بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله .
أما بعد: فلا شك أن خير ما قُضيتْ فيه الأعمار، ولا سيما في هذا الزمان: طلب العلم الشرعي؛ فإننا في زمن قَلَّ فيه العلم، وكَثُر فيه الجهل.
وإن الذي يتعلم العلوم الشرعية لله عزوجل، ويبثها في الناس داعيًا إلى الله عزوجل على نور وبصيرة من أمره، مجاهد في سبيل الله، وإن بث العلم في الناس من أوثق الأعمال التي نتقرب بها إلى الله عزوجل[1](1).
هذا ما كان عليه رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – وفقهاء أصحابه، وقد درج على ذلك العلماء من لدن التابعين إلى هذا الزمان، فليس هناك أفضل من هذا الأمر الجليل، فإن الله عزوجل يقول: (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين).
وإذا كان طلب العلم وبثه في الناس بهذه المنزلة العظيمة: حتى إن الحيتان في البحر لتستغفر لمعلمي الناس الخير، والملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإذا كان من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً؛ سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، فإذا كان طلب العلم عموماً بهذه المثابة؛ فإن طلب علم الحديث خاصة، له من ذلك أوفر الحظ، وأعظم النصيب، فإن من طلب الحديث قويت حجته، ونبُل قدره [2](2)، ونضّر الله وجهه.
وأهل الخديث الذين اعتنوا بخدمة الحديث النبوي: علماً، وعملاً، ودعوة، هم أول الداخلين في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك“[3](1).
وقد قال الإمام أحمد رحمه الله: “إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم؟!!”[4](2)
وكيف لا يكونون كذلك وهم قد جمعوا بين المعتقد الصحيح والذب عن الدين؟! فصفاء معتقداتهم ومشاربهم أمر واضح جلي في أئمة السلف المشتغلين بالحديث، وهذا بخلاف غيرهم ممن اشتغلوا بعلوم أخرى، فقد اشتغل بالفقه وغيره أناس كثيرون، ولم تسلم معتقدات كثير منهم، ولما كانت بضاعة أئمة الحديث مأخوذة من قول الله عزوجل، وحديث رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وآثار الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم؛ قلَّ أن تجد فيهم من زلت قدمه في باب العقيدة، بخلاف كثير من القراء، والفقهاء، والمؤرخين، واللغويين، وغيرهم، فقد زلت أقدام كثير منهم، فعلم الحديث فيه عصمة ونجاة لمن وفقه الله تعالى إليه، واعتصم بمنهج أئمته علماًً، وعملاً، وحالاً.
وأهمية الاشتغال بعلوم الحديث فرع عن تصور مدى الحاجة إليها، ومعرفة من تتعلق به هذه العلوم، ألا وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فالعلوم تنبل وتعظم في نفوس محصليها، بقدر حاجة الناس إليها، فإن العلم الذي لا يحتاج الناس إليه، لا يكون عظيماً في النفوس، بخلاف ما يحتاجون إليه، فإنه يعظم في نفوسهم، ويجل قدره في أعينهم، ومن ثمَّ فينشطون فيه: جمعاً، وترتيباً، وتهذيباً، ورواية، ودراية، إلى غير ذلك.
ومما ينبغي التنبيه عليه: أن علم الحديث ما انتشر في بلد، إلا قلَّتْ فيه البدع، وعكسه عكسه، وذلك أن علم الحديث عبارة عن ميزان وقواعد يُعْرف بها الصحيح من الضعيف، ومنشأ كثير من أهل البدع إنما هو من الأحاديث الضعيفة، والمنكرة، فإذا غربلت الأحاديث، وعُمل بالثابت منها دون الضعيف الساقط؛ صحت العقيدة، وسلمت العبادة، وزكت النفوس، وكسدت بضاعة المفاليس، وقد ألمح الحاكم النيسابوري رحمه الله [5](1) إلى هذا المعنى في بداية مقدمة كتابه “معرفة علوم الحديث” قائلاًَ:
” أما بعد: فإني لما رأيت البدع في زماننا كثرت، ومعرفة الناس بأصول السنن قلَّتْ، مع إمعانهم في كتابة الأخبار، وكثرة طلبها على الإهمال والإغفال؛ دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف يشتمل على ذكر أنواع علوم الحديث…”إلخ.
وعلم الحديث: هو علم بقواعد يُعرف بها أقوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأفعاله، وأحواله، هذا هو الصحيح في تعريفه؛ خلافاً لمن قال: إنه علم يشتغل بذاته –صلى الله عليه وآله وسلم-!! إذِ الاشتغال بذاته صلى الله عليه وآله وسلم أمر يتصل بالطب، فلما كان علم الحديث يهتم بمعرفة أقواله صلى الله عليه وآله وسلم وأفعاله وأحواله، وهو أمر شريف عظيم كان هذا العلم شريفاً عظيماً، وتبوأ بذلك منزلاً كريماً، لا يقوم به إلا أولو العزم من الرجال، وصدق من قال:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
ومما يدل على أهمية علم الحديث ومسيس الحاجة إليه: أنه علم متداخل في العلوم الأخرى، وأنها محتاجة إليه، فالتفسير وهو قائم على تفسير القرآن بالقرآن، أو بالسنة، أو بالأثر، أو اللغة، محتاج إلى علم الحديث، ليُعْلم: هل هذا الحديث المرفوع، أو ذاك الأثر الموقوف، أو مادون ذلك في تفسير كلام الله عزوجل؛ صحيح أم ضعيف؟ وكذلك الفقه محتاج إليه، إذ الفقه عبارة عن حكم مستنبط من آية أو حديث، فالآية يُعرف معناها بتفسير القرآن أو الحديث أو الأثر لها، وقد مضت حاجة التفسير إلى علم الحديث، والحديث يحتاج إلى معرفة صحته من ضعفه، وهذا كله راجع إلى معرفة قواعد علم الحديث، ولهذا كان الشافعي يقثول لأحمد: “أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث صحيحاً فأعلموني به، أي شيء يكون كوفياًَ، أو بصرياً، أو شامياً، حتى أذهب إليه إذا كان صحيحاً”[6](1).ا.هـ.
بل حتى العقيدة وهي أجل العلوم وأولاها بالعناية محتاجة أيضاً إلى علم الحديث، فإن العقيدة الصحيحة عند السلف ليست هي عقيدة المتكلمين، ولا عقيدة الفلاسفة، ولا العقيدة القائمة على الرأي والقياس!! إنما هي عقيدة مأخوذة من الآيات والأحاديث والآثار، وما أجمع عليه سلف وأئمة هذه الأمة، وكل هذا يحتاج إلى علم الحديث حاجة أكيدة كما لا يخفى، وقل مثل ذلك في القراءات، والسيرة، والتاريخ، وغير ذلك.
وقد صرح ابن الصلاح كما في خطبة كتابه “علوم الحديث” المشهور بـ”مقدمة ابن الصلاح” بما سبق من كون علم الحديث أكثر العلوم تولجاً في العلوم الأخرى، فقال: “… هذا وإن علم الحديث من أفضل العلوم الفاضلة، وأنفع الفنون النافعة، يحبه ذكور الرجال وفحولتُهُم، ويُعْنى به محقِّقُو العلماء وكَمَلتُهم، ولا يكرهه من الناس إلا رُذالتهم وسَفِلتهم، وهو من أكثر العلوم تولجاً في فنونها، لا سيما الفقه الذي هو إنسان عيونها، ولذلك كثر غلط العاطلين منه من مصنفي الفقهاء، وظهر الخلل في كلام المخلين به من العلماء”.ا.هـ.
وقد ذكر الحاكم أيضاً في معرفةعلوم الحديث[7](2) عن أحمد وإسحاق أنهما قالا: ” إن العالم إذا لم يعرف الصحيح والسقيم، والناسخ والمنسوخ من الحديث، لا يُسمى عالماً”.ا.هـ.
ولما كان علم الحديث بهذه الأهمية؛ فقد رفع الأولون به رؤوسهم، وعَلَتْ فيه هممهم؛ فرحلوا وتحملوا المشاق في سبيل تحصيله، وجمعه من صدور الرجال، ومن بطون الكتب، من البوادي والقفار، والمدن والأمصار، وقطعوا في سبيل ذلك الفيافي والصحاري، وركبوا لذلك البحر الأخضر، والبر الأجرد، وهذا لأنهم يعلمون قدر هذا الفن، ومدى الحاجة إليه، وشرف من يتعلق به، ولذا قال ابن الصلاح رحمه الله بعد كلامه السابق في المقدمة: ” ولقد كان شأن الحديث فيما مضى عظيماً، عظيمةٌ جموع طلبته، رفيعة مقادير حفاظه وحملته، وكانت علومه بحياتهم حيَّة، وأفنان فنونه [8](3)ببقائهم غضة، ومغانية بأهله آهله[9](1)، فلم يزالوا في انقراض، ولم يزل في اندراس، حتى آضت به الحال، إلى أن صار أهله إنما هم شرذمة قليلة العَددْ، ضعيفة العُدَد، لا تُعْنى على الأغلب في تحمله بأكثر من سماعه غُفْلاً[10](2).، ولا تتعنى في تقييده بأكثر من كتابته عُطْلا[11](3)، مطرحين علومه التي جل بها قدره، مباعدين معارفه التي ضخم بها أمره”.ا.هـ فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وبذكر هذا الحال الذي كان عليه أئمة الحديث وطلبته؛ يتضح قدْر هذا العلم عند اهل الشأن، أما الذين لا يعرفون ذلك: فإنهم يعدون المحدث أبله أحمق، مشتغلاً بما لا فائدة منه، حريصاً على ما ينبغي أن يعرض عنه!! وهذا والعياذ بالله من قلة الفهم، ومن الجهل الذي أورث أهله المهالك، فنسأل الله السلامة.
ولما كان علم الحديث بهذه المثابة المتقدم ذكرها اشتغل بعض العلماء فيه بالتصنيف، وما كانت همم العلماء لتتضافر وتتواتر على الاعتناء بما لا حاجة إلهي، فإن8هم رحمهم الله أعظم الناس معرفة بقيمة الوقت، وأضن الناس ببذله فيما لا فائدة فيه، وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله [12](4)مراحل التصنيف في هذا الفن، فذكر ما ملخصه:
“أن من أول من صنف فيه القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي المتوفَّى سنة 360هـ في كتابه “المحدث الفاصل” لكنه لم يستوعب، وذلك لأن أي علم يُبتدأ بالتصنيف فيه، لا يكون الحال في أوله كما هو في آخره، وإنما يكون التصنيف في اوله عبارة عن محاولة لفتح الباب، فلا شك أنه لا يكون مستوعباً لجميع المسائل، ولا مرتباً للفصول والدلائل، ولا تسهل الاستفادة منه، أو الوقوف على الفائدة فيه كما هو الحال فيما بعد ذلك إذا رتبت الكتب ورويت.
ثم جاء الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، فألف في ذلك كتاباً سماه “معرفة علوم الحديث” لكنه لم يهذَّب ولم يرتب، وله أيضاً كتاب آخر، أسماه “المدخل إلى الإكليل” وكان الداعي إلى تأليفه أن أمير الجيوش قد طلب منه أن يؤلف كتاباً في أحوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشمائله، وأزواجه، وأيامه، فألف “الإكليل” ثم رأى أن هذا الكتاب لا يستفاد منه إلا بمعرفة الصحيح من الضعيف، فألف كتابه “المدخل” وهو عبارة عن مقدمة لكتاب “الإكليل”، وقد ذكر فيه أنواع الصحيح وشروطه…إلى غير ذلك.
ثم تلاه أبو نعيم الأصبهاني فعمل مستخرجاً على كتاب “المعرفة” للحاكم، ولكنه أبقى أشياء للمتعقب، إلا أن هذه الكتب السابق ذكرها، لم تأتِ بالشيء على ما يريده طالب العلم، فجاء بعدهم أبو بكر الخطيب أحمد بن علي بن ثابت رحمه الله فصنف كتابين عظيمين: أحدهما في قوانين الرواية، وسماه “الكفاية في علوم الرواية” والثاني: في آدابها وسماه “الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع” ففجر فنون هذا العلم وأبوابه، وألف في كل باب من الأبواب، فقلَّ أن تجد باباً إلا وقد صنف فيه كتاباً مفرداً، فكان كما قال الحافظ ابن نقطة رحمه الله: “كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه”[13](1).
إلا أن هذه التصانيف التي صنفها الخطيب لا يكاد يستفيد منها إلا العالم المتخصص إلى أن جاء بعد ذلك الحافظ أبو عمرو بن الصلاح الشهرزوري الشافعي رحمه الله فجمع لما ولي تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية كتابه المشهور “معرفة علوم الحديث” فهذب فنونه، وأملاه شيئاً بعد شيء، فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب، واعتنى بتصانيف الخطيب المتفرقة، فجمع شتات مقاصدها، وضم إليها من غيرها نُخَب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره، فلهذا عطف الناس عليه وساروا بسيره، فلا يُحْصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر”.ا.هـ ما ذكره الحافظ مع تصرف وزيادة.
والسبب في بقاء كتاب ابن الصلاح على أملاه دون ترتيب كما قال الحافظ هو ما نقله صاحب كشف الظنون[14](2) عن الحافظ البقاعي رحمه الله أنه قال في النكت الوفية: “قيل: إن ابن الصلاح أملى كتابه إملاءً، فكتبه في حال الإملاء جَمْعٌ جَمٌّ، فلم يقع مرتباً على ما في نفسه، وصار إذا ظهر له أن غير ما وقع له أحسن ترتيباً، يراعي ما كُتب على النسخ، ويحفظ قلوب أصحابها، فلا يغيرها، وربما غاب بعضهم، فلو غَيَّر ترتيبه؛ تخالفت النسخ، فتركها على أول حالها”.ا.هـ.
وقد اهتم العلماء بكتاب ابن الصلاح اهتماماً عظيماً، ما بين نظم، وشرح، واختصار، ونحو ذلك.
ومن بركة العلم أن تجد كتاباً حظي بهذا الاهتمام من العلماء: ما بين ناظم له، وشارح، ومختصر، وغير ذلك.
وعندما تقرأ مقدمة كتاب ابن الصلاح، وترى ما لقيه كتابه من عناية أهل العلم، تشعر أن الرجل قد استجيبت دعوته التي دعا بها في مقدمة كتابه حيث قال: “… فالله العظيمَ الذي بيده الضر والنفع، والإعطاء والمنع، أسألُ، وإليه أضرع وأبتهل، متوسلاً إليه بكل وسيلة، متشفعاً إليه بكل شفيع: أن يجعله ملياً بذلك وأملى، وفياً بكل ذلك وأوفى، وأن يعظم الأجر والنفع به في الدارين، إنه قريب مجيب، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب”.أ.هـ.
ثم جاء بعد ذلك الحافظ ابن حجر: فألبس هذا العلم ثوباً قشيباً، وزاده ترتيباً وتبويباً، وتأصيلاً وتفريعاً، وقد ظهر تمكنه من هذا العلم في كتابه “نخبة الفكر” على صغر حجمه، فجمع النكت الفرائد، والفوائد الشوارد، وقادها أسيرة بين يدي الطالب، وجمع بين الأشباه والنظائر، وبين مواضع التقاء علوم هذا الفن، ومواضع افتراقها، ولذلك اهتم العلماء بكتابه هذا: نظماً، ونثراً، وشرحاً، فقارب اهتمام العلماء بمقدمة ابن الصلاح رحمه الله[15](1).
والحافظ رحمه الله من جملة من شرح كتابه هذا في كتاب سماه “نزهة النظر” فجاء شرحاً عجيباً على صغره جمع فيه رؤوس المسائل وعيونها، وحقق ودقق فيما خفي من فنونها، فلله دره، وعلى الله أجره.
وأما من نظر إلى كتابه “النكتب على ابن الصلاح” –ويا ليته قد اكتمل- وجد فيه علماً عظيماً، وبحراً زاخراً بالعلوم الدقيقة، وأدرك أن الحافظ ابن حجر رحمه الله جهبذ ناقد، فإن الرجل قد يكون جامعاً ناقلاً، ولا يكون محققاً ناقداً، أما الحافظ فقد جمع الأمرين، ولذلك ألف كتباً عظيمة، سد بها ثغرات في المكتبة الإسلامية عموماً، وفي المكتبة الحديثية على وجه الخصوص، فرحمه الله وغفر لنا وله.
وهكذا لا زال الناس يكتبون ي هذا الفن إلى هذا الزمان، ومن جملة من كتب في ذلك: البيقوني رحمه الله، واسمه: طه بن محمد، ويقال: عمر بن محمد بن فُتُوح الدمشقي الشافعي البيقوني، وقد كان حَيًّا قبل سنة 1080هـ ولم يُحرَّر بدقة وقت وفاته، وهو مترجم في الإعلام للزرَكلي وفي “معجم المؤلفين” لكحالة.
وتقع منظومته في أربعة وثلاثين بيتاً.
وقد اعتنى بها الشراح كثيراً، حتى ذكر أخونا الشيخ علي بن حسن الحلبي حفظه الله أنها قد شُرحت في خمسة عشر كتاباً، وهذا لعذوبة لفظها، وسهولة نظمها، وصغر حجمها، مع أن البيقوني رحمه الله لم يستوعب، بل لم يتكلم إلا على علوم قليلة في هذا الفن، تبلغ اثنين وثلاثين نوعاً مع أن أنواع علوم الحديث التي قد جاوز بها بعضهم الثمانين نوعاً.
وبشرحي هذا أرجو تقريب مادة هذا العلم لطلابه، وفتح ما تيسر مما أغلق من مسائله وأبوابه، راجياً من الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، مباعداً به بيني وبين موجبات سخطه، وعذابه، وشر عباده، وأسأله عزوجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى: أن يكتب له القبول في الأرض، وأن يجعله ستراً لي ولوالدي وأهلي وذريتي، وأن ينفعني به في الدنيا والآخرة.
وقبل البدء في شرح المنظومة؛ فهناك عدة أمور أنبِّه عليها –إن شاء الله تعالى-:
الأول: المقصود من التأليف في أنواع علوم الحديث: إرشاد طالب العلم إلى معرفة مراد الأئمة المتقدمين من الأحكام التي استعملوها على الأحاديث، أو المصطلحات التي عبروا بها في الكلام على الرواة والروايات قبولاً أو ردّاً، ومدحاً أو قدحاً، وتصحيحاً أو تعليلاً، ونحو ذلك.
ولما كانت لبعض العلماء مصطلحات خاصة، وعبارات عُرِفوا بها، كان من المتعيّن معرفة ذلك، ووضْعه في موضعه، حتى لا يُفهم كلام أحدهم على غير مراده.
وقد ظهر هذا في تعريف عددٍ من أنواع علوم الحديث، فقد يعْسر في بعض الأنواع وضْع تعريف يشمل كلام العلماء في هذا النوع، فيُراعى في مثل ذلك المشهور عند العلماء، والجادة العامة لهم في ذلك، ويُعتمد التعريف اللائق بذلك، ثم يشار بعد ذلك إلى استعمالات أخرى لهذا المصطلح عند بعض العلماء، أو كثر منهم.
ولا شك أن التحرير الدقيق لذلك فرْع عن الاستقراء الدقيق التام لكلام العلماء وطريقتهم، وبقدْر التقصير في ذلك يكون ضعْف التحرير لهذه المسائل، كما لا يخفى.
ولا أدعي أنني قُمْت –في شرحي لهذه المنظومة- بهذا كله، لكن ما لا يُدْرك كله، لا يُترك جُلّه، ومن قطع في ذلك شوطاً مقبولاً، وأدمن النظر في كلام المؤلفين النقاد في هذا الباب، فيُرجى أن يكون صوابه أكثر، وسداده أظهر، وأرجو استدراك ما فات في طبعات أخرى، والله المستعان.
الثاني: لقد حَرصْتُ في شرحي هذا على أن أفيد طالب العلم في هذا الفن بمسائل عملية، يحتاج إليها، ولا أقتصر على تطويل ذيل الكتاب بمجرد نقولات عمن سبقني إلى التأليف في ذلك، الأمر الذي ظهر على كثير من المصنفات المتأخرة في هذا الباب –للأسف- فترى المتأخر يغترف من المتقدم دون نقدٍ يُذْكر، أو ترجيح في خلاف!! فتكثر المؤلفات دون كبير فائدة في الأزمنة المتأخرة.
وليس معنى ذلك: أنني لا أستفيد من المؤلفات السابقة في هذا الفن؛ فإن شرحي مليءٌ بالنقل عن الأئمة، وهذا مما لا بد منه، لكن دون غفلة –ولله الحمد- عن ترجيح الراجح، وإلحاق ما لا بد من ذكره، مما استفدته في باب الجرح والتعديل، والتصحيح والتعليل.
والكتاب إذا كان مجرد مصطلحات نظرية، دون حقائق واقعية، وتجارب عملية، فالفائدة منه قليلة.
الثالث: هذا الشرح وإن كان أكبر مما تستحق المنظومة من الكلام، حيث إن المنظومة للمبتدئين، إلا أنني أرجو أن يكون هذا الشرح ثمرة حُسْن نية صاحب المنظومة إن شاء الله تعالى.
ثم إن هذا الشرح ليس للمبتدئين، إنما هو للمتخصصين، الذين يفيدون ويستفيدون.
أما المبتدئون فلهم مختصر يليق بهم، أعتصره من هذا الشرح إن شاء الله تعالى.
فهذا الشرح المطول، هو” البسيط”، والمختصر هو “الوسيط” إن شاء الله تعالى.
وقد سميت هذا الشرح: “الجواهر السليمانية على المنظومة البيقونية”.
الرابع: لقد ساعدني في إخراج هذا الشرح بهذه الصورة الحسنة –إن شاء الله تعالى- عدد من إخوتي وأحبتي في الله من طلبة العلم بدار الحديث بمأرب، وممن لهم فقْه في علوم الحديث، ولا أزكيهم على الله تعالى، وقد تذاكرنا وتناقشنا سويّاً في مادة هذا الكتاب، فأفدتُ واستفدتُ، وهذا من فضل الله علي أن يسر لي ثلة مباركة من طلبة العلم، فيعينوني، ويذاكروني، ويأخذوا بيدي، ويقربوا لي البعيد، والله ذو العظيم.
وهؤلاء الإخوة هم:
- أبو الحارث حسن بن محمد بن تُوحْتُوح المغْربي.
- أبو إسماعيل عبد القادر بن مساعد الغشامي البيضاني.
- أبو الطيب نايف بن صلاح المنصوري الحَيْمي.
- أبو أسامة جلال بن صالح آل شيخ الأبْيني.
- أبو عمر سالم بن سعيد لعْوج الحضرمي.
- أبو حازم ماجد بن عبد الله بن سالم الشيبة الشبوي (وله تعليقات على المقدمة خاصة به).
فأسأل الله أن يجزيهم عني وعن العلم وطلابه خيراً، وأن يزيدهم توفيقاً وسداداً، وأن ييسر لهم الاستمرار في خدمة العلم وأهله، وأن يدفع عني به وعنهم العلائق والعوائق، والشواغل والمشاكل التي تحول دون الطالب والطلب، إنه ربي على كل شيء قدير.
كما أسأله سبحانه أن يجعل هذا الكتاب نوراً لقلبي، وصفاءً لبصيرتي، وقوةً لعزيمتي وهمتي، وأن يجعله مباركاً حيثما حلّ وارتحل، وعوناً لطلاب العلم في السفر والحضر، وخادماً لسنة خير البشر، ويُنَضِّر به وحهي، ويستر به عيبي، ويفرج به كربي، وأن يقيني، ووالديّ، وأهلي، وذريتي، وإخواني، به مصارع السوء والهلكة، إنه أكرم مسؤول، وأعظم مأمول.
وصلى الله على نبيه محمد ما ذكره الذاكرون، وغفل عنه الغافلون، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مزيداً.
كتبه الفقير إلى عفو ربه الغني بجوده وفضله
أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني
من دار الحديث بمأرب
بعد ظُهر الأحد 10/ جمادى الآخرة/1426هـ.
المقدمة
قال الناظم – رحمه الله – :
| 1- أبْدَأُ بالحمدِ مصليّاًً على | محمدٍ خيرِ نبيٍّ أرْسِلا |
وقبل الشروع في بيان المسائل المتعلقة بهذا البيت، فقد استشكل بعض العلماء عدم ابتداء الناظم رحمه الله بالبسملة، وقالوا: إن ما وجد من ذكرها في بعض النسخ، إنها من عمل الشراح، إلا أن بعضهم ذكر أنها من عمل الناظم [16](1)، وعلى هذا القول يكون البدء بالحمدلة في قوله: “أبدأ بالحمد” بدءاً إضافياً نسبياً، ويكون البدء بالبسملة بدءاً مطلقاً.
تنبيه: جرت عادة كثير من المؤلفين أنهم يبدأون كتبهم بالبسملة، ومنهم من يبدؤها بالحمد، أو بذكر الله، وكثير منهم يحتج على ذلك بما رُوِي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: “كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه ببسم الله –وفي رواية-: “بحمد الله” –وفي رواية-: “بذكر الله” فهو أقطع، أو أبتر، أو أجذم”، أي: أنه ممحوق البركة، وإن كان ظاهره التمام، إلا أن هذا الحديث لا يصح، وقد تكلم عليه شيخنا الألباني في الإرواء [17](2).
وهذا البيت فيه عدة مسائل:
المسألة الأولى: تعريف الحمد:
هو وصف المحمود بالكمال، مع المحبة والتعظيم، فإن خلا الوصف عن المحبة والتعظيم، فهو مدح لا حمد.
والوصف بالكمال المطلق لا يكون إلا لله سبحانه، وهو –سبحانه- يُحْمد لوحدانيته، ولأسمائه وصفاته، وأفعاله، وإنعامه، وأقداره…. فالله سبحانه هو المحمود الحمد المطلق وفي كل الأحوال.
المسألة الثانية: قوله: “مصلياً”:
نُصِب على الحال، أي: أبدأ بالحمد حال كوني مصلياً، وهذه الحال يسميها علماء اللغة: حالاً منتظرة، إذاً موضع الصلاة –وهو اللسان- مشغول بالحمد، ولا يتأتى الجمع بين الصلاة والحمد في آن واحد، وهذا التركيب يشير إلى علو الهمة، حيث إن المرء يجمع بين وجوه كثيرة من الخير ظاهرة وباطنة، ويُوَفِّي بذلك كله.
والصلاة إذا كانت من العبد؛ فهي: طلب الثناء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الملأ الأعلى، كما في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً) وإذا كانت من الله على نبيه؛ فهي بمعنى الثناء، كما في قوله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي) وإذا كانت من الملائكة فهي استغفار.
المسألة الثالثة: قوله: “محمد”:
وهو اسم من أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وله أسماء كثيرة، وكثرة الأسماء تدل على كثرة الصفات والمعاني، وقد ذكر الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في شرحه للمنظومة أن الله عزوجل لم يذكره في القرآن إلا باسم “محمد” و”أحمد” وأن معنى “محمد”: أن الفعل –وهو الحمد- واقع من الناس، أي: أن الناس يحمدونه، ومعنى “أحمد”: أن الحمد واقع منه، أو أنه أحمد الناس لله تعالى. أ.هـ ملخصاً.
المسألة الرابعة: قوله: “خير”:
“خير” هنا أفعل تفضيل بمعنى “أخير” لكن حذفت الهمزة، وهذا موجود في لغة العرب، فهم يحذفون الهمزة من أفعل التفضيل، على لغة من يقول: “وحَبُّ شيء إلى الإنسان ما مُنعا” أي: وأحب شيء، وقد قال بعضهم:
وغالباً أغناهم خير وشر عن قولهم: أخير منه، وأشر
ولا تقل: خيرٌ وشرٌ، بالتنوين؛ لأن أصلهما: أخير، وأشر، فلا تنون.
وعلى هذا؛ فمعنى ذلك: أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أخير رسول أرسله الله عزوجل، وهو كذلك، فإنه عليه الصلاة والسلام سيد الأولين والآخرين، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: “أنا سيد ولد آدم ولا فخر”.
المسألة الخامسة: ما الفرق بين النبي والرسول؟
للعلماء عدة أقوال في ذلك، منها:
1- أن الرسول من كان معه كتاب، والنبي من ليس معه كتاب، ويَرِدُ عليه قوله تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه) فهذه الآية تدل على أن النبيين معهم كتب ليحكموا بها بين الناس.
2- ومنهم من يقول: إن الرسول من أمِرَ بالبلاغ، والنبي لم يؤمر بذلكن والآية السابقة ترد على هذا القول أيضاً، لقوله تعالى: (فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) والبلاغ لا يخرج عن البشارة والنذارة، ويرده أيضاً قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى…) الآية، فوصف النبي بأنه مرسل، ولا يكون مرسلاً إلا ليبلغ من أرسل إليهم، وكذا قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “إنه لم يكن من نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شرَّ ما يعلمه لهم،…”.
3- ومنهم من يقول: إن الرسول: هو من أرْسل بشرع جديد إلى قوم مخالفين، والنبي: من أرسل بشرع من قبله إلى قوم موافقين؛ ليجدد شريعة من قبله، وعلى هذا؛ فالرسول مؤسِّس، والنبي مؤكِّد، ومثَّلوا لذلك بأنبياء بني إسرائيل، ويرد عليه حديث: “يأتي النبي ومعه الرهط، ويأتي النبي ومعه الرجل والرجلان” فهذا يدل على أن النبي أرسل إلى المخالفين أيضاً، ولو كانوا جميعاً موافقين؛ لكانوا أكثر من ذلك، لأنه يستبعد أن يرسل لواحد أو اثنين!! ولو سلمنا بذلك؛ فبقي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: “والنبي وليس معه أحد”!!
4- ومنهم من قال: هما سواء. والله أعلم بالصواب من ذلك، والتوسع في هذا المبحث ليس وراءه –عندي كبير طائل-، والله أعلم.
قال الناظم – رحمه الله – :
| 2-وذِيْ مِنَ اْقْسَامِِ الْحَدِيثِ عِدَّهْ | وَكُلُّ وَاحِدٍ أَتَى وَحَدَّهْ |
يذْكُر الناظم – رحمه الله- أن علوم الحديث لها أقسام كثيرة، وأنه سيذكر كثيرًا منها، مشيرًا إلى تعريف كل قِسْمٍ ، وياليته اعتنى ببيان حُكْم الأقسام التي تحتاج إلى ذلك ، وهذا أهم ما يُحتاج إليه في ذلك؛ فبالتعريف يتميز القسم من غيره، وببيان الحكم يُعْرَف قبول القسم أو رَدُّه.
وقوله: “مِن أقْسام” فـ”مِنَ” هي بتحريك النون؛ تفاديًا من التقاء الساكنين، لأن الهمزة في قوله: (أقسام) حُذِفتْ؛ ليستقيم الوزن.
والحديث:ما أُضيف إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – من قول ،أو فِعْل، أو تقرير،أو صفة [18](1) .
هذا هو المراد بالحديث عند الاطلاق ، وفي كلام غير النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – يُقَيَّد ،فيقال : حديث فلان، وقد يطلق بعضهم الحديث في الآثار الموقوفة والمقطوعة ، والله أعلم [19](2) .
وقوله: “وذي” إشارة إلى أقسام الحديث، وهي مبتدأ وخبره: “عِدَّه” وتقدير الكلام:” وذي عدة من أقسام الحديث” .
قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – في شرحه على المنظومة:” إن كانت الإشارة قبل التصنيف ؛ فالمشار إليه هو ما في ذهنه، وإن كانت الإشارة بعد التصنيف؛ فالمشار إليه هو الشيء الحاضر الموجود في الخارج” اهـ [20](3) .
وقوله :” أقسام ” جَمْعُ قِسْم، والقسم : هو الشيء الذي يكون مندرجًا تحت أصل كلي، وهو أخص من الأصل العام.
أما القسيم : فهو الشيء الذي يجتمع مع قسيمه في أصل عام، إلا أنه يباينه ويختلف عنه في بعض الأحكام، وإنما ذكرتُ هذا؛ لاستعمال تلك المصطلحات في بعض الكتب المؤلَّفة في علوم الحديث .
وقوله: “وَحَدَّهْ ” منصوب ؛ لأنه مفعول معه، والواو واو المعية، والأفصح في لغة العرب: أنه إذا عُطف على الضمير المستتر، تكون الواو للمعية، ويُنْصَب ما بعدها [21](1) .
والحد : ” هو الوصف المحيط بموصوفه، الممَيِّز له عن غيره ” بمعنى: أنه لا بد أن يكون جامعًا مانعًا ،ومنهم من يعبر بقوله:” مضطردًا منعكسًا ” وهما بمعنى، أي: أنه لا يُخْرِج شيئًا من المحدود، ولا يُدخل شيئًا من غيره في الحد .
فلو أردنا أن نُعَرِّف الإنسان – مثلاً – فنقول:” هو حيوان ناطق ” فقولنا: “حيوان” أخرج ما ليس بحيوان، كالجماد، وقولنا: “ناطق” أخرج ما ليس بناطق، فهذا الحد استحق أن يقال فيه: إنه جامع مانع، أو مضطرد منعكس، وهذا بخلاف ما لو قيل: “الإنسان: حيوان ناطق عاقل” فإن هذا ليس بجامع ؛إذ قد أخرج المجنون، وهو إنسان – وإن لم يكن عاقلاً – وكذا لو قيل:” الإنسان حيوان “فهذا ليس مانعًا؛ إذ يدخل فيه كل ما فيه حياة، وإن لم يكن إنسانًا، كالبهائم ، والله أعلم .
( تنبيه ) : الحد ، والتعريف ، والرسم ، من العبارات التي يستعملها العلماء في مقام تعريف الشئ ، وبما يتميز به عن غيره ، فهي مترادفات ، والله أعلم .
والكلام على هذا البيت وما يتعلق به في مسألتين :
●المسألة الأولى: ما المراد بهذه الأقسام التي سيتكلم عليها الناظم – رحمه الله – ؟
والجواب :أن المراد بذلكَ أقسام علوم الحديث، لا أقسام الحديث المتعلقة بحكمه ورتبته ، إذ أقسامه – من هذه الحيثية – لا تزيد عن ثلاثة أقسام : صحيح، وحسن، وضعيف،والضعيف أقسام كثيرة، وبعضهم يقول: الحديث صحيح وضعيف فقط، وهذا بخلاف أقسام علوم الحديث؛ فهي كثيرة جدًّا، وليس لكثير منها علاقة بالقبول والرد [22](2) .
●المسألة الثانية: هل أراد الناظم – رحمه الله – استيعاب جميع أقسام علوم الحديث ؟
والجواب: أن الناظم لم يُرِدَ ذلك، وهذا واضح من إتيانه هنا بـ”من” الدالة على التبعيض، وهذا هو ا لحاصل ، كما ستراه في هذه المنظومة – إن شاء الله تعالى- .
ولعله أراد بذلك التسهيل على المبتدئين في هذا العلم ، ومعلوم أن الهمم – لاسيما في الأزمنة المتأخرة – قد فترتْ وضعُفَتْ، والاختصار يناسبها ، وإن كان التطويل لا بد منه للمخصصين في هذا الفن ، ولما كانت هذه المنظومة مختصرة ، رقيقة ، لطيفة ؛ انتشرت بين طلاب العلم ؛ وكثر شراحها ، ولعل ذلك لحسن نية الناظم – والله أعلم – والتوفيق بيد الله سبحانه .
الحديث الصحيح
قال الناظم – رحمه الله – :
| 3-أَوَّلُها الصَّحِيْحُ وَهُوَ ما اتَّصَلْ | إِسْنَادُهُ وَلَمْ يُشَذَّ أَوْ يُعَلْ | |
| 4- يَرْوِيْهِ عَدْلٌ ضَابِطٌ عَنْ مِثْلِهِ | مُعْتَمَدٌ فِيْ ضَبْطِهِ وَنَقْلِهِ |
شرع الناظم – رحمه الله – في بيان ما وعَدَ به من ذِكْر أقسام علوم الحديث، فبدأ بذِكْر الحديث الصحيح ،وبَيَّنَ شروطه؛ ولقد أحسن الناظم في البدء بهذا النوع ؛ فإنه أشرف الأنواع ذكرًا ، وأجلُّها قدْرًا ، وأعظمها حجة .
واعلم أن تحت هذين البيتين عدة مسائل:
🟏المسألة الأولى:
قوله: “أولها الصحيح” وفيه ثلاثة مباحث:
(أ) أن “ها” من قوله:” أولها” ضمير يعود على أقسام علوم الحديث، لا أقسام الحديث من جهة القبول والرد، كما سبق بيانه .
(ب) لماذا بدأ الناظم – رحمه الله – بذِكْر الحديث الصحيح، وجَعَلَه أول الأقسام ؟
الجواب : سبب ذلك: أن الحديث الصحيح هو أعلى أنواع الحديث قدْرًا، وأشرفها ذِكْرًا، والبدء بالأشرف يتفق عليه العقلاء.
ويضاف إلى ذلك: أن المقصود الأول من دراسة هذا الفن: أن نُميز الصحيح من غيره،فنأخذ الصحيح ، ونترك المردود، فكان البدء به أولى ، والله أعلم [23](1) .
(ج) أقسام الحديث الصحيح:
ينقسم الحديث الصحيح إلى قسمين:
(1) صحيح لذاته، وهو الذي أراد الناظم تعريفه، كما يظهر مما ذكره من شروط، وهو على مراتب.
(2) صحيح لغيره، وهو دون الصحيح لذاته ، وسيأتي الكلام عنه في الحديث الحسن – إن شاء الله تعالى – .
🟏المسألة الثانية: تعريف الحديث الصحيح لذاته:
عرَّف الناظم الحديث الصحيح، فذكر أنه:” الذي يتصل سنده، برواية عَدْلٍ ضابطٍ، عن مثله ولم يُشَذَّ ، ولم يُعَل” .
وللعلماء عدة أقوال في تعريف الحديث الصحيح،تكلمتُ على بعضها في ” إتحاف النبيل ” [24](1) وأجمعها وأخصرها – عندي- قول من قال:” هو الذي يتصل إسناده، بنقل العدل الضابط، ولا يكون شاذًّا ولا مُعَلَّلاً ” .
فقولهم : ” يتصل ” سيأتي مفصلاً – إن شاء الله تعالى – بعد قليل .
وقولهم:” إسناده” الإسناد: هو سلسلة الرجال الموصلة إلى المتن، وهو والسند بمعنى – في الجملة – وبعضهم جعل الإسناد حكاية السند[25](2)، أي: عَزْوُه، يقال: أسند الشيء إلى المسنَد إليه، أي: عزاه إليه، وحكاه عنه.
وقولهم : ” الذي يتصل إسناده “يدل على الاتصال في جميع طبقات السند،ويغني عن قول من قال : ” عن مثله ” في قولهم : ” بنقل العدل الضابط عن مثله ” أو ” عن العدل الضابط ” كما هو واضح ، ولا حاجة إلى أن يُقال : ” إلى منتهاه ” لأنه حيثما وقفت سلسلة الرجال ، مع توافر بقية الشروط؛ فهو الصحيح إلى من عُزِي إليه سواءكان مرفوعًا إلى رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – أو إلى من دونه،والله أعلم.
( تنبيه ) : قد يقال : لا حاجة لقولهم في التعريف: ” إسناده “وتكون العبارة : ” الذي يتصل بنقل العدل . . .”الخ لأنه لا يتصل إلا الإسناد ، والمختار في التعاريف الاختصار .
قلت : ولهذا القول حظًّ من الوجاهة ، والأمر سهل ، والله أعلم .
وقولهم: “العدل ” سيأتي – إن شاء الله – مفصلاً .
وقولهم:” الضابط” أي: تام الضبط، فإنه المقصود عند الإطلاق، ولا يشترط أن يكون الراوي من الحفاظ الكبار، لكن إن وقع ذلك؛ فهو أمكن وآكد في تحقق شروط الصحيح .
وقولهم:” العدل الضابط” أدق من قول من قال:” الثقة” وإن كان الثقة في الأصل هو العدل الضابط، والاختصار في التعاريف أولى من الإسهاب؛ إلا أن هناك من استعمل قولهم:” ثقة” في غير الضبط : إما أنه يريد أنه ثقة في دينه، وإن لم يكن ضابطًا لحفظه [26](3) ، أو يريد أنه صحيح السماع، وإن كان لا يدري ما الحديث [27](4) !! وبعضهم أطلقه على من لم يُجَرَّح ,فإن لم يَعْلَم في الراوي تجريحًا وثَّقه [28](5)!! والأصل أنه لا بد من ثبوت العدالة والضبط، ولا يُكْتَفَى بمجرد عدم العلم بالجرح.
فلما استُعمل لفظ: “ثقة” في غير العدل الضابط؛ كان التنصيص على اشتراط العدالة والضبط أبعد عن الاحتمال والاشتباه، والله أعلم.
وقولهم: “ولا يكون شاذًّا “أدق من قول من قال: “من غير شذوذ” لأن بعضهم قد يطلق الشذوذ على مجرد المخالفة؛ وإن لم تكن قادحة، ولذلك فقد يقول بعض العلماء في الحديث: “صحيح شاذ”ويعني بذلك أن في الحديث مخالفة للراوي من غيره ، لكنها لا تضر الرواية في نظر من أطلق ذلك .
وأما قولهم: “ولا يكون شاذًّا ” أي: لا يكون فيه شذوذ قادح، فصار به معلاًّ نازلاً عن درجة القبول.
وقولهم: “ولا معلَّلاً “أي: لايكون فيه علة صار بها مُعَلاًّ، وهذا يغني عن قول من قال:” ولا علة قادحة” لأن العلة التي لا تقدح لا تورث إعلالاً أصلاً .
وبالنظر فيما سبق من تعريف الناظم للحديث الصحيح؛ يتضح أنه يحوي شروطاً، فسأذكرها ، وما يتعلق بها – إن شاء الله تعالى – :
●الشرط الأول: الاتصال: وقد ذكره الناظم بقوله: “وهو ما اتصل إسناده”.
وفي الكلام على هذا الشرط مباحث:
الأول: تعريفه: فالاتصال هو: أن يتحمل الراوي الحديث من شيخه بلا واسطة.
وقد عَبَّرتُ بالتحمل : حتى يدخل في ذلك ما كان من طريق السماع ، وكذا جميع طرق التحمل المعتمدة بتوافر شروطها من عَرْض، وإجازة ووجادة…إلخ .
الثاني: طرق معرفة الاتصال:
يُعْرف الاتصال بطرق ، وهي :
(1) التصريح.
(2) الترجيح.
(3) الاستنباط.
فأما ثبوت الاتصال بطريق التصريح؛ فإنه يُدْرك بأحد أمرين:
(أ) التنصيص من عارف بهذا الشأن، كأن يقول إمام : إن فلانًا سمع من فلان ، أو رواية فلان عن فلان متصلة ، أو نحو ذلك .
(ب) التصريح من الراوي في إسنادٍ ثابت إليه بالسماع من شيخه، كأن يقول: حدثني فلان، أو سمعت فلانًا، أو سألت فلانًا….إلخ.
ويُشْترط لقبول دعوى الاتصال من هذا الوجه شروطٌ:
(1) ثبوت الإسناد إلى مَنْ صَرَّح بالسماع.
(2)ألا يكون هذا الراوي واهمًا في تصريحه بالسماع ، أو كذابًا .
ويثبت وهمه في ذلك بنص إمام – كما سيأتي في الشرط الثالث – أو بجمع الطرق .
(3) ألا يعارض ذلك نصُّ إمامٍ على عدم سماع ذلك الراوي من شيخه، فإن نَفَى أئمة الحديث سماع هذا الراوي من شيخه؛ فكلامهم مقدم على مجرد ما جاء في السند ؛ لاحتمال أن يكون مَنْ دون الراوي وَهِمَ فصرح بالسماع,ظانًّا أن شيخه قال : سمعت فلانًا، وليس الأمر كذلك، ولاحتمال التصحيف أو التحريف في النسخ أو الطباعة، أو تَجوُّز الراوي في إطلاق السماع ممن لم يسمع منه ، كقول الحسن : حدثنا أبوهريرة ، يعني بذلك أن أباهريرة حدَّث أهل بلده ، لا أنه سمع بنفسه منه ، وهذا تجوُّز ، ولا شك أن المعلوم عند أئمة هذا الشأن بعدم السماع أولى، لاسيما عند وجود لاحتمال ، والله أعلم .
وأما ثبوت الاتصال بطريق الترجيح:
فكأن يختلف الأئمة في سماع الراوي من شيخه، ما بين مُثْبِتٍ ونافٍ ،فهنا يقال: “المثْبِت مُقَدَّم على النافي” وذلك: أن الإثبات يَثْبُتُ باطلاع المثْبِت على السماع ولو مرة واحدة، بخلاف النافي: فإنه يَدَّعي دعوى عريضة , لا تثبت إلا باطلاع كافٍ ومُسْتَوْعِبٍ لأحوال الراوي وشيخه، وفي هذا مشقة وتعسر، ولذا كان الإثبات – في الجملة – أولى، ومن عَلِمَ حجة على من لم يَعْلَم.
( تنبيه ): قاعدة: “المثبت مقدم على النافي” هي الأصل, ما لم يكن المثبت ليس من المتأهلين, أو كان للنافي مزية أو قرينة ترجح قوله في هذا الباب، والمثبت عارٍ عن هذه المزية، فإن كان الأمر كذلك؛ فلا يعتمد على كلام المثبت، ويبقى النافي مُسْتَصْحِبًا للصأصل، وهو عدم ثبوت السماع إلا بدليل.
وأما ثبوت الاتصال بطريق الاستنباط ، فله صورتان:
(أ) أن يُدرِك الراوي شيخه إدراكًا بينًا، ويكون اللقاء ممكنًا .
ويُعْتَدُّ بهذه الطريقة في إثبات الاتصال بشرط: ألا يغمز إمام في سماع ذلك الراوي من شيخه ـ فضلاً عن تصريحه بعدم السماع – .
ومثال ذلك: ما إذا كان الراوي وشيخه كلاهما من أهل المدينة مثلاً , وكان سنُّ الراوي حين وفاة شيخه عشرين سنة – مثلاً – فهذا إدراك بيِّن، لأن الراوي في هذا السن – بل قبله ـ يكون متأهلاً لتحمل الحديث، وأَخْذِهِ عن المشايخ ، بخلاف ما إذا مات الشيخ والراوي ابن سنتين أو ثلاث، أو نحو ذلك.
ثم إن لقاء الراوي بشيخه ممكن لأنهما في بلدة واحدة، أو بلدتين قريبتين, وذلك بخلاف ما إذا كان أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب ، فإن اللقاء –حينئذ- يكون فيه مشقة, واحتمال عدم وقوعه قوي، ولا يُحْكَم بالاتصال مع الاحتمال القوي لعدمه، والله أعلم.
فإثبات السماع بهذه الطريقة إنما هو بالاستنباط لا التنصيص.
واشتراط عدم غمز الإمام في السماع ، مع وجود الإدراك البين؛ سببه: أنه قد يدركه ولا يسمع منه، كأن يكون الراوي لم يُبَكِّر في طلب الحديث- وإن كان كبير السن- حتى مات الشيخ ولم يسمع منه، وقد يلقى الراوي الشيخَ حال امتناعه عن التحديث, أو يلقاه حال اشتغاله بأمر عارض يمنعه من التحديث ,ونحو ذلك.
فإن قيل: إن مسلمًا – رحمه الله – يرى أن الاتصال يَثْبُتُ إذا كان اللقاء ممكنًا , مع البراءة من وصْمة التدليس!!.
فالجواب: أن هذا الكلام صحيح ومقبول من مسلم ومن غيره,لكن بشرط ألا يغمز أحد من الأئمة في سماع الراوي من شيخه, فإنْ غَمَزَ أحدٌ من الأئمة في ذلك السماع؛ فعند ذلك لا نقبل دعوى الاتصال, وهذا هو الذي عليه المحققون ,انظر “شرح علل الترمذي” لابن رجب و”النكت على ابن الصلاح” للحافظ ابن حجر.
وسيأتي شيء من الكلام على ذلك في مبحث الحديث المعنعن -إن شاء الله تعالى-.
والذي جعلني أرجح تقييد كلام مسلم بالشرط السابق: أن مسلمًا – رحمه الله – إنما يحمل عنعنة من أمكن لقاؤه بشيخه مع براءته من التدليس على الاتصال, ولم يصرح بأن هذا اتصال صريح, وإنما هو محمول عنده على الاتصال, فإذا طعن إمام في الاتصال؛ فطعْنُه صريح، والصريح يقدم على المحتمل .
وهل يُلْحَق بالطعن الصريح في السماع ما إذا قال الإمام منهم في الراوي: “لا أعلمه سمع من فلان؟” أو: “ما أُراه سمع منه؟” أو: “ما أدري أسمع أم لا؟ “ونحو ذلك؟.
والجواب: أن النفس تميل إلى إلحاق هذا بذاك أيضًا؛ لأن الأمر إذا كان محتملاً في نفي السماع وإثباته ؛ فالأصل عدم الإثبات ؛صيانة للسنة من أن يدخل فيها ما ليس منها، والله أعلم.
فإن قيل: نسلِّم بما ذكرتَ في حق الأئمة، باستثناء ابن المديني والبخاري ، فإنهما لا يؤخذ بغمزهما في رد المذهب الذي ذهب إليه مسلم ؛ لأنهما يشترطان في الاتصال ثبوت السماع ولو مرة واحدة.
فالجواب أن يقال: هل ثبت أنهما أطلقا اشتراط ذلك، أم خصصاه بما إذا وقع تنازع في الاتصال وعدمه ؟ فإن للبخاري بعض المواضع يُثْبِت فيها الاتصال دون توافر هذا الشرط [29](1) .
وإن صح أنهما أطلقا الاشتراط ؛ فهل انفردا بذلك؟ أم تابعهما عليه غير واحد؟! فإن ظاهر كلام ابن رجب في “شرح العلل” أن هذا الذي أنكره مسلم , وشنع على مخالفه ؛ هو الذي عليه المحققون, وليس خاصًّا بابن المديني والبخاري، والله أعلم.
(ب) ومن صور ثبوت الاتصال بطريق الاستنباط: أن يحكم أحد الأئمة باتصال رواية راو عن شيخ له, مستدلاًّ بأنه قد سمع من فلان الأكبر أو أنه قديم الموت ، فمن سمع من الأكبر أو قديم الموت؛ فمن باب أولى أن يسمع من الصغير ، أو متأخر الوفاة، وهذا فرع عن الاستنباط من الإمام، وهو مقبول مالم يصرح أحد بعدم سماعه ، والله أعلم.
الثالث من مباحث الاتصال : ما يخرج باشتراط الاتصال:
اعلم أن اشتراط الاتصال في تعريف الحديث الصحيح ، قد أخرج كل ما لم يتوافر فيه هذا الشرط، فخرج بذلك كل ما فيه انقطاع بجميع صوره الظاهرة: كالمعلَّق ، والمرسَل، والمعضَل ، والمنقطع ، وكذلك فقد خرجت صور الانقطاع الخفية : كالتدليس ، والإرسال الخفي.
( تنبيه ) : العلماء يعبرون عن الاتصال بعبارات كثيرة ، منها ما هو صريح في ذلك ، كقولهم : ” سمع فلان من فلان ” أو ” فلان عن فلان مسند ” أو ” فلان عن فلان متصل ” أو ” فلان عن فلان سماع ، أو صحيح ” ونحو ذلك .
وقد يعبرون بعبارات ليست صريحة ، لكنها ظاهرة في الاتصال ، ويُعمل بها في ذلك ، إلا أن يصرحوا بعدم الاتصال ، فمن ذلك قولهم : ” فلان روى عن فلان وفلان ، وروى عنه فلان وفلان ” وكذلك قولهم : ” فلان أدرك فلانًا ، أو رآه ، أو دخل عليه ، أولقيه ” فكل هذا يُحتمل مع وقوعه عدمُ السماع لسبب من الأسباب، لكن الأصل في إطلاق ذلك عند العلماء هو السماع أو الاتصال، إلا أن يَرِدَ خلافه ، فتراهم في كتب التراجم يقولون : ” روى فلان عن فلان ، وفلان ، وفلان ، وعن فلان مرسلاً ، أو لم يدركه” فلو كان الجميع كذلك ؛ لما خص الإمام فهم رواية الراوي عن أحدهم بالإرسال دون البقية ، والله تعالى أعلم .
( تنبيه آخر ) قد يُطلق الأئمة الانقطاع في الرواية بين الراوي وشيخه ، فيقولون : ” فلان عن فلان غير متصل ، أو منقطع ” ويعنون بذلك أنه لم يسمع منه ، وإن كان قد أخذ عنه بصورة أخرى من صور التحمل المقبولة بشروطها ، فلزم التنبيه للبحث والتأمل قبل الحكم بالضعف على الرواية ، والله أعلم .
الشرط الثاني في تعريف الحديث الصحيح – حسب قول الناظم – : السلامة من الشذوذ ، وهو مأخوذ من قول الناظم – رحمه الله – ” ولم يُشَذَّ ” وفيه مباحث:
المبحث الأول : تعريف الحديث الشاذ ، وفيه أقوال :
القول الأول ـ وهو الراجح ـ: أن الشاذ:” هو مخالفة المقبول لمن هو أولى منه ” كما عَرَّفَه الحافظ ابن حجر في ” النـزهة ” [30](2).
والمخالفة : هي أي زيادة في المبنى ـ سواء كانت في السند ،أو في المتن ـ تدل على زيادة في المعنى ،سواء أمكن الجمع بين الزيادة والأصل على طريقة الفقهاء ، أم لا ، خلافا لمن خصها بالتنافي أو التضاد الذي لا يمكن معهما الجمع بين المطلق والمقيد ، والعام والخاص ؛ لأنه يلزم من ذلك ألا يكون هناك شذوذ في الدنيا ، ولأن هذا مخالف لصنيع الأئمة، وعلى مدَّعي وجود الشاذ بالأوصاف السابقة الإتيان بمثال واحد تنطبق عليه الشروط المذكورة !! والله أعلم .
وقوله :” المقبول ” يشمل رجال الحديث الصحيح والحديث الحسن .
وقوله:” لمن هو أولى منه ” إما وصْفًا أو عددا .
فمثال العدد: مالو خالف ثقةٌ ثقتين فأكثر ، فإن رواية الثقة تكون شاذة ؛ لمخالفته من هو أولى منه عددا ، وتكون رواية الثقتين فأكثر هي المحفوظة ، فإن توهيم الثقة أولى من توهيم الثقتين .
ومثال الوصف ، ما لو خالف ثقةً ثقةٌ حافظٌ، فإن رواية الثقة تكون شاذة أيضا؛ لمخالفته من هو أولى منه وصْفًا ، وتكون رواية الثقة الحافظ هي المحفوظة ، وبمثل ذلك ما إذا خالف ثقة من قيل فيه : صدوق ، أولا بأس به ، فالحكم للثقة، هذا هو الأصل ، إلا أن تظهر قرينة أخرى ؛ فيُعمل بكل شئ في موضعه، وبحسبه ، والله أعلم .
القول الثاني : أن الشاذ:” مخالفة الثقة للثقات ” وهذا التعريف غير جامع ، وذاك في موضعين :
1 – أن قوله:” ثقة ” أخرج الصدوق ، ومن كان حديثه في مرتبة الحسن ، مع أن مخالفته لمن هو أولى منه تعد شاذة أيضًا ، ولأنه قد يقال: إننا إذا حكمنا بالشذوذ على رواية الثقة – وهو أعلى من الصدوق – فكذلك الصدوق إذا خالف من هو أولى منه ؛ نحكم بالشذوذ على روايته من باب أولى ، والله أعلم .
2- إن قوله:” للثقات ” يُخْرج مالو كان المخالَف – بفتح اللام – واحدًا أو اثنين، إذ قوله:” للثقات ” جَمْع ، ويَصْدُق على الثلاثة فأكثر – على المشهور – مع أنه لو خالف الثقةُ ثقةً حافظًا أو ثقتين ؛ لكانت روايته شاذة أيضا ، وإن لم يصدق إطلاق ” الثقات ” بصيغة الجمع – على الثقة الحافظ، أو الثقتين ، والله أعلم .
القول الثالث : أن الشاذ:” مخالفة الثقة لمن هو أولى منه ” ويرد عليه ما ورد في الموضع الأول من الاعتراض على التعريف الثاني .
وهناك تعاريف أخرى تُنظر في باب الشاذ ـ إن شاء الله تعالى ـ .
( تنبيه ): قول الناظم – رحمه الله تعالى – ” ولم يشذ ” ضبط بعدة وجوه :
أ – أنه على البناء للمجهول :” يُشَذَّ ” بضم المثناة التحتية ، وفتح الشين المعجمة ، وتشديد الذال المعجمة ، وهو الأشهر .
ب – على أنه للبناء للمعلوم ، بفتح المثناه التحتية ، وكسر الشين المعجمة، وتشديد الذال المعجمة ” يَشِذَّ “.
ج – أنه بتسكين الذال، مع البناء للمجهول ” يُشَذْ ” مع إبدال ” أو ” في البيت بـ ” لم ” فيكون عجز البيت هكذا : ولم يُشَذْ ولم يُعَلْ ”













