَقَ الإِجْمَاعَ؛ فَهُوَ مَأْزور، وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُوْر»([262]).

وقَالَ الإمام المُجَدِّد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-: «ثم اعلموا -وفقكم الله- إن كانت المسألةُ إجماعاً؛ فلا نزاع، وإن كانت مسائِلَ اجتهادٍ؛ فمَعْلوم لكم أنه لا إِنْكَارَ في من يَسْلُكُ الاجتهاد»([263]).

أما المجتهد الذي استفرغ وُسْعَه في طلب الحق، ثم أخطأ؛ فمغفورٌ له خَطَؤُه، سواء كان في المسائل العلمية أو العملية:

قَالَ شيخ الإسلام -رحمه الله-: «فَمَنْ كَانَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مُجْتَهِدًا فِي طَلَبِ الْحَقِّ، وَأَخْطَأَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ خَطَأَهُ كَائِنًا مَا كَانَ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسَائِلِ النَّظَرِيَّةِ أَوْ الْعَمَلِيَّةِ، هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-. وَجَمَاهِيرُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ»([264]).

وقَالَ أيضًا -رحمه الله-: «وَالْخَطَأُ الْمَغْفُورُ فِي الِاجْتِهَادِ هُوَ فِي نَوْعَيْ الْمَسَائِلِ الْخَبَرِيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ([265])، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَمَنْ اعْتَقَدَ ثُبُوتَ شَيْءٍ لِدَلَالَةِ آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ، وَكَانَ لِذَلِكَ مَا يُعَارِضُهُ وَيُبَيِّنُ الْمُرَادَ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ، مِثْلَ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الذَّبِيحَ إسْحَاقُ؛ لِحَدِيثِ اعْتَقَدَ ثُبُوتَهُ، أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى؛ لِقَوْلِهِ: [ﭥ ﭦ ﭧ ] {الأنعام:103}، وَلِقَوْلِهِ: [ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ] {الشورى:51}، كَمَا احْتَجَّتْ عَائِشَةُ بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ عَلَى انْتِفَاءِ الرُّؤْيَةِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَإِنَّمَا يَدُلَّانِ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ، كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ: أَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى، وَفَسَّرُوا قَوْلَهُ: [ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ] {القيامة:22، 23} بِأَنَّهَا تَنْتَظِرُ ثَوَابَ رَبِّهَا، كَمَا نُقِلَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَأَبِي صَالِحٍ([266])، أَوْ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْمَيِّتَ لَا يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ قَوْلَهُ: [ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ] {الأنعام:164} يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؛ وَأَنَّ ذَلِكَ يُقَدَّمُ عَلَى رِوَايَةِ الرَّاوِي؛ لِأَنَّ السَّمْعَ يَغْلَطُ، كَمَا اعْتَقَدَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَسْمَعُ خِطَابَ الْحَيِّ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ قَوْلَهُ: [ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ] {الروم:52} يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْجَبُ، كَمَا اعْتَقَدَ ذَلِكَ شُرَيْح؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْعَجَبَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ جَهْلِ السَّبَبِ، وَاَللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ الْجَهْلِ، أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ عَلِيًّا أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ؛ لِاعْتِقَادِهِ صِحَّةَ حَدِيثِ الطَّيْرِ؛ وَأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «اللَّهُمَّ ائْتِنِي بِأَحَبِّ الْخَلْقِ إلَيْك؛ يَأْكُلُ مَعِي مِنْ هَذَا الطَّائِرِ»([267]) أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ مَنْ جَسَّ لِلْعَدُوِّ، وَأَعْلَمَهُمْ بِغَزْوِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-فَهُوَ مُنَافِقٌ: كَمَا اعْتَقَدَ ذَلِكَ عُمَرُ فِي حَاطِبٍ، وَقَالَ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ مَنْ غَضِبَ لِبَعْضِ الْمُنَافِقِينَ غَضْبَةً؛ فَهُوَ مُنَافِقٌ؛ كَمَا اعْتَقَدَ ذَلِكَ أُسَيْد بْنُ حُضَيْر فِي سَعْدِ بْنِ عُبادة، وَقَالَ: إنَّك مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ، أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ بَعْضَ الْكَلِمَاتِ أَوْ الْآيَاتِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ بِالنَّقْلِ الثَّابِتِ، كَمَا نُقِلَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا أَلْفَاظًا مِنْ الْقُرْآنِ كَإِنْكَارِ بَعْضِهِمْ: [ﮗ ﮘ ] {الإسراء:23}، وَقَالَ: إنَّمَا هِيَ «وَوَصَّى رَبُّك». وَإِنْكَارِ بَعْضِهِمْ قَوْلَهُ: [ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ] {آل عمران:81} وَقَالَ: إنَّمَا هُوَ «مِيثَاقَ بَنِي إسْرَائِيلَ»، وَكَذَلِكَ هِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، وَإِنْكَارِ بَعْضِهِمْ [ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ] {الرعد:31}، إنَّمَا هِيَ «أَوَلَمْ يَتَبَيَّنْ الَّذِينَ آمَنُوا»، وَكَمَا أَنْكَرَ عُمَرُ عَلَى هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ لَمَّا رَآهُ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأَهَا، وَكَمَا أَنْكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ عَلَى بَعْضِ الْقُرَّاءِ بِحُرُوفِ لَمْ يَعْرِفُوهَا، حَتَّى جَمَعَهُمْ عُثْمَانُ عَلَى الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ، وَكَمَا أَنْكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّ اللَّهَ يُرِيدُ الْمَعَاصِيَ؛ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ ذَلِكَ وَيَرْضَاهُ وَيَأْمُرُ بِهِ، وَأَنْكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّ اللَّهَ يُرِيدُ الْمَعَاصِيَ؛ لِكَوْنِهِمْ ظَنُّوا أَنَّ الْإِرَادَةَ لَا تَكُونُ إلَّا بِمَعْنَى الْمَشِيئَةِ لِخَلْقِهَا، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ؛ وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَالْقُرْآنُ قَدْ جَاءَ بِلَفْظِ الْإِرَادَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى وَبِهَذَا الْمَعْنَى، لَكِنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ عَرَفَتْ أَحَدَ الْمَعْنَيَيْنِ، وَأَنْكَرَتْ الْآخَرَ، وَكَاَلَّذِي قَالَ لِأَهْلِهِ: «إذَا أَنَا مُتّ؛ فَأَحْرِقُونِي،: ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الْيَمِّ؛ فَوَاَللَّهِ، لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ؛ لَيُعَذِّبَنِي عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ». وَكَمَا قَدْ ذَكَرَهُ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ فِي قَوْلِهِ: [ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ] {البلد:5}، وَفِي قَوْلِ الْحَوَارِيِّينَ: [ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ] {المائدة:112} وَكَالصَّحَابَةِ الَّذِينَ سَأَلُوا النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-: هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَلَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ، وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ؛ إمَّا لِأَنَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُ الْأَحَادِيثُ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ كَذِبٌ وَغَلَطٌ»([268]).

أما الآداب التي ينبغي على علماء المسلمين وطلاب العلم من المسلمين وعامَّتِهم مراعاتُها عند الخلاف، والقيامُ بحق المخالف فيها:

1-إحسانُ الظنِّ بالعلماء المخالفين: وأن لا يُعْتَقَد أنهم تَعَمَّدُوا تَرْكَ الحق الذي بانَ لهم -وقد يكون مُعْتَقِدُ ذلك هو المخطئ في أصل الخلاف-، وعليه؛ فلا يَعْتَقِدُ هَلَكَتَهُم في خلافهم له، بل يَلْتَمِسُ لهم العذر في ذلك، فقد قَالَ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ، فَاجْتَهَدَ، فَأَصَابَ؛ فَلَهُ أَجْرَانِ، وإذا حَكَمَ، فَاجْتَهَدَ، فَأَخْطَأَ؛ فَلَهُ أَجْرٌ»([269]) متفق عليه.

وقَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «وَكَثِيرٌ مِنْ مُجْتَهِدِي السَّلَفِ وَالْخَلَفِ قَدْ قَالَوا وَفَعَلُوا مَا هُوَ بِدْعَةٌ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ بِدْعَةٌ: إمَّا لِأَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ ظَنُّوهَا صَحِيحَةً، وَإِمَّا لِآيَاتٍ فَهِمُوا مِنْهَا مَا لَمْ يُرَدْ مِنْهَا، وَإِمَّا لِرَأْيٍ رَأَوْهُ وَفِي الْمَسْأَلَةِ نُصُوصٌ لَمْ تَبْلُغْهُمْ، وَإِذَا اتَّقَى الرَّجُلُ رَبَّهُ مَا اسْتَطَاعَ؛ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ] {البقرة:286}، وَفِي «الصَّحِيحِ» أَنَّ اللَّهَ قَالَ: «قَدْ فَعَلْتُ»([270]).

ومنه قول علي -رضي الله عنه- لعمر بن طلحة بن عبيد الله، وكان بينه وبين طلحة خلاف يوم الجمل: «إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك في الذين قَالَ الله -عز وجل- فيهم: [ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ] {الحجر:47}»([271])

وقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: «مَا بَرِحَ الْمُسْتَفْتُونَ يُسْتَفْتَوْنَ، فَيُحِلُّ هَذَا وَيُحَرِّمُ هَذَا، فَلَا يَرَى الْمُحَرِّمُ أَنَّ الْمُحَلِّلَ هَلَكَ لِتَحْلِيلِهِ، وَلَا يَرَى الْمُحَلِّلُ أَنَّ الْمُحَرِّمَ هَلَكَ لِتَحْرِيمِهِ»([272]).

وقَالَ الحافظ الذهبي -رحمه الله- في ترجمة قتادة بن دعامة السدوسي: «قَالَ: وَكَانَ يَرَى القَدَرَ – نَسْأَلُ اللهَ العَفْوَ -.

وَمعَ هَذَا، فَمَا تَوقَّفَ أَحَدٌ فِي صِدقِه، وَعَدَالَتِه، وَحِفظِه، وَلَعَلَّ اللهَ يَعْذُرُ أَمْثَالَه مِمَّنْ تَلبَّسَ بِبدعَةٍ، يُرِيْدُ بِهَا تَعْظِيْمَ البَارِي وَتَنزِيهَه، وَبَذَلَ وُسْعَهُ، وَاللهُ حَكَمٌ عَدلٌ لَطِيْفٌ بِعِبَادِه، وَلاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ.

ثُمَّ إِنَّ الكَبِيْرَ مِنْ أَئِمَّةِ العِلْمِ إِذَا كَثُرَ صَوَابُه، وَعُلِمَ تَحَرِّيهِ لِلْحقِّ، وَاتَّسَعَ عِلْمُه، وَظَهَرَ ذَكَاؤُهُ، وَعُرِفَ صَلاَحُه وَوَرَعُه وَاتِّبَاعُه؛ يُغْفَرُ لَهُ زَلَلُهُ، وَلاَ نُضِلِّلُهُ، وَنَطْرَحُهُ، وَنَنْسَى مَحَاسِنَه، نَعَم، وَلاَ نَقتَدِي بِهِ فِي بِدعَتِه وَخَطَئِه، وَنَرجُو لَهُ التَّوبَةَ مِنْ ذَلِكَ»([273]).

2- إحسانُ الكلام في النُّصْح أو الردّ وقولُ التي هي أَحْسَنُ، قَالَ تعالى: [ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ] {الإسراء:53}، وقَالَ تعالى: [ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ] {النساء:5}.

3- معرفةُ نوعِ المسألةِ المختلَفِ فيها، وتحريرُ مَحَلِّ النزاع؛ لأنه كثيرًا ما يكون الخلافُ خِلَافَ تَنَوُّعٍ لا تَضَادٍّ، وإنما الذي أوجب التنازُعَ هو عَدَمُ تحرير محلِّ النزاع.

4- أن تَجْعَلَ قَوْلَكَ مُحْتَمِلًا للتَّرْكِ، وقولَ خَصْمِك محتمِلًا للقبول، ما لم تكن المسألة من مسائل الإجماع والقَطْعِ عند أهل العلم.

5- إطِّراحُ التعصُّب المذموم، وهو أن لا ترجع إلى الحق بعد وضوحه، وأن تَحْمِلَ خَصْمَك على قولك قَسْرًا.([274])

6- أن لا يؤدي الخلافُ إلى جَفْوَةٍ وفتنة بين المختلِفَيْن ما دام الجميع يبحث عن الحق، ولا ينتصر لهواه ومذهبه، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام: «كانوا يتناظرون في المسائل العلمية والعملية مع بقاء الأُلفة والعِصْمة وأُخوَّةِ الدين، ولو كان كُلَّما اخْتَلَفَ مسلمانِ في شيء تهاجَرا؛ لم يَبْقَ بين المسلمين عِصْمَة ولا أُخُوَّة»([275]).

ويقول -رحمه الله-: «فلا يكون فتنةٌ وفُرقةٌ مع وجود الاجتهاد السائغ»([276]).

ويقول يونس الصدفي -رحمه الله-: «ما رأيتُ أَعْقَل من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألة، ثم افترقنا، ولقيتُهُ، فَأَخَذَ بيدي، ثم قَالَ: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخواناً، وإن لم نَتِفَّقْ في مسألة»؟

قَالَ الذهبي -رحمه الله-: «هذا يَدُلُّ على كمال عَقْل هذا الإمامِ، وفِقْهِ نَفْسِه؛ فما زال النظراءُ يختلفون»([277]).

وقَالَ محمد بن أحمد الفنجار: «كان لابن سلام مصنفاتٌ في كُلِّ بابٍ من العلم، وكان بينه وبين أبي حفص أحمد بن حفص الفقيه مَوَدَّةٌ وأُخُوَّةٌ مع تخالفهما في المذهب»([278]).

والتخالف في المذهب سَبَبُهُ أن محمد بن سلام البيكندي كان على طريقة أهل الحديث، أما أبو حفص أحمد بن حفص([279]) فكان حنفياً على طريقة أهل الرأي.

7- أن لا يُنْكِرَ على المجتهد في اجتهاده وعمله بهذا الاجتهاد، ولا يَمْنَعُ هذا من إقامة الحجة عليه، أو المحاورة معه للخروج من الخلاف، والوصول إلى الحق، بل هو الأَوْلَى؛ إذ مازال السلف يَرُدُّ بعضُهم على بعض في مسائل الفقه والفروع من المعتقد، وهذا من النصيحة للمسلمين.

وقد نُقِلَ عن كثيرٍ من السلف -رحمهم الله- عَدَمُ الإنكار في مسائل الخلاف إذا كان للاجتهاد فيها مساغ:

يقول سفيان الثوري -رحمه الله-: إذا رأيتَ الرجل يَعْمَلَ العَمَل الذي اخْتُلِفَ فيه، وأنت ترى غيره؛ فلا تَنْهَهُ»([280]).

ورَوَى عنه الخطيبُ -رحمه الله- أيضاً أنه قَالَ: «مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ؛ فَلَا أَنْهَى أَحَدًا مِنْ إِخْوَانِي أَنْ يَأْخُذَ بِهِ»([281]).

ويقول أحمد -رحمه الله- فيما يرويه عنه ابن مفلح: «لا ينبغي للفقيه أن يَحْمِل الناس على مذهب، ولا يُشَدِّد عليهم».

ويقول ابن مفلح -رحمه الله-: «لا إنكار على من اجتهد فيما يَسُوغُ منه خلافٌ في الفروع»([282]).

وقَالَ النووي -رحمه الله-: «ليس للمفتي ولا للقاضي أن يَعْتَرِض على من خالفه؛ إذا لم يخالفْ نصًّا، أو إجماعاً، أو قياساً جليًّا»([283]).

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «مسائل الاجتهاد مَنْ عَمِلَ فيها بقول بعض العلماء؛ لم يُنْكَر عليه، ولم يُهْجَر، ومن عمل بأحد القولين؛ لم يُنْكَر عليه»([284]).

وَسُئِلَ – رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَمَّنْ وَلِيَ أَمْرًا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَذْهَبُهُ: لَا يُجَوِّزُ «شَرِكَةَ الْأَبْدَانِ»([285]) فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ مَنْعُ النَّاسِ؟.

فَأَجَابَ -رحمه الله-:

لَيْسَ لَهُ مَنْعُ النَّاسِ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ، وَلَا مِنْ نَظَائِرِهِ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ، وَلَيْسَ مَعَهُ بِالْمَنْعِ نَصٌّ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إجْمَاعٍ، وَلَا مَا هُوَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ؛ لَا سِيَّمَا وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ مِثْلِ ذَلِكَ، وَهُوَ مِمَّا يَعْمَلُ بِهِ عَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ فِي عَامَّةِ الْأَمْصَارِ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْحَاكِمَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ حُكْمَ غَيْرِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَلَا لِلْعَالِمِ وَالْمُفْتِي أَنْ يُلْزِمَ النَّاسَ بِاتِّبَاعِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ؛ وَلِهَذَا لَمَّا اسْتَشَارَ الرَّشِيدُ مَالِكًا أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى «مُوَطَّئِهِ» فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ؛ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: إنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- تَفَرَّقُوا فِي الْأَمْصَارِ، وَقَدْ أَخَذَ كُلُّ قَوْمٍ مِنْ الْعِلْمِ مَا بَلَغَهُمْ.

وَصَنَّفَ رَجُلٌ كِتَابًا فِي الِاخْتِلَافِ، فَقَالَ أَحْمَد: لَا تُسَمِّهِ «كِتَابَ الِاخْتِلَافِ» وَلَكِنْ سَمِّهِ «كِتَابَ السَّعَة» وَلِهَذَا كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: إجْمَاعُهُمْ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ، وَاخْتِلَافُهُمْ رَحْمَةٌ وَاسِعَةٌ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لَمْ يَخْتَلِفُوا؛ لِأَنَّهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا عَلَى قَوْلٍ، فَخَالَفَهُمْ رَجُلٌ؛ كَانَ ضَالًّا، وَإِذَا اخْتَلَفُوا، فَأَخَذَ رَجُلٌ بِقَوْلِ هَذَا وَرَجُلٌ بِقَوْلِ هَذَا؛ كَانَ فِي الْأَمْرِ سَعَةٌ.

وَكَذَلِكَ قَالَ غَيْرُ مَالِكٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ: لَيْسَ لِلْفَقِيهِ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُصَنِّفُونَ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ: إنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ لَا تُنْكَرُ بِالْيَدِ، وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُلْزِمَ النَّاسَ بِاتِّبَاعِهِ فِيهَا؛ وَلَكِنْ يَتَكَلَّمُ فِيهَا بِالْحُجَجِ الْعِلْمِيَّةِ، فَمَنْ تَبَيَّنَ لَهُ صِحَّةُ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ؛ تَبِعَهُ، وَمَنْ قَلَّدَ أَهْلَ الْقَوْلِ الْآخَرِ؛ فَلَا إنْكَارَ عَلَيْهِ، وَنَظَائِرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ كَثِيرَةٌ.([286])

وسئل القاسم بن محمد -رحمه الله- عن القراءة خلف الإمام فيما لم يَجْهَر به، فقَالَ: إن قَرَأْتَ؛ فَلَكَ في رجال من أصحاب محمد رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- أُسْوَة، وإذا لم تقرأ؛ فَلَكَ في رجال من أصحاب رسول الله أُسْوَة»([287]).

وقد عَبَّر الفقهاء عن هذا بقاعدتهم التي تقول: الاجتهاد لا يُنْقَضُ بالاجتهاد([288]).

* وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ»([289])

8- أن يُراعى عند الانكار مع المخالف الحالُ والمآلُ، وما سيترتب على الانكار من مصالح ومفاسد، ومراعاةُ العمل بخير الخيريْن، وترك شرِّ الشرَّيْن، وقد سبق الكلام عن هذا كثيرا.

* * *

الثاني والأربعون:

  • الاسْتِفْصَالُ عن مُراد المتكلمِّ عند إطلاقهِ العباراتِ المجملةَ، قَبْلَ قَبُولِهَا أَوْ رَدِّهَا، ومن ثَمَّ مَدْحِهِ أو ذمِّه:

قَالَ شيخ الإسلام -رحمه الله-: «وقد تقدم التنبيه علَى مَنْشَأ الضلال في هذا السؤال وأمثاله، وما في ذلك من العبارات المتشابهات الْمُجْمَلَات الْمُبْتَدَعَات، سواء كان الْمُحْدَثُ هو اللفظُ ودلالتُهُ، أو كان المُحْدَثُ هو استعمالُ ذلك اللفظ في ذلك المعني، كلفظ «أصول الدين» حيث أَدْخَلَ فيه كلُّ قومٍ من المسائل والدلائل ما ظَنُّوه هم من أصولِ دينهم، وإن لم يَكُنْ من أصول الدين الذي بَعَثَ اللهُ به رُسُلَهُ، وأَنْزَلَ به كُتُبَه، كما ذكرنا، وأنه إذا مُنِعَ إِطْلَاقُ هذه الْمُجْمَلَاتِ الْمُحْدَثَاتِ في النفي والإثبات، وَوَقَعَ الاستفسارُ والتفصيلُ؛ تَبَيَّن سواءُ السبيل».

وقَالَ أيضًا -رحمه الله-: «المبتدعة يستعملون ألفاظ الكتاب والسنة واللغة، ولكن يقصدون بها معانِيَ أُخَرَ.

والمقصود هنا قوله: يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويَخْدعون جُهال الناس بما يُشَبِّهون عليهم، وهذا الكلام المتشابه الذي يَخْدعون به جُهالَ الناس، هو الذي يتضمن الألفاظ الْمُتَشَابهة الْمُجْمَلة التي يعارِضُون بها نصوصَ الكتاب والسنة، وتلك الألفاظُ تكون موجودةً مستعملةً في الكتاب والسنة وكلام الناس، لكن بمعانٍ أُخَرَ، غيرِ المعاني التي قَصَدوها هم بها، فيقصدون هم بها معانِيَ أُخَر، فيحصل الاشْتِباهُ والإجمالُ، كلفظ العقل والعاقل والمعقول، فإن لفظ «العقل» في لغة المسلمين إنما يدل علي عَرَضٍ: إما مُسَمَّي مَصْدَرِ عَقَلَ يَعْقِلُ عَقْلًا، وإما قُوةٍ يكون بها العقل، وهي الغَرِيزة، وهم يريدون بذلك جوهرا مجردا قائما بنفسه.

وكذلك لفظ «المادة» و«الصورة» بل وكذلك لفظ «الجوهر» و «العَرَض»، و«الجسم»، و«التحيز» و«الجهة»، و«التركيب» و«الجزء»، و«الافتقار»، و«العلة» و«المعلول»، و «العاشِق» و «العِشْق» و«المعشوق»، بل ولفظ «الواحد» في التوحيد، بل ولفظ «الحدوث» و «القِدَم»، بل ولفظ «الواجب» و«الممكن»، بل ولفظ «الوجود» و«الذات»، وغير ذلك من الألفاظ.

وما مِنْ أَهْلِ فَنٍّ إلا وهم معترفون بأنهم يَصْطَلحون على ألفاظ يتفاهمون بها مرادهم، كما لأهل الصناعات العملية ألفاظٌ يُعَبِّرُون بها عن صناعتهم، وهذه الألفاظ هي عُرْفية عُرفا خاصًّا، ومرادهم بها غير المفهوم منها في أصل اللغة، سواء كان ذلك المعني حقًّا أو باطلا، وإذا كان كذلك؛ فهذا مقام يحتاج إلي بيان».

وقَالَ أيضًا -رحمه الله-: «فمن تَكَلَّمَ بلفظ يحتمل معانِيَ؛ لم يُقْبَل قولهُ، ولم يُرَدَّ، حتى نَسْتَفْسِرَه وَنَسْتَفْصِلَهُ، حتى يَتَبَيَّنَ المعنى المرادُ».

وقَالَ أيضًا -رحمه الله-: وَكَانَ الَّذِينَ امْتَحَنُوا أَحْمَد وَغَيْرَهُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْجَاهِلِينَ، فَابْتَدَعُوا كَلَامًا مُتَشَابِهًا، نَفَوْا بِهِ الْحَقَّ، فَأَجَابَهُمْ أَحْمَد لَمَّا نَاظَرُوهُ فِي الْمِحْنَةِ، وَذَكَرُوا «الْجِسْمَ» وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَأَجَابَهُمْ بِأَنِّي أَقُولُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ] {الإخلاص:1، 2} وَأَمَّا لَفْظُ «الْجِسْمِ» فَلَفْظٌ مُبْتَدَعٌ مُحْدَثٌ، لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ أَلْبَتَّةَ، وَالْمَعْنَى الَّذِي يُرَادُ بِهِ مُجْمَلٌ، وَلَمْ تُبَيِّنُوا مُرَادَكُمْ؛ حَتَّى نُوَافِقَكُمْ عَلَى الْمَعْنَى الصَّحِيحِ، فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا تَقُولُونَ؟([290]).

* * *

الثالث والأربعون:

  • رَدُّ الـمُشْتَبَهِ من الكلام إلى الـمُحْكَم، والـمُجْمَلِ إلى المُفَصِّل عند وجود نوعٍ من التعارض، مع الحثِّ على الابتعاد عن الكلام المُجْمَلِ المُوهِمِ، لاسيما إذا كان من كلام المتكلِّمين وأهل البدع والأهواء، والتمسك من الاصطلاحات بما وَرَدَ في الكتاب والسنة، وعَبَّر به سَلَفُ الأمة من الصحابة فمن بَعْدهم من أئمة الهُدَى، مع حَمْل كلام العالم السُّنِّي على أحسن محمامله، حتى يظهر ما يدل عليه:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، كما في «الرد على البكري»([291]): «….ومن الحكايات المعروفة عن الشافعي -رحمة الله تعالى عليه- أن الربيع قال له في مرضه: «يا أبا عبد الله، قَوَّى الله ضَعْفَكَ»، قال: يا أبا محمد، لو قوَّى ضَعْفِي؛ لَهَلَكْتُ!! فقال له الربيع: لم أَقْصد إلا خيرًا، فقال: لو شَتَمْتَني صريحًا؛ لَعَلِمْتُ أنك لم تقصد إلا الخير، فقال الربيع: كيف أقول؟ قال: قُلْ: برّأ الله ضَعْفَكَ»

قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: فإنَّ الشافعي نَظَرَ إلى حقيقة اللفظ، وهو نَفْسُ الضعف، والربيع قَصَدَ أن يُسَمِّي الضعيفَ ضَعْفًا، كما يُسمي العادلُ عَدْلاً، ثم لما عَلِمَ الشافعي بحُسْن قَصْدِه؛ أَوْجَبَ أن يقول: لو سَبَبْتَنِي صريحًا- أي: صريحًا من جهة اللغة-؛ لَعَلِمْتُ أنك لم تَقْصد إلا خيرًا، فقدّم عليه عِلْمَهُ بحُسْن قَصْدِه، ولم يجعل سوءَ العبارة مُنْتَقِصًا، وقد يَسْبِقُ اللسانُ بغير ما يقصد القَلْبُ، كما يقول الداعي من الفَرَحِ: «اللهم أنت عبدي، وأنا رَبُّك»، ولم يؤاخذه الله تعالى». اهـ.

ففي هذا بيان أن القَصْدَ الحَسَنَ يوجب تأويلَ اللفظ الظاهر في القُبْح، فضلاً عن المجمل الذي يحتمل القبيح والحسن على وَجْهٍ سواء، ومع ذلك فيُرشَدُ المتكلِّم إلى تصحيح لفظه؛ ليوافق لفظُه قَصْدَهُ الحَسَنَ، وهذا ما فعله الإمام الشافعي مع الربيع، والله تعالى أعلم.

وجاء في «مسائل ابن هانئ» -رحمه الله-([292]) قال: وسئل -أي أحمد- عن قول شعبة: «إن هذا الحديث يَصُدُّكُم عن ذِكْرِ الله، وعن الصلاة»؟ فقال: لَعَلَّ شعبة كان يصوم، فإذا طَلَبَ الحديثَ، وسَعَى فيه؛ يَضْعُفُ فلا يصُوم، أو يريد شيئًا من الأعمال، أعمال البر، فلا يَقْدِر أن يَفْعَلَهُ للطلب؛ فهذا معناه». اهـ.

فعلى الرغم من كون ظاهر كلام شعبة يدل على التنفير عن طلب الحديث، وهذا أمر قبيح، وهذا الحال معروف عن أهل البدع، الذين يحذِّرون الناس من الحديث وأهله، إلا أن أحمد -رحمه الله- نظر إلى حال شعبة، وهو معروف بالرحلة في الطلب، بل هو أمير المؤمنين في هذا الشأن، فكيف يُحَذِّر مِنَ الحديث مَنْ قَضَى عُمُرَهُ في تحصيله ونَشْرِهِ، والذَّبِّ عنه؟! فلما كان هذا الحالُ مُتَيَقَّنًا من شعبة؛ لَزِمَ تأويلُ كلامِ شعبة، وحَمْلُه على مَحْمَلٍ آخَرَ؛ فأوَّلَه أحمد -رحمه الله- بما رأيتَ.

وهذا الذي فهمه أحمد -رحمه الله-، قد فهمه غيره من العلماء أيضًا: فقد أخرج الخطيب بسنده([293]) تحقيق الأخ عمرو بن عبد المنعم سليم -حفظه الله- فساق الخطيب سنده إلى أبي خليفة، وهو الفضل بن الحباب البصري، قال: سمعت أبا الوليد -وهو الطيالسي- يقول: سمعت شعبة يقول: «إن هذا الحديث يَصُدُّكم عن ذِكْر الله، وعن الصلاة؛ فهل أنتم مُنْتَهون».

قال أبو خليفة -رحمه الله-: يريد شعبة -رحمه الله- أن أهله -أي أهل الحديث المُولَعِينَ بالرحلة- يضيِّعون العمل بما يسمعون منه -أي في غير الواجبات-، ويتشاغلون بالمكاثرة به، أو نحو ذلك، والحديث لا يَصُدُّ عن ذِكْر الله، بل يَهْدِى إلى أمر الله، وذَكَر كلامًا». اهـ.

ثم ساق الخطيب -رحمه الله- سنده إلى ابن هانئ، فذكر كلام أحمد السابق، ثم قال الخطيب: «قلت: وليس يجوز لأحد أن يقول: كان شعبة يثبِّط عن طلب الحديث، وكيف يكون كذلك؛ وقد بلغ قَدْرُهُ أن سُمِّي أميرَ المؤمنين في الحديث؟! كل ذلك لأجل طلبه له، واشتغاله به، ولم يَزَلْ طولَ عُمُره يطلبه، حتى مات على غاية الحرص في جَمْعِهِ، لا يَشْتَغِل بشيء سواه، ويَكْتُب عمَّن دونه في السِّنِّ والإسناد، وكان من أَشَدِّ أصحاب الحديث عنايةً بما سَمِعَ، وأَحْسَنِهِم إتقانًا لما حَفِظَ». اهـ.

فهذا استدلال من هؤلاء العلماء بقرينة منفصلة غير متصلة، راجعةٍ إلى الأمر المشهور من حال شعبة في الطلب.

والناظر في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يجد طائفة عظيمة من النصوص عن ذلك الإمام الهُمَام، يوضِّح فيها أن كلام الرجل يُضَمُّ بعضُه إلى بعض، ويُفَسِّر بعضُه بعضًا، وأن تَرْك ذلك السبيل؛ من الظلم والجهل على عباد الله، وهاأنذا أسوق ما تَيَسَّر من كلامه – رحمه الله-:

فقد قال -رحمه الله-([294]): «…وأَخْذُ مذاهب الفقهاء من الإطلاقات، من غير مراجعة لما فسّروا به كلامَهُم، وما تَقْتَضِيِه أصولُهم؛ يَجُرُّ إلى مذاهبَ قبيحَةٍ…». اهـ.

فتأمل ضرورة الرجوع إلى كلام الفقهاء المفسَّر، والاعتبار بأصولهم، فيتضح بذلك المراد من مطلق كلامهم، وقد سبق عن شيخ الإسلام في فصل التعريفات، بأن المتقدمين كانوا يطلقون المُجْمَلَ على المُطْلَقِ والعامِّ؛ فدلَّ ذلك على أن المجمل والعام والمطلق كل ذلك عند الفقهاء يُعرف بمفسّرهم وأصولهم، والله أعلم.

وقال -رحمه الله- في «الجواب الصحيح، لمن بدَّل دين المسيح»([295]) في سياق بيان السبب الذي ضَلَّ من ضَلَّ به في تأويل كلام الأنبياء، قال -رحمه الله ـ: «فإنه يجب أن يُفَسَّرَّ كلامُ المتكلِّم بعضُهُ ببعض، ويُؤْخَذَ كلامُهُ هاهنا وهاهنا، وتُعْرَفَ ما عادتَهُ يعْنِيه ويريدُهُ بذلك اللفظ إذا تكلّم به، وتُعرف المعاني التي عُرِفَ أنه أرادها في موضعٍ آخر، فإذا عُرِفَ عُرفُهُ وعادتُهُ في معانيه وألفاظه؛ كان هذا مما يُسْتعان به على معرفة مُرادِهِ، وأما إذا استُعْمِلَ لفظُهُ في معنى لم تَجْرِ عادتُهُ باستعماله فيه، وتُرِكَ استعمالُهُ في المعنى الذي جَرَتْ عادتُهُ باستعماله فيه، وحُمِلَ كلامُهُ على خلافِ المعنى الذي قد عُرِفَ أنه يريده بذلك اللفظ، بِجَعْلِ كلامِهِ متناقضًا، وتَرْكِ حَمْلُهُ على ما يناسِبُ سَيْر كلامِهِ؛ كان ذلك تَحْرِيفًا لكلامه عن مَوْضِعِه، وتَبْديلاً لمقاصِدِه، وكَذِبًا عليه؛ فهذا أَصْلُ مَنْ ضَلَّ في تأويل كلام الأنبياء على غير مُرادِهِم…». اهـ.

فهذا الكلام عبارة عن قاعدة عامة، كما هو واضح من قوله: «فإنه يجب أن يُفسَّر كلام المتكلِّم…إلخ»، وليس خاصًّا بكلام الأنبياء – عليهم السلام – فشيخ الإسلام أراد أن يقرِّر أصلاً متفقًا عليه بين العقلاء – فضلا عن علماء أهل السنة-، وأما غلاة زماننا، المسرفون في الجرح والتعديل!! فيعدُّون من قال بما قال به علماء السنة بحَمْل مُجْمَل كلام الرجُلِ على مُفَسَّره ومُفَصَّله من أصول الضلال والبدع؛ فيا ليت قومي يَعْلَمون!!!

وقال -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى»([296]) في سياق الكلام على بعض أهل الحلول، الذين يَسْتَدِلُّون بكلمات مجملة عن بعض المشايخ: «وهؤلاء قد يَجِدُون من كلام بعض المشايخ، كلماتٍ مُشْتَبَهةً مُجْمَلةً، فيَحْمِلُونها على المعاني الفاسدة، كما فَعَلَتِ النصارى فيما نُقِلَ لهم عن الأنبياء؛ فيَدَعون المُحْكَم، ويَتَّبِعُون المشابه». اهـ.

وفي «الرد على البكري»([297]) في سياق كلام شيخ الإسلام على تلبيس البكري؛ وذلك لأن شيخ الإسلام قد صرح بالاستغاثة بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في مواضع تليق بمنصبه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ونَفَي الاستغاثة به في غيابه وبعد مماته، وذكر أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَشْفَعُ للمؤمنين -بإذن من ربه- يوم القيامة، فشَنَّع عليه الخَصْمُ، وادَّعَى أن شيخ الإسلام يُنْكِر صلاحيةَ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للاستشفاع به، عندما مَنَعَ الاستغاثَةَ به بعد مماته -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال شيخ الإسلام مجيبًا عليه:

«واللفظ الذي يُوهِم فيه نَفْيَ الصلاحية؛ غايَتُهُ أن يكون مُحْتَمِلًا لذلك، ومعلومٌ أن مُفَسَّر كلام المتكلِّم يَقْضِي على مُجْمَلِهِ، وصريحَهُ يُقَدَّمُ على كنايته، ومتى صَدَرَ لفظٌ صريحٌ في معنى، ولفظٌ مُجْمَلٌ نَقِيضُ ذلك المعنى، أو غير نقيضه؛ لم يُحْمَلْ على نقيضه جزمًا، حتى يترتبَ عليه الكُفر؛ إلا مِنْ فَرْطِ الجهل والظلم». اهـ.

وقال أيضًا -رحمه الله-([298]): «لكن اللفظ المجمل إذا صَدَرَ ممن عُلم إيمانُهُ؛ لم يُحْمَلْ على الكُفر بلا قرينة ولا دلالة، فكيف إذا كانت القرينة تَصْرِفُهُ إلى المعنى الصحيح؟!». اهـ.

وفي «الإخنائية»([299]) قال ـ رحمه الله ـ: «وأما التصريح باستحباب السفر لمجرد زيارة قبره دون مسجده -صلى الله عليه وسلم-؛ فهذا لم أَرَهُ عن أحد من أئمة المسلمين، ولا رأيت أحدًا من علمائهم صرَّح به، وإنما غاية الذي يَدَّعي ذلك؛ أنه يأخذه من لفظ مُجمل، قاله بعضُ المتأخرين، مع أن صاحب ذلك اللفظ، قد يكون صَرَّح بأنه لا يُسَافَرُ إلا إلى المساجد الثلاثة، أو أن السفر إلى غيرها مَنْهِيٌّ عنه، فإذا جُمِعَ كلامُهُ؛ عُلِمَ أن الذي اسْتَحَبَّهُ: ليس هو السفر لمجرَّد القبر، بل للمسجد». اهـ.

وفي «مجموع الفتاوى»([300]) قال ـ رحمه الله ـ: «ومن أَعْظَمِ التقصير: نسبةُ الغلط إلى متكِّلم، مع إمكان تصحيح كلامه، وجَرَيانِهِ على أَحْسَنِ أساليبِ كلامِ الناسِ، ثم يُعْتَبَرُ أَحَدُ الموضِعَيْن المتعارِضَيْن بالغَلَط دون الآخر…». اهـ. فتأمل كيف عَدَّ ذلك من أعظم التقصير، مما يدل على أصالة هذه القاعدة وعراقتها عند أهل العلم، بل عند العقلاء، فـ [ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ] {يس:26}.

ولو نظرْتَ في تشنيع الغلاة وشيخهم عليَّ عندما قلتُ: يُحْمل مجملُ كلام العالم السُّني على مُفَصَّله ومُفسَّره ومُبيَّنه، وكذلك المبتدع يُحْمل مجمله الذي يحتمل الحق والباطل على مُفسَّره الباطل، فلما قلتُ هذا؛ صاحُوا من كل جهة: خُذُوا على يد هذا المبتدع، الذي يؤصِّل أصولاً لهدم عقيدة أهل السنة، وعَدُّوا قولي هذا من أصول أهل البدع، فجمعتُ كتابا في ذلك، وأسْمَيْتُه: «الجواب الأكمل على من رَدَّ حَمْل المجمل على المُفَصَّل» فكفى اللهُ أهلَ الحق، وعافى الكثير من طلاب الحق من السقوط في شبهاتهم، وارجع إلى هذا الكتاب ضِمْن كتابي «الدفاع عن أهل الاتباع» والحمد لله رب العالمين.

وقال -رحمه الله- في «اقتضاء الصراط المستقيم»([301]) وقد نقل كلامًا للإمام أحمد في إحياء الذمي للأرض، ثم قال: «ولكن هذا كلام مُجْمَلٌ، وقد فَسَّرَه أبو عبد الله في موضع آخر، وبيَّن مأْخَذَه، ونَقْلُ الفِقْه: إن لم يَعْرِفْ الناقل مَأْخَذَ الفقيه؛ وإلا فقد يقع في الغلط كثيرًا». اهـ.

وجاء في شرح ابن بطال -رحمه الله- لـ«صحيح البخاري»([302]) في حديث قصة الحديبية، وفيه: «…حتى إذا كان بالثَّنِيَّة، التي يُهْبَطُ عليهم منها؛ بَرَكَتْ به راحلتُه، فقال الناس: حَلْ حَلْ، فألحَّتْ، فقالوا: خَلَأَتْ القصواء، قال النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: «ما خَلَأَتْ القصْواءُ، وما ذاك لها بخُلُقٍ، ولكن حَبَسَهَا حابِسُ الفيلِ…».

قال ابن بطال -رحمه الله-: «وقوله – عليه السلام – في الناقة: «ما خلأت، وما هو لها بخلُق»، فالخَلأُ في النُّوقِ، مِثْلُ الحِرَانِ في الخيل، وفيه دليل على أن الأخلاق المعروفة من الحيوان، كُلَّها يُحْكَمُ بها على الطارئ الشاذِّ منها؛ ولذلك إذا نُسِبَ إنسانٌ إلى غير خُلُقِهِ المعلومِ في هَفْوةٍ كانت منه؛ لم يُحْكَمْ بها». اهـ.

وجاء في «فتح الباري» للحافظ ابن حجر – رحمه الله ([303])، وقد نقل عن ابن بطال وغيره بعض الفوائد، وفيه: «… جواز الحكم على الشيء بما عُرِفَ من عادَتِهِ، وإن جاز أن يَطْرَأَ عليه غيرُهُ، فإذا وقع من شخص هفوةٌ لا يُعْهَدُ منه مِثْلُها؛ لا يُنْسَبُ إليها، ويُرَدُّ على من نَسَبَهُ إليها، ومَعْذِرَةُ من نَسَبَهُ إليها، ممن لا يَعْرِفُ صورةَ حاله؛ لأن خَلاء القَصْواء، لولا خَارِقُ العادة؛ لكان ما ظَنَّه الصحابةُ صحيحًا، ولم يعاتِبْهُم النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- على ذلك؛ لعُذْرِهِم في ظَنِّهِم…». اهـ.

فتأمل قوله – صلى الله عليه وآله وسلم -: «…وما ذاك لها بخُلق»، فإذا كانت العادة في بعض الحيوانات مُعْتَبرةً، وتُحْمَل عليها الحالاتُ الطارئةُ الشاذةُ من بعض الحيوانات؛ فما الظن بعادة أهل العلم والفضل وعُرْفِهِم المعروفِ عنهم؟ فهل يليق بصاحب هوًى أن يُحمِّلهم من كلمة مجملة لهم أو لبعضهم ما هو مصادم لما عُرِفَ عنهم من صريح كلامهم، وعظيم مواقفهم عبر السنين الطوال؟ وهذا لا يكون إلا بظلم وافتراء!!!

وجاء في «المغني» لابن قدامة – رحمه الله –([304]) في الكلام على حُكْم قُدوم المفقود الغائب، قبل أن تتزوَّج امرأته: «قال أحمد: أما قبل الدخول؛ فهي امرأَتُهُ، وإنما التخيير بعد الدخول، وهذا قول الحسن وعطاء وخلاس بن عمرو والنخعي وقتادة ومالك وإسحاق، وقال القاضي: فيه رواية أخرى: أنه يُخَيَّر، وأَخَذَهُ من عموم قول أحمد: إذا تزوَّجت امرأَتُهُ فجاء؛ خُيِّر بين الصداق، وبين امرأته، والصحيح: أنَّ عموم كلام أحمد، يُحمل على خاصِّه في رواية الأثرم، وأنه لا تَخْيِير إلا بعد الدخول، فتكون زوجةَ الأول، روايةً واحدة؛ لأن النكاح إنما صح في الظاهر دون الباطن». اهـ.

ففيه حمل كلام العالم بعضه على بعض، وإن لم يكن هذا فيما يحتمل معنى قبيحًا، وآخر صحيحًا، ومثل هذا كثير جدًّا في كتب الفقه، ولو اعتنى أحد بذلك؛ لَجَمَعَ من ذلك ما يَشُقُّ حَصْرُهُ، ولكن الغلاة لا يستحْيون من القول على الله -جل وعلا- وعلى رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وعلى كثير من أهل العلم بغير علم إلا من رحم الله، والله أعلم.

ولابن القيم -رحمه الله تعالى- كلام كثير في تقرير حمل كلام المتكلِّم بعضه على بعض، ليفسِّر بعضه بعضًا، ومراعاة قصد المتكلم وعادته وعُرفه، وإليك بعضَ كلامه -رحمه الله-:

ففي «مدارج السالكين»([305]) ذكر كلامًا لأبي إسماعيل الهروي الملقب بـ(شيخ الإسلام)، ظاهره القول بالاتحاد، فَحَمَلَهُ على مَحْمَلٍ حَسَنٍ -مع تخطئته إياه في العبارة- ثم قال: «والكلمة الواحدة يقولها اثنان، يريد بها أحدُهما أَعْظَمَ الباطل، ويريد بها الآخر مَحْضَ الحقِّ، والاعتبارُ بطريقة القائل، وسيرته، ومذهَبِهِ، وما يَدْعُو إليه، ويناظر عليه، وقد كان شيخ الإسلام -قدّس الله روحه- راسخًا في إثبات الصفات، ونَفْيِ التعطيل، ومعاداة أَهْلِهِ، وله في ذلك كُتُبٌ، مثل كتاب «ذم الكلام» وغير ذلك مما يخالف طريقةَ المعطلة والحلولية والاتحادية…»إلخ. اهـ.

وللحافظ الذهبي -رحمه الله- كلام في ذلك، فمن ذلك:

ما جاء في «سير أعلام النبلاء»([306]): «قال أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري – وهو الهروي- مؤلِّف كتاب «ذم الكلام»: سمعت عبدالصمد بن محمد بن محمد سمعت أبي يقول: أنكروا على أبي حاتم بن حبان قوله: «النبوة العلم والعمل»، فحكَمُوا عليه بالزندقة، (و) هُجِرَ، وكُتِبَ فيه إلى الخليفة، فكَتَبَ بقَتْلِه».

قال الذهبي -رحمه الله-: «قلت: هذه حكايةٌ غريبةٌ، وابنُ حبان فَمِنْ كبار الأئمة، ولَسْنا ندَّعي فيه العصمةَ من الخطأ، لكن هذه الكلمة التي أَطْلَقَها، قد يُطْلِقُها المسلمُ، ويُطْلِقُها الزنديقُ الفيلسوفُ، فإطلاق المسلم لها؛ لا ينبغي، لكن يُعْتَذَرُ عنه، فنقول: لم يُرِدْ حَصْرَ المبتدأ في الخبر، ونظيرُ ذلك قولُهُ -عليه الصلاة والسلام-: «الحجُّ عرفةُ»، ومعلوم أنَّ الحاجَّ لا يصير بمجرَّد الوقوف بعرفة حاجًّا، بل بقي عليه فروض وواجبات، وإنما ذَكَرَ مُهِمَّ الحج، وكذا هذا ذَكَرَ مُهِمَّ النبوة؛ إذْ مِنْ أَكْمَلِ صفات النبيِّ كمالُ العلم والعمل، فلا يكون أحدٌ نبيًّا إلا بوجودهما، وليس كل من برّز فيهما نبيًّا؛ لأن النبوة مَوْهِبَةٌ من الحق تعالى، لا حِيلَةَ للعبد في اكتسابها، بل بها يتولَّد العِلْمُ اللَّدُنِّيُّ والعملُ الصالحُ، وأما الفيلسوف فيقول: النبوةُ مُكْتَسَبُةُ، يُنْتِجُها العِلْمُ والعملُ؛ فهذا كُفْر، ولا يريده أبو حاتم أصلًا، وحاشاه، وإن كان في تقاسيمه من الأقوال، والتأويلات البعيدة، والأحاديث المنكرة عجائب، وقد اعترف بأن «صحيحه» لا يَقْدِرُ على الكشف منه، إلا مَنْ حَفِظَهُ، كمن عنده مُصْحَفٌ، لا يَقْدِر على موضع آية، يريدها منه؛ إلا مَنْ يَحْفَظُهُ…». اهـ.

وفي «النبلاء»([307]) ترجمة الهروي، قال الذهبي -رحمه الله-: «قلت: قد انتفع به خَلْقٌ، وجَهِلَ آخرون؛ فإن طائفة من صوفية الفلسفة والاتحاد، يخضعون لكلامه في «منازل السائرين» وينتحلونه، ويزعمون أنه موافقهم، كلا، بل هو رجل أثري، لَهِجٌ بإثبات نصوص الصفات، منافِرٌ للكلام وأهله جدًّا، وفي «منازله» إشارات إلى المحو والفناء: وإنما مراده بذلك الفناء: هو الغَيْبة عن شُهودِ السِّوَى، ولم يُرِدْ مَحْوَ السِّوَى في الخارج، ويا لَيْتَهُ لا صَنَّف ذلك، فما أَحْلَى تَصَوُّفَ الصحابة والتابعين، ما خاضوا في هذه الخطرات والوساوس، بل عبدوا الله، وذَلُّوا له، وتوكَّلوا عليه، وهم من خشيته مشفقون، ولأعدائه مجاهدون، وفي الطاعة مسارعون، وعن اللغو معرضون، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم». اهـ.

وفي «تاريخ الإسلام»([308]) وَصَفَ الذهبيُّ -رحمه الله- محمد بْن كرّام، بقوله: «الشَّيْخ الضّالّ المجسّم أبو عبد الله السّجستانيّ، شيخ الكرّاميّين»، ثم قال الذهبي: «قال عبدالله بن محمد بن سلم المقدسي: سمعت محمد بن كرام يقول: قَدَرُ فرعونُ أن يؤمن، ولكن لم يؤمن»، قال الذهبي -رحمه الله-: «قلت: هذا كلام يقوله المعتزلي والسني، وكل واحد منهما يقصد به شيئًا». اهــ. أي: والعبرة بالقائل، وما عُرف به من سنة أو بدعة، فيُحْمَلُ كلامُ السُّني على المَحْمَلِ الحَسَنِ، ويُحْمَلُ كلامُ المعتزلي على المعني القبيح، والله أعلم.

وقال تاج الدين عبدالوهاب بن علي السبكي -رحمه الله -([309]): «فإذا كان الرجل ثقة مشهودًا له بالإيمان والاستقامة؛ فلا ينبغي أن يُحْمَلُ كلامُهُ وألفاظُ كتاباته على غير ما تُعُوِّدَ منه ومن أمثاله، بل ينبغي التأويل الصالح، وحُسْنُ الظن الواجب به وبأمثاله». اهـ.

وقَالَ ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-: قول السائل -نفع الله به-: «وهل الولايةُ المخصوصةُ في مرتبة النبوة»؟ كلام مُجْمل يحتاج لبيان: فإن أراد بالولاية المخصوصة ولايات الأولياء غير الأنبياء؛ فالصواب: أنه لا يُمْكِن شرعاً أن وليًّا يَصِلُ لدرجة نبيّ، ومن اعتقد ذلك؛ فهو كافر، مُراقُ الدم إلا أن يتوب، وإن أراد أن السبب الذي اقتضى أفضليته -صلى الله عليه وسلم- أَفْضَلُ من مُطْلَق النبوّة؛ فهذا لا يُحتاج إليه؛ لأنا قد عَلِمْنا مما تقرر وغيره أن نبينا -صلى الله عليه وسلم- أفضل من سائر الأنبياء في كل وصف من أوصاف الكمال»([310]).

وقال ابن الوزير – رحمه الله-([311]): «وكذلك كُلُّ من صَحَّ عنه من المسلمين ماله وجْهان، ومَحْمَلان: حَسَنٌ وقبيحٌ؛ فإنه يُحمل على الوجْه الحسَنِ، والمَحْمَلِ الجميلِ، ولا يَحِلُّ لأحد التشكيكُ في إسلامه، والقَدْحُ فيه بسبب ذلك الاحتمال…». اهـ.

وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة: «أما من قَالَ: (لفظي بالقرآن مخلوق)؛ فهو كلامٌ مُجْمَلٌ، يحتمل الحقَّ والباطِلَ، فالواجب أن يُسْتَفْصَل منه، ويُسْأَل عن قَصْده، فإنْ قَصَدَ باللفظ الصوتَ؛ فهو صحيح، أما إن قصد باللفظ الملفوظَ به، وهو القرآن؛ فهو باطل، وهو قولُ الجهمية والمعتزلة، فالواجب تَرْكُ هذا اللفظِ المُجْمَلِ، وأن يَعْتَنِيَ المُتَكَلِّمُ بالتفصيل، حتى لا يَقَعَ فيما وَقَعَ فيه أَهْلُ البدع»([312]).

* * *

الرابع والأربعون:

  • التعاونُ على البر والتقوى، وفيما يَنْصُر الإسلامَ حالا ومآلاً مع الموافق والمخالف، والاعتراف بما عند المخالف من الحق، مع مراعاة ضوابط ذلك كله.

وأَصْلُ هذا المَعْلَم من معالم الوسطية ما قَالَه الله تعالى: [ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ] {المائدة:2}، والمقصود منه أن الله
-عز وجل- يأمر في هذه الآية المسلمين بالتعاون والتناصر والمساعدة والاجتماع والتحالف في الخير والمنافع والمصالح، ولا يكون ذلك في الشرور والباطل والمضار؛ فإن كثيرا من الأعمال لا تتم بجهود فرد أو طائفة، وإنما تحتاج إلى جُهْد جماعي، وتعاون بين مجموعات كثيرة أو قليلة من الناس -حسب نوع المسألة- فهذه الجهود الجماعية بين البشر لا يجوز أن تكون على الإثم والعدوان، بل الواجب أن تجتمع على البر والتقوى، وهذا التعاون يحتاج إلى عدة أمور حتى يؤتي ثماره في مَيْدَانَيْن: ميدان العلم وميدان العمل، فمن الناحية العلمية والنظرية: لا بد من وضوح معانى الخير، والبر ومعانى الشر والإثم والعدوان.

قال القرطبي -رحمه الله-: «هو أمرٌ لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى، أي لِيُعِن بعضُكم بعضاً، وتحاثُّوا على ما أمر الله تعالى، واعْمَلُوا به، وانْتَهُوا عما نَهَى الله عنه، وامْتَنِعُوا منه…

وقال الماوردي: نَدَبَ الله سبحانه إلى التعاون بالبر، وقَرَنَهُ بالتقوى له؛ لأن في التقوى رضا الله تعالى، وفي البر رضا الناس، ومَنْ جَمَعَ بين رضا الله تعالى ورضا الناس؛ فقد تَمَّتْ سعادُتُه، وعَمَّتْ نعمتُهُ.

قَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد فِي أَحْكَامه: «وَالتَّعَاوُن عَلَى الْبِرّ وَالتَّقْوَى يَكُون بِوُجُوهٍ: فَوَاجِبٌ عَلَى الْعَالِم أَنْ يُعِينَ النَّاس بِعِلْمِهِ، فَيُعَلِّمَهُمْ، وَيُعِينَهُمْ الْغَنِيُّ بِمَالِهِ، وَالشُّجَاعُ بِشَجَاعَتِهِ فِي سَبِيل اللَّه، وَأَنْ يَكُون الْمُسْلِمُونَ مُتَظَاهِرِينَ كَالْيَدِ الْوَاحِدَة «الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ».

ويجب الإعراضُ عن المتعدي، وتركُ النصرة له، ورَدُّهُ عما هو عليه، ثم نهى فقال. [ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ] {المائدة:2} وهو الحكم اللاحق عن الجرائم، وعن «العدوان» وهو ظلم الناس. ثم أمر بالتقوى، وتوعد توعدا مجملا فقال: [ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ] {المائدة:2}. اهـ([313])

فالأمر بالتعاون على البر والتقوى، وأن لا يكونوا كما كان أهل الجاهلية الأُولى، يتعاونون ويتناصرون على أساس العصبية والولاء للقبلية حقًّا كان أو باطلا، كما قَالَ الشاعر الجاهلي:

لا يَسْأَلُون أخاهم حِينَ يَنْدُبُهمفي النائباتِ على ما قَالَ بُرْهانَا

وكما قَالَ زهير بن أبي سلمى:

ومن لم يذُدْ عن حوضِه بسلاحهيُهَدَّمْ ومَنْ لا يَظْلِمُ الناسَ يُظْلَمِ

وكما قَالَ لبيد بن ربيعة:

وهل أنا إلاَّ من غَزِيّةَ([314]) إنْ غَوَتْغَوَيْتُ، وإن تَرْشُدْ غزيَّةُ أرْشُدِ

وغَزِيَّةُ قبيلتُهُ، فالولاء لها، والعصبية لها، حتى في الغواية والضلالة وليست للحق والرشد، وهذه هي أيضًا حال الجاهلية المعاصرة، فالولاء والتناصر ليس على أساس البر والتقوى إنما على أساس المصالح المادية، والعصبيات القومية، والعِرْقية، والحزبية، والطائفية.

وقال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: «يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات، وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى، وينهاهم عن التناصر على الباطل، والتعاون على المآثم والمحارم». اهـ

فالعمل بالتوجيه القرآني: [ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ] {المائدة:2} يقتضي نَبْذَ هذه العصبيات، العصبية للجنس، والعصبية للوطن، والعصبية للجماعة، أو الحزب، كل هذه عصبيات جاهلية، والمسلم الصادق عصبيته للبر والتقوى حيثما كان ذلك، ومع من كان، وعصبيته ضد الإثم والعدوان، حتى ولو كان من جماعته وحزبه، أو من جِنْسِه وقوميته وجنسيته، وقد روى البخاري عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا، كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: «تَحْجُزُهُ، أَوْ تَمْنَعُهُ مِنْ الظُّلْمِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ»([315]). هذه هي النصرة الإسلامية الصحيحة !!

والعملُ بالآية القرآنية: [ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ] {المائدة:2} يقتضى أن يكون هذا هو المنطَلق دون النظر إلى نوع الشخص الداعي للبر والتقوى، حتى لو كان غير مسلم، فقد قَالَ الله تعالى أولا: [ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ] {المائدة:2}، يعنى لا تَحْمِلُكم عداوةُ الكفار وأفعالُهم الشنيعة من صَدِّكم عن المسجد الحرام عامَ الحديبية أن تعتدوا وتتجاوزوا العَدْلَ معهم، ثم قَالَ: [ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ] {المائدة:2}.

بل لا يخفى على أحد رَزَقَهُ الله بصيرةً في الدين: أن المؤمنين يَفْرَحُون بنصر أهل الكتاب على المشركين، بل أضاف الله –عز وجل- نَصْرَ أهل الكتاب على المشركين إليه -سبحانه وتعالى- فقال: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ] {الروم:4، 5}، والمراد به نصر الروم على الفرس، ولا يخفى الحكمُ على أهل الكتاب وعقائدهم الذين نزل فيهم صَدْرُ سورة الروم.

قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره»([316]): «نزلت هذه الآيات حين غَلَبَ سابور ملكُ الفرس على بلاد الشام، وما والاها من بلاد الجزيرة، وأقاصي بلاد الروم، واضطَّرَّ هرقلَ ملكَ الروم؛ حتى ألجأه إلى القسطنطينية، وحاصره فيها مدة طويلة، ثم عادتِ الدولةُ لهرقل». اهـ

* روى الترمذي في «سننه»([317]) عن أبي سعيد قال: «لما كان يوم بدر ظَهَرَتْ الرومُ على فارس، فَأَعْجَبَ ذلك المؤمنين، فنزلت [ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ] {الروم:1، 2} إلى قوله [ﯦ ﯧ ﯨ ] {الروم:4} قال: ففرح المؤمنون بظهور الروم على فارس».

وقال الشيخ السعدي -رحمه الله- في «تيسير الكريم الرحمن»([318]):

«كانت الفرس والروم في ذلك الوقت من أقوى دُوَلِ الأرض، وكان يكون بينهما من الحروب والقتال ما يكون بين الدُّوَل المتوازنة.

وكانت الفرسُ مشركين يَعْبُدون النار، وكانت الروم أهلَ كتابٍ، ينتسبون إلى التوراة والإنجيل، وهم أَقْرَبُ إلى المسلمين من الفرس، فكان المؤمنون يُحِبُّون غَلَبَتَهم وظُهورَهُم على الفرس، وكان المشركون -لاشتراكهم والفرسِ في الشرك- يُحِبُّون ظُهور الفُرْس على الروم.

فظهر الفرس على الروم، فغلبوهم غَلْبا لم يُحِطْ بِمُلْكِهم، بل بأدنى أرضهم؛ فَفَرِحَ بذلك مشركو مكة، وحَزِنَ المسلمون، فأخبرهم الله ووعدهم أن الروم سَتَغْلِبُ الفرسَ». اهـ

* وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ -رضي الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- قَالَ: «شَهِدْتُ حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ مَعَ عُمُومَتِي وَأَنَا غُلامٌ، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ، وَأَنِّي أَنْكُثُهُ».([319])

* وجاء في رواية مرسلة([320]): «ولو دُعيتُ به في الإسلام؛ لأَجَبْتُ».

هذا، وعمومته -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قبل الإسلام ليسوا بمسلمين، ولم يمنعه وجود غير المسلمين في الحِلْف ألا يقومَ بما تحالفوا عليه من نصرة المظلوم.

قال المناوي – رحمه الله -: «وأَصْلُ ذلك: أنه اجتمع بنو هاشم وزهرة وتميم في الجاهلية بمكة في دار ابن جدعان، وتحالفوا على أن لا يتخاذلوا، ثم ملؤا جُفَيْنَةَ طِيبًا، ووضعوها في المسجد عند الكعبة، وغمسوا أيديهم فيها، وتعاقدوا على التناصر والأخْذِ للمظلوم من الظالم، ومَسَحُوا الكعبةَ بأيديهم المُطَيَّبة تَوْكِيدًا، فَسُمُّوا «المُطَيَّبِين» وتعاقدتْ بنو عبد الدار وحلفاؤها حِلْفًا آخر، وتعاهدوا على أن لا يتخاذلوا، فَسُمُّوا «الأحلاف» وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من المُطَيَّبِين، وكان عمر -رضي الله عنه- من الأَحْلاف، فأخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه باق على ما حَضَره من تحالف قومه المُطَيَّبِين من التناصر على الحق، والأخذ للمظلوم من الظالم، وأنه لا يَتَعَرَّض له بنَقْضٍ، بل أحكامُهُ باقيةٌ في الإسلام، وفيه أن ما كان من حِلْفِ الجاهلية لا يُبْطِله الإسلام». اهـ([321])

فالتعاون على البر والتقوى يقتضي أن المسلمين يتعاونون مع غير المسلمين على أمور الخير والبر ومصالح الإسلام والمسلمين، وأن يعقدوا معهم الاتفاقيات التي فيها مصلحة للإسلام وتعاليمه، ويشاركوهم في المؤتمرات والمنظمات التي تقصد الخير.

وهكذا ترون أن آية: [ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ] {المائدة:2} قاعدة هامة وشاملة ونافعة.

* ومما يدل على ذلك أيضًا: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تَغْزُونَ أَنْتُمْ وَالروم عَدُوًّا مِنْ وَرَائِكُمْ».([322])

وهذا صنيع أهل العلم وتقريرهم.

فشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- لم يتردد في الشفاعة في دفع بعض الظلم عن بعض أهل البدع، فقد شفع عند القاضي حسام الدين الحنفي عندما أراد حَلْقُ لحية الأذرعي، و حَلْقُ اللحية معصية، والأذرعي خَصْم لشيخ الإسلام، قال: «فقمتُ إليه، ولم أَزَلْ به حتى كَفَّ عن ذلك -أي عن حلق اللحية، وركوب الأذرعي الحمار؛ لِيُطَافَ به-، إهانة له قال: وجَرَتْ أمور، لم أَزَلْ فيها مُحْسِناً إليهم،….. ثم ذكر أنه يَجْزِي بالسيئة الحسنة، ويَعْفُو ويَغْفِر،….. ثم قال: وابن مخلوف([323]) لو عَمِلَ مَهْمَا عَمِلَ، والله ما أَقْدِر على خير إلا وأَعْمَلُهُ معه، ولا أُعين عليه عدوَّه قطُّ، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هذه نِيَّتِي وعَزْمِي….». اهـ([324])

وقال -رحمه الله-: «ومما ينبغي أن يَعْرِفَ به الشيخ: أني أخاف أن القضية تخرج عن أمره بالكلية، ويكون فيها ما فيه ضرر عليه، وعلى ابن مخلوف، ونحوهما،….. وأنا مساعد لهما على كل بر وتقوى». اهـ.([325])

هذا، مع أنه قد قال في ابن مخلوف في موضع آخر: «إن ابن مخلوف رجل كذاب فاجر، قليل العلم والدين». اهـ.([326])

وقد قال شيخ الإسلام -رحمه الله- في سياق بيان أن الهجر مشروط بتحصيل المصالح ودفع المفاسد، وأننا لو تركنا العِلْمَ الذي عند أهل البدع؛ لاندرس العلم والسُّنَن، ثم قال: «فإذا تَعَذَّر إقامةُ الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بِدْعَةٌ مَضَرَّتها دون مَضَرَّة تَرْكِ ذلك الواجِبِ؛ كان تحصيلُ مصلحةِ الواجبِ مع المفسدةِ المرجوحةِ معه خيرًا من العَكْس، ولهذا كان الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل». اهـ.([327])

وقد قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: «ومنها –أي: من فوائد يوم الحديبية- أن المشركين وأهلَ البدع والفجور والبغاةَ والظلمةَ، إذا طلبوا أمرًا يُعَظِّمون فيه حُرْمَةً من حرمات الله تعالى؛ أُجِيبُوا إليه، وأُعْطُوُه، وأُعِيُنوا عليه، وإن مُنِعُوا غَيْرَه، فيعاوَنون على ما فيه تَعْظِيمُ حرمات الله، لا على كُفرهم وبَغْيِهم، ويُمنعون ما سِوَى ذلك، فكُلُّ من الْتَمَسَ المعاونةَ على محبوبٍ لله تعالى، مُرْضٍ له؛ أُجِيبَ إلى ذلك، كائنًا من كان، ما لم يَتَرَتَّبْ على إعانته على ذلك المحبوبِ مَبْغُوضُ لله أَعْظَمُ منه، وهذا مِنْ أَدَقِّ المواضع، أو أَصْعَبِها، وأَشَقِّها على النفوس». اهـ.([328])

وجاء في «فتاوى اللجنة الدائمة: «أَقْرَبُ الجماعات الإسلامية إلى الحق، وأحرصها على تطبيقه: أهل السنة، وهم أهل الحديث، وجماعة أنصار السنة، ثم الإخوان المسلمون، وبالجملة: فكل فرقة من هؤلاء وغيرهم، فيها خطأ وصواب، فعليك بالتعاون معها، فيما عندها من الصواب، واجتناب ما وقعت فيه من أخطاء، مع التناصح والتعاون على البر والتقوى». اهـ([329])

وقد سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمه الله- عن الجبهة الإسلامية السودانية التي تضم مختلف الاتجاهات الحركية الإخوانية والصوفية والسلفية، وذُكِرَ له أنها قامت بعمل سياسي، ومجابهة واسعة مع الشيوعيين، والتغريبيين، فأجاب – رحمه الله تعالى -: بأن التعاون بين المسلمين في محاربة المذاهب الهدامة، والدعوات المُضَلِّلَة، والنشاط التنصيري والشيوعي والإباحي من أهم الواجبات، ومن أعظم الجهاد في سبيل الله؛ لقول الله –عز وجل-: [ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ] {المائدة:2}، ونَصَحَهم سماحته بتقوى الله، وتصفية صفوفهم من كل ما يخالف الشرع المطهَّر، والتحاكمِ إلى شرع الله –عز وجل-، والثبات عليه.([330])

وقال شيخنا الألباني – رحمة الله عليه – في شريط من أشرطة: «سلسلة الهدى والنور» وقد سئل عن التعاون مع الإخوان المسلمين في الانتخابات، فلم يرخِّص في ذلك بحجة عدم وجود مصلحة في ذلك، مع مخالفة الشرع، ثم قال: «لذلك نحن ننصحكم وننصح كلَّ المسلمين: ألا يتعاونوا مع الحزبيين في دخول البرلمانات، أما التعاون معهم على البر والتقوى؛ فهذا أمر واجب…». اهـ.

وبمعنى هذا قال شيخنا العثيمين – رحمة الله عليه – فذكر: «أن الموقف الصحيح من الجماعات الدعوية: أن نتعاون معهم، وأن نكون جميعًا دعاةً إلى الحق، متآلفين؛ لأن أَوْلَى الناس بالتعاون والتآلف: هم دعاة الحق… فواجبنا نحو الفئات الدعوية: أن نتعاون معهم…»، وذكر – رحمه الله – أن من التعاون معهم نُصْحَهُم ومَنْعَهُم من الظلم، ثم قال: «ولا شك أن الفئات الدعوية التي تنهج منهجًا معينًا، لا شك أن فيهم الخطأ والصواب؛ فالواجب بيانُ الخطأ، والتحذيرُ منه، وبيانُ الصواب، والحثُّ عليه». اهـ.([331])

وقال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي – رحمة الله عليه- في رسالة «هذه دعوتنا وعقيدتنا»([332]): «ونرى وجوب التعاون مع أي مسلم في الحق، ونبرأ إلى الله من الدعوات الجاهلية». اهـ.

وفي «قمع المعاند»([333])، قال -رحمه الله- وقد سئل عن التعاون مع محمد سرور- فقال: الأخ محمد سرور عَرَضَ علينا التعاون معه، ولم يَعْرِضْ علينا الانضمامَ معه؛ لأن كُلا آيسٌ من انضمام هذه الدعوة المباركة إلى جماعة من الجماعات، أما مسألة التعاون: فإنْ شاء الله نتعاون مع كل مسلم؛ لأن الله يقـول في كتابه الكريـم: [ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ] {المائدة:2}، نتعاون مع كل مسلم لمصلحة الإسلام، أما إذا كانت المصلحة حزبيةً، ويَدْعُون الناس باسم الإسلام، وإذا حَصَلَ لهم ما يريدون؛ انْقَضَى الأمْرُ؛ فهؤلاء ينبغي أن يُحْذَر منهم؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يُلْدغ المؤمن من جُحْرٍ مرتين…». اهـ.

وقال -رحمه الله-: «فالمسلم الذي يَدْعُو إلى التعاون معه، ولم يَلْدَغْ أهلَ السنة؛ فإنهم مُسْتَعِدُّون للتعاون معه..». اهـ.([334])

فهذا كلام العلماء آخذ بعضهُ بِحُجَزٍ بعض.

* وبعد تقرير وجوب التعاون على البر والتقوى أو استحبابه مع القريب والبعيد؛ فلابد من مراعاة ضوابط ذلك، وخلاصتها:

  1. أن يكون ذلك في تحقيق المصلحة للإسلام وأهله.
  2. أن يكون تقرير المصلحة والمفسدة بميزان الشريعة، وأقوال العلماء الصادقين، ذوي الخبرة بالواقعة، وما يكتنفها من احتمالات تتزاحم فيها المصلحة والمفسدة حالًا ومآلًا.
  3. أن يكون تحقيق المصلحة قطعيًّا أو غالبَ الاحتمال، لا مساويًا لاحتمال وقوع المفسدة، أو أضَعْفَ من احتمال وقوع المفسدة.

4 – أن الباب في الفتوى بالتعاون لا يُفتح لكل أحد، بل هذا للعلماء وطلاب العلم الذين لا يُخشى عليهم أن يُفْتَنُوا بما عند المخالفين من محاسن، والذين يحسنون تقدير المصالح والمفاسد في الجملة، وقد يكون التعاون من الجميع إذا دَعَتْ الظروف لذلك، كالتصدي للرافضة أو الشيوعية، أو صدّ غزو خارجي على البلاد بدمائها المعصومة، وأموالها، وأعراضها، ونحو ذلك.

5- أن يترجَّح أنه سيترتَّب على ترك التعاون وقوعُ مفسدة على الإسلام وأهله، أو تفوتهم مصلحةٌ أَعْظَمُ نفعًا مما يستفيده المخالفون من التعاون معهم، والله أعلم.

6- ألا يَغْتَرَّ بذلك من لا يُحْسن معرفة الفَرْقِ بين أهل الحق الصافي وغيرهم.

لكن بعضَ الناس تُجَاهَ هذا المطلبِ إما أن يَسْلُكَ مَسْلَكَ الإفراط، أو مَسْلَكَ التفريط:

فبعضهم ينظر إلى الحسنات وجوانب الإصابة في تلك الاتجاهات، ويَغْفُل عن جانب المخالفات والانحرافات عندهم، فَيِنْطَلِقُ داعيةً إلى الاجتماع بين أهل الحق الصافي وهذه الاتجاهات، بحجة أن إلهَنَا واحدٌ، وأن نَبَّيَنا واحدٌ، وأن كتابَنَا واحدٌ، وأن قِبْلَتَنا واحدةٌ، وهذا يُعْجِبُ المخالفين ولا يُقوِّمُهم، ويُفَرِّقُ الموافقين ولا يحافظ عليهم، فيكونُ كمن طَلَبَ المزيد من الربح؛ فَضَيَّعَ رأسَ المال، وربما ابْتَلَع المخالفون إخوانَهُ، فَصَبَغُوهم بعُجَرِهم وبُجَرِهم.

وفي المقابل لهذا المسلك؛ فهناك من يرفضُ مدّ يده لإخوانه -وإن كانوا أقومَ منه قِيلًا، وأَهْدَى سبيلاً- ويرى ذلك تمييعًا للحق، وتنازلًا عن واجب الإغلاظ على أهل الباطل، نظرا لمخالفته وانحرافه، وقِصَر نظره، واضطراب أمْرِه!!

والصوابُ: أن الاجتماع له صُوَرٌ ومراتب متفاوتة، فإعمال كل صورة ومرتبة في موضعها بشروطها، مع مراعاة الموازنة بين المقاصد والمفاسد، ومرحلة الاستخلاف ومرحلة الاستضعاف، والظروف التي تمر بها الدعوة، وأحوال المخالف قوة وضعفاً، والحال والمآل في الإقدام أو الإحجام، ومن راعى ذلك بالضوابط الشرعية؛ فقد أخذ بالدين من جميع جوانبه.

فلا يجوز -مثلًا- عَدَمُ مناصرةِ من يَتَصَّدى للرد على شبهات الرافضة وغلاة الصوفية وجهلتهم، ويكشف عوار ضلالاتهم وأكاذيبهم -وإن أساء لنا في جوانب أخرى- بحجة أنه من جماعة كذا أو من الحزب الفلاني، أو من طائفة نختلف معها في بعض الجوانب؛ لأن خِذْلانه قد يُفْضِي إلى تقوية شوكة الرافضة، الذين يَطْمِسُون عقيدتنا، ويُعَلِّمون الأجيال اللاحقة أوابقهم، وأوابدهم، وخرافاتهم وضلالاتهم: من تكفير الصحابة، والوقوع في الغلو المفضي إلى الشرك الأكبر، ويَنْصِبون المشانق للدعاة، وأهل الحلِّ والعَقْد، وأعيان الناس ووجهائهم في الميادين العامة، ويتمتعون بالنساء، … الخ!!

وقد أفتى أئمة السنة بإعانة الأقل بدعة على الأكثر بدعة، ومن ذلك إعانة الأشاعرة على المعتزلة، ومدحُوا الأشاعرة فيما أصابوا فيه، وأحسنوا بما أثبتوه من الصفات، وردُّوا على المعتزلة وغيرهم.

وقد كان أهل الحديث والحنابلة مع الأشعرية والماتريدية يدا واحدة على المبتدعة والزنادقة , وكانوا مؤتلفين كالشيء الواحد، مع ما بينهم من فوارق، حتى حصلَتْ في القرن الخامس الهجري حادثة عُرِفَتْ بفتنة ابن القشيري، تَسَبَّبَتْ في الفُرقة بين الطائفتين.

قال الحافظ ابن عساكر -رحمه الله- في كتابه «تبيين كذب المفتري»([335]): «ولم تَزَلْ الحنابلةُ ببغداد في قديم الدهر على ممر الأوقات تعتضد بالأشعرية على أصحاب البدع؛ لأنهم المتكلمون من أهل الإثبات، فمن تكلم منهم في الرد على مبتدع؛ فبلسان الأشعرية يتكلم، ومن حقق منهم في الأصول في مسألة، فمنهم يتعلم، فلم يزالوا كذلك حتى حَدَثَ الاختلافُ في زمن أبي نصر القشيري». اهـ.

قلت: ليس الأمر على ما قال ابن عساكر -رحمه الله- فأدلة أهل السنة في الردِّ على أهل البدع أقوى نقلًا وعقلًا من كلام الأشاعرة، أما أن يستفيد الأَعْلَى من الأَدْنَى أحيانًا؛ فهذا شأنٌ آخر.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «ومع هذا فأهل السنة يستعملون معهم العدل والإنصاف, ولا يظلمونهم؛ فإن الظلم حرام مطلقا كما تقدم، بل أهل السنة لكل طائفة من هؤلاء خير من بعضهم لبعض! بل هم للرافضة خير وأعدل من بعض الرافضة لبعض , وهذا مما يعترفون هم به، ويقولون: أنتم تُنْصِفُوننا ما لا يُنْصِفُ بعضُنا بعضا ,.. ولا ريب أن المسلم العالم العادل أَعْدَلُ عليهم وعلى بعضهم من بعض , والخوارج تكفر أهل الجماعة، وكذلك أَكْثَرُ المعتزلة يُكَفِّرُون من خالفهم , وكذلك أكثر الرافضة، ومن لم يُكَفِّرْ؛ فَسَّقْ , وكذلك أكثر أهل الأهواء يبتدعون رأيا، ويُكَفِّرون من خالفهم فيه، وأهل السنة يتبعون الحق من ربهم الذي جاء به الرسول , ولا يُكَفِّرُون من خالفهم فيه؛ بل هم أَعْلَمُ بالحقِّ وأَرْحَمُ بالخَلْق، كما وصف الله به المسلمين بقوله: [ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ] {آل عمران:110}. قال أبو هريرة: كنتم خير الناس للناس، وأهلُ السنة نقاوَةُ المسلمين؛ فهم خير الناس للناس».([336]) اهـ

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كما في «مجموع الفتاوى»: وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْحَنْبَلِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَحْشَةٌ وَمُنَافَرَةٌ، وَأَنَا كُنْت مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، وَطَلَبًا لِاتِّفَاقِ كَلِمَتِهِمْ، وَاتِّبَاعًا لِمَا أُمِرْنَا بِهِ مِنْ الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللَّهِ، وَأَزَلْتُ عَامَّةَ مَا كَانَ فِي النُّفُوسِ مِنْ الْوَحْشَةِ، وَبَيَّنْتُ لَهُمْ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ كَانَ مِنْ أَجَلِّ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- وَنَحْوِهِ، الْمُنْتَصِرِينَ لِطَرِيقِهِ، كَمَا يَذْكُرُ الْأَشْعَرِيُّ ذَلِكَ فِي كُتُبِهِ، وَكَمَا قَالَ أَبُو إسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ: إنَّمَا نَفَقَتْ الْأَشْعَرِيَّةُ عِنْدَ النَّاسِ بِانْتِسَابِهِمْ إلَى الْحَنَابِلَةِ، وَكَانَ أَئِمَّةُ الْحَنَابِلَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ: كَأَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ، وَنَحْوِهِمَا يَذْكُرُونَ كَلَامَهُ فِي كُتُبِهِمْ، بَلْ كَانَ عِنْدَ مُتَقَدِّمِيهِمْ كَابْنِ عَقِيلٍ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ، لَكِنَّ ابْنَ عَقِيلٍ لَهُ اخْتِصَاصٌ بِمَعْرِفَةِ الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ، وَأَمَّا الْأَشْعَرِيُّ فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى أُصُولِ أَحْمَدَ مِنْ ابْنِ عَقِيلٍ، وَأَتْبَعُ لَهَا؛ فَإِنَّهُ كُلَّمَا كَانَ عَهْدُ الْإِنْسَانِ بِالسَّلَفِ أَقْرَبَ؛ كَانَ أَعْلَمَ بِالْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ، وَكُنْت أُقَرِّرُ هَذَا لِلْحَنْبَلِيَّةِ – وَأُبَيِّنُ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ -وَإِنْ كَانَ مِنْ تَلَامِذَةِ الْمُعْتَزِلَةِ- ثُمَّ تَابَ؛ فَإِنَّهُ كَانَ تِلْمِيذَ الجُبَّائِي، وَمَالَ إلَى طَرِيقَةِ ابْنِ كُلَّابٍ، وَأَخَذَ عَنْ زَكَرِيَّا الساجي أُصُولَ الْحَدِيثِ بِالْبَصْرَةِ، ثُمَّ لَمَّا قَدِمَ بَغْدَادَ أَخَذَ عَنْ حَنْبَلِيَّةِ بَغْدَادَ أُمُورًا أُخْرَى، وَذَلِكَ آخِرُ أَمْرِهِ، كَمَا ذَكَرَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِي كُتُبِهِمْ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ كَانَ تِلْمِيذَ ابْنِ الْوَلِيدِ وَابْنِ التَّبَّانِ الْمُعْتَزِلِيَّيْن، ثُمَّ تَابَ مِنْ ذَلِكَ، وَتَوْبَتُهُ مَشْهُورَةٌ بِحَضْرَةِ الشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَكَمَا أَنَّ فِي أَصْحَابِ أَحْمَدَ مَنْ يُبْغِضُ ابْنَ عَقِيلٍ وَيَذُمُّهُ؛ فَاَلَّذِينَ يَذُمُّونَ الْأَشْعَرِيَّ لَيْسُوا مُخْتَصِّينَ بِأَصْحَابِ أَحْمَدَ، بَلْ فِي جَمْيعِ الطَّوَائِفِ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ.

وَلَمَّا أَظْهَرْتُ كَلَامَ الْأَشْعَرِيِّ – وَرَآهُ الْحَنْبَلِيَّةُ – قَالُوا: هَذَا خَيْرٌ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ الْمُوَفَّقِ، وَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِاتِّفَاقِ الْكَلِمَةِ، وَأَظْهَرْتُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي مَنَاقِبِهِ: أَنَّهُ لَمْ تَزَلْ الْحَنَابِلَةُ وَالْأَشَاعِرَةُ مُتَّفِقِينَ إلَى زَمَنِ القشيري، فَإِنَّهُ لَمَّا جَرَتْ تِلْكَ الْفِتْنَةُ بِبَغْدَادَ؛ تَفَرَّقَتْ الْكَلِمَةُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي جَمِيعِ الطَّوَائِفِ مَنْ هُوَ زَائِغٌ وَمُسْتَقِيمٌ، مَعَ أَنِّي فِي عُمُرِي إلَى سَاعَتِي هَذِهِ لَمْ أَدْعُ أَحَدًا قَطُّ فِي أُصُولِ الدِّينِ إلَى مَذْهَبٍ حَنْبَلِيٍّ وَغَيْرِ حَنْبَلِيٍّ، وَلَا انْتَصَرْتُ لِذَلِكَ، وَلَا أَذْكُرُهُ فِي كَلَامِي، وَلَا أَذْكُرُ إلَّا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا، وَقَدْ قُلْتُ لَهُمْ غَيْرَ مَرَّةٍ: أَنَا أُمْهِلُ مَنْ يُخَالِفُنِي ثَلَاثَ سِنِينَ، إنْ جَاءَ بِحَرْفِ وَاحِدٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ يُخَالِفُ مَا قُلْته؛ فَأَنَا أُقِرُّ بِذَلِكَ، وَأَمَّا مَا أَذْكُرُهُ فَأَذْكُرُهُ عَنْ أَئِمَّةِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ بِأَلْفَاظِهِمْ وَبِأَلْفَاظِ مَنْ نَقلَ إجماعهُم مِنْ عَامَّةِ الطَّوَائِفِ، هَذَا مَعَ أَنِّي دَائِمًا وَمَنْ جَالَسَنِي يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنِّي: أَنِّي مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ نَهْيًا عَنْ أَنْ يُنْسَبَ مُعَيَّنٌ إلَى تَكْفِيرٍ وَتَفْسِيقٍ وَمَعْصِيَة؛ إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الرسالية، الَّتِي مَنْ خَالَفَهَا كَانَ كَافِرًا تَارَةً، وَفَاسِقًا أُخْرَى، وَعَاصِيًا أُخْرَى». اهـ

قلت: فهذا شيخ الإسلام سَعَى في التأليف بين الأشاعرة والحنابلة في زمانه – ولا شك أن هذا فيما هم عليه من الحق دون الباطل- فهل اتهمه أحد من العلماء بالتمييع، كما يفعل غلاة زماننا؟ ولا شك أن السعْي في إزالة الوحشة والمنافرة بين فريقين بينهما اتفاقٌ كثير في مسائل من الحق أولى من إحياء مسائل الخلاف، والسعي في التفريق بينهما، بزعم إظْهار الدين وبيان الحق، وإهانة أهل البدع؛ فإن مصلحة الاتفاق لصدِّ عدو أكبر أعظم من هذه المصلحة المرجوة من التنكيل بهم، مع أن الأشاعرة نفقتْ عند الناس بانتسابهم إلى الحنابلة، ولم يعُدَّ العلماء هذا تمييعا للسنة من شيخ الإسلام، كما هو حال الغلاة اليوم تشنيعاً وتشويهاً لمن لم يفعل عُشْر معشار هذا!! كل هذا مع إبقاء باب التناصح مفتوحاً، وجمع الجهود منهما ضد من هو أشدُّ بدعةَ وفتنةً، لا شك أن هذا من العمل الصالح، لا التمييع وتضييع الحق وأهله، وهذا ما حمل شيخ الإسلام على السعْي في هذا الميدان، فرحمه الله رحمة واسعة.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «وهذا مما مُدِحَ به الأشعري؛ فإنه بَيَّنَ مِنْ فضائح المعتزلة وتناقض أقوالهم , وفسادها ما لم يُبَيِّنْهُ غيره؛ لأنه كان منهم، وكان قد درس الكلام على أبي على الجُبَّائي أربعين سنة , وكان ذَكِيًّا، ثم إنه رجع عنهم , وصَنَّفَ في الرد عليهم، ونَصَر في الصفات طريقة ابن كُلَّاب؛ لأنها أقرب إلى الحق والسنة من قولهم ,ولم يعرف غيرها؛ فإنه لم يكن خبيرا بالسنة والحديث، وأقوال الصحابة والتابعين وغيرهم، وتفسير السلف للقرآن، والعلمُ بالسنة المَحْضَة إنما يُسْتفاد من هذا , ولهذا يَذْكُر في المقالات مقالة المعتزلة مفصَّلَةً، يذكر قول كل واحد منهم , وما بينهم من النزاع في الدِّقِّ والجِلِّ، كما يحكى ابن أبي زيد مقالات أصحاب مالك، وكما يحكي أبو الحسن القدوري اختلاف أصحاب أبي حنيفة، ويذكر أيضًا مقالات الخوارج والروافض، لكنَّ نَقْلَه لها من كتب أرباب المقالات، لا عنهم مباشرة.([337]) اهـ

ويقول شيخ الإسلام -رحمه الله- في رَدِّه على ابن المُطِهَّر الحلِّي الرافضي، فيرد عليه تشنيعه على الأشاعرة، ويعتذر لهم فيقول: إن غالب شناعته على الأشعرية ومن وافقهم، والأشعرية خير من المعتزلة والرافضة عند كل مَنْ يَدْرِي ما يقول، ويَتَّقِي اللهَ فيما يقول.. وإذا قيل: إن في كلامهم وكلام من قد يوافقهم أحياناً من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم ما هو ضعيف، فكثير من ذلك الضعيف؛ إنما تلقوه عن المعتزلة؛ فهم أصل الخطأ في هذا الباب، وبعض ذلك أخطأوا فيه لإفراط المعتزلة في الخطأ، فقابلوهم مقابلةً انحرفوا فيها، كالجيش الذي يقاتل الكفار، فربما حَصَلَ منه إفراطٌ وعدوانٌ.([338]) اهـ

وقال -رحمه الله-: «وكذلك متكلمة أهل الإثبات، مثل: الكُلَّابية والكَرَّامية والأشعرية إنما قُبِلُوا واتُّبِعوا واسْتُحْمِدوا إلى عموم الأمة بما أثبتوه من أصول الإيمان من إثبات الصانع وصفاته، وإثبات النبوة , والرد على الكفار من المشركين وأهل الكتاب، وبيان تناقض حججهم, وكذلك اسْتُحْمِدوا بما ردوه على الجهمية والمعتزلة والرافضة والقدرية من أنواع المقالات التي يخالفون فيها أَهْلَ السنة والجماعة، فحسناتهم نوعان: إما موافقةُ أهل السنة والحديث, وإما الردُّ على من خالف السنة والحديث، وبيان تناقض حُجَجِهم , ولم يَتَّبِعْ أحَدٌ مذهبَ الأشعري ونَحْوَهُ إلا لأحد هذين الوصفين، أو كلاهما، وكُلُّ من أحبه وانتصر له من المسلمين وعلمائهم؛ فإنما يحبه وينتصر له بذلك، فالمصَنِّفُ في مناقبه، الدافعُ للطعن واللعن عنه: كالبيهقي، والقشيري أبي القاسم، وابن عساكر الدمشقي، إنما يحتجون لذلك بما يقوله من أقوال أهل السنة والحديث، أو بما رده من أقوال مخالفيهم، لا يحتجون له عند الأمة وعلمائها وأمرائها إلا بهذين الوصفين ,ولولا أنه كان من أَقْرَبِ بني جِنْسِهِ إلى ذلك؛ لأَلْحَقُوه بطبقته الذين لم يكونوا كذلك، كشيخه الأول أبي علي وولده أبي هاشم.

لكن كان له من موافقة مذهب السنة والحديث: في الصفات، والقدر، والإمامة، والفضائل، والشفاعة، والحوض، والصراط، والميزان، وله من الردود على المعتزلة والقدرية والرافضة والجهمية، وبيان تناقضهم ما أوجب أن يمتاز بذلك عن أولئك، ويُعْرَف له حَقُّه وقَدْرُهُ، وقد جعل الله لكل شيء قدرا، وبما وافق فيه السنة والحديث؛ صار له من القبول والأَتْبَاع ما صار، لكن الموافقة التي فيها قَهْرُ المخالف وإظهارُ فساد قوله هي مِنْ جِنْسِ المجاهد المنتصر».

وقال -رحمه الله- في كلامه عن ابن سينا وأتباعه: «وقد صنف المسلمون في «كشف أسرارهم، وهتك أستارهم» كتباً كباراً وصغاراً، وجاهدوهم باللسان واليد؛ إذْ كانوا أحقَّ بذلك من اليهود والنصارى، ولو لم يكن إلا كتاب «كشف الأسرار وهتك الأستار» للقاضي أبي بكر محمد بن الطيب، وكتاب عبد الجبار بن أحمد، وكتاب أبي حامد الغزالي، وكلام أبي إسحاق، وكلام ابن فورك، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، والشهرستاني، وغير هؤلاء مما يطول وَصْفُه»([339]). اهـ

وقال -رحمه الله-: وأما ابن عقيل: فإذا انحرف؛ وقع في كلامه مادة قوية معتزلية في الصفات والقدر وكرامات الأولياء بحيث يكون الأشعري أَحْسَنَ قولا منه، وأَقْرَبَ إلى السنة؛ فإن الأشعري ما كان ينتسب إلا إلى مذهب أهل الحديث، وإمامُهُم عنده أحمدُ بن حنبل , وقد ذكر أبو بكر عبد العزيز وغيره في مناظراته ما يقتضى أنه عنده من متكلمي أهل الحديث، لم يجعله مُبَايِنًا لهم ,وكانوا قديما متقارِبِين إلا أن فيهم من يُنْكِر عليه ما قَدْ يُنْكرونه على مَنْ خَرَج منهم إلى شيء من الكلام؛ لما في ذلك من البدعة مع أنه في أصل مقالته ليس على السنة المحضة، بل هو مُقَصِّر عنها تقصيرًا معروفاً.

والأشعرية فيما يثبتونه من السنة فرع على الحنبلية، كما أن متكلمة الحنبلية فيما يحتجون به من القياس العقلي فرع عليهم , وإنما وقعت الفرقة بسبب فتنة القشيري، ولا ريب أن الأشعرية الخراسانيين كانوا قد انحرفوا إلى التعطيل، وكثير من الحنبلية زادوا في الإثبات.

وصَنَّفَ القاضي أبو يعلى كتابه في إبطال التأويل، رَدَّ فيه على ابن فورك شيخ القشيري، وكان الخليفة وغيره مائِلين إليه، فلما صار للقشيرية دولة بسبب السلاجقة؛ جَرَتْ تلك الفتنة، وأكثر الحق فيها كان مع الفرائية مع نوع من الباطل، وكان مع القشيرية فيها نوع من الحق مع كثير من الباطل.([340]) اهـ

قلت: فتأمل إنصافه -رحمه الله- للمخالفين، وبيانه مقدار المخالفة، ومقارنتها بمن هم أشدُّ مخالفةً وانحرافاً، وهذا مما عُرِف به أهل السنة من الإنصاف والعدل، أما الغلاة فليس عندهم إلا أحكام مطلقة على من خالف أهواءَهم ومُحدَثاتهم، فأين الثَّرى من الثُّريا؟!

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن ابن رُشْد: «وقد رَدَّ على أبي حامد في «تهافت التهافت» ردًّا أَخْطَأَ في كثير منه، والصواب مع أبي حامد.. وقد تكلمتُ على ذلك، وبَيَّنْتُ تحقيق ما قاله أبو حامد في ذلك من الصواب الموافق لأصول الإسلام، وخطأ ما خالفه من كلام ابن رشد وغيره من الفلاسفة، وإن ما قالوه من الحق الموافق للكتاب والسنة لا يُرَدُّ، بل يُقْبَلُ، وما قَصَّر فيه أبو حامد من إفساد أقوالهم الفاسدة؛ فيمكن رَدُّهُ بطريق أخرى، يُعَانُ بها أبو حامد على قَصْدِهِ الصحيح. اهـ

كما يمتدح شيخ الإسلام -رحمه الله- ردود الغزالي على الفلاسفة في مسألة إثبات الصانع، وينقل ما ذكره من الطعن في طريقة ابن سينا وأمثاله، ثم يقول شيخ الإسلام معقباً: «وهذا الوجه الذي ذكره أبو حامد أَحْسَنَ فيه، وكنت قد كتبتُ على توحيد الفلاسفة ونفيهم الصفات كلاماً، بينت فيه فساد كلامهم في طريقة التركيب قبل أن أَقِفَ على كلام أبي حامد، ثم رأيتُ أبا حامد قد تكلم بما يوافق ذلك الذي كتبته، كما يعترف له في مناسبات أخرى.([341])اهـ

هذا، مع أن خلاف أهل السنة مع الأشاعرة والكُلابية والكَرَّامية والسالمية لا يَخْفَى على أحد، بل هناك من يرى في بعض كلامهم الكفر من التأويل المفضي إلى التعطيل، والبعض الآخر يخرجهم من دائرة السنة بالكلية، والبعض الأخير يجعلهم أهلَ سنة فيما وافقوا فيه، وأهلَ بدعة فيما خالفوا فيه، فلا يَحْكُم لهم بهذا أو ذاك بإطلاق.

فلا يلزم من جَمْع الكلمة مع المخالف -في بعض الأحيان لمصلحة شرعية- الذوبانُ في الجماعات الأخرى، ولا يلزم من محافظتنا على منهجنا وخصوصياتنا، أن نُقَوِّي شوكَةَ العدوِّ الأكثرِ انحرافا وحِقْدا وفَتْكا بالحق وأهله من حيث لا نَشْعُر، فنخذل من هو أقرب منه إلى الحق، نكايةً بالجماعة الفلانية، أو بالحزب الفلاني!!

والحقُّ وَسَطٌ بين طرفين، وهُدًى بين ضلالتين، ووادٍ بين جَبَلين وعِريْن!! [ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ] {البقرة:269}.

ولذلك قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: «فمتى تَرَكَ الناسُ بعضَ ما أَمَرَهُم اللهُ به؛ وَقَعَتْ بينهم العداوةُ والبغضاءُ، وإذا تَفَرَّقَ القومُ؛ فَسَدُوا وهَلَكُوا، وإذا اجْتَمَعُوا؛ صَلَحُوا ومَلَكُوا؛ فإن الجماعة رحمةٌ، والفُرْقَةَ عذابٌ». اهـ([342])

* * *

الخامس والأربعون:

  • ومن أهم المعالم عند أهل السنة: الاستدلالُ قبل الاعتقاد:

قَالَ صاحب الفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى- في «شرح السفارينية» (ص400 ط الوطن): «التعصُّبُ للقول سببٌ للضلال، وأن الإنسان ينبغي أن يَسْتَدِلَّ ثم يَعْتَقِدَ، لا أن يَعْتَقِدَ ثم يَسْتَدِلَّ؛ لأنه إذا اعتقد ثم استدل؛ يَلْوِي أعناقَ النصوص لتوافق ما اعتقد، لكن إذا استدل أولاً، ثم اعتقد؛ بَنَى عقيدته على الدليل، ووافق الدليل.

وأسأل الله أن يعفو لإخواننا العلماء السابقين واللاحقين الذين يعتقدون أشياء، ثم يحاولون لَيّ أعناق النصوص إلى ما يعتقدون، وهذا لا شك أنه خطأ، فنحن نؤمن بأن الأحكام مَرَدُّها إلى الله، فإذا حَكَمَ اللهُ أو رسولُهُ بحكم لا نَسْتَحْيي أن نُطَبِّقَه، ولا نَخْجَل ولا نَتَهَيَّب، فالحُكْم ليس إلينا، بل نحن مُنَفِّذون، ولا نَهِيب».

وقَالَ -رحمه الله- أيضًا([343]): «والآفة تأتي من كون الإنسان يعتقد أولاً ثم يستدل ثانياً؛ لأنه إذا اعتقد أولاً أن الحكم كذا وكذا؛ صار كلما أتى نصٌّ يخالف ما يعتقد؛ حاول أن يُنْزِلَه على ما يعتقد، وهذه آفة عظيمة، هذه الطريق توجب أن يكون الإنسان قد جعل النصوص تَابِعَةً لا مَتْبُوعَةً، والواجب على الإنسان أن يجعل النصوص مَتْبُوعَةً لا تَابِعَةً، حتى يَسْلَمَ من هذه الآفة.

* * *

السادس والأربعون:

  • لُزومُ أهل السنة المنهج الوسطيَّ في جميع عقائدهم وأحوالهم:

وسأذكر بعض صُوَر توسُّط أهل السنة والجماعة بين أهل الفِرَق، ولا أستوعب ذلك؛ فقد سبق أكثرُه، إنما أُشير إلى بعض الصُّور التي شاع بسببها اختلاف بين طلاب العلم، فمن ذلك:

قلت: وقبل البدء بذِكْر بعض هذه الصور؛ أُؤكِّد على أن أهل السنة أَسْعَدُ الطوائف بالمنقول والمعقول، وبالنظر والاعتبار والآثار، وتراهم قد سَلِمُوا مِنْ كُلِّ الإيرادات على مخالفيهم، وترى حُجَّتهم قاهرةً، ومَحَجَّتهم ظاهرةً، حتى إن كثيراً من الفرق -على انحرافها- باعتقاد أهل السنة يتظاهر، وإذا رَدَّ أهل السنة على المخالف؛ فإنه لا يستطيع أن يخرج عن إلزاماتهم، ولا يستطيع أن يُلْزِمَهُم بما يُلْزِمونَه به، ولا يستطيع أن يَقْلِبَ حجتهم عليهم، كما يفعلون هم مع أهل الفِرَق الأخرى من أهل الأهواء!!!

وهذا كله تطبيق عملي منهم للمعالم السابقة وغيرها عَبْر قرون متطاولة، وكما قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «ومن المعلوم أن العِلْمَ أصلُ العمل، وصِحَّةَ الأصولِ تُوجِبُ صِحَّةَ الفروع»([344]) اهـ.

وقَالَ: «ونحن نَذْكُر قاعدةً جامعةً في هذا الباب لهم ولسائر الأمة، فنقول: لابد أن يكون مع الإنسان أصولٌ كليَّةٌ يَرُدُّ إليها الجزئيات؛ ليتكلم بعِلْم وعَدْل، ثم يَعْرِفُ الجزئياتِ كيف وَقَعَتْ؛ وإلا فيبْقَى في كَذِبٍ وجَهْلٍ في الجزئيات، وجَهْلٍ وظُلْمٍ في الكليات؛ فَيَتَوَلَّدُ فسادٌ عظيم»([345]) اهـ.

وقَالَ في بيان تَخَبُّط الرافضة: «ولهذا قَالَ فيهم الشعبي: «يَأْخُذُون بأعْجَاٍز لا صُدُور لها» أي بفُروعٍ لا أُصولَ لها«([346]). اهـ.

فمن ذلك: (وسَطيةُ أهلِ السنة في باب الدعوة إلى الجهاد)

معلوم أن الجهاد في سبيل الله ذروة سنام هذا الدين، وقد أَعَد َّ الله للمجاهدين درجاتٍ عاليَّة وفضلًا عظيمًا.

إلا أن للجهاد في الإسلام غاية، قد حَدَّدَها الله -عز وجل- في كتابه فقَالَ –جل وعلا-: [ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ] {الأنفال:39}، وقد بَيَّنَها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بقوله: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا؛ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»([347]).

فليس كل من اندفع للقتال -وإنْ أَفْضَى هذا الاندفاع إلى مفاسِدَ أكبر أو أكثر-؛ كان مجاهداً ممدوحاً مشكوراً.

فالجهاد ليس اندفاعةً لا خطام لها ولا زمام في وجه العدو، ولا مجرد انغماس في صفوف الأعداء دون المبالاة بعاقبة ذلك على الإسلام وأهله، كما أنه ليس مجرد تنظير عقيم، فإذا حانَ وَقْتُهُ كَثُرَتْ الشكوكُ والهواجسُ والأوهامُ!!

كما أن الجهاد لم ينحصر في القتال: فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله -عز وجل- من الجهاد الكبير، كما قَالَ تعالى في سورة الفرقان المكية: [ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ] {الفرقان:51، 52}، ومعلوم أن الجهاد في مكة لم يكن بالسيف والسنان، إنما كان بالحجة والبيان.

بل إن هذا الجهاد هو أعظم أنواع الجهاد، وهو جهادُ الخاصَّةِ في الأُمم.

كما قَالَ الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى:

«فقَوَامُ الدّين بِالْعلمِ وَالْجهَاد، وَلِهَذَا كَانَ الْجِهَاد نَوْعَيْنِ: جِهَاد بِالْيَدِ والسنان، وَهَذَا المشارِك فِيهِ كثير، وَالثَّانِي الْجِهَاد بِالْحجَّةِ وَالْبَيَان، وَهَذَا جِهَاد الْخَاصَّة من أتْبَاع الرُّسُل، وَهُوَ جِهَاد الأئمة، وَهُوَ أفضل الجهادَيْنِ؛ لِعِظَمِ منفعَتِهِ، وَشدَّة مُؤْنَتِهِ، وَكَثْرَةِ أعدائه، قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْفرْقَان -وَهِي مَكِّيَّة-: [ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ] { الفرقان:51-52}، فَهَذَا جِهَاد لَهُم بِالْقُرْآنِ، وَهُوَ أكبر الجهادَيْن، وَهُوَ -أي الجهاد بالحجة والبيان- جِهَاد الْمُنَافِقين أيضًا؛ فَإِن الْمُنَافِقين لم يَكُونُوا يُقَاتِلُون الْمُسلمين، بل كانوا معهم فِي الظَّاهِر، وَرُبمَا كَانُوا يُقَاتلُون عَدُوَّهُم مَعَهم، وَمَعَ هَذَا فقد قَالَ تَعَالَى: [ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ] {التحريم:9}، وَمَعْلُوم أن جِهَاد الْمُنَافِقين بِالْحجَّةِ وَالْقُرْآن، وَالْمَقْصُود أن سَبِيل الله هِيَ الْجِهَادُ، وَطلبُ الْعلم، ودعوةُ الْخلق بِهِ إلى الله، وَلِهَذَا قَالَ معَاذ -رضي الله عنه-: «عَلَيْكُم بِطَلَب الْعلم؛ فَإِن تَعَلُّمَهُ لله خَشْيَة، ومُدَارَسَتَهُ عبَادَة، ومُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيح، والبحْثَ عَنهُ جِهَاد»([348])، وَلِهَذَا قَرَنَ -سُبْحَانَهُ- بَين الْكتاب الْمُنَزَّل وَالْحَدِيد النَّاصِر، كَمَا قَالَ تَعَالَى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ] {الحديد:25} فَذَكَر الْكتابَ وَالْحَدِيدَ؛ إِذْ بهما قَوامُ الدّين، كَمَا قيل:

فَمَا هُوَ إِلَّا الْوَحْيُ أو حَدُّ مُرْهَفٍ([349])تُميل ظِباه([350]) أَخْدَعَي([351]) كُلِّ مَائل
فَهَذَا شِفَاء الدَّاء من كل عَاقلوَهَذَا دَوَاء الدَّاء من كل جَاهِل

وَلما كَانَ كل من الْجِهَاد بِالسَّيْفِ وَالْحجّة يُسَمَّى «سَبِيلَ الله»؛ فَسَّرَ الصَّحَابَة -رضي الله عنهم- قَوْله: [ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ] {النساء:59}، بالأمراء وَالْعُلَمَاء، فَإِنَّهُم المجاهدون فِي سَبِيل الله، هَؤُلَاءِ بِأَيْدِيهِم، وَهَؤُلَاء بألسنتهم؛ فَطَلَبُ الْعلم وتعليمُهُ من أعظم سَبِيل الله -عز وَجل- قَالَ كَعْب الأحبار: طَالبُ الْعِلْم كالغادِي الرايِح فِي سَبِيل الله -عز وَجل- وَجَاء عَن بعض الصَّحَابَة -رضي الله عنهم-: إِذا جَاءَ الْمَوْتُ طَالبَ الْعلم -وَهُوَ على هَذِه الْحَال- مَاتَ وَهُوَ شَهِيد([352])، وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: من طلب الْعلم؛ فقد بَايع الله -عز وَجل-، وَقَالَ أبو الدَّرْدَاء([353]): «من رأى الغُدُوَّ والرواحَ إلى الْعلم لَيْسَ بجهاد؛ فَقَدْ نَقَصَ فِي عَقْلِه وَرَأْيه»([354]).

كما أنه يُفَرّق عند الكلام على الجهاد بين حالة الضعف وحالة القوة، ففي زمن الضعف يكون الجهاد الأكبر هو جهاد الدعوة والبيان، ودَفْعُ شبهات المخالفين؛ للحفاظ على سلامة اعتقاد المسلمين، والحفاظ على رأس المال -دون المبالغة في طلب الزيادة ما أمكن- مُتَعيَّن؛ وذلك إذا يَئِسْنا من تحصيل الربح والزيادة.

وكذلك الجهادُ بالحوار والمناظرات، والجهادُ بالدعوةِ إلى الفضيلة، وكَشْفِ المخططات التي تُحاكُ للأمة، والجهادُ والدعوةُ بالثبات على الواجبات الدينية، والجهادُ بتربية أبناء المسلمين على الإسلام الصافي، وبَثِّ روح الثقة بالله وبكتابه ودينه فيهم، والاعتزازِ بالحق، والحياةِ من أجله، وكَشْفِ عُوار البدع والمحْدَثات، وتعرية النظريات والمؤسسات والتنظيمات والمنظمات التي ظاهرها الرحمةُ وباطنُها العذابُ، ونَشْرِ العلم النافع، وتعليمِ المسلمين أَمْرَ دينهم في عقائدهم، وعباداتهم ومعاملاتهم، ومزاحمةِ أهل الباطل بالمنهج الرباني الصحيح، مع الحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، وعدم تخلية المجالات لهم؛ فيعيثون في الأرض فسادًا وفتنة، وتقليلُ الشرِّ ما أمكن لُبُّ الشريعة ورُوحُها، كل هذا مع التدين، والعفاف، والزهد، ومكارم الأخلاق، والحكمة والوسطية في الأمر كله.

وإذا كان المسلمون أقوياء مجتمعين على راية الحق؛ دَعَوْا إلى الله الأُمَمَ الأخرى، وبيّنوا لهم محاسن الإسلام، وكَشفوا لهم عن بؤس النظريات المنحرفة، أو الديانات المحَرَّفة، وحاوروا حَمَلَةَ وسَدَنَةَ هذه الأفكار بالتي هي أحسن، حتى يدخل الناس في دين الله أفواجًا، ويَحْيَى مَنْ حَيَّ عن بَيِّنَةٍ، ويَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عن بينة، ولا يكون هَمُّهُم القتالَ وإراقةَ الدماء، إنما هَمُّهُم دخولُ الناس في الدين، فمن أَبَى، ووقف أمام الدعوة، وحاربها، وحالَ بينهما وبين الناس؛ حاربه المسلمون، ليدفعوا شَرَّه عنهم، وليفتحوا المجال إلى الأمم، ويُخَلُّوا بينها وبين دين الله –عز وجل- فمن سالم الدعوة؛ سالموه، ومن حاربها؛ حاربوه -على تفاصيل معروفة في كتب الفقه-.

أما الذين يُنادُون بالجهاد المسلح اليوم في وجه الدول والشعوب المسلمة وحكَّامهم؛ فهذا ضلال مبين، والذين ينادون بذلك في بلاد غير المسلمين، إما أن يقولوا: المسلمون أقوياء قادرون على ذلك، وصفوفهم متماسكة، كما وصفهم الله تعالى بقوله: [ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ] {الصف:4}، وإما أن يقولوا: المسلمون ضعفاء في القوة والعُدَّة أمام عدوهم، وصفوفهم مُمَزَّقة بالبدع والأهواء والضلالات والحزبيات والولاءات الضيقة…، وأكثرهم خاضعون لدول كافرة !!

فإن قَالَوا بالقول الأول؛ رَدَّ الواقع عليهم، وإن قَالَوا بالثاني؛ فكيف ينادون بالجهاد المسلح والأمة كذلك؟ أليس الله -عز وجل- يأمر بإعداد العدة: [ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ] {الأنفال:60} وهذا الأمر يتضمن مسألتين:

الأولى: إيجاد الفئة التي هُيّئت لهذا الخطاب (وَأَعِدُّوا) فلو كان المسلمون على الوصف السابق؛ فهم بحاجة إلى إيجاد أمة قد رُبِّيت تربية صحيحة تُخَاطَبُ بهذا أولا، فالجهاد من قبل لم يُفْرَض إلا بعد تربية الأمة التي رفعتْ رايته، ثم تُخَاطَبُ بعد ذلك بإعداد القوة، ولا يلزم من ذلك التأخير حتى يتم إعداد أمة على ما كان عليه الصحابة -رضي الله عنهم- لكن يجزئ وجود أمة: عَدَدٌ أو عُدَّةٌ -يستطيع قادتها- بتقدير أهل العلم والخبرة، لا بتقدير أهل الحماس المُتَقَلِّب، والتهور غير المنضبط!!- أن يكسبوا المعركة لصالح الإسلام وأهله.

الثانية: الأمر بالإعداد الذي يُوقِعُ الرهبة في قلوب العدو، فما لم يُوقِع الرهبة في العدو؛ فليس هو الإعداد الذي أُمرنا به، ولا يجوز الإقدام به على الحرب التي تستأصل المسلمين بلا نكاية في العدو تدرأ فتنتهم، وتجعل كلمة الله هي العليا!!!

والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد اسْتُؤْذِن من بعض أصحابه في مكة، ليأذن لهم في القتال؛ فأمرهم بالكَفِّ؛ لأن الله -عز وجل- يعلم أنهم إن قاموا بذلك، ولم يُتِمُّوا إعداد العدة والقوة الإيمانية والمادية؛ فستكون الدائرةُ عليهم، ولا يُراد بالجهاد الانتحار، واستئصال ما بقي من خير في المسلمين، إنما يراد به عِزَّةُ الدين، فإذا كان الجهاد يؤول إلى عكس المقصد الشرعي من الجهاد؛ فهو فساد، وليس بجهاد في سبيل الله، إنما هو اتباع للهوى، ونَزْغة شيطانية، ولذلك نزل قوله تعالى: [ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ] {النساء:77}.

* وعن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-؛ قال: إن عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له أتوا النبيَّ – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – بمكة، فقالوا: يا رسول الله! إنا في عِزٍّ ونحن مشركون، فلما آمنا؛ صِرْنا أَذِلَّةً، فقال: «إني أُمرتُ بالعفو؛ فلا تقاتلوا»، فلما حوّله الله إلى المدينة؛ أمر بالقتال؛ فكَفُّوا؛ فأنزل الله -عزّ وجلّ-: [ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ] {النساء:77}.([355])

* وعن قتادة؛ قال: كان أناس من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وهو يومئذٍ بمكة قبل الهجرة تسرَّعوا إلى القتال، فقالوا لنبي الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: ذَرْنا نَتَّخِذْ معاوِلَ؛ فنقاتِلَ المشركين بمكة، فنهاهم نبيُّ الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – عن ذلك؛ وقال: «لم أُومَرْ بذلك»، فلما كانت الهجرة، وأُمِرَ بالقتال؛ كَرِهَ القومُ ذلك، فصنعوا فيه ما تسمعون؛ فقال الله -تعالى-: [ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ] {النساء:77}.([356])

قال الحافظ ابن كثير – رحمه الله -: «كَانَ الْمُؤْمِنُونَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ -وَهُمْ بِمَكَّةَ -مَأْمُورِينَ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ النُّصُب، لَكِنْ كَانُوا مَأْمُورِينَ بِمُوَاسَاةِ الْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ، وَكَانُوا مَأْمُورِينَ بِالصَّفْحِ وَالْعَفْوِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، وَالصَّبْرِ إِلَى حِينٍ، وَكَانُوا يَتَحَرَّقُونَ، وَيَوَدُّونَ لَوْ أُمِرُوا بِالْقِتَالِ؛ لِيَشْتَفُوا مِنْ أَعْدَائِهِمْ، وَلَمْ يَكُنِ الْحَالُ إِذْ ذَاكَ مُنَاسِبًا لِأَسْبَابٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا: قِلَّةُ عَدَدِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَثْرَةِ عَدَدِ عَدُّوِهِمْ، وَمِنْهَا كَوْنُهُمْ كَانُوا فِي بَلَدِهِمْ، وَهُوَ بَلَدٌ حَرَامٌ، وَأَشْرَفُ بِقَاعِ الْأَرْضِ؛ فَلَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ بِالْقِتَالِ فِيهِ ابْتِدَاءً لَائِقًا؛ فَلِهَذَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالْجِهَادِ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ، لَمَّا صَارَتْ لَهُمْ دَارٌ وَمَنَعَةٌ وَأَنْصَارٌ، وَمَعَ هَذَا لَمَّا أُمِرُوا بِمَا كَانُوا يَوَدُّونَهُ؛ جَزع بَعْضُهُمْ مِنْهُ، وَخَافُوا مِنْ مُوَاجَهَةِ النَّاسِ خَوْفًا شَدِيدًا [ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭﮮ] {النساء:77} أَيْ: لَوْ مَا أَخَّرْتَ فَرْضَهُ إِلَى مُدَّةٍ أُخْرَى؛ فَإِنَّ فِيهِ سَفْكَ الدِّمَاءِ، ويُتْم الْأَبْنَاءِ، وَتَأَيُّمَ النِّسَاءِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ] {محمد:20-21}». اهـ([357])

ولو سألنا من ينادي اليوم بذلك: هل المؤمنون يَقْدِر كلٌّ منهم في قريته أو مدينته -على الأقل- على جهاد أهلها –هذا لو سلمنا له جدلا بأن أهل قريته يستحقون الجهاد!! – أم أن أَتْبَاعه غير قادرين؟ فإن قَالَ: نعم، هم قادرون على ذلك؛ كذَّبه الواقع، بدليل أن سيره فيما يسمِّيه «الجهاد» مُتَعَثِّرٌ، وأنه في بلده مُستَخْفٍ من قومه، بل يسْعى للهجرة والفرار!!! وإن قَالَ: لا، هم غير قادرين، فلماذا يصرخ فيهم بما يُكَلِّفُهم فوق طاقتهم؟

فإن قَالَ: نحن في مقام جهاد الدَّفْع لا الطلب، ولا يُشترط فيه وجودُ قوة، إنما يُراد إخراج الكفار من بلاد المسلمين.

فالجواب: أن إخراجهم اليوم -وهم بالقوة التي لا تخفى علينا، والمسلمون اليوم بالضعف الذي لا يخفى على أحد- يحتاج إلى قوة تدفع قوتهم، فدعوى عدم اشتراط القوة الكافية في جهاد الدفع يردها الواقع والدليل؛ فإن جهاد الدفع واجب من جملة الواجبات الشرعية، ويُشترط فيها القوة والقدرة، لقوله تعالى: [ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ] {التغابن:16} وقوله
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ما أَمَرْتُكُم بأَمْرٍ؛ فَأْتُوا منه ما استطعتم»([358])، فما هو دليلكم على إخراج جهاد الدفع من هذا العموم؟

وقد قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله-: «ومن كان عاجزاً عن إقامة الدين بالسلطان والجهاد، ففعل ما يَقْدِرُ عليه: من النصيحة بقلبه، والدعاء للأمة، وحُبِّهِ الخير، وفِعْلِ ما يَقْدِر عليه من الخير؛ لم يُكَلَّف ما يَعْجَزُ عنه..»([359]) اهـ.

وقَالَ الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله-: «المهم أنه يجب على المسلمين الجهاد، حتى تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، لكن الآن ليس بأيدي المسلمين ما يستطيعون به جهاد الكفار، حتى ولو جهاد مدافعة، وجهاد المهاجمة ما في شك الآن أنه غير مُمْكِن، حتى يأتي الله بأمة واعية، تستعّد إيمانيًّا ونفسيًّا، ثم عسكريًّا، أما نحن على هذا الوضع فلا يمكن أن نجاهد»([360]) اهـ.

قلت: ومهما طال الوقت في إعداد أمة تَحْمِلُ هذا الدين بصدْق وعِلْم ووعْي؛ فليس في ذلك تضييع وقت، بل هذا الذي نقدر عليه، ولا يكلفنا الله إلا بقدر استطاعتنا، وسيأتي الله بقوم يُكْمِلون الطريق، ويَصِلُون إلى نهاية الدرب، وهم يسيرون على خُطًى ثابتة وواعية، وما لا يُدْرَك كُلُّه؛ لا يُتْرك جُلُّه؛ فَلْنَضَعْ لَبِنَةً في جدار التمكين وَضْعًا صحيحًا ولْنَخْطُ خُطْوةً ثابتة في الطريق الصحيح، وغيرنا يقوم بعدنا بما يقدر عليه، وهكذا من بعدهم؛ حتى يُهيِّئ الله -جل شأنه- للأمة التمكين. [ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ] {الطلاق:7}.

ثم يُنظر إلى آثار من نادى بالجهاد بالعلم والتعليم والدعوة إلى الله -عز وجل- وآثار من نادى بالجهاد المسلَّح، وماذا جَرَّ كل منهما على الأمة؟

وآثار من تأصَّل فيه منهج السلف وقواعدهم، ومن تخطَّفته الآراء والأفكار، وأَكْثَرَ التَّنَقُّلَ بين الجماعات، والتنظيمات، وربما تَرَكَ الأمر كُلَّه في النهاية؟

ثم يُنْظَر: من الذي احتاجت إليه الأمة في أمر دينها من أصحاب هذين المنهجين؟ ومن الذي زاحم أهل البدع والأهواء والفرق التي تقذف بآلاف الشبهات على الأمة بجميع الوسائل، ومن الذي انحاز واعتزل، أو هَرَبَ وطلب اللجوء السياسي عند دول غير المسلمين؟

ومن الذي له يد بيضاء على أبناء هذه النهضة العلمية، واليقظة الدينية في العالم كله من أهل هذين المنهجين؟ ومَنْ هَمُّهُ التكفير منهما، ومَنْ هَمُّهُ الإصلاح والتغيير، ولو بتقليل الشر إذا عَجَزَ عن تعطيله بالكلية؟ ومَنْ الذي يحترم العلماء والمُصْلِحين على اختلاف بلدانهم ومشاربهم، ويَعْرِفُ لهم حَقَّهم وقَدْرَهُم، ومن يَطْعَنُ في صبرهم وجهادهم في الدعوة وصلاحهم، ويرميهم بالعمالة والجاسوسية، وبيع الدين بعَرَضٍ من الدنيا الفانية، والتزلُّف لأهل الحل والعقد، بل والخنوع لهم ولمن وراءهم من اليهود والنصارى وغيرهم!! وهذا كله أوصاف قبيحة يتنزه عنه عقلاء العوام فضلا عن كبار علماء الأمة اليوم؟! ومن دخل من المنهجين بدعوته أدغال إفريقيا، وغياهب أوربا، وظلمات الصين، وغيرهم من البلدان؟ ومن كانت دعوته سببا في تفرق الدعاة والدعوة في بلده، وطَيّ الفراش الذي بَسَطَه العلماء الكبار بحكمتهم وجِدِّهم وإخلاصهم؟ كل هذا وغيره يدلنا على أي المنهجين أَقْوَمُ قِيلًا وأَهْدَى سبيلاً.

ثم إنك ترى المشغولين بالجهاد المسلح الأرعن لا يَهُمُّهم من الدين
-في أكثر أوقاتهم- إلا هذه الجزئية، وذلك على حساب كليات وجزئيات أخرى، وأما أهل العلم والحكمة؛ فتراهم في ميدان العقيدة ينافحون، وبتعليم العبادات والأحكام يشتغلون، وبغرس الورع والزهد والتقى والحرص على النوافل هم قائمون، وبكشْف مكايد الأعداء يَصُولون ويجولون، وبالسعي إلى رص ِّالصفوف، وتبجيل العلماء هم مهتمون، وعن مجال الإصلاح بين الناس، والقضاء في الخصومات، وإصلاح الأُسر والمجتمعات لا يغيبون، وعن تنقية السنة وتصفيتها من الشوائب والأهواء لا يتخلفون، بل يتسابقون، وفي النهضة بمستوى المرأة لتفادي ما يُكاد لها يصيحون، وبتميز الولاء العقدي والشخصية المسلمة يُنادون، وغيرهم تقذف بهم الأفكار والمصالح المزعومة في أحضان الأعداء، بعد أن يموّهوا على الأتباع بأنهم صاروا من الأصدقاء، ومن العجب أنهم يثقون في دول الشرق والغرب، ويكيدون للدول العربية والإسلامية، ويطعنون في حكامها وعلمائها،-وإن كانت هناك انحرافات منهم في جوانب شتى- لكن بلاد الإسلام على ما فيها أقلُّ شرًّا، وأكثر خيراً، وأسلم عاقبة ومآلا على هؤلاء وذرياتهم لو كانوا يعلمون، فهل يأمن من يعيش في الغرب أو الشرق على الجيل الثاني أو الثالث من أولاده: أن لا يذهبوا للكنائس والصلبان، أو ينخرطوا في تنظيمات علمانية وماسونية، لا هَمَّ لها إلا الكيد للإسلام وأهله ودُوَله وشعوبه، ورجاله ونسائه وأطفاله، ودماء أهله وأموالهم ومقدراتهم وثرواتهم، وأعراضهم وأمنهم واستقرارهم، وتقدمهم وازدهارهم، وتلاحمهم وتماسكهم، والحفاظ على هيبتهم؟! فأي الفريقين أَنْفَعُ لنفسه و لأُمته؟ [ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ] {الأنعام:143}، ويحْسُن هنا أن نَذْكُر قول من قال: «رَحِمَ اللهُ امْرَءًا عَرَفَ قَدْر نَفْسِهِ»([361]).

ومن ذلك: (الوسطية في الدعوة إلى اجتماع الكلمة)

إن الدعوة إلى اجتماع الكلمة تَلْقَي الرواج والفرحة عند المخلصين والغيورين، الذين يَحْمِلُون هَمَّ الأمة المسلمة في كل عَصْر ومَصْر، وقد أمر الله -سبحانه وتعالى- باجتماع الكلمة، وحذَّر من الفُرْقة والاختلاف، واتباعِ كلِّ ذي رَأْيٍ رَأْيَهُ؛ لأن هذا يفضي إلى الوهن وتسلُّط الأعداء.

والاجتماعُ على طاعة الله: قد أَمَرَ به النَّقْلُ والْعَقْلُ والْعُرْفُ والْوَاقِعُ:

* قَالَ تعالى: [ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ] {آل عمران:103}، وقَالَ تعالى: [ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ] {الروم:31، 32}، وقَالَ -جَلَّ ذِكْره-: [ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ] {الأنعام:159} فبّرأ الله رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من الانتساب إلى أهل الفُرْقَة في الدين، والاختلافِ والتَّشَيُّعِ والتحَزُّب فيه؛ وذلك لأن هذه الأعمال لا تقوم معها للدين قائمة.

* وقَالَ -جل وعلا-: [ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ] {الأنفال:46}، وقَالَ -سبحانه وتعالى-: [ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ] {الشورى:13}، وذمّ الله أهل الفُرْقة بعد أن جاءهم العِلْم، وبيّن أن سبب ذلك هو بَغْيُ بعضِهِم على بعض، فقَالَ تعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ] {الشورى:14}، وحذَّر رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من الفُرقة، فقَالَ: «لا تحاسَدُوا، ولا تباغَضُوا، ولا تنافَسُوا، وكونوا عِبادَ الله إخوانا…»([362]) وقَالَ: «يد الله مع الجماعة»([363]) وكان -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حريصاّ على إصلاح ذات البين، وجعل فسادها ذهاباً للدين، فقَالَ: «وإياكم والحالقة» قَالَوا: وما الحالقة؟ قَالَ: «فساد ذات البين»([364]) وكان من أهم أعماله –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- آخى بين المهاجرين والأنصار، وأغلق-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الباب أمام كل ما يُفَرِّق الصفوف، ويُفْضِي إلى تنافر القلوب، ولو كان في أشرف العبادات، وهي الصلاة، فكان يُسَوِّي الصفوفَ، ويقول: «لا تختلفوا؛ فتختلِفَ قلوبُكُم»([365] وقَالَ مُنْكِراً على معاذٍ -رضي الله عنه- لما أطال الصلاة: «إنَّ فيكُم مُنَفِّرِين»([366]) وقَالَ منكراً على أبي ذر عندما سبَّ غلامه وعَيَّرَه بأُمِّهِ: «إنك امرؤ فيك جاهلية»([367]) وذهب إلى بني عبد الأشهل ليصلح بينهم، وسارع في جمع الأنصار عندما بلغه أن بعض صغارهم قَالَوا يوم حنين: «يغفر الله لرسول الله: إنه يُعْطِي قريشًا غنائمنا، وإِنَّ سُيُوفَنَا لَتَقْطُرُ مِنْ دِمَائهم..»([368]) وشَبَّه رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- المؤمنَ للمؤمنِ بالجسد الواحد، «إذا اشْتَكى منه عُضْوٌ تَدَاعَى له سائرُ الجسدِ بالحُمَّى والسهر»([369]) فهذه سُنَنٌ قَوْلية وعَمَلية منه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في السعي إلى جَمْع الكلمة، والحذر من كل ما يُفْضِي إلى الفُرْقةِ([370]).

وقد حرص علماءُ السنة على هذا الأصل العظيم بعد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فكل ما يؤول إلى الفُرقة والوهن حذّروا منه، ودَعَوْا الناسَ إلى الاعتصام بالأمر العتيق، وتسَمَّوْا بأهل السنة والجماعة، مما يدل على أنهم يَدْعُون إلى الأمرين جميعًا، فَيَدْعُون إلى السنة في اجتماع وقوة، وإلى الاجتماع على السنة والبصيرة في الدين، أو يَدْعون إلى السنة بلا تشنيع، وإلى الاجتماع بلا تمييع، فهم أهل سنة وجماعة، وأهل اتباع واجتماع ، وأهل تمسُّك وتماسُك، وأهل كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة، فلم يقع هذا الشعار عند هذه الطائفة من فراغ، ولا وقع اتفاقاً دون قصْد وإدراك لمدلوله وما يُحترز به منه؛ فإنه احتراز من أهل البدعة والفُرْقة، والسنةُ إذا أُخِذَتْ من جميع جوانبها؛ كانت باباً للاجتماع والائتلاف والقوة، وإذا أُخِذَتْ من جانب مع إهمال جوانب أخرى؛ كانت سببا في الفُرقة والضلالة، كما حصل للأمم السابقة، الذين اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم، والذين ضلوا بعد هُدًى كانوا عليه، وأخذوا ببعض الكتاب، وتركوا بعضه، وكما هو حاصل من حال الغلاة المتهورين في تجريح العاملين في خدمة هذا الدين، ظانِّين أن هؤلاء الدعاة منحرفون، والحال: أن الكثير ممن يطعنون فيهم أَسْعَدُ بالاتباع والاجتماع من ببغاوات الجرح والتعديل بلا أصول وآداب !!!

ومع أن الدعوة إلى اجتماع الكلمة مِنْ أجَلّ الطاعات؛ إلا أنها يجب أن تكون منضبطة بضوابط شرعية، حتى تُؤتي أُكُلها، وتُحمَدَ عاقبتُها؛ فإن هناك مَنْ أَفْرَطَ في ذلك ومن فرّط، والحق الذي عليه علماء أهل السنة وَسَطٌ بين الإفراط والتفريط.

وبالاستقراء للواقع المعاصِرِ؛ وَجَدْتُ دعاةَ الاجتماع على أربعة اتجاهات:

الأول: دعاةُ الماسونية أو العلمانية ومَنْ جَرَى مجراهم: وهم الذين ينادون بحرية الأديان، وعدم النظر إلى الدين عند اجتماع الكلمة على الماسونية ونحوها، فينادون باجتماع اليهودي والنصراني والوثني والمسلم اجتماع أُخُوَّةٍ ومَوَدَّةٍ، ويصرّحون بطرح الدين وراء الظَّهْر، أو أن كل طائفة تحتفظ بدينها لنفسها، وهذا تخطيط منهم لفترة زمنية معينة، ثم يتم الانسلاخ من الأديان كلها، أو من دين الإسلام على وجه التحديد -لأنه هو المستهدف الحقيقي من هذه الدعوة الخبيثة- ويقولون: إن الاختلاف في الأديان لا يُؤَثِّر في الأُخُوَّة والتناصر، أو لا يُفْسد المودَّة والتلاحم!!

ولاشك أن هذا المذهب مصادم لأصل دين الإسلام القائم على قاعدة الولاء والبراء بالضوابط الشرعية، والتفاصيل الفقهية، ومع ذلك فقد أَثْبَتَتْ التجاربُ والمواقفُ أن اليهود وغيرهم لا يتنازلون عن عقائدهم وثوابتهم، وأنهم يروِّجون هذا المذهب لتحقيق مصالحهم فقط، فهؤلاء الدعاة ينظرون إلى المسلمين نظرةَ رَيْبٍ وعَداءٍ، بل نظرةَ احتقارٍ وازْدِراءٍ، ومنهم من يُمَثِّل دَوْرَ الصَّدِيق للمسلمين، والحقيقة أنه مع العدو الظاهر على رأْي واحد في إنهاك المسلمين، وابتزاز ثرواتهم، وتمييع قضيتهم وحقوقهم، وتشويه عقائدهم وأصولهم، فيا ليت قومي يَعْلمون، أو يفقهون، أو يَفْهَمون !!

الثاني: وطائفة أخرى لكنها من جملة المسلمين، بل تنتمي إلى أهل السنة والجماعة: بلغ بها الحماس -بدون ضابط شرعي- إلى الدعوة إلى الاجتماع بمجرد الانتماء إلى الإسلام، والنطق بشهادة أن لا إله إلا الله، فنادوا بالتآخي مع الرافضة الإمامية، وغَضُّوا الطرف عن كل معتقداتهم، ونَسُوا أو تناسَوْا تاريخ الرافضة ومواقفهم وخياناتهم وكيدهم ومكرهم مع أعداء الإسلام والمسلمين، وروّجتْ هذه الطائفةُ باطلها بزعم أن: ربنا وربهم واحد، ونبينا ونبيهم واحد، وديننا واحد، وقبلتنا واحدة، ومصحفنا واحد…الخ، فلماذا نختلف معهم؟

ومع أننا لو سلمنا على مَضَضٍ ومرارة -إرخاءً للعنان- بصحة هذه الوحدة الفكرية؛ لما لزم من ذلك الدعوةُ إلى التآخي والتآلفُ والتناصر بيننا وبينهم، ونسيانُ المعتقداتِ الأخرى التي عندهم، والتاريخِ المظلمِ المملوءِ بالكيد والخداع من هذه الطائفة؛ حتى ننظر شهادةَ العملِ والواقعِ بصحة هذه الشعارات أم لا؟! فكيف إذا كان هناك تصريح من بعض أئمتهم بكلمات تدل على انحرافهم في كثير من هذه الدعاوي التي تزعم الوحدة الفكريةَ؟! فهذا صاحب الأنوار النعمانية([371]) يقول: «وَوَجْهٌ آخر لهذا، لا أعلم إلا أني رأيته في بعض الأخبار، وحاصِلُهُ: أنّا لم نجتمع معهم ـ يعني مع أهل السنةـ على إله، ولا على نبي، ولا على إمام، وذلك أنهم يقولون: إن ربهم هو الذي كان محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نبيه، وخليفته بعده أبو بكر، ونحن لا نقول بهذا الرب، ولا بذلك النبي، بل نقول: إن الرب الذي خليفةُ نَبِيِّهِ أبو بكر ليس ربَّنَا، ولا ذلك النَّبيُّ نَبِيَّنا»([372]) اهـ.

– وكلامهم في أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ورضي الله عنهم- الذي يلزم منه الطعن في الرسول والدين أَشْهَرُ من أن يُذْكَر، بل لا أعلم وَلِيًّا للهِ –عزَّ وجَلَّ- إلا وهم حربٌ عليه، فمن عادى الصحابة، وسَبَّهُم، وطَعَنَ في عدالتهم، وكذلك طعن في التابعين وأتباعهم، وفي أئمة الدين، وأصحاب الصحاح والسنن والمسانيد، ورواة الأحاديث، ونَقَلَة الأخبار، وكُلِّ مَنْ دانَ بدينهم، واحْتَجَّ برواياتهم؛ فهو غير عدل عندهم بل هو كافر، وهم يُعَادون دُوَل الإسلام، وقادة المسلمين، والفقهاء، والمحدثين، والوعَّاظ، والخطباء المفوَّهين، ويُعادون العلمَ الشرعيَّ، وطلابَهُ، ومدارِسَهُ، وجامعاتِهِ، ومؤسساته، والمدرسين، وعَسْكَرَ الإسلام وجنودَهُ، وكل من له يَدٌ بيضاءُ في خدمة الإسلام الصافي وأهله؛ فإنهم يبارزونهم العداء إذا تَمَكَّنوا، وإلا داهنوا وأخذوا بالتقية حتى تأتي فرصة انقضاضهم على أهل السنة -لا رفع الله لهم راية، ولا حقَّق لهم ولأعوانهم غاية، وخالف بين كلمتهم، وجعل تدميرهم في تدبيرهم، وسلَّط بعضهم على بعض، إنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء-: [ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ] {المدثر:31}.

فمن الذي بقي في الأمة وليًّا لهم؟ فإذا كان المهاجرون والأنصار، والسابقون الأولون منهم، والتابعون لهم بإحسان، وإذا كان كل من سبقونا بالإيمان، الذين أُمرنا بالثناء عليهم، والاستغفار لهم، والاقتداء بهم، كما قَالَ تعالى: [ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ] {الحشر:10}، إذا كان هؤلاء جميعًا أعداء للرافضة، فمن بقي من أولياء الله وليًّا لهم؟، ولا تظن أنهم يوالون عليًّا -رضي الله عنه- في عدد يسير من الصحابة، فلو وَالَوْهُم؛ لأخذوا بكلامهم، واتبعوا طريقتهم لا طريقة الفرس، وإنما ادَّعَوا ولايتهم، إمعانا في التغرير والخداع بمن اغتر بهم، والله هو القادر على كَشْف خبيئتهم، وبيان فساد طريقتهم، فوا أَسَفَاه من حال بعض المسلمين المغترين بهم -وإن كانوا يَلْبَسُون ثَوْبَ الدعاة- المُهَوِّنين من خَطَر انحرافهم، المفتونين بإعلامهم وزخارفهم، والمُنْطَلِقين من حماسهم الغاوي ضد حُكَّامهم -على ما فيهم- وكبار علمائهم!!!،

فاحذروا يا أهل السنة من العلماء السياسيين، الذين لا ينطلقون في سياستهم من السياسة الشرعية، فكبار الساسة في العالم لا يدركون حقيقة ما يدور، فكيف بمن هو دونهم من الساسة، بل كيف مُدَّعِي الانشغالِ بالعلم الشرعي والدعوة، وهو من تغلب عليه السياسة العصرية؟؟؟.

– وكلامهم في تحويل القبلة من الكعبة المشرفة إلى كربلاء، وأن الحج إلى مشاهدهم وعتباتهم أفضل من الحج إلى البيت الحرام أشْهَرُ من أن يُذْكَر([373]).

– وكلامهم في أن المصحف مُحَرّفٌ لا يُوثَقُ به([374])، وأن المصحف التام مع إمامهم المختفي في السرداب منذ قرون، وأنه سيظهر في آخر الزمان ومعه المصحف التام، ولا أدري ماذا ستكون فائدة المصحف الذي غاب عن أكثر أجيال وقرون الأمة وقد ماتوا دون أن يقفوا عليه، فما هي فائدةُ ظهوره إذًا في أيام قليلة مشحونة بالفتن والملاحم؟! إنهم يريدون بهذه الخزعبلات أن يلبِّسوا على الناس دينهم، وأن قَتْلهم لأهل السنة آنذاك -لا حَقَّقَ الله مرادهم- أن ذلك كله من عملهم بذاك المصحف الذي أظهروه كذبا وزورا!!!

فهذا وغيره يجعل صاحبَ الحق لا يَضَعُ يَدَهُ في يد هذه الطائفة بالتآخي والتناصر المطلق، وإذا انضم إلى ذلك: ما عُلِم من تواطؤهم مع أعداء الإسلام على أهل الدين الصحيح عبر التاريخ؛ عَلِمْنا فسادَ قول هذه الطائفة، وإذا انضم إلى ذلك: عدمُ صِدْقِهم فيما اتفقوا عليه مع دعاة «التقريب» من أهل السنة، ونقضُهم لما أبرموه معهم، واستمرارُهم في نشر مبادئهم وعقائدهم، واتخاذ هذه المؤامرات التقريبية تخديرا ودغدغة لعواطف أهل السنة؛ ليُتِمُّوا برامجهم الفكرية، وخططهم الفعلية في نَشْر مذهبهم؛ كل ذلك يزيد صاحبَ الحق قناعةً بفساد هذا القول، لاسيما بعد مرور هذه العقود من الزمن على دعوة «التقريب بين السنة والشيعة»، والمستفيد فيها الرافضة الإمامية، لا أهل السنة الذين خُدِعُوا بعواطفَ تَجْعَلُها العقائدُ الراسخةُ عند الرافضة سراباً، وهباءً منثوراً !! وللأسف؛ فقد صرَّح بعض علماء هذه الطائفة بأن في عنقهم بيعة للخميني، وأن ثورتهم ثورة إسلامية، وأنهم هم المناصرون لقضايا المسلمين دون مقاصد أخرى لهم في نَشْر مذاهبهم بين أهل السنة،…. ونحو ذلك!! فلا جعل الله لدعاة «التقريب» قوةً وشوكةً في صفوف المسلمين، وهداهم الله ووفقهم لإصلاح ما أفسدوه، وترميم ما صدَّعوه في بناء الإسلام!!

وأَبْشِروا يا أهل السنة الصافية: فأنتم الطائفةُ المنصورةُ والفرقةُ الناجيةُ، ما دمتم بالحق متمسِّكين، وبمعالم منهج أئمتكم قائمين، فلا يضركم من خَذَلَكم، ولا من خالفكم، حتى يأتي أمر الله ما دمتم على ذلك، فإن شطَّت بكم الأهواء ذات اليمين وذات الشمال – كما هو هذه السنوات-؛ فاحْذَروا من استبدال الله غيركم [ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ] {محمد:38}.

الثالث: قوم أَخَذُوا من الدين بَعْضَهُ، ووالَوْا وعادَوْا عليه، وجعلوا مناط الولاء والبراء موافقتهم على هذا البعضِ وتلك الآراء أو مخالفتهم، فمن وافقهم عليها؛ فله الولاء الكامل، وهو أَسَدٌ من أُسُود السُّنة!! ومن خالفهم فيها أَوْفي بعضها؛ فإنهم يتبرؤون منه براءة تامة، مع أن هذه المسائل ليست من أصول الدين وثوابته العامة، وغايتها أن تكون من المسائل الاجتهادية التي يَسَعُ الخلافُ فيها المخْتَلِفِين، أو أنها من الأصول غير الكبار، فضلاً عن أن يكون الحق في خلاف قولهم، فخالفوا الحق تأصيلاً وتنزيلا، واستدلالا حالا ومآلا.

وهذه الطائفة سلكت مسلكاً حزبياً مقيتا –مع تشدقهم بمحاربة الحزبية والحزبيين- ومن لم يَكُنْ معهم؛ فهو ضدهم، ومن خالفهم في شيء؛ لم يعترفوا له بعد ذلك بحسنة قط، وأفرادهم في ذلك على درجات متفاوتة -إلا من رحم الله- وهذا الاتجاه ينقسم إلى قسمين:

قسم بالغوا في التكفير للمجتمعات وولاة الأمور، والتهييج عليهم، وإشاعة مثالبهم، فآلت الأمور إلى فتنة التفجيرات والاغتيالات -شاؤوا أم أَبَوْا- أو إلى فتنة الثورات والمظاهرات والاعتصامات الغوغائية!!

وقسم اشتغل بالطعن في الدعاة إلى الله، وَوَلَغَ في تصنيف الناس بهوىَ وجَهْلٍ وعصبية، وعدَّ مخالفيه -وإن كانوا أَهْدَى منه سبيلا وأَقْوَمَ قِيلا: أَضَرَّ على الإسلام -الذي يفهمونه هم- وأخبثَ من اليهود والنصارى وغيرهم، وجعلوا عدمَ الاشتغال بزلات كبار الدعاة في المسائل الاجتهادية -بعد التسليم جدلا لهم بأنها زلة منهم على أسوأ تقدير- أَفْسَدَ للأمة من كيد الصهاينة المحتلين، والملاحدة الشيوعيين، والرافضة الماكرين، والنصارى المتسلطين؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقد عَمِلَ دعاة هذا الاتجاه عَملَهُم في صفوف الأمة، وأَثْخَنوا في تماسُكها، وكَشَفُوا عورتها، وأَبْدَوْا سَوْأتها، وسلَّطوا عَدُوَّها عليها، وجَعَلُوا بأسَ الأمة بينها شديدًا، وتَفَرَّقَ الدعاة في القرى والبوادي، والمدن والعواصم، بل فرقوا بين المرء وزوجه، كسحرة الإنس والجن، وقطعوا الأرحام، بدعوى الولاء والبراء، والهجر للمبتدعة!!! مع أنهم هم أحق بالبدعة لو عاملناهم بأصولهم الفاسدة، وبضاعتهم الكاسدة، ثم آل بهذه الطائفة الأمر إلى أن تفرقوا فيما بينهم، وذمُّوا اليوم من كانوا يمدحونهم منهم بالأمس، ويُضْفُون عليهم الألقاب الفضفاضة، والأوصاف التي لا تليق إلا بكبار أهل العلم، فمنهم من يكفِّر من كان يمدحه، ومنهم من يُبَدِّع من كان يرفعه، ومنهم من يحذِّر ممن كان يدعو الناس إلى الأخذ عنه، وهكذا النار يَأْكُل بعضها بعضا إنْ لم تَجِدْ ما تأكله!! فالله المستعان، وعليه التكلان!!

ومعلوم أن هذا مسلك أهل البدع، الذين يُوالون ويُعادون على المسائل الاجتهادية، لا الجمل الثابتة في الدين بالنص والإجماع -كما سبق مفصَّلا-، ونظرًا للفتنة الضاربة من هذه الطائفة، وتلبُّسها بدعوة السنة، وعِظَم الاغترار بهم؛ جعلتُ في هذا الكتاب وغيره قسطًا لا بأس به للرد عليهم، وكشف باطلهم، بالأدلة الشرعية، وأقوال العلماء اللامعة بأنوارها البهية، وأسأل الله العون والقبول، والإخلاص والصواب في أمري كله، ظاهره وباطنه، أوَّله وآخره!!

الرابع: أهل السنة والجماعة هم أهل الحق، وواضحٌ من اسمهم أن أمامهم واجبيْن: واجبَ احياءِ السنة، وتصفيتِها مِن كُلِّ ما يشُوبها، وواجبَ الاجتماع على هذه السنة وأصولها وقواعدها ومنهج أئمتها، والأصل عندهم القيام بالواجبيْن جميعا، فإن تعذّر الجمعُ بينهما في بعض الحالات؛ فتارةً يُقَدِّمُون واجبَ الجماعة أو الاجتماع على واجب السنة والاتباع؛ وذلك حسب قواعد الشرع، وتارة العكس، وذلك حسب نوع ومنزلة المخالف في الاتباع، وهم أهل الحق عبر العصور: وهم الذين عَقَدوا الولاء والبراء على أصول الدين المُحْكَمَة المُجْمَعِ عليها، سواء كان الخلاف في هذا الأصل يُفْضِي إلى التكفير، أو إلى التفسيق والتبديع، فمن آمن بأصول الدين العِلْمية والعَمَلية، وما أَجْمَع عليه أهلُ الحق -ولو كان ذلك في الجملة حتى يقف على التفاصيل- فهو منهم، له ما لهم، وعليه ما عليهم، وإن خالفهم في المسائل الاجتهادية ـ وإن كَثُرَتْ ـ مادام الخلاف فيها سائغًا، ويكتفون ببيان الحق للمخالف وغيره، لكنهم لا يجعلون مسائل العفو – أي ما يسوغ فيها الخلاف والاجتهاد- من مسائل العقوبات والسيئات والتشنيع؛ فإن هذا لا يكون إلا مع من خالف في الأصول الكبرى بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، ولأنَّ جعل مسائل العفو من مسائل التشنيع عَمَلُ أهل البدع، وأيضاً فلم يقبلوا تنازلاً عن الأصول، وهم يسيرون في هذا كله بالميزان الشرعي؛ فلم يُضَخِّمُوا صغيراً، ولم يُحَقِّرُوا عظيما، وساروا على المنهج الذي ذكَرْتُ الكثير من معالمه وخصائصِه في هذا الكتاب.

وبهذا بقي تماسكهم عبر القرون قائماً؛ لأن صفوفهم لا تتصدَّع بمجرد أي خلاف، إذ أنهم ينظرون إلى رُتْبةِ أو منزلةِ المسألة المختلف فيها بين مسائل الدين؟ وينظرون في المخالف: ما الحامل له على هذا الخلاف؟ وينظرون في القرائن التي تحفُّ المقامَ، هل الْتَبَس عليه الأمر أم لا، وهل كلامه مُجْمَلٌ في موضع، وله كلام مفصَّل في موضع آخر، يجعلنا نحمل كلامه المجمل على المحمل الحسن، أو نعذره بجهل أو تأويل، ثم ينظرون: هل الأرجح إعلانُ الخلاف أم إسْرارُهُ؟ وهل الأرجح والأنفع للأمة التعجيلُ بنشر الخلاف، أم تأجِيلُهُ، أم طَيُّهُ؟ وهم في هذا كله مقتدون برسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقد تجلى بهذا: كونُهم أهلَ سنة وجماعة، فهم أهل اتباعٍ واجتماعٍ، فيأمرون بالمعروف، ويَنْهَوْن عن المنكر مع حفاظهم على تَماسُك الجماعة، وتَجسَّد بلا خفاء: أنهم أهلُ العلم والحلم والفهم، وأنهم أهل الدين الصحيح، وأن طريقتهم امتداد لدعوة الحق وأهله عبر القرون، وأنهم أَسْعَدُ الناس بنصوص الوحيين، ومنهج الأئمة، وأنهم أَرْعَى الطوائف لمقاصد الشريعة، وتقدير الأمور بقدرها، بخلاف غيرهم، الذي عَظَّم ما ليس بعظيم، وفَرَّطَ في الأمر الذي لا يَسعُ أحداً التفريطُ فيه !!

فأنت ترى الإفراط والتفريط في الاتجاهات الثلاثة الأولى، والتوسط في الاتجاه الرابع، والتوفيق بيد الله.

وإذا كان اجتماع الكلمة، والاعتصام بالحق، وتماسُكُ الصفوف من أعظم أصول الدين؛ فإن الإفراط أو التفريط في ذلك وخيم العاقبة، ولذا كان التوسطُ ولزومُ الجادَّةِ في ذلك، والسعيُ في تحقيق هذا التوسط، ببيانه بالأدلة وأقوال أهل العلم، وواقعهم الملموس في الحوادث التي تَجْرِي، كل ذلك من الدعوة إلى سبيل الله، وجمع الكلمة بالضوابط الشرعية، لا بالعواطف الهمجية، وهذا من أَعْظَمِ القُربات، وأَكْرَمِ المآلات، والله أعلم.

ومن ذلك: (الوسطية في طاعة وليِّ الأمر، ولزوم الجماعة)

من المعلوم عَقْلا ونقلا وواقعا، ونظراً واعتبارًا: أن الناسَ في كل زمان ٍ لا صلاحَ لهم إلا بأمير يَسُوسُهم، ولا إمارة بدون قوة، ولا قوة بدون سمع وطاعة.

ولما كان الإنسان مَدَنِيًّا بالطَّبْع، ويسْتَوحِشُ من الشذوذ والانفراد، ويسْتأنِسُ بالاجتماع والاقتراب؛ كان ولابد للناس من وجود من يرجعون إليه عند الخلاف في دينهم ودنياهم، ومن وجود من يُنْصِف المظلوم، ويَرُدُّ الحقوقَ لأهلها، وإلا فَسَدَ أَمْرُهم، وأكل قويُّهم ضعيفَهم.

ولذا فقد أنزل العليم الخبير منهجا تعيش به الأمم والطوائف والأفراد؛ كي يستمر أَمْرُهم، ويَقْوَى شَأْنُهُم، إلا أن الناس سلكوا في هذا الباب عدة مسالك:

الأول: فهناك طائفة تُجاري الحكامَ في كل ما جاءوا به؛ فَتُحِلُّ لهم ما حَرَّم الله، وتُحَرِّم ما أوجب الله، وتبيح لهم ما حَظَرَ الله، وتُحَرِّف الدينَ، وتُعطِّل معالمه وتطمسها، كل ذلك تَبَعًا لشهوات ملوكهم وقادتهم، ويجعلون ما رآه الحاكم هو الأصل، وكل ما عداه يجب أن يكون تَبَعًا له، واستدلوا بعمومات من الأدلة، ووضعوها في غير موضعها، أو أَهْملوا قيُودها وضوابطها، والغالب على من وقع في ذلك أنه من الجهلة –وإن ظن نفسه عالما- وممن آثر الدنيا على الآخرة، وباع دينه بدنيا غيره، أو بغرضٍ زائل عما قليل، ونعوذ بالله من حال هؤلاء، ومن حال ممن يجادلون بالباطل عن الذين يختانون أنفسهم.

الثاني: وهناك طائفة قابلتْ الطائفة السابقة، فَرَأَتْ من ظُلْم الحكام ما رَأَتْ، فلم تَصْبِر نفوسُها على احتمال هذا الظلم؛ فسارعتْ إلى تكفيرهم، وإعلان الخروج عليهم، ودَعَتْ الناسَ إلى مباغَتَتِهِم، والانقضاضِ عليهم، وعلى من يَتْبَعُهم من وزراء وقادة وعسكر وجنود وغير ذلك، حتى أَفْتَوْا بقتل أو هَجْر من كَشَفَ خطأ مذهبهم بالدليل والبرهان، وجعلوه من علماء السلطان، ومن المتعلقين بذيل بغلة السلطان، ورَمَوْهُ بالقبائح والزور والبهتان ـ وإن كان لم يَسْلَم نفْسُهُ وأَهْلُهُ من بطْش السلطان وجَوْره-

وآثار هاتين الطائفتين على ضياع الدين واندثاره وطمْس معالمه، وتَسَلُّط أعدائه لا تخفى على عاقل.

فالطائفة الأولى: ممن اتخذوا أحْبارهم ورهباهم أربابا من دون الله، بل واتخذوا بعض فُجَّارهم أربابًا من دون الله، وهَلَكُوا وأَهْلَكُوا تبعًا لشهواتهم،

والثانية: من الخوارج المارقين الذين هَلَكوا بسبب شبهاتهم وغيرتهم الفاسدة، وأثاروا الفوضى في البلاد، ونزعُوا زمام الأمن -وإن كان على عِوَج وضَعْفٍ- وكانوا سببًا في زوال ما بقى من خير أو أمن، وبهم خاف الآمن، وانتشر قطَّاع الطرق، وعُطِّلت المدارس والجامعات، ونُهِبَت الأموال والثروات، وتدخَّل أعداء الإسلام، فأَحْكَموا قبضتهم على البلاد، وفتحوا المجال لفتن لا يعلم عواقبها إلا الله، كل هذا بسبب تغيير المنكر بأسلوب غير شرعي، فَأَتوْا بمنكرات أكبر مما أرادوا تغييره، والتهمتْ الثوراتُ ما تبقى من فضيلة، وحسبنا الله ونعم الوكيل!!.

وهناك طائفتان سلكتا مسلك الإفراط والتفريط وإن انْتَسَبَتا لأهل السنة:

فإحداهما: لا تنادي بالخروج المسلح على الحكام، ولكن سَلكَتْ مَسْلَكَ التهييج والإثارة، وذِكْر مثالب الحكام من فوق أعواد المنابر، حتى أَوْغَرَتْ الصدور، وهّونَتْ من أمر الخروج المسلح، شاءَتْ أم أَبَتْ، عَلِمَت أم جَهِلَتْ، وأَشْغَلَتْ المنابِرَ والمجالِسَ والمحافِلَ والصُّحُفَ والمجلاتِ ووسائلَ الإعلام بأنواعها بذلك.

والثانية: بالغتْ في عكس ما ذهبتْ إليه هذه الطائفة، حتى أَصْبَحَتْ لا تُعْطي أمر الوجوب الشرعي للحاكمية حقًّا في النظر، وترى أن أي تحذير من الوقوع في المنكرات العامة والظاهرة كشرب الخمر، والتبرج، والفساد المالي والإداري، وانتشار الرشوة حتى في القضاء… وغير ذلك مما تَعُجُّ به كثير من المجتمعات؛ فيروْن التحذير في خطب الجمعة والمحاضرات من الوقوع في ذلك – وإن لم يتعرَّض المنكِر لها لأحد من فاعليها بأعيانهم – إنما يحذِّر علنا من مخالفة أمر الله -جل وعلا- في هذا وأمثاله، ويحذِّر من عاقبة ظهور المنكرات في المجتمعات دون إنكارها حتى بالقلب، فترى هذه الطائفة أن هؤلاء المحذِّرين من المنكرات -بالقيد السابق- من جملة الواقعين في الخروج على الحكام، وتُصَنِّف هذه الطائفة العلماءَ وطلابَ العلم والخطباءَ بهذا المعيار، مع أن هذه الطائفة قد بالغَتْ في التشهير بأهل العلم والفضل بأعيانهم بلا خطام ولا زمام، وبلا موجب شرعي، إلا مجرد فهمهم الفاسد!!

والحقُّ وَسَطٌ بُين هذه الفِرَق -على اختلاف درجات انحرافها- وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة؛ إذْ عَمِلُوا بالنصوص الدالة على السمع والطاعة في المعروف دون المعصية، ونُصْحِ الحاكم سرًّا إن أَمْكَن مباشرةً أو بواسطة، وإلا صبروا، والتزموا الدعاء له بالصلاح والهداية، وصلاح البطانة التي حوله، وحذَّروا من التهييج الذي يُفْضي إلى اتِّساع دائرة المنكر، وشِدَّة وطأته؛ فخالفت بذلك الفرِقَةَ الأولى، وعَمِلُوا بالنصوص الدالة على الحرص على الجماعة، والنصح بالمعروف، والصبر على الأذى؛ فخالفت بذلك الفرقة الثانية.

وعملوا بالنصوص الدالة على الرفق في الأمر والنهي، والقواعد الدالة على سَدِّ الذرائع، والحذر من الوسائل الموصلة للسوء، وأدركت أثر الكلام في إيغار الصدور، وأثر التكتلات السرية في ذهاب القوة والهيبة؛ فخالفتْ بذلك الفرقةَ الثالثة، وعملوا بنصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع مراعاة ضوابط ذلك في الحال والمآل، وأدركوا أن الدفاع بالباطل عن الحكام وخيم العاقبة في الدنيا قبل الآخرة، وصاحِبُهُ مضطربٌ مُتَقَلِّب، كلما جاء حاكم أو ذهب، كما أن الخوض بالباطل في أعراض العلماء ذهاب للدين؛ فخالفوا بذلك الفرقة الثالثة، وعملوا بمنهج الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وبطريقة أئمة المذاهب والأمصار، فنفع الله بهم، واستمر خيرهم، وقاموا بالدين من جميع جوانبه: علما وتعليما، وقضاءً وجهادا، وتربية وسلوكا، وصَدًّا للشبهات والشهوات؛ فكانوا بذلك أهل السنة والجماعة حَقًّا لا ادعاءً.

ومن المعلوم أن الحاقدين على بلاد الإسلام وشعوبها، والذين يتذرَّعون بهذه التصرفات الطائشة؛ ليقتحموا بها بلاد الإسلام، وليحْكِموا قبضتهم على ما تبقى من بلاد الإسلام، ولإيغار صدور الحكام على العلماء الصادقين؛ ليضيِّقوا عليهم، وليحاربوا نشاطهم العلمي التربوي الوسطي -حقًّا لا زورًا وادِّعاءً-

ومعلوم أن هؤلاء الحاقدين لا يريدون انتهاء تلك الدعوات المخالفة للوسطية المحمودة، التي يتذرعون بها لحرب الإسلام، باسم محاربة «الإرهاب» و «التطرف» فالواجب على هؤلاء الدعاة أن يفيقوا، ولا يجعلوا دعوتهم قنطرة يَعْبُرُ من فوقها أعداء الإسلام؛ لِيُثْخِنُوا في الإسلام وأهله، والملاذُ الآمنُ من عذاب الله وغضبه هو التمسُّكُ بغَرْزِ السلف الصالح، وهم: الصحابة، والتابعون، وأتباعهم، وأئمة الإسلام الذين زكتْهم الأمة، ولهم قَدَمُ صِدْق في خدمة الإسلام سابقًا ولاحقًا، وأما دون ذلك؛ فَوَهَن ٌوضياعٌ [ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ] {الحج:18}.

ومن ذلك: (الوسطيةُ في تَنَاوُلِ الفتوى، والاجتهادِ والتقليدِ، والمذهبيةِ، والحُكْمِ على المُسْتَجَدَّات):

للفتوى منزلة عظيمة في الدين، وأهلها هم أهل الرفعة في الدنيا والآخرة، لكن حَدَث في تناولها في هذا الزمان إفراطٌ وتفريطٌ.

فمن الناس من تجرأ على الفتيا، وهو ليس لها بأهل، وتزبَّب قبل أن يتحَصْرم([375])، فضَلَّ وأضَلَّ.

– والدليل على فساد ذلك: قصةُ الصحابي – رضي الله عنه – الذي أَصَابَتْهُ جَنابةٌ ولا ماءَ، وكان فيه شَجَّةٌ، فأفتاه بعضُ مَنْ حَضَره مِن الصحابةِ بالغُسْل، وكان ذلك زَمَنَ بَرْدٍ شديدٍ؛ فمات الصحابيُّ صاحبُ الشَجَّة؛ فقَالَ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مُنْكِراً على مَن أفتاه: «قَتَلُوهُ؛ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلاَ سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؛ فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِىِّ السُّؤَالُ»([376]) فهذه آثارُ الفتوى بدون عِلْمٍ على النَّفْسِ والغَيْرِ.

-وقِصَّةُ الذي قَتَلَ تسعةً وتسعين نفساً، دليلٌ – أيضاً – على أن الجاهلَ يَضُرَّ نَفْسَهُ([377]).

ومِنَ النَّاسِ مَن هُو أَهْلٌ للفُتْيَا، لكن شُغِلَ عَن ذلك بِغَيرِ العِلْمِ، فَضَيَّعَ عِلْمَهُ، إمَّا لِتَنَافُسِهِ على الدنيا، أو لِجَعْلِ عِلْمِهِ خادماً لشهواتِ أُمَرَاءِ الجُورِ، أو لِعَدَمِ تَمَسُّكِه في نَفْسِهِ وأَهْلِهِ بما يُفتي به، فَنَفَرَ الناسُ عنه، أو لاشتغالِهِ ولَهْثِهِ وراءَ السِّيَاسَةِ والسِّيَاسِيِّيْن والإعلاميين، فلم يُواصِلْ طَرِيقَهُ في العِلْمِ -على حِدَّة ذَكَائِه-؛ فَنَسِيَهُ، ولم يُفْلِحْ في السِّيَاسَةِ التي لم يَسْبُر غورَهَا دَهَاقِينُها([378]) وأَسَاطِينُهَا([379]) فضلًا عَمَّن هو دونهم!! ونحو ذلك.

ومِنَ الناسِ مِن عِنْده عِلْمٌ في بابٍ مِن أبواب الفتوى، ولم يقتصر على ما رُزِق؛ فدخل في غير فنِّه، فأتى بالعجائب والموبقات.

ومن الناس من يُحْسِن الخطابة، أو هو حَسَنُ الصوت في قراءة القرآن مثلاً؛ فاغتر الناس به، وظَنُّوا أنه أهل للفتيا في المسائل العامة والخاصة، واغتر هو بكثرة الأتْبَاع حوله والمعجبين به؛ فخاض فيما لا يُحْسِن؛ فأفسد.

ومن الناس من حَرَّم تقليد أي مذهب من المذاهب الأربعة وغيرها، ولم يفرِّق بين العالم المجتهد والعامي الذي لا يُحسن النظر في الأدلة، والوسط في هذا: أن الذي يُحسن النظر في الأدلة، وكيفية تثبيتها، والجمع بين ما ظاهره التعارض، أو الترجيح عند العجز عن الجمع بينها؛ فالمتعين في حق هذا أن يجمع الأدلة وكلام الأئمة من المذاهب وغيرها، ويُرجح الراجح، أما العامِّي فإنه لا يحسن ذلك، فالمشروع في حقه أن يسأل العالم الذي يثق بدينه وعلمه ويعمل بفتواه؛ عملًا بقوله تعالى: [ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ] {النحل:43} ولا يلزمه أن يَسْأل مَن أفتاه من أهل العلم والاجتهاد عن الدليل؛ لأنه لا يفهم الدليل ولا وجه دلالته على الفتوى، ولا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها، ومع ذلك فالمجتهد قد يقلِّد أحياناً مَن هو أعلم منه، وذلك إذا تعذَّر عليه الجمع بين ما ظاهره التعارُضُ أو الترجيح، وقد يُقَلِّدُ أيضاً لضيق وقته عن البحث بنفسه، والعاميُّ قبل أن يُقَلِّدَ يَجْتَهِدُ في البحثِ عن العالِمِ الذي سَيُقَلِّدُه ويَسْتَفْتِيهِ، فلا إِفْرَاطَ ولا تَفْرِيطَ، والإطلاقُ في مَوَاضِعِ التقييدِ مَعِيبٌ.

ومن الناس من ادعى إغلاق باب الاجتهاد من وقت قديم، ودعا إلى التقليد فقط، ظانًّا أن أهلية الاجتهاد لا تَتَجَزَّأُ، وأن الرجل قد لا يُفتي في الحديث دون الفقه، أو العكس، وربما اشترط شروطا للاجتهاد، قد لا تتوفر في كبار علماء هذه الأمة، وعلى ذلك فقد سَلَكَ النَّاسُ في ذلك طرائقَ قِدَدًا، ومسالك متباينة !!!.

وأما أهل الحق فسلكوا مَسْلَكَ الوسط، الذي هو بين التشديد المفْرِط والتيسير المنْفَلِت غير المنضبط، ولهم في أَمْرِ الاجتهادِ والتقليدِ عدة أمور ومعالم :

1- أن باب الاجتهاد مفتوحٌ لِمَنْ دَخَلَهُ بشروطِه، وذلك فَضْلُ الله يُؤتيه مَن يشاءُ، ودَعْوى إغلاقِ هذا البابِ تضييقٌ لواسِعٍ، وحرمانٌ لِمَن تَأَهَّلَ مِن منزلةٍ أكرمه الله بها، والواقع يُثْبِتُ ذلك.

2- أن الاجتهاد منه مُطْلَقٌ، ومنه مُقَيَّدٌ، وأنه يَتَبَعَّضُ، فقد يكون العالم مجتهدا في الشريعة على جميع المذاهب، وهو المجتهد المطلق، وقد يكون مجتهداً في مذهب دون غيره، وقد يكون مجتهداً في الحديث دون غيره، أو في الفقه دون غيره، وقد يكون عالما في باب من أبواب الفقه دون غيره، كالفرائض، والمناسك، والبيوع… الخ. فأهل السنة يَقْبَلُون من كل عالم في بابه، ولا يتكلم عالمهم إلا في فنِّه، ويُحيل على غيره من أهل العلم ممن له أهلية إن كان لا يُحسِنُ.

3- أن المسائل الشرعية مختلفة المراتب، ولكل مسألة أهلها الذين يتناولونها:

أ‌- فهناك مسائل فرعية في أبواب الفقه، ويتناولها عامة العلماء، إلا إذا خرجت هذه المسائل عن مجال العالم الذي تأهّل فيه.

ب – وهناك خصوماتٌ ونِزَاعاتٌ ومُطالباتٌ في حقوقٍ بين الناس، فهذه ترجع إلى القضاة والحُكَّام، الذين يُحسنون النظر في الأدلة والقرائن، وعندهم خبرة كافية في معرفة طالب الحق من غيره، وفِراسة عجيبة، ولا يصبح لهذا مطلق العلماء.

ج- وهناك مسائل ونوازل عامة ومصيرية، تَعُمَّ بها البلوى، فخَيْرُها أو شرها يَعُمُّ الأمةَ، ولا يقتصر ذلك على طائفة معينة، فهذه يُجْمَع لها كبار العلماء؛ وهناك مسائل تتصل بالحرب والسلم والعلاقات الدولية بين دُوَلِ المُسلمين البَيْن، أو بينها وبين الدول الأخرى، أو لها تعَلُّق بالأمن والاستقرار العَامَّين، ومرجع ذلك إلى ولاة الأمور، أهل الشَّوْكة والقوة، الذين بايعهم عوامُّ أهل البلد، وذلك يكون بتشاورهم مع كبار العلماء في بلدهم، أو في الأمة، وكذا بتشاورهم مع أهل الاختصاص في كل قضية بما يليق بها، وهذه مسائل لها صلتها الوثيقة بباب الموازنة بين المصالح والمفاسد، فهذه المسائل لا يتكلم فيها مُطْلَقُ العلماء، – فضلا عن جمهور طلاب العلم -، بل يتكلم فيها أهل الاجتهاد والاستنباط العام، وأهلُ الفقه في مقاصد الشريعة وقواعدها العامة، وقد قَالَ تعالى: [ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ] {النساء:83} وهناك حالاتٌ لا يَسْتَقِلُّ هؤلاء العلماءُ بالفتوى فيها، حتى يجتمعوا بولاة الأمور، وينظروا الأصلح للأمة، ويُراعى في ذلك تزاحمُ المصالحِ والمفاسدِ، وتقديمُ الأكثرِ نفعاً وتقليلاً للضرر، فإذا تكلم في هذا النوع من المسائل الأحداثُ عِلْمًا وتجربةً؛ أَفْسَدوا، وقد وقع ذلك في هذه السنوات، فخاض الأحداثُ في مسائل التكفير، والحكم بالخروج على ولاة الأمور؛ لِظُلمهم وأَثَرَتِهم، أو لِكُفرهم بأعيانهم -إن سلَّمنا جدلًا بذلك للغلاة في التكفير-، فلا يلزم من كفر الحاكم ضرورةُ الخروج عليه، فللخروجِ شروطٌ أُخرى، بل كفَّروا العلماء المخالفين لهم في الحُكْم على الحكام، أو ضلَّلُوهم، وذلك حسب اعتقاد أصحاب هذه الفتاوى الضالة، وأَعْلَنوا الحرب على كثير من الدول الإسلامية فضلا عن غيرها؛ فكان من آثار ذلك ما كان، والله المستعان.

مع أن هذه المسائل والنوازل لو كانت في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لجمع لها القراء من أهل بدر، وأعيانَ الصحابة -رضي الله عنهم جميعًا-.

  1. كُتُب المذاهب يُسْتَفاد من عِلْم أهلها؛ لأنهم مِن جُملةِ العلماء الذين فَهِمُوا الشريعة، وحَرَّرُوا مسائلها، فالمطلوب فَهْمُ مرادِهم، ومعرفةُ مآخذهم، وإدراكُ طريقتهم في ترتيبِ الأدلة والمسائل، وكيفيةِ جَمْعِهم بين ما ظاهره التعارض، وطريقةِ مناظراتهم، ومراتبِ الحجج والبراهين عندهم، وطرقِ استنباطاتهم، وما يُعوَّل على ذلك من غيره، وقواعدِهم المتفَقِ عليها والمختلَفِ فيها، وأساليبِهم في الرد على المخالف؛ سواء كان من أهل السنة أو غيرهم، لكن لا يلزم من ذلك إغلاقُ باب الاجتهاد، وإلزام كل الأمة بتقليد أحد الأئمة الأربعة فقط أو غيرهم، والنظر إلى نصوص أئمة المذاهب على أنها صالحة لكل زمان ومكان دون تغيير فيها في كثير أو قليل؛ فإن الأحكام في الشريعة منوطة بالمقاصد، وتحقيق المصالح ودرء المفاسد، ولكل زمان فَهْمٌ وأحكامٌ ومصالحُ ومقاصدُ يجب مراعاتها على ضوء الثوابت العامة من طريق السلف الصالح، وذلك لتجدد القضايا؛ فإن الزمن له حركَةٌ، والمدنيّةَ ولّادَةٌ، والحضارةَ متوقِّدَةٌ متجدِّدَةٌ، أما العامة وأشباهُهم، والعاجزون عن الاستنباط: إما لعدم قدرتهم، أو لضيق وقتهم؛ فلهم أن يُقَلِّدوا على قدْر حاجتهم من هو أهل لذلك فيما يحتاجون إليه، وتقليدٌ مُنْضَبِطٌ خَيْرٌ من اجْتِهَاد أَهْوَجَ، وهذا هو المسلك الوسط بين مُعَطِّلة الرجوعِ إلى المذاهب بإطلاق، والغلاة في إيجاب المذهبية على الناس جميعاً.

ولا يفوتني هنا أن أُنَبِّه على أن هناك فرْقا بين الدعوة إلى دراسة الكُتُبِ المُصنَّفةِ في أحد المذاهب، وبين لزومِ الفتوى بكلِّ ما فيه وَحْدَهُ، دون النَّظَرِ في بقيَّةِ الأدلَّةِ والمذاهبِ الأُخرى، فالدراسةُ للتَعَلُّمِ والتدرُّجِ في فَهْمِ العِلْمِ، وترتيبِ الأدلةِ، وإظهارِ وجْهِ الدَّلَالَةِ منها – منطوقاً ومفهوماً، ونصاً وقياساً _ شيءٌ نافعٌ لا بأس به، لكن الفتوى بما في هذا المذهبِ وَحْدَه، دون النَّظَرِ فيما عند بَقِيَّةِ المذاهب وغيرها، وترجيحِ الرَّاجحِ مِن هذا كُلِّهِ – ولا يكون هذا إلا مِن مُتأهِّلٍ حقًّا- فهذا شيءٌ آخَرُ، وقلمَّا يفوتُ الحقُّ طالبَ العلم المتأهِّل للنظر في الأدلة وقواعد العلماء وفتاواهم، إذا أَحْسَنَ جَمْعَ كُلِّ ذلك وسَبَرَهُ مِن مصادِرِهِ المَوْثُوقَةِ، وبَحَثَ المَسْأَلَةَ: حديثياً، وفِقْهِيَّاً، وأُصُولِيَّاً، ولُغَوِيَّاً -عند الحاجة لِلُّغَةِ-، والله أعلم.

5- لزوم الوسط بين من يرون أن الحق في الشدة والاحتياط مستدِلاً بقوله تعالى: [ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ] {البقرة:63}، وبين من يرون أن الحق في التيسير والانفلات، بدعوى: «الدين يُسرٌ ولن يشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه»، والواجب أننا نأخذ بالتشديد في مكانه، وبالتيسير في مكانه وبأدلته، وما يَصْلُحُ لِرَجُلٍ ما قد لا يَصْلُحُ لِآخَرٍ، يختلف عنه في بلده وزمانه ومقصده وأحواله، وحيث خُيِّرْنا بين أمرين لم يَرِدْ في أحدهما نَصٌّ ولا قرينة مُرَجِّحَةٌ؛ اخترنا أيسرهما، ما لم يكن إثما، كما هو هدْي رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهذا مَنْهَجٌ وَسَطٌ في الفتوى، والبحوث، والمقَالَات، والمحاضرات، والتربية، والله أعلم.

6- لزوم الوسط بين من غلا في اعتبار المصالح ودرء المفاسد، حتى أخذ بالمصالح المتوهمة، ولم يراع شروط هذه القاعدة، وبين من جَفَا؛ فرأى إلغاء المصالح مطلقا، وأن النظر في النصوص كافٍ، والأخذ بظاهرها هو المصلحة، وهذه الوسطية منشؤها: أن الشريعة معلَّلة ومَبْنِيَّةٌ على جَلْب المصالح ودرء المفاسد، ومن فاته العلم بقواعد الشريعة ومقاصدها؛ فإنه يفوته تحقيق هذه الشريعة؛ ووضع أحكامها في مواضعها الصحيحة.

7- لزوم الوسط في الحكم على الأشياء بين أهل الإفراط، وسوء الظن، وحَمْل الأمور على الأسوأ، وبين أهل التفريط، وعدم أخذ الحَذَر، وسدّ الذرائع، فالحكم على الشيء فَرْعٌ عن تَصَوُّرِهِ، فلا بد من منهج قائم على قواعد صحيحة في الحكم على الأشياء، والأوضاع، والأشخاص، والأفكار، والنوايا والمقاصد، والمجتمعات، والدول، والعلماء والدعاة، وبقية الناس، فمن رام الدعوة والإصلاح؛ لَزِمَهُ لزومُ هذا المنهج الوسط، والله -عز وجل- يقول: [ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ] {الإسراء:36}، ويقول سبحانه: [ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ] {الأعراف:33} ولو كان لكل أحد أن يَحْكُمَ وَيُفْتِيّ دون الرجوع إلى هذا المنهج الذي ورثناه عن سلف الأمة؛ لما كان الفقهاء قليلين في الأمة !!

وإذا كَثُرَتْ الرؤوس، ضَلَّتْ الأمة، وكما قيل: «إذا كَثُرَتْ الدِّيَكَةُ؛ ضاع الفجر، أو الصبح»!!

8- لزوم الوسطية في منهج التفكير بين العقل الجامد، والعاطفة الجامحة، فالعقل مطلوب دون إلغاء العاطفة، والعاطفة والحماس للدين مطلوبان لكن دون غياب العقل السليم، ورعاية النص، وعاطفة الخوارج أَضَرَّتْ بالأمة، وهل قُتل أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- إلا بعاطفة طائشة، وغَيْرَة زائفة من عبد الرحمن بن ملجم؟! و المنهج المعتدل في التفكير قائم على النظر بين البدايات والمآلات، أو الحال والمآل، والتفرقة بين الواقع الكائن، والأَمْثَل الذي ينبغي أن يكون، فَفَرْقٌ بين الواقع والتنظير، والمثالية إنما تكون في العمل في حدود المتاحات، لا في خيال الطموحات، فهناك أمور سهلة في التنظير، مستحيلة في التنزيل، فهل يجوز لحملة الشريعة أن يعيشوا أُسَارى الخيالات؟ فالـمُصْلِح هو الذي يُصلح الواقع، لا الذي يأتي بتنظيرات يَكْرَه بسببها الواقع، ثم يفرّ من مواجهته بإصلاحه، ويبتدع طرقا محدثة لتغييره، فيجمع حَشَفًا وَسُوءَ كِيلَةٍ.

فلابد في هذا المنهج أن يقوم على التفرقة بين حالة السعة والاختيار، وحالة العجز والاضطرار، وحالة القوة بالاستخلاف وحالة الفُرقة والاستضعاف، كمن يريد الجهاد أو الإنكار باليد، وليس له قدرة على ذلك.

ولابد في هذا المنهج من مراعاة المخاطَبين، فهناك كلامٌ قد يُذْكَر عند طائفة، ولا يُذْكَر عند أخرى، لسوء فهمهم، أو سوء تطبيقهم، أو استغلالهم هذا الكلامَ واتخاذِهِ ذريعةً لباطلهم،،كما في قوله تعالى: [ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠ] {البقرة:104} خشية أن يُفْهَم أن المسلمين يريدون بها ما يريده اليهود من الرعونة والغلظة والشدة، وقد قَالَ رسول الله –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لمعاذ: «لا تُبشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا»([380])، وقَالَ لأبي هريرة: «خَلِّهِمْ يَعْمَلون»([381]).

وقد قيل: ليس كل ما يُعْرَف يُقَالَ، وليس كل ما يقَالَ قد حان وقته، وليس كل ما قد حان وقته قد حضر أهله، وهذا كله لابد فيه من العقل الراجح، وقد سئل ابن المبارك: ما يحبه للرجل؟ قَالَ: عَقْلٌ راجح، قَالَوا: فإن لم يَكُنْ -أي فإن لم يوجَدْ-، قَالَ: فصديقٌ ناصح، قَالَوا: فإن لم يكُنْ، قَالَ: فصَمْتٌ طويل، قَالَوا: فإن لم يكُنْ، قَالَ: فموتٌ عاجل([382]).

(تنبيه): اسْتَفدْتُ كثيرًا من رؤوس هذه المسائل وعددا من الفوائد المذكورة فيها -مع زيادات كثيرة جدًّا من عندي- من كتاب «الوسطية والاعتدال» للشيخ صالح بن عبدالعزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ -حفظه الله تعالى- ونفع به الإسلام والمسلمين، وكذا غيره من أهل العلم والكُتَّاب والمؤلفين، فجزاهم الله عني وعن الإسلام والمسلمين خيرا كثيرا.

وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسَلَّم تسليمًا كثيرًا مزيدًا مباركًا إلى يوم الدين.

كتبه:

أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني

وكان تدريس هذه المادة في دار الحديث بمأرب

من أول شهر مُحَرَّم إلى بداية شَهْرِ رجب1429هـ.

***