كتب للقراءة

السراج الوهاج

السراج الوهاج

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة سماحة الوالد الشيخ

عبدالعزيز بن عبدالله بن باز-رحمة الله عليه-

من عبدالعزيز بن عبدالله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم فضيلة الشيخ مصطفى بن إسماعيل السليماني وفقه الله آمين

سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد:

فقـد تلقيت الرسالة الكريمة الواردة إليّ منكم المؤرخة في 9/1/1419هـ، ومشفوعها نسخة من كتابكم المسمى “السراج الوهاج في بيان المنهاج” المتضمنة بيان رغبة فضيلتكم الإطلاع عليه، وإبداء مرئياتي نحوه، إلى آخر ماذكرتم، وإني إذ أشكركم على جهودكم الكريمة وعنايتكم ببيان حقيقة التوحيد، أفيدكم بأنه نظراً لضيق وقتي، فقد أحلت الكتاب المذكور إلى معالي نائبنا في الرئاسة صاحب الفضيلة الشيخ/ عبدالعزيز بن عبدالله بن محمد آل الشيخ، لمراجعته، فأجابنا بالجواب المرفق صورته، وقد كتب عليه بعض الملاحظات الجيدة المهمة، ونرى أنها ملاحظات يجب الأخذ بها، وفيها الكفاية والسداد إن شاء الله..شكر الله سعيكم، وبارك في جهودكم، وجعلنا وإياكم من دعاة الهدى، وأنصار الحق، إنه خير مسئول.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مفتي عام المملكة العربية السعودية

ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء(19/11/1419هـ)

كلمة سماحة الشيخ/عبدالعزيز بن عبدالله بن محمد آل الشيخ المفتي العام للمملكة العربية السعودية –حفظه الله وسلّمه-

سماحة المفتي عام المملكة الشيخ/ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز وفقه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

إشارة إلى كتاب سماحتكم الموجه لي برقم (490/خ) وتاريخ 18/3/1419هـ، ومشفوعه نسخة مصورة من كتاب “السراج الوهاج في بيان المنهاج” لأبي الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني من اليمن، وطلب سماحتكم مراجعته والإفادة عنه.

وبناءً على ذلك فقد تمت قراءة الكتاب المذكور، وتبين أن المؤلف أراد أن يبين للناس عقيدته ودعوته الموافقة لمذهب السلف الصالح، وقد رتبها على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ورقّمها بأرقام مسلسلة على نمط شيخ الإسلام/ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله في بيان ما يعتقده وإن كان يدخل في كتابه “السراج الوهاج”…بعض المسائل الخلافية التي هي من الفروع المختلف فيها. (1)

والكتـاب في مجمله جيد وموافق لمذهب أهل السنة والجماعة وفي أغلب

(1) يعني-حفظه الله- بعض المسائل الفقهية التي تُذكر في باب العقيدة،لمخالفة أهلِ السنة فيها أهلَ البدع، كالنكاح بالولي، والمسح على الخفين، ونحو ذلك، كـما يظهـر من توجيهات سماحتـه –جفظه الله-.

ما ذكره إلا أنه يوجد عليه بعض الملاحظات البسيطة ومنها:…(ثم ذكرها حفظه الله، وقد راعيت ذلك في صلب الكتاب، كل شيء في موضعه-على ماسيأتي-إن شاء الله تعالى-) ثم قال:

هذا ماتبين لي بعد قراءة الكتاب، والكتاب بعد تعديل الملحوظات السابقة جيد ويستفاد منه، لذلك فإني أعيد لسماحتكم كامل المعاملة، ويرفقها الكتاب المذكور، ليرى فيها سماحتكم الرأي الأمثل إن شاء الله، سدد الله رأيكم، وأمدكم بعونه وتوفيقه، والله يحفظكم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نائبكم في الرئاسة

عبدالعزيز بن عبدالله بن محمد آل الشيخ

11/8/1419هـ

موقف فضيلة الوالد الشيخ محمد بن صالح العثيمين-حفظه الله-من الكتاب

لقد أرسلتُ بالكتاب لفضيلته، فاطَّلَعَ عليه مرتين، ثم أرسل فضيلته رسالة بتاريخ 4/9/1420هـ، قال فيها:

تصفحت الكتاب فأعجبني، ثم ذكر فضيلته بعض التوجيهات التي نفعني الله عزوجل بها، فأسأل الله عزوجل أن يجزيه خير الجزاء، وأن يبارك له في وقته، إنه جواد كريم، بر رحيم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

كلمة فضيلة الوالد الشيخ

عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين-حفظه الله وسلّمه-

أحمد الله وأشكره، وأثني عليه وأستغفره، وأسأله موجبات رحمته، وعزائم مغفرته، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، فهو سبحانه مجيب الدعوات، ومغيث اللهفات، إله العالمين، وربهم لا إله غيره ولا رب سواه، أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، وأكمل له الدين، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وعلمهم كل مايحتاجون إليه في الدنيا والآخرة من الأقوال والأفعال، وورثه أصحابه العلماء بالله وشرعه، وبلغوا ماتعلموا منه لمن بعدهم، فجزاهم الله تعالى أحسن الجزاء، ورضي عنهم وأرضاهم. أما بعد:

فقد قرأت هذه الرسالة “السراج الوهاج في بيان المنهاج” التي ألفها الشيخ/أبوالحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني، من علماء اليمن، الذين مَنَّ الله عليهم بالعلم الصحيح، والنية الصادقة، والنصيحة للأمة، فجمع شتات الأمة الإسلامية، وحرص على التأليف بينهم، وساءه مارآه من التفرق والتحزب الذي هو من عمل المشركينمن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون ولقد وفقه الله تعالى فيما كتب واختار مما يتعلق بأصول الدين، وماله صلة بالسنة ومعتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله تعالى وصفاته، ومايجب إثباته لله تعالى، وما ينـزه عنه، وماسكت عنه السلف الصالح، وفي باب القضاء والقدر، وإثبات علم الله السابق للمحدثات وكتابته لذلك في اللوح المحفوظ، وفيما يتعلق بمشيئة الله التامة وقدرته النافذة العامة لكل مايحدث في الوجود في تكليفه وأمره ونهيه وشرعه وقضائه وقدره، وما يعتقده المسلم حيال الأمور الغيبية التي يعتمد في ثبوتها الأدلة السمعية الصحيحة الجلية مما يحدث بعد الموت في البرزخ والموقف جزاء على الأعمال من خير وشر، وهكذا ما ذكره من التحذير عن البدع العملية والاعتقادية التي تمكنت وكثر معتنقوها، والدعاة إليها سراً وجهراً، وهكذا تعرض لمسائل الخلافات المذهبية والتحزبات التي تفرقت الأمة لأجلها، وضلل بعضهم بعضاً، إلى غير ذلك مما زبره في هذه العقيدة من العلوم النافعة المؤيدة بالأدلة الشرعية، والتي لو بسطت لكانت أسفاراً كبيرة، فننصح من يريد النجاة أن يستفيد من هذه النصيحة، وأن يقتنع بها، ويصرف نفسه عن كتب المضللين والمبتدعين ودعاة الفساد، وجزى الله مؤلف هذه الرسالة أحسن الجزاء على نصحه وإرشاده لإخوانه المسلمين، ونسأل الله تعالى أن يكثر في المسلمين من العلماء المخلصين للعلم الصحيح المحبين لنجاة الأمة وسعادتها.

وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

كتبه:عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين

13/2/1419هـ

كلمة فضيلة الشيخ الأخ

أبي الحسن علي بن حسن بن عبدالحميـد الحلبي

-زاده الله بصيرة وثباتاً على الهدى-

الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد:

فلقد اطَّلَعْتُ على رسالة “السراج الوهاج في بيان المنهاج” التي كتبها أخونا الفاضل، طالب العلم النبوي، والداعي إلى الله على بصيرة، الشيخ/أبوالحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني-نَوَّلَهُ الله خير الأماني-؛فألفيتها رسالة رفيعة المعنى، بديعة المبنى، تُؤَصِّلُ عيون عقائد أهل السنة، وتردُّ-بقوّةٍ- شبهات وظنون ذوي البدعة والمحنة…ولقد تَضَمَّنَت هذه الرسالة –على وجازتها- أصولاً علمية دقيقة لا يستغني عنها مسلم ما-على أيِّ درجةٍ كان-.

وإني أقول لكل قاريء مُنْصِفٍ: إذا رأيت إشكالاً، أو استصعبت مقالاً، فاسأل واستفسر، واعرف الحق، وتضلّع بالحجة، وإياك والتنفير، والطعن، والغمز..قبل ذلك، ثم تَذَكّر-بعدُ-حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:“لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه مايحب لنفسه من الخير”.

..والله العظيم أسأل، وبأسمائه الحسنى أتوسَّل، أن ينفع بهذه الرسالة كل ناظرٍ فيها، حتى من يُعاديها. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وكتب: علي بن حسن الحلبي الأثري

كلمة فضيلة الشيخ الأخ

أبي حاتم أسامة بن عبداللطيف القوصي

-حفظه الله وأمدّه بعونه-

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن تبع هداه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:

فإنه مما يسرني أن يرسل لي أخي أبوالحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني المأربي حفظه الله صورة من أصل رسالته “السراج الوهاج في بيان المنهاج” لكي أقرأها وأنصح له، وإن أمكنني أن أقدم لها وأقرظ، وقد أحسن أخونا الفاضل أبوالحسن بصنيعه ذلك أيما إحسان، إذ هو يطلب من إخوانه الذين هم على عقيدته ومنهجه أن ينصحوا له، ويؤازروه، ويقدموا لكتبه، مما يشد من أزر أهل الحديث والسنة، ويجعلهم يداً على من سواهم، ورسالة أخينا أبي الحسن حفظه الله ورعاهُ وثبَّتَ على الحق خطاه، فإنها في غاية من الجودة والإتقان، ومن الواضح أنه كتبها على مهل، وجمع مادتها بعد بحثٍ وتمحيصٍ وجمعٍ وتدقيق، فجاءت غاية في الحسن والبيان والقوة، في وقت كثرت فيه الفتن ونمت واختلطت فيه الأمور على كثير من المسلمين، فجاءت في وقتها والمسلمون أحوج مايكونون لمثلها، وسبحان من جمع أهل العلم وطلبته، أهل الحديث والسنة، أتباع السلف الصالح، على عقيدة واحدة، ومنهج واحد، فعندما سافرت إلى اليمن قبل رمضان قبل الماضي، وألقيت بعض المحاضرات عن معنى الجماعة، قال بعض طلبة أخينا أبي الحسن: كأن أباالحسن هو الذي يحاضرنا، فقال لهم أخونا أبوالحسن: إن المشرب واحد، أو كلمة نحوها، وكذلك وأنا أقرأ رسالة أخينا أبي الحسن “السراج” فكأنني أنا الكاتب، فجزى الله أخانا أباالحسن خيراً على هذا الجهد الطيب وزاده بصيرة وثباتاً.

والحمد لله لم أجد شيئاً في رسالته يستحق التعقيب أو الإصلاح، إلا في شيء من الصياغة ودقة العبارة، فكتبتُ ما تيسر مما أراه أفضل وأحسن في الصياغة بحسب علمي وفهمي ونظري، أسأل الله أن ينفعني وينفعه بذلك، وأن يتقبل مني ومنه صالح الأعمال، وأن يختم لي وله بالصالحات، وأن يجزي مشايخنا وعلماءنا الكبار عنا خير الجزاء، إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم

كتبه: أبوحاتم

أسامة بن عبداللطيف القوصي

بعد عصر يوم الثلاثاء 3/جمادى الأولى/1419هـ

الموافق 25/8/1998م

مقــــــــدمة المــــــــــــــؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله أولاً وآخراً، ظاهراً وباطناً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد

فإني أحمد الله عزوجل أن وفقني لطلب العلم، ويسّر لي كثيراً من أسبابه، فأسأله المزيد من فضله، وتمام نعمته على عبده، ومن هذه النعم وجود دار الحديث بمأرب-حماها الله-وجميعَ بلاد المسلمين من الفتن، وقد وفد إليها طلبة العلم من بقـاع شتى، ويسّر الله لطلبة العلم فيها –كغيرها من دور الحديث باليمن- سبيل العلم والتعلم، فترى الرجل من إخواننا مدرساً لإخوانه في حلقة، دارساً عند أحد إخوانه في حلقة أخرى، وتراه مرة عاملاً في إعداد طعام، وأخرى تراه مؤلفاً أو باحثاً محققاً، وتراه مرة حارساً، وأخرى تراه خارج الدار داعياً إلى الله عزوجل، فيالها من حياة تُذَكِّر بما كان في القرون الأولى، وياله من اجتهاد وصبر بين طلاب العلم، ويالها من نَضْرة تكسو الوجوه، في عفة وغنى ورضى بالعيش تنشرح له الصدور، فأسأل الله العلي القدير أن يحفظ هذه الدعوة وأهلها، وأن يجعل عاقبتهم رشداً، ولا يجعل لظالم عليهم سبيلاً.

وإني-والله-لأستفيد من هؤلاء الإخوة جزاهم الله خيراً، وهكذا بقية الإخوان يستفيد بعضهم من بعض، ولا نعيش عيش الأمير والمأمور، كما هو الحال في الحزبيات المفرقة لصفوف الأمة!! بل نعيش عيش الإخوان الذين جمّع أبدانهم من جمّع قلوبهم.

ومما يسّره الله عزوجل لي إصدار “سلسلة الفتاوى الشرعية” و”مختصر سلسلة الفتاوى الشرعية”والتي بلغت حتى الآن ثلاثة عشر عدداً، حاولت أن أتناول في كل عدد أسئلة في العقيدة والفقة والدعوة إلى الله عزوجل، قاصداً بذلك المساهمة في تعليم المسلمين أمرَ دينهم، والدفاع عن أهل الاتباع، وكانت بداية فكرة هذه “السلسلة”المباركة –إن شاء الله تعالى-أنني أتناول المسائل التي نحتاج إليها في المجتمع القبلي البَدَوي-بصورة ميسرة-، إلا أن المسائل العلمية التي كثر فيها النـزاع بين طلبة العلم غلبت عليّ، مما جعلني أعتني بمثل هذه المسائل عناية حديثية أولاً، ثم أعمل لها دراسة فقهية، ثم أرجح الراجح بدليله، ولما كانت “السلسلة” لا تحتمل هذه الإطالة، جعلت هذه المسائل المطولة رسائل علمية مستقلة، ولخصتها في “السلسلة”،ولما اشتكى لي كثير من الناس أنهم لا يدركون خلاصة الجواب، بسبب سرد الأقوال وأدلتها، ثم مناقشتها، عملت “للسلسلة” مختصراً، كي يعم النفع، ولله الحمد أولاً وآخراً.

ومن فضل الله عزوجل عليّ أن هذه “السلسلة” لقيت قبولاً عند من نظر فيها –حسب علمي- وقد طُلب مني أن أجمع الأعداد التي صدرت في مجلد واحد أو أكثر، فرأيت فائدة هذا الطلب، فعزمت على ذلك، مستعيناً بالله عزوجل.

ولما كانت هذه “السلسلة” –كغيرها من مؤلفات أهل السنة- ينظر فيها صنفان من الناس: أحدهما باحث عن الفائدة والعبرة، وآخر باحث عن الزلة والعثرة، فلا عجب أن فرح بها أقوام، واغْتّمَّ بها آخرون، ولا عجب أن ينشرها أقوام، وأن يحذِّر منها آخرون، لكن:

الحقُّ أبلج لا تزيغ سبيله والحق يعرفه ذوو الألباب

وليت الأمر يقتصر على ذلك، بل هناك من حاول أن يطعن في كاتبها، ويرميه بألقاب شنيعة، لينفّر الناس عن دعوته، كما هي عادة أهل البدع والأهواء، الذين يرمون أهل السنة بالألقاب القبيحة، ويُكِنُّون لأهل الحديث والأثر البغض، وربما تقربوا من جهلة السلاطين ليوشوا بأهل السنة،يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره، ولو كره الكافرون [الصف:8]، وإلى هؤلاء أقول: ارْبَعوا على أنفسكم، فإنكم لن تخرقوا الأرض ولن تبلغوا الجبال طولا، واعلموا أن بِدَعَكُم لا تزيدكم إلا وهْنا، وأما الحق فَمُؤَيَّدٌ منصور، ورحم الله من قال:

ذهبت دولــــــة أصحاب البــــــدع ووهى حبلهـــــــم ثــــم انقطـــــــع

وتــــــداعى بـــانصـــراف جمعهـــــــم حزب إبليس الذي كـــــان جمع

هــــــــــل لهـــــم يـــــــاقوم في بدعتهـــم من فقيــــــه أو إمـــــــــام يُتَّبـــــــــــع

مثـــل سفيـــــــان أخـي ثـــور الذي علـم الناس دقيقـــــــــات الـــــــــورع

أو سليمان أخي التيــــــم الـــــــذي تــــــرك النــــــوم لـهـــــول المُطَّلـَــــــــــــــع

أو فتى الإسلام أعني أحمــــــــــــــدا ذاك لــــــــــو قــــــارع القـراء قــــــــرع

لم يخف سوطهــــــم إذ خــــوّفـــــــــــوا لا ولا سيفهــم حـــــــــين لمــــــــــــــــــع

ولا عجب أن يفعل ذلك القبوريون أو الروافض ونحوهم-فما ننتظر منهم إلا هذا وأشد-، إنما العجب أن يفعل ذلك أيضاً من ينتمي إلى السنة-قولاً- وإن كان عمله يخالف ذلك، فصدق من قال:

وظُلْمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً على النفس من وقع الحُسَامِ المهنَّد

لكن صدق من قال:

قل لمـــــن عاند الحـديث وأضحى عــائبــــــــاً أهلــــــه ومــــن يـــدعيـــه

أبعلــــــم تقــــــول هـــــذا أبـــِــــــنْ لي أم بجهل فالجهـــــــل خلق السفيــــه

أيُعاب الذين هم حفظوا الديـــــــــــ ــــــــــــــن مــــــن الترهــــات والتمويه

وإلى قولهـــم ومـــــــــا قــــــــــد رَووْهُ راجـــــــــــع كــــــل عالم وفقيه؟!

ومع أن ما أعتقده وأدين الله عزوجل به واضح في “السلسلة”وغيرها مما كتبته أوسُجّل لي، إلا أن هناك من في قلبه غيظ على السنة وأهلها، فلا يزال يسعى جاهداً في الصد عن سبيل الله بتشويه صورة الدعاة، ورميهم-زوراً وبهتاناً-، بما هم براء منه-انتصاراً منه لحزبية مقيتة، أو دنيا فانية-، من أجل هذا وغيره، فقد عزمت على كتابة وبيان عقيدتي ودعوتي، التي أراها عقيدة ودعوة أهل السنة والجماعة، فما كان منها كذلك فهو من توفيق الله عزوجل لي، وما خالف منها ما عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم وأئمة أهل السنة، فأنا راجع عنه، وإن كتبه قلمي أو تكلم به لساني، لأني كتبت هذا نُصْرةً لمنهج السلف الصالح رضي الله عنهم، فما خالفه من كلامي فيرمى به عرض الحائط، وسميته: “السراج الوهاج في بيان المنهاج”، والله المستعان.

وقد عرضته على جماعة من كبار أهل العلم وغيرهم، فلقي-ولله الحمد والمنة-قبولهم ورضاهم، ونفعني الله عزوجل بتوجيهاتهم، وأكثرها-بل كلها-ليست في صلب مادة الكتاب، إنما هي تقييد لمطلق، قد جاء في موضع آخر من الكتاب تقييده، أو إبدال كلمة بأخرى أظهر منها في المقصود، أو حذف كلمة قد يُساء فهمها، وتحمل على غير محملها، وقد أثْبَتُّ ذلك-ولله الحمد-في الكتاب، وقد زدت بعض زيادات، وجعلتها بين قوسين (….)، وإني لأشكر الله عزوجل أولاً، ثم أشكر أهل العلم الذين ذكرتهم والذين لم أذكرهم-لاسيما الكبار منهم-الذين اعتنوا بهذا الكتاب، فراجعه بعضهم أكثر من مرة، مع كثرة أشغالهم، وضيق أوقاتهم، ثم أشكر لهم ثناءهم على الكتاب وكاتبه، وأسأل الله أن ينفعني بذلك، وما أنا وغيري من طلاب العلم إلا حسنة من حسنات العلماء، وإذا كان هؤلاء الأعلام يزكون هذه العقيدة وصاحبها، فهل يجد انسان في نفسه بعد ذلك، من تحريش جاهل، أو مكر حاقد، أو تلبيس ملبِّس قد ضيَّع نفسه أو غيره؟.

ألا يجْدُرُ بي أن أتمثل قول القائل:

إذا رضيت عني كرام عشيرتي فلا زال غضباناً على لئامها؟

بلى والله، وصدق الله إذ يقول:ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء [المائدة:54]هذا، وليَعْلَمَ الذين يحاولون التمسح بعلماء السنة-وهم للعلماء مخالفون، وبدقائق أمورهم عنهم يتسترون-أن العلماء قد زكّوْا ما في هذا الكتاب، فلينصحوا أنفسهم، وليلزموا غرز العلماء في الحق، أو يصرحوا بما وراءهم، ويفصحوا عن مكنونهم، فيكتبوا معتقدهم في هذه الأمور المذكورة وغيرها، حتى يعرف الناس من هم أتباع السلف الصالح، ومن هم أنصار منهج العلماء الكبار؟

أما أن يُطْلِعوا العلماء على بعض ما عندهم، فينتزعوا منهم التزكيات، ليُنفّقوا بها البعض الآخر، ففي ذلك غش لأئمة المسلمين وعامتهم، بل هم يغشون أنفسهم بذلك، فَلْيَحْذَروا يوماً تُبلى فيه السرائر، وليعلموا أن في الزوايا بقايا، والله المستعان، و لاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهذا أوان الشروع في المقصود.

فأقول وبالله التوفيق والسداد، وعليه التوكل والاعتماد:

أُشْهِدُ اللهَ عزوجل ومن حضرني من الملائكة ومن وقف على هذا أنني:

1-أعتقد ما اعتقدَتْه الفرقةُ الناجية الطائفة المنصورة، وهم أهل الحديث والأثر، أهل السنة والجماعة-رضي الله عنهم جميعاً- أن الله واحد لا شريك له في (ربوبيته، ولا في إلاهيته، ولا في أسمائه وصفاته).

2-وأُثْبِتُ لله عزوجل ما أثبته سبحانه وتعالى لنفسه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الأسماء والصفات والأفعال، دون تحريف ولا تعطيل، ودون تكييف ولا تمثيل.

3-وأَنْفي عن الله عزوجل ما نفاه سبحانه وتعالى عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا تنـزيه أهل سواء السبيل، وليس تنزيه أهل التعطيل والتخييل أو التجهيل والتضليل.

4-وأعتقد أن الله سبحانه الأول ليس قبله شيء، والآخرليس بعده شيء، والظاهر ليس فوقه شيء، والباطن ليس دونه شيء،(محيط بكل شيء وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة خلقه).

5-وأنه سبحانه خالق قبل وجود الخلق، ورازق قبل وجود الرزق، فله الصفات العلى، والأسماء الحسنى، والمثل الأعلى.

6-وأنه سبحانه عالم بعلم، وقادر بقدرة، وحي بحياة، ومريد بإرادة، وسميع بسمع، وبصير ببصر، ومتكلِّم بكلام-وكذا بقية ماثبت من صفاته عزوجل-وفاقاً لأهل السنة، وخلافاً لأهل التعطيل والتحريف.

7-وكل ماخطر في البال أو تُصُوِّر في الذهن، فالله عزوجل أعلى وأجل، لقوله تعالى:ولا يحيطون به علماً [طه:110].

8-وأن الله عزوجل مُنَزَّهٌ عن أن يجب عليه شيء، أو يَلْزَمَه لازم، إلا ماأوجبه سبحانه وتعالى على نفسه فضلاً منه ورحمة.

9-وأن الله عزوجل مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، واستواء الله عزوجل استواء يليق بجلاله، وليس استواءُ الخالق كاستواء المخلوق، والإستواء معناه في لغة العرب معلوم، والكيف في حق الله عزوجل مجهول، لأن الله عزوجل لم يطلعنا على ذلك، فلا نتوهمه بأوهامنا، والإيمان بذلك واجب، والسؤال عنه بدعة، وكذا في بقية صفات الرب عزوجل وأفعاله، لأن الله عزوجل يقول:ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [الشورى:11] ويقـول سبحانه:سبحان ربك رب العزة عما يصفون [الصافات:180] ويقول عزوجل:ولم يكن له كفواً أحد [الإخلاص:4]ويقول سبحانه: هل تعلم له سمياً [مريم:65].

10-وأقرّ بالعرش والكرسي على ماجاء في الكتاب والسنة، واعتَقَدَه سلف الأمة.

11-وأقر بالقلم، وباللوح المحفوظ، وأن الله عزوجل قدر مقادير الخلق قبل خلقهم، وأنهم لا يخرجون عن ذلك.

12-وأعتقد أن القول: بأن السماء قبلة الداعين، قول باطل، يُخشى أن يُتَذَرَّع به إلى نفي العلو للعلي العظيم.

13-ومن قال: إن الله في كل مكان، فإن كان يعني بذاته، فهو جهمي حلولي، وإن كان يعني أنه بذاته مستوٍ على العرش، لكنه في كل مكان بعلمه وسمعه وبصره وقدرته، فقد أصاب في المعنى دون اللفظ، وتَرْكُ هذا اللفظ هو الأسلم،كي لا يشابه-ولو في اللفظ-الذين لم يُرِد الله أن يطهر قلوبهم.

14-وأعتقد أنه سبحانه يَنْزل في الثلث الأخير من الليل، نزولاً يليق بجلاله، فينادي: هل من تائب فأتوب عليه، أو مستغفر فأغفر له، أو سائل فأعطيه؟.

15-وأن معِيَّة الرب عزوجل عامة وخاصة، فالعامة لجميع خلقه، وهي: معية العلم والسمع والبصر، والخاصة للمؤمنين، وهي: معية نصر وتأييد.

16-ولا أخوض في مسألة:”هل الاسم هو المسمى أم غير المسمى”، حيث لا أثر فيُتَّبع، ولا قول من السلف فيُسْتَمع، فالخوض فيه شَيْنٌ، والصمت عنه زيْنٌ، وحسب امريء من العلم به والقول فيه أن ينتهي إلى قول الله عزوجل: قل ادعوا الله أو ادعــــوا الرحمــن أياًماتـدعوا فلـــــــــه الأسماء الحسنى [الإسراء:110]

وقوله تعالى:ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها [الأعراف:180] أ.هـ ملخصاً من كلام الطبري في “صريح السنة”.

17-وأعتقد أن العقل لا يستقل بمعرفة الأسماء والصفات على وجه التفصيل، ولا بد في ذلك من النقل، والعقلُ عند أهل السنة لا يُحَكِّمونه في النقل، ولا يبطلونه بالكلية، إنما منـزلته بمنـزلة الأعمى، والنقلُ قائدُهُ، أو أن النقل بمنـزلة شعاع الشمس الذي يقع على العين فتُبْصِر.

18-وأعتقد أنه ليس كل صفة كمال للمخلوق فهي صفة كمال للخالق،(ولا كل صفة نقص في المخلوق، هي صفة نقص في الخالق)، مثال ذلك النوم والأكل والشرب، فهذا عند المخلوق كمال، وفي حق الخالق لا يجوز ذلك، والتكبر صفة كمال في حق الخالق، ولا يجوز في حق المخلوق، فلا يُعرف الكمال في حق الخالق بقياس ذلك على الإنسان، إنما الطريق إلى ذلك النقل الصحيح،هذا في الكمال النسبي للمخلوق، أما صفة الكمال المطلق للمخلوق-كالعلم-فهي صفة كمال لله عزوجل.

19-ولا أُثبت ولا أَنْفي-على الإطلاق- المصطلحات المحدثة من أهل البدع في حق الله عزوجل، كالجسم والحد ونحو ذلك، إلا إذا علمتُ مراد قائلها، كي لا أرد حقاً، أو أقبل باطلاً،(فإن أراد حقاً قبلْتُه، وأرشدته للفظ الصحيح، وإن أراد غير ذلك، رددته عليه لفظاً ومعنى).

20-وأعتقد أن باب الصفات أعم من باب الأسماء، لأن كل اسم يدل على صفة، وليست كل صفة تدل على اسم.

21-وأرى أن سبيل أهل السنة: التعبير عن الحق بالألفاظ الشرعية، بخلاف أهل البدع، فإنهم يعبرون بألفاظ محدثة، ويردون بها الألفاظ الشرعية المحكمة، وغالب مايصفون به ربهم بالنفي والسلب، فيقولون: ليس كذا ولا بكذا، مع أن نفي النقص لا يلزم منه ثبوت الكمال دائماً، ولذلك فالإثبات عندهم قليل، بخلاف أهل السنة، فلا يُضيفون إلى الله سبحانه مايتوهم منه نقص على الانفراد، فلا يقال: ياخالق القردة والخنازير والخنافس والجعلان، وإن كان لا مخلوق إلا والرب خالقه، لحديث: “تباركت وتعاليت، والخير في يديك، والشر ليس إليك” أخرجه مسلم، أي:والشر لا يضاف إليك إفراداً وقصداً، فلا يقال: ياخالق الشر، أو يامُقدِّر الشر، ولذلك لما أراد الخضر ذكر العيب نسبه لنفسه، فقال:فأردت أن أعيبها [الكهف:79]ولما أراد ذِكْرَ الخير نسبه لله عزوجل، فقال:فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك [الكهف:82] وقول إبراهيم عليه السلام:وإذا مرضت فهـو يشفين [الشعراء:80] أ.هـ.ملخصاً من كلام أبي عثمان الصابوني رحمه الله.

22-والنفي في باب صفات الرب عزوجل عند أهل السنة يرد في الغالب على سبيل الإجمال، كما في قوله تعالى:ليس كمثله شيء [الشورى:11] وقوله تعالى:هل تعلم له سمياً [مريم:65]والإثبات عندهم على سبيل التفصيل، كما في قوله تعالى:وهو السميع البصير [الشورى:11]وإن ورد النفي على سبيل التفصيل عند أهل السنة فلسبب، كدفع توهم النقص، كما في قوله تعالى:وما مسنا من لغوب [ق:38].

23-وأعتقد أن أكملَ الناس توحيداً، وأعرف الناس بربهم الأنبياءُ عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، والصديقون وأصحاب الأنبياء، ثم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وأما أهل الكلام فهم أهل الحيرة والريب والاضطراب، وصدق من قال: العلم بالكلام-أي تصديقه واعتماده-،جهل، والجهل بالكلام-أي الإعراض عنه وعدم اعتماده-عِلْم.

24-وأعتقد أن خير من تكلم على التوحيد هم السلف الصالح، ومن تبعهم بإحسان، ولا أتلقى الكلام في مسائل الإيمان والكفر إلا عنهم، فهم أهل العلم والمعرفة بمدلولات هذه الألفاظ، وهم خير من جمع بين النصوص الواردة في ذلك، وغيرهم يبالع في أمر فيعطيه فوق قدره، ويضع أموراً قد تكون أهم مما بلغ فيه.

25-وأعتقد أن مذهب السلف أعلم وأحكم وأسلم، وأن القول بأن مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم وأحكم، قول من تَشَبَّع بما لم يُعْط، أوقول من جهل ما عليه مذهب السلف من طمأنينة ويقين، وكم سمعنا بأعلام على طريقة الخلف زلت أقدامهم، وماتوا وهم حائرون مضطربون.

26-وأعتقد أن قول أهل التفويض من شر أقوال أهل البدع، وهم أهل التجهم والتضليل، ولازم قولهم أن الأنبياء عليهم السلام-فضلاً عن غيرهم-ماعرفوا توحيد الله، وما يجب له ومالايجوز عليه، فقبَّحهم الله وكبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً [الكهف:5].

27-والقول بالحلول أو الإتحاد أو وحدة الوجود أقبح أنواع الكفر، سواء كان على وجه الخصوص، كمن ادعى ذلك في عيسى عليه السلام، أو في علي رضي الله عنه، أو في بعض بنيه، أو في بعض الملوك أو المشايخ أو المردان وأهل الصور الجميلة، أو كان ذلك على وجه العموم، كمن ادعى الحلول في الكلاب والخنازير والنجاسات، قاتلهم الله، وتعالى عن كفرهم علواً كبيراً، وهم أشد كفراً من اليهود والنصارى، والله المستعان.

فالله سبحانه وتعالى بائن من خلقه، لا يحل في شيء ولا يتحد به، ولا تحيط به الحوادث، بل هو محيط بكل شيء.

28-وأرى أن الله عزوجل يُعْبَد بالحب والخوف والرجاء جميعاً، فمن زعم أنه يعبده بالحب وحده أو بالخوف وحده، أو بالرجاء وحده، فقد ضل، ومادام ذا أملٍ في الدنيا فليغلِّب جانب الرجاء وحسن الظن بالله عزوجل.

29-وأرى كُفر من سب الله عزوجل أو رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا يُتَصَوَّر فيمن فعل ذلك أنه جاهل، لأن من سب فقد قصد التنقص والذم، ومن قصد ذلك كفر، إلا أن يكون مكرهاً، وقلبه مطمئن بالإيمان، أو يسبق ذلك على لسانه لسبب من الأسباب-دون قصد- (كغضب شديد)، فإذا ذُكِّر تاب وأناب، فمثل هذا لا شيء عليه.

30-وأقر بالملائكة –على اختلاف أعمالهم وأسمائهم وأوصافهم-حسب ما جاء في الكتاب والسنة، واعتقَده سلف الأمة.

31-وأن على العباد حَفَظةً يكتبون أعمالهم، وأن مَلَكَ الموت يقبض الأرواح بإذن ربه.

32-وأومن بالكتب المنـزلة من عند الله عزوجل جميعها، وأن القرآن أفضلها وناسخها، وأن ماقبله من الكتب قد طرأ عليه التبديل والتحريف، أما القرآن فمحفوظ من هذا العبث، قال تعالى:إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [الحجر:9]وكذا السنة فقد تكفل الله بحفظها، لأنها المُبيِّنة لكتاب الله عزوجل، والمُتَمِّمة لأحكام هذا الدين.

33-وأعتقد أن القرآن كلام الله عزوجل-على الحقيقة-غير مخلوق من جميع الوجوه:سواء كان مكتوباً، كما في قوله تعالى:بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ [البروج:21-22]أو كان متلواً مقروءاً، كما في قوله تعالى:وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله [التوبة:6] فسمّاه كلام الله، مع أنه يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو كان محفوظاً في القلب أو ملفوظاً باللسان، فهو قرآن واحـد، ليس بخالق ولا مخلوق، وإنما هو كلام الله عزوجل، وكتابه ووحيه وخطابه، وأمره ونهيه، وهو الذي نزل به جبريل، وبلغه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأنه من معاني توحيده، وأن الله سبحانه قد اتخذ إبراهيم خليلاً، وكلّم موسى تكليماً، فبَطَل قول من قال: إن القرآن حكاية أو عبارة عن كلام الله عزوجل أو مجاز أو فيض، والقول بذلك محدث باطل، ذريعة لتقوية حجة المشركين على أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم.

34-ومن قال: إن القرآن مخلوق فهو جهمي، واللَّفْظِيَّة عدَّهم الإمام أحمد جهمية، لأن القول باللفظ يؤول إلى القول بخلق القرآن، والله عزوجل يقول:فأجره حتى يسمع كلام الله [التوبة:6]قال الإمام أحمد: فمِمّن يسمع؟ أي فسماه كلام الله مع أنه من لفظ رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم،(وهذا بخلاف من يقول: أفعال العباد مخلوقة، ولا يلزم من قال بهذا أن يكون لفظيّاً).

35-وأعتقد أن آيات القرآن في معنى الكلام كلها مستوية في الفضيلة والعظمة، إلا أن لبعضها فضيلة الذكر وفضيلة المذكور، كآية الكرسي وأم القرآن وسورةقل هو الله أحد [الإخلاص:1].

36-وأومن بالمرسلين والنبيين عليهم السلام، كما جاء في الكتاب والسنة، سواء منهم من قص الله علينا أمره، أولم يقص علينا أمره، ولا أفرق بين أحد من رسله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إلى الإنس والجن حتى تقوم الساعة، خاتم النبيين، وإمام المرسلين، صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، أول من يجوز على الصراط بأمته، وأول من يدخل الجنة، ولا يقبل الله من أحد إيماناً بعد بعثته صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبلوغه خبره صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إلا إذا آمن به.

37-وأعتقد أن الإسراء والمعراج حق، وأنه كان يقظة بالجسد والروح، ولم يكن ذلك مناماً، لأن قريشاً كَذَّبَتْ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولم تكن قريشاً مُنْكِرةً للمنامات، وأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أُسْرِي به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عُرج به إلى السماء الأولى، وهكذا إلى كل سماء، حتى بلغ سدرة المنتهى، وفُرضت الصلوات الخمس في تلك الليلة، وأنه لا يؤمن بذلك إلا من ثبَّت الله قلبه ورَزَقه اليقين، ولذا كان الصدّيق-رضي الله عنه-صدّيقاً.

38-وأومن بكل ماقاله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو فَعَلهُ، أو عَلِمَ به وأقره صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأومن بذلك سواء بلغني أو لم يبلغني.

39-وأومن بأشراط الساعة الكبرى والصغرى، وأن منها أشراطاً قد تحققت، وأخرى قد بدأت في الظهور ولم تستحكم بعد، وأخرى-وهي الكبرى- لم تأت بعد، فأومن بالمهدي وليس مهدي الروافض، الذي هو خرافة وضلالة، وكذلك ليس بمهدي هؤلاء الذين يدّعون المهدوية كذباً وزوراً، ولو أدركني زمانه لتمنَّيْتُ أن أكون ممن يُقتل بين يديه، فإن قتلى جيشه خيرة شهداء أهل الأرض يومئذٍ، وسيملأ الله به الأرض قسطاً وعدلاً، بعد ماملئت جوراً وظلماً، وأعتقد أن الدجال خارج في هذه الأمة لا محالة، ولا ينجو من زخارفه وتهاويله إلا من نجاه الله من دجاجلة العصر، أو من أراد الله له الهداية والسلامة، وأنه لا يترك مكاناً إلا وطأه، إلا مكة والمدينة-حرسهما الله من كل سوء- وأومن بنـزول عيسى عليه السلام، وحُكْمه بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقَتْلِه الخنـزير، وكَسْرِه الصليب، ووَضْعِه الجزية، وقَتْلِه الدجال عند باب“لُد”، وأومن بخروج يأجوج ومأجوج والدابة والدخان وطلوع الشمس من مغربها، وغير ذلك من الفتن والملاحم التي أخبر بها نبينا محمد الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، ثم تقوم الساعة بعد ذلك على شرار الناس-نعوذ بالله منهم-.

40-وأعتقد أن الخلق ميِّتون بآجالهم، عند نفاد أرزاقهم، وانقطاع آثارهم، لقوله تعالى:لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون [النحل:61]ولقوله تعالى:قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم [آل عمران:154] ولقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:“لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها”.

41-وأقر بأن هذه الأمة تفتن في قبورها، وتُسأل عن الرب والدين والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك بسؤال الملَكين مُنْكَر ونَكِير، فنسأل الله الثبات، قال تعالى:يُثَبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله مايشاء [إبراهيم:27]وأقر بعذاب القبر ونعيمه، ونسأل الله أن يجعلنا من أهل النعيم.

42-وأقر بإعادة الأرواح إلى الأجساد، وأن الناس يخرجون من قبورهم حفاة عراة غرلاً، وتدنو منهم الشمس، وأنهم في عرقهم على قدر أعمالهم، وتنشر الصحف، فآخِذٌ كتابه بيمينه، وآخِذٌ بشماله، نسأل الله العافية.

43-وأقر بالصور وبالميزان الذي يُنصب لوزن الأعمال، وأن له كفتين، قال تعالى:فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، ومن خفت موازينه فأمه هاوية [القارعة:6،7،8،9]وكذا أُقـرُّ بالحسـاب والجزاء ذلك اليوم يوم يقوم الناس لرب العالمين [المطففين:6]وأن الله عزوجل لا يَكِلُ حساب الخلق إلى أحد من خلقه، بل هو سبحانه الذي يتولى ذلك مالك يوم الدين [الفاتحة:3]وهو سبحانه أسرع الحاسبين، وأنه سبحانه يكلم عباده في ذلك اليوم ليس بينه وبينهم تَرْجُمان.

44-وأقر بالصراط ومرور الناس عليه على قدر أعمالهم، وبالحوض والشفاعة، على ماجاء في الكتاب والسنة، واعتَقَده سلف الأمة.

45-وأومن بالقصاص يوم القيامة بين بني آدم، حتى يُقْتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء.

46-وأقر بالجنة والنار، وأنهما مخلوقتان، وموجودتان، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر أنه دخل الجنة فرأى فيها كذا وكذا، وسمع فيها كذا وكذا، وأنه اطَّلع على النار، فرأى فيها كذا وكذا، وأَعْتَقْدُ أن نعيم الجنة لا ينفد ولا يزول، وأن عذاب النار لِمن حكم الله عليهم بالخلود فيها-والعياذ بالله-لا يفنى ولا ينقطع، وأن أهل النار لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل.

47-وأقر برؤية المؤمنين ربَّهم في الجنة بأبصارهم، كما يرون القمر ليلة البدر، لا يضارون في رؤيته، وأن ذلك من أعظم نعيم أهل الجنة، وأن الكفار عن ربهم في ذلك اليوم لمحجوبون، فمن نفى رؤية المؤمنين ربَّهم، فقد سوَّى بينهم وبين الكافرين في هذا الحرمان، وليختر كل امريء لنفسه ماشاء‍‍!!.

48-وأعتقد أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله، إلا أن يتغمده الله برحمته، وأن العمل الصالح بتوفيق من الله عزوجل، قال تعالى:ولولا فضل الله عليكم ورحمته مازكى منكم من أحد أبداً ولكن الله يزكّي من يشاء [النور:21] وقال عزوجل:وما بكم من نعمة فمن الله [النحل:53].

49-وأقر بإدخال فريق من المؤمنين الجنة بغير حساب ولا عذاب، وبمحاسبة فريق منهم حساباً يسيراً، وإدخال فريق منهم الجنة بغير سوء يمسّهم، ولا عذاب يلحقهم، وأقر بإدخال فريق من مذنبيهم النار، ثم اعتاقهم وإخراجهم منها، وإلحاقهم بإخوانهم الذين سبقوهم إلى الجنة، ومذنبو الموحدين لا يُخلَّدون في النار.

50-وأن الموت يُؤتَى به في صورة كبش، ويُنَادى: ياأهل النار، فينظرون وهم يرجون الخروج، ويُنَادى: ياأهل الجنة، فينظرون وهم يخافون التحوّل من مكانهم، ثم يُذبح الموت، ويُقال لكل منهم: خلود بلاموت، فتزداد حسرة أهل النار، وتزداد فرحة أهل الجنة.

51-وأعتقد أن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وأن أرواحهم في حواصل طيور خضر، تطير بهم في الجنة حيث شاءوا.

52-وأن الله عزوجل يضاعف الحسنة بعشر أمثالها-إلى أضعاف كثيرة-والسيئة بمثلها، فخاب وخسر من غلبت أوتارُه أعشارَه.

53-وأومن بما قدره الله على العباد من خير وشر، وأن كل ذلك من عند الله عزوجل، وحاشاه سبحانه أن يقع في ملكه ومن خلقه مالايعلمه ولا يقدِّره، ومن أقر بالعلم لزمه الإقرار بالقدرة والمشيئة.

54-وأعتقد أن ماأصاب الخلق لم يكن ليُخْطِئهم، وماأخطأهم لم يكن ليصيبهم، وأن الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من كَتَبَ الله له السعادة في بطن أمه، واعْتَبَر بغيره، وكلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له، وصائر إلى ماقُضِي عليه، والأعمال بالخواتيم، وأنه سبحانه حَرَّم الظلم على نفسه وعلى عباده، فإن عذّب فبعدله، وإن عافى فبفضله، وليس لنا إلا التسليم بقدره، وأن الإرادة منها شرعية دينيه، ومنها قدرية كونية، وبهذا التقسيم تلتئم الأدلة، ويزول اللبس، وليس كل ماقدره الله عزوجل رضيه وأحبه وأمر به، والإحتجاج بالقدر عند نزول المصائب والآلآم ممدوح، ومأمور به، والإحتجاج به عند الوقوع في المعائب والآثام مذموم، ومَنْهِيٌّ عنه، ويجب التوبة منه، قال تعالى:فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك [غافر:55]وأُقِرُّ بمراتب القدر: العلم والكتابة والمشيئة والخلق، وأن الله يهدي من يشاء فضلاً، ويُضل من يشاء عدلاً، ولا حجة لمن أضله الله على الله، قال تعالى:قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين [الأنعام:149] وقال تعالى:ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها [السجدة:13]وقد جعل الله سبحانه وتعالى المكلفين من فريقين: فريقاً للنعيم فضلاً، وفريقاً للجحيم عدلاً، وجعل منهم غوياً ورشيداً، وشقياً وسعيداً، وقريباً من رحمته وبعيداً، قال تعالى:لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون [الأنبياء:23].

55-وأقر بأن الله خالق للعباد وأفعالِهم من خير وشر، فلا خالق إلا الله، وهم فاعلون لها على الحقيقة، وللمخلوق إرادة ومشيئة، إلا أنها تابعة لإرادة الله سبحانه ومشيئته، قال تعالى:وماتشاءون إلا أن يشاء الله [الإنسان:30].

56-وأعتقد أن السباع والهوام والدواب والذباب والنمل وغير ذلك كلها مأمورة ولا تعمل إلا بإذنه عزوجل.

57-وأن الله خلق الشياطين يوسوسون لصد الناس عن سبيل الله، ولا سبيل لهم على من عافاهم الله منهم، قال تعالى:إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، إنما سلطانه على الذين يتولونه [النحل:99،100] الآية.

58-وأعتقد أن أهل السنة والجماعة-وهم أهل الحق-وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، ونور بين ظلمتين، فهم في باب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وآل بيته، وسط بين الروافض النواصب والخوارج، وفي باب مشيئة الرب عزوجل، وسط بين القدرية والجبرية، وكذلك في باب أفعال العباد، وهم في باب الوعد والوعيد، وسط بين المعطلة والممثلة، وهذا توسط محمود لأنه حق بين باطلين، وليس كل من وقف بين طائفتين كان محموداً، كما يدعي بعض أهل زماننا الذين يقولون: لسنا مع أهل السنة ولا مع خصومهم، ويقولون: نحن وسط!! وقد ذم الله عزوجل من وقف بين أهل الحق والباطل، فقد قال تعالى في المنافقين:مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء [النساء:143]وأهل السنة رضي الله عنهم وسط في أنبياء الله ورسله عليهم السلام، وعباده الصالحين، بين النصارى الذين غلوا، فقالوا: المسيح ابن الله، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وبين اليهود الذين قتلوا الأنبياء بغير حق، وقتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس، ورموا عيسى وأمه عليهما السلام، وكذلك هم وسط في شرائع دين الله، فلم يحرموا على الله أن ينسخ مايشاء، ويثبت ما يشاء، خلافاً لليهود، ولا جوّزوا لأكابر علمائهم وعُبَّادِهم أن يُغيّروا دين الله بما شاءوا، خلافاً للنصارى، ولم يصفوا الله بالعيب كاليهود الذين قالوا:إن الله فقير ونحن أغنياء [آل عمران:181]وقالوا:يد الله مغلولة [المائدة:64]ولم يفعلوا كالنصارى الذين أعطوا العِبَاد صفة الرب، وهم وسط في الحلال والحرام بين اليهود الذين حرم الله عليهم بظلمهم كثيراً من الطيبات، وبين النصارى الذين يقولون: نحن نرى الله بأعيننا في الدنيا، وبين من نفى رؤية المؤمنين ربَّهم في الآخرة.أ.هـ ملخصاً من “الوصية الكبرى” لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وانظر”مجموع الفتاوى”(3/363-430).

59-وأن أهل الحديث هم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، وأن هذه أسماء لكل من كان تابعاً لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفَهِمَ الكتاب والسنة بفهم الصحابة رضي الله عنهم، وأَعْتَقِدُ أن الله عزوجل قد نصر دينه بأهل الحديث سلفاً وخلفاً، وليست دائرة أهل الحديث مقتصرة على العلماء المشتغلين بعلوم الرواية والدراية، بل كل من دان بعقيدة أهل الحديث ورجع إلى أصولهم وفهمهم في العقيدة والعبادة وغير ذلك فهو منهم، وإن كان جندياً أو تاجراً أو عاملاً، وإن كان شيبة أو شاباً، وإن كان حضرياً أو بَدَوِيّاً، أو غير ذلك، إلا أن العلماء في هذه الطائفة أصل وبقيّة الأصناف-الذين يدينون بدينهم-لهم تبع، وإذا لم يكن أهل الحديث أولياء لله عزوجل، فليس لله في الأرض وَلِيٌّ.

60-وأنه مامن خير عند أهل البدع، إلا وهو في أهل السنة أكثر، وما من شر في أهل السنة، إلا وهو عند أهل البدع أكثر، وذلك لبركة السنة على أهلها، والمعصوم من عصمه الله وعافاه.

61-وأن من رفع رأسه بالسنة ودافع عنها، له نصيب من قول الله عزوجل لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:ورفعنا لك ذكرك [الشرح:4]وأن من حارب السنة وأهلها، له نصيب من قول الله عزوجل:إن شانئك هو الأبتر [الكوثر:3]وصدق الله إذ يقول:ومن يهن الله فما له من مُكْرِم [الحج:18].

62-وأن أهل السنة أرحم الخلق بالخلق، وأعلم الناس بالحق، وهم بين فِرَق المسلمين، كالإسلام بين الأديان، قال تعالى:وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس [البقرة:143] الآية.

63-وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وإن لم تكن هذه الفرقة هم أهل الحديث-على التفصيل السابق-فلا أدري من هُمُ؟! وهذه الفرق الهالكة فرق مسلمة، وأمرهم إلى الله، وأما المشركون وأصحاب البدع المكفِّرة فليسوا من هذه الفِرَقِ-على تفاصيل معروفة عند أهل العلم-.

64-وأن من ثمرة استقامة أهل السنة على الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح، اتفاق أقوالهم وأفهامهم مع تباعد أمصارهم وأعصارهم.

65-وأرى أنه لا يُستوحش من قلة السالكين، ولا يُغتر بكثرة الزائغين، فإن من علامات الساعة أن يكثر الجهل ويقل العلم، وفي مثل هذا يقال:(الجماعة هي الحق وإن كنت وحدك).

66-وأعتقد أن اقتصاداً في سنة خير من اجتهاد في بدعة.

67-وأرى أن من علامة أهل السنة حُبَّهم لأئمة الحديث والأثر-سلفاً وخلفاً-وأن براءة المكلَّفين من دين الشيعة، بتفضيل أبي بكر ثم عمر-جزماً- ثم عثمان ثم علي –على الراجح- ثم الترضي عن بقية الصحابة، والكف عن مساوئهم وما شجر بينهم، وبراءتهم من دين الخوارج الذين يكفرون بالكبيرة ويخرجون على الأمة بالسيف، ويلعنون الحكام المسلمين-وإن جاروا-، ويكفرونهم، دون الرجوع لتفصيل السلف، ويكفرون أو يضللون من لا يوافقهم، ويرون من دعا للحاكم المسلم الجائر بالصلاح-وإن كره الظلم منه-جباناً عميلاً، ومع أن من دين أهل السنة الدعاء لهم بالصلاح مع النصح، كما صرح بذلك البربهاري رحمه الله في”شرح السنة”برقم(122)ص(67)، فالبراءة منهم بترك ذلك، وبراءة أهل السنة من دين أهل الإرجاء، بقولهم: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وأهله فيه متفاوتون، وبراءتهم من دين القدرية، بقولهم: أعمال العباد من خير وشر من خَلْق الله، ومن كسبهم على الحقيقة، وأن الله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ولا يكون شيء في ملكه إلا بمشيئته، وبراءتهم من دين الجهمية، بإثبات صفات الرب وتنـزيهه بلا تعطيل أو تحريف، ومن دين المجسمة، بإثبات صفات الرب دون تمثيل أو تكييف، وهكذا مع باقي فِرَق الأهواء، عافانا الله منهم ومن مقالاتهم، ويضمون إلى ذلك بُغْضَ أهل البدع والأهواء، والتحذير من أقوالهم، وأحياناً يصرّحون بالتحذير منهم بأسمائهم، إذا كان شرهم لا يندفع إلا بهذا.

68-وأعتقد أن الإيمان قول وعمل،(وأن السلف متفقون على أنه قول وعمل، وأن العمل ركن في الإيمان، على تفاصيل كثيرة في ذلك)، فلا قول إلا بعمل،(والقول قول القلب واللسان، والعمل عمل القلب والجوارح)وأن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة والعلم والذِّكْر، وينقص بالمعصية والجهل والغفلة، وأن الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، أعلاها شهادة لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأهل الإيمان يتفاضلون في ذلك، ومن قال: إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل، أو أن الإيمان قول فقط، فهو مرجيء ضال، ومن قال: إن الإيمان معرفة فقط، فهو جهمي خبيث، وإبليس أعلم منه بربه-في هذه المسألة-، والعياذ بالله.

69-وأعتقد أن العمل منه (مايكون زواله زوالاً للإيمان، ومنه مايكون زواله نقصاً للإيمان، وبعضهم يعبر عن ذلك بقوله): منه ماهو شرط صحة في الإيمان، ومنه ماهو شرط في الكمال الواجب، ومنه ماهو شرط في الكمال المستحب، والعمدة في ذلك التقسيم على الأدلة الشرعية، وبهذا نَسْلَم من مذهب المرجئة والخوارج، وأما من ترك كل العمل فلا يكون مسلماً.

70-وأرى أن الإستثناء في الإيمان-على سبيل الورع، لا على سبيل الشك-لا بأس به، وقد قال به السلف.

71_وأحكُم بالإسلام لمن أقر بالشهادتين ونطق بهما، ولا أرجيء الحكم له بالإسلام حتى يأتي بجميع شرائع الإسلام، بل أُجْرِي حُكْمَ الإسلام عليه-إذا شهد الشهادتين- إلى أن يظهر منه خلافه: شركاً كان أو فِسقاً، فأحكم عليه بما يستحق، بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع التي عند علماء السنة.

72-وأرى بين الإسلام والإيمان عموماً وخصوصاً-في الجملة-، وأنهما إذا اجتمعا في النظم افترقا في الحكم، وإذا افترقا اجتمعا، ويخرج الرجل من الإيمان ويبقى معه الإسلام، وقد يقال في ذلك: خرج من كمال الإيمان، وبقي معه أصلُ الإيمان، فإن فعل الشرك خرج منهما جميعاً-بعد النظر في استيفاء الشروط وانتفاء الموانع-.

73-وأرى أن كل مولود يولد على الفطرة، وأبواه يهوِّدانه أو يُنَصِّرانه أو يمجِّسانه، وأنه إذا لم يُسْلِم-وإن لم يبلغ الحُلُم-فتجرى عليه أحكام أهل ملته في الدنيا.

74-وأعتقد أن من كَفَر بعدة أسباب، فلا يُحكم له بالإسلام إلا إذا تاب من جميعها، فالكفر لا يتجزأ-من هذه الناحية-بخلاف الكبائر، فمن تاب من بعضها، تاب الله عليه في هذا البعض- وإن بقي على البعض الآخر- خلافاً للمعتزلة.

75-وأُلْقِي السلامَ على من عرفتُ ومن لم أعرف، وقد لا أبدأ أهل المعاصي بالسلام، إذا توفرت شروط الهجرِ الشرعي، لتعطيل المفسدة أو تقليلها.

76-وأعتقد أن المسلم يُوالَى ويُعَادَى، ويُحَبُّ ويُبْغَضُ، ويُوصَل ويُهْجَرُ، على حسب مافيه من خير وشر، وسُنَّة وبدعة، وعلى حسب حرصه على الخير وتحريه له، أو اتباعه لهواه وظلمه لأهل الحق، مع مراعاة المفاسد والمصالح.

77-وأرى أن مستور الحال في بلاد الإسلام مسلم، ولا يجوز التوقف في الحكم له بالإسلام، مع أخذ الحذر إن احتجْتُ للتعامل معه، ومن توقف في إسلام من لم يكن معه في حزبه، فهو مبتدع، وقد بنى مذهبه على ظلمات بعضها فوق بعض.

78-وأحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، ولا أنقّب عن سريرة من أتعامل معه، مع أخذ الحذر دون سوء ظن، وأحسن الظن بمن لا أعرفه، دون الوقوع في الغفلةفالله خـيرحافظـاً وهو أرحـم الراحمين [يوسف:64].

79-ولا أُكفِّر مسلماً بكبيرة ارتكبها-ليست كفراً-وأعتقد أن الذين يكفّرون المسلمين العصاة، أوالمخالفين لهم في التأويل والإجتهاد، أنهم مبتدعة أذناب للخوارج، وأرجو للمحسن من المسلمين، وأخاف على المسيء، ولا أنزل أحداً منهم جنة ولا ناراً، حتى ينـزله الله عزوجل، أو رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه من أهل النار، شهدت له بذلك، والعياذ بالله، ولا أَتَأَلَّى على ا لله عزوجل، فأقول: فلان لا يغفر الله له –وإن فعل مافعل- لأني لا أعلم بما يُختم له، ولست على مافي يد الله قادراً.

80-وأرى الصلاة على من مات من أهل القبلة-ولم يشرك بالله عزوجل شيئاً-والإستغفار له، قال تعالى:ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان [الحشر:10]وإن كنت أرى أنه يجوز أحياناً لبعض أهل العلم ترك الصلاة على بعض المذنبين، كي لا يجتريء غيره على فعله، وأستحب أن يدعو له، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فيحصل بذلك مصلحتان، ومعلوم تَرْكُ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الصلاة على من مات وعليه دَيْنٌ، ولا يخفى الفرق بين ترك الصلاة على هذا النحو الجائز، وبين ترك صلاة أهل البدع على من يخالفهم من أهل السنة، أو من لا يعرفون حاله، عياذاً بالله من الضلالة.

 

81-وأرى الصلاة وراء كل مسلم، براً كان أو فاجراً أو مستور حال، فإن أحسنوا فلنا ولهم، وإن أساءوا فلنا وعليهم، والصلاة خير موضوع.

 

82-وأعتقد جواز الصلاة وراء المبتدعة-ماداموا مسلمين-وتَرْكُ الصلاة وراءهم لإخماد فتنتهم إهمال ذكرهم جائز، مالم يفض ذلك لترك الجماعة، وقد يكون ذلك واجباً، للعلة السابقة، إذا وُجِدَتْ جماعة أخرى، ولم تحدث مفسدة.

83-وأعتقد أن الشرك منه أكبر وأصغر، وأن الكفر منه اعتقادي وعملي، وكذا النفاق منه اعتقادي وعملي، وأن الظلم ظلمان، والفسق فسقان، والمعصية معصيتان، ولا يُخْرِجُ من الملة من ذلك إلا الأكبر أو الإعتقادي، أما العملي فمنه ما لا يخرج من الملة، ومنه ما ينقل عن الملة، وكثيراً ما يَرِدُ في كلام العلماء إطلاق الكفر العملي ومرادهم غير الناقل عن الملة.

84-وأعتقد أن من تاب تاب الله عليه، وأن من لقي الله غير تائب من الذنوب-التي هي دون الشرك-فهو في المشيئة، إن شاء عذّبه، وإن شاء غفر له، لقوله تعالى:وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم [الرعد:6]ولا يسمى التائب ظالماً، وكما في حكم من لم يتب من القذف في سورة النور، وأعتقد أنه قد يقترن بالكبيرة من الخوف والحياء من الله عزوجل، ما يجعلها صغيرة أو يزيلها، وقد يقترن بالصغيرة من عدم المبالاة والإستهانة وقلة الخوف والحياء من الله عزوجل، مايجعلها كبيرة، والله المستعان.

85-ولا أُنَزِّل نصوص الوعيد على من وقع في المعصية بعينه، لاحتمال أن تكون له حسنات غالبة، أو يتعرض لمصائب مكفّرة، أو يُوَفَّق في آخر أمره لتوبة ماحية، أو تدركة شفاعة، أو نحو ذلك من أسباب، كما في”مجموع الفتاوى” (7/488-490)، إنما أطلقها على العموم، ونصوص الوعيد أُمِرُّها كما جاءت، لتخويف من هَمَّ بالسيئة، ولا أخوض في معناها والجمع بينها وبين غيرها، إلا مع من يحسن فهم ذلك، أو عند حدوث سوء فهم لها، كأن يتذرع بها أهل الغلو إلى مذهبهم الباطل، فعند ذلك يجب بيان معناها، حفاظاً على عقيدة السلف، ودرءاً لشبهة أهل الغلو والسرف.

 

86-والفِرَقُ الهالكة من فرق المسلمين حكمها حكم أهل الوعيد، بالعموم لا بالتعيين، والله يتولى سرائرهم.

87-وأعتقد أن الشفاعة على أقسام، ولا تكون إلا بعد إذن الله عزوجل ورضاه، قال تعالى:من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه [البقرة:255]وقال تعالى:ولا يشفعون إلا لمن ارتضى [الأنبياء:28]ولا يرضى ربنا إلا التوحيد، ولا ينفع عنده مِلْء الأرض ذهباً، ولا أَكْثَرَ من ذلك، وليس للمشرك نصيب من الشفاعة،فما تنفعهم شفاعة الشافعين [المدثر:48] إلا ماجاء في”الصحيح” من التخفيف عن أبي طالب، بشفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيلبس نعلين من نار، يفور منهما دماغه، كما يفور المرجل، يرى أنه أشد أهل النار عذاباً، وهو أهون أهل النار عذاباً، فخاب وخسر عبد لم تسعه رحمة الله التي وسعت كل شيء، وخاب وخسر عبد لم تسعه جنة عرضها كعرض السماء والأرض.

 

88-وأُنَزِّل قول أهل العلم:”من لم يكفّر الكافر فهو كافر” على من لم يكفّر من كفّره الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعينه، كفرعون وأبي لهب وغيرهما، أو من قال: إن اليهود أو النصارى أو المجوس ونحوهم ليسوا بكفار، بل هم مسلمون-مع ماهم عليه من الكفر-لأن لازم ذلك أنه لا يتبرأ منهم، والله يقول:ومن يتولهم منكم فإنه منهم [المائدة:51]ولازمه أيضاً أن يرد حكم الله عليهم بالكفر، أما من يَخْتلف أهل العلم في تكفيره، كتارك الصلاة، أومن يُتَّفَق على أنه عمل عملاً مكفِّراً، إلا أن الحكم عليه بذلك لم يستوف شروطه، ولم تنتف موانعه، فالحكم بهذه القاعدة على المخالف في ذلك، باب عظيم من أبواب الشر والهرْج والفتن، والعياذ بالله.

 

89-وعند قتال الفتنة-الذي هو من أجل الدنيا، أو بتأويل فاسد-ألْزَمُ جوف بيتي، ولا أهْوَى ولا أُشايِع، وأدعوا بإصلاح ذات بين المسلمين، والإمساكُ عن الفتنة سُنَّةٌ ماضية، واجب لزومها، ويجب على المسلمين-إن قَدَرُوا-كفُّهم عن القتال والبغي.

 

90-ولا أرى الخروج على الحكام-ماداموا مسلمين-بل يجب نصحهم وتذكيرهم بأيام الله عزوجل، وسُنَّتِه فيمن لا يرجوا لله وقاراً، وأعتقد أن للخروج شرطين لا بد منهما: الأول: أن نرى من الحاكم الكفر البواح الذي لنا فيه من الله برهان، الثاني: أن يكون المسلمون قادرين على عزله بدون مفسدة أكبر-وذلك بعد الرجوع إلى أهل الحل والعقد-، فإن كانت المفسدة راجحة-وهذا هو الغالب-فلا يجوز الخروج عليه، وإن أتى الكفر البواح، وهل جَنَى من لم يراع ذلك على الأمة إلا الفتن والفساد في الأرض؟! وما رجع أحد بعد ولوجه هذا الباب إلا بشر أعظم، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله.

91-ولا أرى تهييج العامة وتحريضهم على حكامهم-وإن جاروا- لامن فوق المنابر، ولا غير ذلك، لأن ذلك خلاف هدي السلف الصالح، بل المشهور عنهم النهي عن ذلك، والمنابر يدعى من فوقها للإجتماع والإئتلاف، وتَرْكِ الفرقة والإختلاف، والعامة يحتاجون إلى إصلاح أمر دينهم، أما إِخْبَارُهم بما لا يحسنون فهمه ولا علاجه-مع تحريضهم-فإنه يُفْسِدُ أمر العامة والخاصة، ومن فعل ذلك فلا هو للحق اتبع، ولا منكراً أزال، ولا دعوة أبقى، ولا واقعاً أدرك، وعَمَلُه هذا تَقَرُّ بِهِ أعين الحاقدين المتربصين بالإسلام وأهله-وإن ظن أنه يحسن صنعاً-فيجب علينا النصح بحكمة دون تهييج، والصبر دون رضاً بالمنكر، والدعاء بالصلاح للحكام-دون ركون إلى دنياهم-لأن صلاحهم صلاح للبلاد والعباد، فإن أصلحهم الله عزوجل، وإلا فعلينا بالتوبة إلى الله عزوجل وطاعته، كما في قوله تعالى:إن الله لا يغير مابقوم حتى يغيروا مابأنفسهم [الرعد:11]ولنعلم أن ظلمهم ابتلاء من الله عزوجل-بسبب ذنوبنا أو غير ذلك-، فليحذر أمرؤ أن يكون سبب فتنة،أو يكون من أبواق الفتن، التي تنتهي بسفك الدماء بين أهل الإسلام.

 

92-وأرى السمع والطاعة للحاكم المسلم في المعروف-وإن ظلم-ولا أرى شق عصا المسلمين، فإذا أمر بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة، إلا إذا غلب على ظن أهل العلم أن ذلك يؤول إلى مفسدة أكبر، فتُدفع المفسدة الكبرى بإرتكاب المفسدة الصغرى، وأعتقد أن إثارة الفتن والإفتئات على ولاة الأمور، مفسدته أكبر من المنكر الذي يُراد تغييره-فنؤدي الذي علينا ونسأل الله الذي لنا، والسعيد من وُعظ بغيره، والقلوب بين اصبعين من أصابع الرحمان، فلو أقبلنا على الله عزوجل، رفع الله عنا ما نعجز عنه، فلا نتعلق بما نعجز عنه، ونترك ما نستطيعه، فـلا يكلف الله نفساً إلا وسعها [البقرة:286].

 

93-ومع تَفَرُّقِ المسلمين، وكون كل دولة يحكمها إمام، فأرى أن يُسْمَع ويُطاع-في المعروف-للإمام المسلم في سلطانه، ولا يجوز الخروج عليه، وأن يُتَعاون معه في رد المظالم، وإقامة الحدود، ووضع الأمان في الأرض، لأن ذلك أخف الضررين، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولو أبَيْنَا إلا أن يتنازلوا لإمام واحد،-والواقع أنهم لا يتنازلون-أدى ذلك إلى فساد أكبر، وضياع مابقي في الناس من خير، ومع ذلك فلا يجوز أن نغفُل عن الدعوة إلى جمع كلمة المسلمين، ليكونوا أمة واحدة، كما أمر الله عزوجل.

94-وأعتقد أن الحريصين على الخير للحكام والشعوب المسلمة-وإن كان فيهم ظلم وجهل وانحراف-هم الذين ينصحونهم إذا أخطأوا، ويعينونهم إذا أصابوا، ويُقِيلون عثرتهم، ويسترون عورتهم، دون طمع في دنياهم، بل مع زهد وتعفف، وإنما يفعلون ذلك خشية ازدياد الفتن، واتساع الخرق على الراقع، وإزالة مابقي من خير في الناس، و“إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امريء مانوى”.

95-وأعتقد أن الأمة كطائر له جناحان: أحدهما العلماء والآخر الأمراء، فلا بد من رجوع الأمراء للعلماء، ولابد من نصح العلماء للأمراء، وإدراكهم الأمور من جميع جوانبها، حتى لايُوَسَّد الأمر إلى غير أهله، ويفلت الزمام من أيدي أهل الحل والعقد، إلى رؤوس الفتن والعياذ بالله، فلا يجوز إطلاق اللعن والتشهير بولاة الأمور، لأن ضرر ذلك عظيم في الحال والمآل-وإن كانت هناك مواقف مخزية يندى لها الجبين-،كما لا يجوز رمي الحكام لكل من ينصحهم-بدون تهييج ولا فتن-بأنهم ارهابيون ومخربون، لأن النصيحة تصفية للمجتمع مما يضر به في الدنيا والآخرة، وواجب شرعي، لا يجوز كتمانه ولا الإعراض عنه،(ولا يجوز أن نسمي الحق باسم الباطل).

والحق وسط بين طرفين، فلا نبالغ في سوء الظن، ولا نتكلف الدفاع والتأويل بما لايُقبل، إنما الواجب أن ننصح لله عزوجل، ونصبر ونَنْبِذ ألوية الفتنة، رجاء ماعند الله سبحانه، وتفويت الفرصة على المتربصين بأمتنا الدوائر.

 

96-وأنصح من ولاه الله أمر المسلمين، أن يتقي الله سبحانه في أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن يرفُق بهم ولا يشق عليهم، وأن يحكم بينهم بما أنزل الله، ففيه صلاح الدنيا والآخرة، وهذا واجب شرعي، وأن يحذر الأهواء المردية، وأن يكون خير راع لهذه الرعية،(فإن لم يفعل فقد خاب وخسر، وضل ضلالاً بعيداً) وعليه أن يتذكّر قول الله عزوجل:وتلك الأيام نداولها بين الناس [آل عمران:140].

 

97-ولا يحل لأحد أن يطيع أحداً في معصية الله عزوجل، فطاعة الله أحق، وأمر الله آكد.

 

98-وأرى أن فَصْل الدين عن الدولة ضلالة ومروق، وأثر من آثار الغزو الفكري لهذه الأمة، وأرى أن السياسة من الدين، لكن المقصود بذلك السياسة الشرعية، التي كان عليها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان، أما أنظمة الغرب أو الشرق فلا أُقِرُّ منها إلا ماوافق الكتاب والسنة، وماخالف الكتاب والسنة وقواعد أهل العلم بهما، فمردود ولا كرامة، لكن علاج ذلك يكون بالحكمة والموعظة الحسنة، فإن قُبل من الناصح، وإلا فليصبر، وليتق الله عزوجل، ولا يسبب فتنة بين الشعوب المسلمة وحكامها وجيوشها، فيصدق عليه قول القائل:

رام نفعاً فَضرَّ من غير قصدٍ ومن البر مايكـــــون عقوقـــــــــــاً

 

99-وأعتقد أن جميع شئون الحياة لابد وأن تُحْكَم بما جاء في الكتاب والسنة، ولا يجوز الخروج عنهما في كثير أو قليل، وأما أمور الدنيا فقد أباح لنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم التصرف فيها بما يعود علينا بالمصلحة ولا يخالف الشرع فقال: “أنتم أعلم بأمور دنياكم”.

99-وأعتقد أنه يجب التحاكم إلى شريعة الله عزوجل في كل كبيرة وصغيرة ظاهرة وخفية، ولا يجوز التحاكم إلى أعراف دولية، ولا إلى دساتير جاهلية، ولا إلى اسلاف وعادات قبليّة، ولا غير ذلك، فيما خالف الشرع، قال تعالى:إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون [يوسف:40] وقال جل ثناؤه:أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله [الشورى:21]وقال سبحانه:فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً [النساء:65]،(كل ذلك بتفاصيل معروفة عند أهل العلم).

 

101-وأرى الجمعة والجماعة والعيدين والكسوف والإستسقاء والجهاد-وراء الأئمة المسلمين أبراراً كانوا أو فجاراً-.

102-وأرى أن إقامة الحدود وتقدير التعزيرات وقسمة الفيء كل ذلك يرجع لولاة الأمر، وأن ذلك ماضٍ فيهم، ليس لأحد أن يطعن عليهم أو ينازعهم-وإن جاروا-والخروج عن ذلك مفسدة عظيمة، وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن كان يجر منكراً أكبر منه، فمن المنكر أن يُنْهَى عن المنكر، وتقدير المفسدة ومايؤول إليه الأمر والنهي راجع إلى أهل العلم والحلم، لا إلى أهل الجبن والإحجام، أو أهل التهور والإفراط في الإقدام.

103-وأرى دفع الصدقات إلى الأئمة المسلمين-إن طلبوها أبراراً كانوا أو فجاراً-وأن دفعها لهم جائز ونافذ، وإن أكلوا بها لحوم الكلاب، وإثمهم على أنفسهم، كما صح ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما-دفعاً للمفسدة وجمعاً للكلمة-، وإذا لم يطلبوها من الناس، فلْيتحرَّ صاحبها وضعها فيما يقربه إلى الله عزوجل،بوضعها في المصارف الشرعية التي ذكر الله عزوجل في كتابه.

 

104-وأرى أن الجهاد ماضٍ في هذه الأمة إلى يوم القيامة، لا يبطله جورُ جائر، وأنه ذروة سنام هذا الدين، إلا أن المقصود بذلك الجهاد الشرعي، الذي شُرِّع لتكون كلمة الله هي العليا، والذي يكون بفتوى أهل الحل والعقد، وأهل العلم والفضل، وهو الذي يكون بين المسلمين والكفار، أما جهاد بعض الناس الذي لا تنطبق عليه هذه الأوصاف فهو فتنة، وقد كان سبباً لوهن كلمة المسلمين-وإن كان بعض أهله صادقين مخلصين-وهذا جزاء من أعرض عن نصائح الكبار من أهل العلم، فيبدأون بالتكفير، ثم التشهير، وقد ينتهي أمرهم بالإفساد والتفجير.

105-وأرى أن مايجري اليوم من بعض الناس من الاغتيالات والتفجيرات والكتل السرية، واستحلال الدماء والأموال و الأعراض، أن ذلك مخالف لمنهج السلف الصالح، بل هو فتنة، والعياذ بالله، والواجب على الجميع التوبة إلى الله عزوجل.

 

106-وأرى أن الحكم بغير ماأنزل الله جريمة وطغيان، وأن منه ماهو كُفْرٌ اعتقادي مخرج من الملة، ومنه ماهو كفر عملي، حكمه حكم الكبائر، لا يُكَفَّر فاعله، وأمره إلى المشيئة-إن مات غير تائب منه-(وسواء حكم بغير ماأنزل الله، أو ألزم الناس بشريعة مخالفة، فإنه لا بد من التفصيل السابق، وإلا لزم تكفير المسلمين)، وأنصح بعدم المبالغة في الخوض في هذه الأمور، لأن ضررها على الخائضين فيها -غير الراسخين في العلم- أكبر من نفعها، ويؤول بهم إلى الشقاق والتكفير بين المسلمين، ويجب أن نلزم نهج علماء السنة الكبار في إطلاق الأحكام على الحكام، وكيفية التعامل معهم، فالعلماء أهل الرشد والسداد، والحُدَثاء-في الغالب-أهل الفتن والفساد، والله المستعان.

 

107-وأرى أن من دخل في بلاد الإسلام، بأمان من المسلمين، فلا يجوز قتله ولا نهبه ولا ظلمه، للأمان الذي أعطاه بعض المسلمين لهم-وإن كان عند من أعطاه الأمان جور وظلم-لأن المسلمين يسعى بذمتهم أدناهم، ولأن في ذلك مفسدة عظيمة من الإفتئات على ولاة الأمور، وفي ذلك من الفتن والفساد العريض مالايخفى، كما أنصح بعدم حبهم أو الركون إليهم، أو الإفتتان بهم-فإنهم لا خير فيهم-والواجب على ولاة أمور المسلمين أن يسْعَوْا مااستطاعوا فيما يحفظ للمسلمين دينهم أولاً، ثم فيما يُصلح دنياهم ثانياً، ويجب على ولاة الأمر أن يحولوا بينهم وبين مايضر بالإسلام وأهله، فإنهم مسئولون عن ذلك بين يدي الله عزوجل.

 

108-وأعتقد أن الأئمة من قريش مادام في الناس اثنان، وأن من ولاه أهل الحل والعقد، أو غلب عليها بشوكته-وإن لم يكن قرشياً-وسماه أهل الحل والعقد أميراً للمؤمنين، فيجب السمع والطاعة له في المعروف، درءاً للفتن، وحفاظاً على تماسك أمة الإسلام.

 

109-وأرى أن الدين النصيحة، وهي لله ولكتابه، ولرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولأئمة المسلمين وعامتهم،(فإذا كانت النصيحة تؤول بالأمة إلى مفسدة أكبر أمسكتُ، جمعاً للكلمة، ودرءاً للفتنة).

110-وأحب جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه و على آله وسلم وأترضَّى عنهم، لأن الله قد رضي عنهم، وأكُفُّ عما شجر بينهم، ولا أذْكُرُهُمْ إلا بالجميل، وأنشر فضائلهم، ولا أروي مثالبهم ومعايبهم، وأكره من يجمع كتباً في مثالبهم، لأن ذلك يوغر الصدور عليهم، وبعض ذلك مكذوب مفترى عليهم، أولهم فيه تأويل يغفر الله به خطأهم، ويثبت به أجرهم، وقد برأهم الله من هذه الإفتراءات، فَعدَّلهم ورضي عنهم، وأقول فيما شجر بينهم:كلهم مجتهد، وطائفة علي رضي الله عنه أقرب إلى الحق من طائفة معاوية رضي الله عنه، لحديث:“تمرق مارقة من الدين على حين فُرقة من المسلمين، تقتلهم أدنى الطائفتين للحق” متفق عليه من حديث أبي سعيد، وقد قتلتهم فرقة علي رضي الله عنه، وأقول: فتنة عصم الله أيدينا وسيوفنا منها، فأسأله أن يعصم قلوبنا وألسنتنا من الخوض فيها.

111-وأُنزلُ الصحابة منازلهم، فأفْضَلُ هذه الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبو بكر الصديق ثم عمر الفاروق، وهما وزيراه في الدنيا، وجاراه في قبره، ثم ذو النورين عثمان بن عفان، ثم ذوالفضل والتُّقى ابن عم رسول الله صلى ا لله عليه وعلى آله وسلم، وصهره وأبو سِبْطيه على ابن أبي طالب رضي الله عنهم جميعاً، ثم باقي العشرة المبشرين بالجنة: طلحة والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعبدالرحمن ابن عوف، وأبوعبيدة، ثم سائر الصحابة من المهاجرين والأنصار، لا سيما أهل بدر وبيعة الرضوان، رضي الله عنهم جميعاً.

112-وأعتقد أن من طعن في الصحابة أو سبهم، فهو من أهل الزيغ والضلال، وأن قلبه مظلمٌ، ولازم قوله القبيح القدحُ في رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الذي كان يحبهم ويُدْنِيهم، فلو كانوا كما يقول هذا المفترى، وأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يعلم بهم-وهم بهذا العدد الكثير-فكيف يكون نبياً يُوحى إليه ولا يعلم حال جلسائه-،وقد أعلمه الله عزوجل بكل مايحتاج إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو تحتاج إليه أمته-،وإن كان يعلم ذلك ومع ذلك يُقرِّبُهم فحاشاه من ذلك، فانظر كيف يصل قول أهل البدع بهم إلى القدح في رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم-علموا ذلك أم جهلوا-وأقبح هؤلاء من يسب أو يتهم عائشة رضي الله عنها التي برأها الله في القرآن، ومن قدح في عائشة لزمه أن يقدح في رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأن الله يقول:الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات، والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرأون مما يقولون [النور:26]، فقبح الله البدع، فمن سب الصحابة وصرّح بكفرهم أو أكثرهم، فهو راد للقرآن الذي يُعَدِّلُهم، فتقام عليه الحجة، فإن تاب وإلا يُكَفَّر لرده القرآن،-بعد النظر في الشروط والموانع- وإن سبهم بما يقتضي فسقهم، ففي تكفيره نزاع، وإن رماهم بما لا يقدح في دينهم بالجبن والبخل يُعزّر بما يؤدبه ويردعه، وانظر”الصارم المسلول” لشيخ الإسلام.

113-وأعتقد أن الصحابة كلهم عدول، بتعديل الله لهم، وإن أُرْغِمَتْ أنوفُ الروافض والنواصب والخوارج.

114-وأعتقد أن خير الناس قرنُ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.

115-وأعرفُ فضل الأنصار وحقهم، ووصية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهم، وأن حبهم إيمان، وبغضهم نفاق، وذلك لمن أحبهم أو أبغضهم من أجل النصرة.

116-وأحب الصالحين من أهل بيت النبوة، وأتقرب إلى الله بمودتهم وصلتهم، إلا أن النسب وحده لا يكفي:فـ“من بطأ به عمله لم يُسْرع به نسبه” وقد أعلن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم البراءة جِهاراً غير سر من آل أبي فلان، وقال:“يزعم أنه مني، وليس مني، إنما أوليائي المتقون” فمن جمع بين طيب النسب وصلاح العمل، فقد جمع خيراً كثيراً، والعبد الأسود التقي أحب إلىّ من حُرٍّ فاجر شقي، قال تعالى:إن أكرمكم عند الله أتقاكم [الحجرات:13]، ومع ذلك فـ“المؤمن القوي خير وأحب إلى ا لله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير”وأُحبُّ أمهات المؤمنين وأترضى عنهن جميعاً، وأُعَظِّمُ قدرهن، وأعرف فضلهن، فهن الطاهرات المطهَّرات، الطيبات المطيَّبَات، البريئات المبرَّءات من كل سوء يقدح في أعراضهن وفرشهن.

117-وأعتقد أن دعاء الأموات-وإن كانوا صالحين-والإستغاثة بهم والذبح لهم والنذر لهم، وكذا الإستغاثة بالأحياء، في شيء من خصائص الرب عزوجل، كل هذا شرك مخرج من الملة، ويجب التوبة منه، وتحقيق التوحيد لله رب العالمين.

118-كَما أعتقد أن الولاية مرتبة عظيمة، وباقية في هذه الأمة، وهي دون النبوة-فضلاً عن الرسالة-وأولياء الرحمن هم المذكورون في قوله تعالى:ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون [يونس:62،63]، وأما مَنْ فَهِم أن الولي هو الذي يكون له مولد سنوي أو شهري، أو هو الذي يكون على قبره قبة، أو هو ذاك الأبله المجنون الذي يسير كاشفاً عورته، أو يشرب الخمر في نهار رمضان، أو يترك الصلوات المكتوبات، أو ذاك الذي يلبس الإشارة الخضراء أو غيرها، أعتقد أن مثل هذا لا يفهم الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، فإن أدركته رحمة الله بالتوبة، وإلا فهو من الهالكين.

119-وأقر بكرامات الأولياء الصالحين، وأنه لا يجوز إنكارها، لكن إذا رأيتَ الرجل يطير في الهواء، أو يسير على الماء، فلا تعُدَّه ولياً، حتى تنظر حاله أمام شرع الله عزوجل، فإن كان تقياً ورعاً حافظاً لحدود الله، فهذه كرامة له، وإن كان لا يرجو لله وقاراً، فهو دجال من الدجاجلة، لا تغتر به، وسيكشف الله أمره، والله لا يخلف الميعاد.

120-وأرى أن ما يفعله الجهلة من الموالد عند القبور والقباب، أنه يحتوي على كثير من البدع المنكرة، بل والشرك المنهي عنه، وأنه باب فتنة على أمة الإسلام، لما يجري في ذلك من دعاء الموتى والتمسح بالأتربة، والذبح لغير الله، والتضرع أمام القبور، ومن الناس من يبكي عند القبر، ولا يبكي إذا سمع ذكر الله، والواجب على من ولاه الله أمر المسلمين أن يتبصَّر في دينه، وأن يُبصِّر المسلمين بدينهم، وأن ينهاهم عن هذا الشرك، لأن كل راع مسئول عن رعيته، وهل كان أشهر شرك العرب قبل الإسلام إلا من هذا الباب؟!.

121-وأرى أن بناء المساجد على القبور فتنة في الدين، وذريعة للشرك، وتَشَبُّه بأهل الكتاب، ويجب على من ولاه الله الأمر وكان قادراً أن يغير ذلك-حسب شرع الله عزوجل-حفاظاً على سلامة التوحيد عند الرعية.

122-ولا يجوز شد الرحال-على أي حال-لهذه القباب، وإنما تُشَدُّ الرحال إلى ثلاثة مساجد فقط: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى.

123-ولا يجوز-أيضاً-، شد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما يفعله أو يعتقده كثير من الجهله-وإن كان قبره عليه الصلاة والسلام أشرف قبر على ظهر الأرض-، لأن شد الرحال للمساجد الثلاثة فقط-كما سبق-، ولأن ذلك ذريعة للشرك الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمته، بل قد دعا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ربه ألا يجعل قبره وثناً يُعبد،(لكن من زار المسجد فيشرع له زيارة قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكذا زيارة قبر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ويستحب له أن يسلم عليهم، ولا يجوز أن يقول أو يفعل شيئاً يخالف الكتاب والسنة).

124-وأعتقد أن زيارة القبور منها ماهو شرعي، ومنها ماهو بدعي، ومنها ماهو شركي، فالشرعي منها مايُذَكِّر بالآخرة، والبدعي منها كمن يعبد الله عند قبر ظاناً أن ذلك أرجى للقبول، والشركي منها كمن يدعو الأموات من دون الله عزوجل.

125-ويجب الإعتدال في محبته صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومحبة الصالحين، فالمبالغة غير الشرعية في ذلك ذريعة للشرك، وزعزعة لجناب التوحيد، وأما من يتكلمون على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صحفهم وإذاعاتهم، وكأنه واحد من جملة الناس، أو مجرد مصلح اجتماعي، أو رجل عبقري، أو نحو ذلك، دون إنزاله منـزلة الرسالة، فهؤلاء أسأل الله لهم الهداية، وإلا فأسأل الله أن يقطع ألسنتهم ودابرهم، ويكفينا شرهم.

126-وأعتقد أن عمل المولد النبوي بدعة محدثة، وكذلك الأعياد المنسوبة للإسلام، فليس لنا إلا ثلاثة أعياد:عيد الفطر والأضحى في كل سنة، وعيد الجمعة كل اسبوع، ومادون ذلك من الأعياد فلا التفات إليه، لأن الصحابة لم يحتفلوا بالمولد النبوي-مع أنه مختلف في تحديده-ولم يجعلوا لهم عيداً كلما جاء اليوم الذي فتح الله فيه مكة، ولا يوم بدر، ونحو ذلك، وإن تعجب فعجب حال من يجعل في هذا الزمان يوم الهزيمة عيداً، والجنون فنون!!نسأل الله السلامة.

127-وأعتقد أن من قسّم الناس إلى أهل حقيقة وأهل شريعة، وأن أهل الحقيقة يجوز لهم أن يتركوا اتباع شرع نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما حَدَثَ للخَضِرِ مع موسى عليهما السلام-وأما أهل الشريعة فملزمون بالشرع، أعتقد أن القول بذلك زندقة ومروق من الإسلام، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أُرسل للناس كافة، وموسى لم يُرسل للخضر، إنما أُرسل لقومه بني إسرائيل.

128-وأرى أن التوسل منه ماهو شرعي، ومنه ماهو بدعي، ومنه ماهو شركي، فالشرعي ماكان دعاءً لله عزوجل بأسمائه أو ثناء عليه سبحانه بصفاته، أو كان سؤالاً لله عزوجل بعملٍ صالحٍ خالصٍ لوجهه، كما في قصة أصحاب الغار الثلاثة، أو كان بدعاء الصالحين من الأحياء، كما في استسقاء المسلمين بالعباس عم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والبدعي ماكان بذات أو جاه ملَكٍ مُقرَّب أو نبي مرسل أو ولي صالح، فليس لأحد على الله عزوجل حق، إلا ماأوجبه سبحانه على نفسه فضلاً منه ورحمة، وأما التوسل الشركي فهو اتخاذ وسائط يُتوسل بها إلى الله عزوجل ويدعوها من دونه سبحانه، قال تعالى حاكياً عن المشركين:والذين اتخذوا من دونه أولياء مانعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار [الزمر:3].

129-ولا يكون التبرك إلا بما ثبت به الدليل، والله عزوجل يختص بعض الخلق بأنواع من البركة، كَلَيْلَةِ القدر، والمساجد الثلاثة، ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي يُتَبَرَّكُ بعرقه(وآثاره مادام حياً).

130-وأرى أن من سَلَّم على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حجرته الشريفة، فلا يجوز له أن يستلمها أو يُقبّلها، لأن ذلك لم يفعله الخلفاء الراشدون ولا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو ذريعة للشرك، وإنما ذلك يكون لبعض أركان بيت الله الحرام، فلا يُشبّه أي مسجد في الدنيا كلها بالكعبة، لورود الدليل بذلك في الكعبة دون غيرها، وكذلك الطواف والصلاة والإجتماع للعبادات، ففي المساجد التي أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمُه، قاله بمعناه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله،وانظر ماسبق برقم(123).

131-وأعتقد أنه من أحسن الظن بالله عزوجل، فإنه لا بد أن يجتهد في العمل الصالح، وإلا فهو مغرور مفتون، قد استحوذ عليه الشيطان، والعياذ بالله.

132-وأرى أن الدعاء سبب عظيم في حصول المطلوب، خلافاً لقوم من المتفلسفة، وكذا غلاة الصوفية، الذين عَدّوه نقصاً وعِلّة في مقام الخواص، وأرى الأخذ بالأسباب دون اعتماد عليها، ونفاة ذلك متنتاقضون، كما في الأكل والشرب والنكاح وغير ذلك.

133-وأرى أن الاعتماد على الأسباب والإنقطاع إليها شركٌ في التوحيد، والإعراض عنها بالكلية قدح في الشرع الذي أَمَرنَا بالأخذ بها، وأن نَفْي تأثير الأسباب مخالف للنقل والعقل والواقع، ودليل على تناقض من قال به، والأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، فكلاهما مأمور به.

134-وأعتقد أن القول بتناسخ الأرواح خرافة وضلالة، وفساد في العقيدة.134-وأعتقد أن في الدنيا سحراً وسحرة، وأن لذلك تأثيراً ولا يكون إلا بإذن الله عزوجل، قال تعالى:وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله[البقرة:102]، والواجب ردع السحرة والمشعوذين والكهنة والعرافين عما هم فيه من الباطل.

136-وأرى أن العين حق، وقد أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يستعيذ بالله من شر الحاسد وعلاجُ العين يكون بالرقية الشرعية، لا بالخرافات البدعية أوالشركية، والله المستعان.

137-وقد يدخل الجن في الإنس، كما ثبت أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وكما ذكر الله عزوجل في آكل الربا:كالذي تخبطه الشيطان من المس [البقرة:275]، وكما في الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس، وكما هو مُجَرَّب ومشهور، فلا أنكر ذلك كالذين يسمون بـ”العقلانيين” وهم حمقى، ولا أغلو في ذلك كالموسوسين الذين يُرجعون كل الأمراض للجن والسحر، والواجب الاعتدال في الأمر كله، وطلب علاج ذلك بالأسباب التي أباحها الله عزوجل، وجرى عليها عمل علمائنا، نسأل الله العافية والسلامة.

138-وأرى أن النظر في النجوم لا يكون إلا لهداية في طريق، أو لمعرفة مواقيتَ وحسابٍ، أو للتأمل في زينة السماء بها، وما زاد عن ذلك فهو باب فتنة، فاحذره.

139-وأعتقد أن الإعتقاد في الحروز والتمائم ونحو ذلك، أنها تجلب نفعاً أو تدفع ضراً، أن هذا شرك بالله العظيم، وأن ا لذهاب للسحرة والكهنة والعرافين باطل لا يجوز، فمن ذهب إليهم وصدَّقهم فهذا كفر، ومن لم يصدقهم، فذهابه إليهم حماقة وجهل، ولا تقبل له صلاة أربعين ليلة، فيجب الإقلاع عن ذلك، لأنه ذريعة للشرك، والله المستعان.

140-وأعتقد أن الدين قد اكتمل بموته صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكل محدثة-في الدين-بدعة، وكل بدعة ضلالة، وأن الواجب على الناس أن يَتَّبعوا ولا يبتدعوا، وأن يقْتدوا ولا يبْتدوا، فقد كُفُوا.

141-وأنه لم يبتدع أحد بدعة قط إلا ترك سُنَّةً أو سنناً، والله المستعان.

142-وأن صغار المحدثات تصير كباراً، وأن البدع كانت في أول أمرها تشبه الحق عند أهلها، فاغتروا بها، ثم لم يستطيعوا الخروج منها، وصارت البدع لهم ديناً، وفَتْحُ بابِ الإستحسان بدون ضوابط شرعية ذريعة لذلك، والله المستعان.

143-وأن أهل البدع يتبعون الهوى والظن، فليسوا على يقين من أمرهم، بخلاف أهل الحق والهدى، قال تعالى:إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى [النجم:23].

144-وأن الله عزوجل ماأمر عباده بأمر، إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين، لا يبالي بأيهما ظفر:إما إفراط، وإما تفريط.

145-وأن أهل البدع كلهم خارجون عن الصراط المستقيم، ويؤول أمرهم أوأكثرهم إلى الخروج بالسيف على الأمة، وقد سَلِمَ منهم أهلُ الأوثان، ولم يَسْلَم منهم أهل الإيمان.

146-وأرى أن من علامة أهل البدع الوقوعَ في أهل الأثر وبُغْضَهم، وإذا ابتدع الرجل بدعة نُزِعت حلاوة الحديث من قلبه، والحديث من أثقل الأشياء على أهل الهوى، وقد اقتسم أهل البدع والأهواء القول في حملة الأخبار ونقلة الآثار المقتدين بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المهتدين بسنته، فقالت الروافض: نابتة وناصبة، وقالت الجهمية:حشوية ومجسمة، وقالت الخوارج وأذنابهم وأصحاب الحماس الفارغ: مرجئة وجهمية وعملاء للسلاطين-لأنهم لا يهيجون ولا يحرضون العامة على الحكام، ولا يلعنونهم، إنما يَدْعون لهم ولبطانتهم بالصلاح مع زهد وتعفف عن دنياهم!!-،وقال الزاهدون في العلوم الشرعية: جهلة بالواقع، ونظرتهم سطحية، ومشتغلون بما لا ينفع، بل بما يُفَرِّق الصفوف-وإن كانوا يدعون إلى التوحيد، والولاء والبراء من أجله-فسبحان من جعل لكل سلف خلفاً في الخير وفي الشر، وجعل الصراع قائماً بين أهل الحق وأهل الباطل، ومن علامة أهل البدع أيضاً: مدح رؤوس البدع والدفاع عنهم، واطراؤهم، وتلميعهم عند من لا يعرف حالهم.

147-وأرى أن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ومع ذلك فمنها البدع الغليظة المكفِّرة، كقول غلاة الجهمية وغلاة الروافض، ومنها دون ذلك وقد جعل الله لكل شيء قدراً[الطلاق:3]، بل قد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله، كما في الجزء الثالث من”مجموع الفتاوى”أن أهل البدع منهم الضال، ومنهم المتأول، ومنهم المجتهد المغفور له خطؤه.أ.هـ. بمعناه.

148-وأعتقد أن البدعة-في كثير من الأحيان-أضر على دين المرء من المعصية، لأن صاحب البدعة يتقرب إلى الله عزوجل بها، ويظن أنه على هُدى، ولربما يدعو إليها، بخلاف صاحب المعصية الذي يتستر ويتخفى بها، ويُقر بخطئه، ويتوب إلى الله من ذنبه، وأيضاً فغالب من يقع في البدع ويدعوا إليها من خواص الناس وعلمائهم وعُبَّادهم، وهؤلاء يُقتدى بهم، بخلاف أهل المعاصي، فقد لا يجاهر بها إلا أراذل الناس، وأسأل الله العافية من هذه وتلك.

150-وأرى اعتزال أهل البدع، وترك المراء والجدل والخصومات في الدين معهم، إلا من كان إماماً في السنة أو أهلاً لذلك، فَيَدْفع عن المسلمين وعقيدتهم بما يراه نافعاً، إما بمناظرتهم-عند الحاجة لذلك، وبالضوابط الشرعية-، أو بالرد عليهم، أو نحو ذلك، وأرى أن بعض الناس-لجهلهم-،قد يُنَزل نصوص السلف في هجر أهل البدع على من ليس كذلك-وإن كان عنده إنحراف في أمر وأمور-،وهناك من يقابل هؤلاء بالمبالغة في مدح أهل البدع والدفاع عنهم، والحق ليس في هذا ولا في ذاك، والواجب أن يُعْطى كلُّ شيء قدره من المدح والقدح، وأن يُعرف نوع الخلاف، ويعامل صاحبه بما يستحق، ويكون ذلك بتجرد مع علم وحلم.

149-وأرى اعتزال مجالس أهل البدع والتحذير منها، فإن الشُّبَه في مجالسهم تبيض وتفرّخ، ومن كان منتسباً للسنة وعنده انحراف: كأن يهيّج المسلمين على حكامهم، أو يؤز المسلمين أزاً إلى تكفير جميع الحكام-مصيباً في حكمه على بعضهم-أويزين للمسلمين التكتلات السرية والبيعات المحدثة، أو ينتقص أهل العلم المخالفين له-وإن كانوا من الكبار-،فهذا الصنف ومن جرى مجراه، أتقرب إلى الله سبحانه باعتزال مجالسهم، بل وأحذر منها-وإن كانوا متأولين مخلصين وينتمون إلى السنة، ويذمون أهل البدع-فمن كان عالماً بشبهاتهم، قادراً على دفعها، فلا بأس بحضوره مجالسهم-إن كان لذلك حاجة شرعية-فعسى أن يزيل الله به شراً أو يقللّه، ولا يُخاف عليه في مثل هذه الحالة، أما من لم يكن كذلك، فليعتزل هذه المجالس، لأن حاله كحال ضالة الغنم:“هي لك أو لأخيك أو للذئب”فالسبق للسابق.

151-وأنصح من لم يكن ذا باع في علوم السنة ومنهج السلف، بعدم النظر في كتب أهل البدع، فإنها بطون أودية الشبهات والصد عن سبيل الله، ومن كان متأهلاً لذلك فلا خوف عليه، بل ويُرْجَى أن يدفع الله به زخارفهم، قال تعالى:ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً [الفرقان:33].

152-وأرى جواز الإستشهاد بكلام المخالف إن كان حقاً وفيه مصلحة، دون جلب مفسدة، في الحال أو في المآل، ولا يلزمني كلما استشهدت ببعض كلامه أن أُبَيِّنَ موقفي من أخطائه الأخرى، فما هكذا وجدنا سلفنا، وإذا كان حال الناقل والمنقول عنه معلوماً فيكفي،وإذا ترجح عندي أن في عدم بيان حاله مفسدة، أشرت إلى ذلك درءاً للمفسدة، وخروجاً من اللبس، ولكل من ذلك مواضع تَشْهَدُ له، كما في”مجموع الفتاوى”لشيخ الإسلام ابن تيمية، وكتب الإمام الذهبي، وكما في نقل بعض الأئمة المتقدمين عن مخالفيهم، ولا أرى المدح لمن كان متلبساً ببدعة-دون بيان حاله-فراراًٍمن المحظور، وفي قصة الدارقطني وأبي ذر الهروي مع الباقلاني عبرة وعظة، انظر”النبلاء”(17/558).

153-ولا أجيز لنفسي ولا لغيري أن يمتحنوا أحداً من المسلمين بِحُبّ أو بُغْض شخص أو طائفة أو مقالة مطلقاً، فمن وافقهم عليها أحبوه وقرّبوه، ومن خالفهم فيها أبغضوه وهجروه، إلا إذا كان هذا الشخص عَلَماً من أعلام السنة، وأطبق ذِكْرُه الأرض، فلنا أن نقول: من أبغض فلاناً فاتهمه على الإسلام، كما قالوا في حماد بن سلمة وغيره، وكما قيل في أحمد بن حنبل رحمه الله:

أضحى ابن حنبل محنة مأمونة وبِحُبِّ أحمدَ يُعرف المتنسك

فــــــــــإذا رأيت لأحمد متنقصاً فــــــاعلَم بـــــأن ستوره سَتُهَتّك

وكما قيل في يحيى بن معين: من أبغض يحيى فهو كذاب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هذا على سبيل العموم والإجمال، أما على سبيل التعيين: فلا نجزم بتهمة شخص في دينه لبغضه عَلَمَاً من أعلام السنة، حتى نستوفي معه الشروط، وننفي عنه الموانع، ولا يجوز امتحان الخلق بمقالة محدثة، وعقد الولاء والبراء عليها، فإن هذا من عمل أهل البدع، ولا يلزم من قولي:”من تكلم في فلان-على ماسبق من تفصيل-فاتهمه على الإسلام”، أن فلاناً هذا معصوم من الخطأ، بل كلٌّ يؤخذ من قوله ويُرد، كما أنني لا أرى اطلاق هذا القول في كل من تكلم في أي عالم من علماء السنة، ولا في كل صالح من صالحي أهل السنة، إنما ذلك فيمن صار كلمة إجماع أوكاد، وعمدتي في ذلك صنيع السلف، فلم أقف على إطلاقهم هذا القول فيمن تكلم في كل أحد، إنما أطلقوه فيمن تكلم في الأعلام المشاهير، وكذلك يجوز امتحان بعض الناس-عند الحاجة-بالمعلوم من الدين بالضرورة، لا بالأمور الدقيقة والمسائل العميقة، أو المسائل الإجتهادية التي اختلف فيها سلف الأمة، ولم ينكر بعضهم على بعض، ومع ماسبق من تفصيل، فلا يلزم من الإمتحان الحكم على الشخص بالكفر، فإن مستور الحال من جملة المسلمين.

154-وأرى أن زيادة:”حي على خير العمل”في الأذان بدعة، لأنها لم تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا علَّمها أحداً من مؤذنيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وألفاظ الأذان مشهورة، ولو وقع ذلك لنُقِل إلينا، ولا أرى العمل إلا بما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

155-وأدعو إلى الاتباع والاجتماع، ولكل منهما نصيب في دعوتي، فلا أدعو إلى اجتماع على غثائية وضلالة، كما لا أدعو إلى أمر تتفرق به كلمة المسلمين-حسب فهم علماء السلف ومن نهج نهجهم، لا حسب فهم أهل الهوى والحزبية-إنما أدعو إلى السنة مع اجتماع وتآلف، وإلى الاجتماع مع السنة، وإذا تعارض واجب الاجتماع مع واجب الاتباع، فتارة أُقَدِّم هذا، وتارة أقدم ذاك، حسب قاعدة المصالح والمفاسد-على فهم السلف وأتباعهم-ولكل من ذلك شواهد في السنة، كالصبر على أمراء الجور، ففيه تقديم واجب الإجتماع، وكما في حديث:“لولا أن قومك حديثو عهد بكفر..”الحديث، وحديث:“لولا أن يقول الناس: إن محمداً يقتل أصحابه…”الحديث، وأدلة تقديم الاتباع وإن كنت وحدك كثيرة.

156-وأعتقد أن الله عزوجل أمر بالجماعة والإئتلاف، ونهى عن الفرقة والإختلاف، فإن الناس إذا اجتمعوا صلحوا ومَلَكُوا، وإذا تفرقوا فسدوا وهلكوا، والجماعة رحمة والفرقة عذاب، قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لكن يجب أن يُعلم أن الإجتماع لا يكون إلا على أساس الاتباع لا الإبتداع، وأكثر ماسمعت من الجماعات والفِرَق الذين يَعيبون التفرق ويَدْعون إلى الإجتماع، يعنون بالتفرق خلاف الناس لهم-وإن كان غيرهم أهل حق-ويريدون بالإجتماع الرجوع لما هم عليه فقط-وإن كان خلاف الحق عند أهل الحق-فيجب رد النـزاع إلى الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بفهم الراسخين في العلم، وأن نكون صادقين في البحث عن الحق والدعوة إليه.

157-وأرى التعاون مع الناس كلهم على البر والتقوى، كما هو معلوم من قوله تعالى:وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان [المائدة:2]، ولقول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:“شهدت حلف المطيّبين مع عمومتي-وأنا غلام-فما أحب أن لي حُمْر النعم وأني أنكثه”كما في”الصحيحة”(1900)ولكن شرط ذلك أن دعوة أهل السنة لا تتضرر بذلك ضرراً أكبر من هذا الخير، لا في الحال ولا في المآل، والعمدة في تحديد ذلك على كلام أهل العلم والحلم.

158-وأدعو إلى عقيدة ومنهج أهل السنة والجماعة، فأدعو إلى السنة بلا تشنيع، وأدعو إلى الإجتماع بلا تمييع، وأرى أن مصطلح:”أهل السنة والجماعة”ماوُضِع عبثاً، فلا بد من سنة في اجتماع، واجتماع على سنة، ومن اعتنى بأحد شقي هذا اللقب العظيم وترك الآخر، فقد قصَّر وفرَّط، وليس المقصود بالإجتماع عمل الأحزاب العصرية والكتل السرية، التي فرقت الأمة، أسأل الله الهداية.

159-وأرى أن الخلاف بين العاملين في الدعوة إلى الله يجب أن يُقَيَّدَ بالشرع، ولا يتبع أحد هواه، فَيُرَدُ مااخْتُلِف فيه إلى الله عزوجل، وإن كان عند المخالف حق فيُقبل منه، وأرى أن هناك أموراً يقال فيها: قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب، ولا يحملنا الخلاف على ترك العدل والإنصاف، أو يحملنا على ا لشماتة بالمخالف، بل نحب لهم الرجوع إلى الحق، ونكره اصرارهم على الباطل أو الخطأ، وإذا كان في البيان مصلحة عاجلة أو آجلة نصحْنا وبيّنَا، وإذا كان وراء ذلك مفسدة أكبر سكتنا لله عزوجل.

160-وأرى أن مراعاة آداب الخلاف سبب عظيم في الإعتدال وبراءة الذمة، فَيُفَرَّق في نوع الخلاف بين مسائل العقيدة وغيرها-وفي مسائل العقيدة تفصيل أيضاً(بل وبعض المسائل العملية أولى وأهم من بعض المسائل العقدية)-ويُفَرَّق بين المخالف الداعية وغير الداعيه، وبين الباحث عن الحق، والمتبع لهواه، ويُنْظَر إلى آثار الخلاف على الدعوة، كل هذا ينبغي مراعاته، والعمل بما يصلح الله به أمر المسلمين.

161-وأرى أن من المخالفين من عنده مواقف حسنة-دقت أو جلَّت-في نصرة الإسلام وأهله، فجزاه الله خيراً على ذلك، فلا أغمطه حقه، ولا أتبعه على خطئه-بل قد يُحتاج إلى بيان خطئه، وتحذير الناس منه، إذا كان في ذلك تحصيل مصلحة، أو دفع مفسدة-، وقد أخطأ من بخس الناس أشياءهم، أو أعطاهم فوق قدرهم، والإفراط والتفريط دين إبليس الذي يدعو إليه، عافانا الله من شره.

162-وأعتقد أن الذين يقصدون بأعمالهم نصرة هذا الدين والدفاع عنه-وإن خالفونا-أنهم أقرب إلى الله عزوجل من أهل المذاهب العصرية الهدامة، الذين لا يرفعون بالدين رأساً-بل ليس بينهم أفعل تفضيل-، لأن الذي يعمل لهذا الدين-قد يكون متأولاً مجتهداً فيغفر الله له خطأه، ولا يحرمه أجره، بخلاف الذين هَمُّهم شهواتهم، بل ومنهم من يسعى لهدم الدين، نسأل الله السلامة، ومع ذلك فالإنكار على من ينتسب للدعوة والصدق يكون أشد في بعض المواضع-لا لأن بُغْضَهم أكثر، فمعاذ الله-ومعلوم كيف عامل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كعب بن مالك وصاحبيْه، وكيف عامل بقية الذين تخلفوا في غزوة تبوك، مع علمه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بحال المنافقين، الذين هم في الدَّرْك الأسفل من النار،(وكذا أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالصبر على أمراء الجور، والسمع والطاعة لهم في المعروف، مع تحذيره من الخوارج، بل وتحريضه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ووصفهم بأبشع الأوصاف) ولو نظرنا في كلام السلف في أهل المقالات المخالفة للفرقة الناجية-وإن كان المخالِفُ عابداً زاهداً-،وفي كلام الأئمة على الحجاج بن يوسف الثقفي، ومن كان على شاكلته-على ظلمهم وبطشهم-،لرأينا منهجاً رصيناً في كيفية الإنكار على هؤلاء وأولئك، فلا يلزم من شدة الإنكار شدةُ البغض، وصَدَق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ يقول:“إني لأعطي الرجل وغيره أحبّ إلى منه خشية أن يكبه الله على وجهه في النار”ويقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم:“إن شر الناس من يتقيه الناس من أجل شره”،(وعلى ذلك: فقد زل أو ضل من وصف أهل السنة بأنهم خوارج مع الدعاة، مرجئة مع الحكام، قدرية مع اليهود، روافضة مع الجماعات).

163-وأعتقد أن العصمة والأمان في المنهج السلفي، وأن أي سبيل لا يقوم على الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة، ففيه من الإنحراف بِقَدْر بُعده عن منهج السلف، وما فيه من الصواب فبقدر قُربه من منهج السلف، ولو التزَم به أتباعه حرفاً حرفاً ماحققوا العبودية-كما يجب-لله رب العالمين، ماداموا عن منهج السلف نافرين، ولو ملكوا زمام الأمور بغير هذا المنهاج القويم، فلا أغتر بما هم عليه، لأن التمكين الذي بَشَّر به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يكون إلا لمن كان على منهاج النبوة، فلا نستوحش من قلة السالكين، ولا نغتر بكثرة المخالفين.

164-وأرى أنه لا يَصْلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فيا خسارة من اغتر بأساليب العصر الحديث المخالفة للشرع، ونسي تاريخ وجهود سلفنا الصالح، بل يجب النظر في أساليب العصر على ضوء الشرع، وليس العكس.

165-وأرى الرفق في الدعوة إلى الله عزوجل على وجه العموم، والصبر على العامة، فهم معادن كمعادن الذهب والفضة، وربما لو شرح الله صدر بعضهم للحق، كان أنفع للدعوة إلى الله عزوجل من غيره، وربما أبلى في نصرة هذا الدين بلاءً حسناً.

166-وأن من أفضل القربات لطلبة العلم بعد توحيد الله عزوجل-في هذا الزمان-بثَّ العلم الشرعي في الناس، واحتساب ذلك عند الله عزوجل.

167-وأرى الإلتزام بمنهج الوحي في الرد على أهل الباطل، فلا يُرد على بدعة ببدعة أخرى، ولا على تفريط بإفراط، وخير من رد على البدع السلفُ الصالح من هذه الأمة وأتباعُهم.

168-وأرى أن خير رجال للأمن في البلاد هم أهل العلم، الذين يدعون الناس لطاعة الله عزوجل، فيأمن الناس بدعوتهم من عذاب الله أولاً، ثم من ظُلم بعضهم بعضاً، فيكون الأمان في المجتمع كله، وأما المعصية فهي سبب التخريب والفساد، قال تعالى:ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذين عملوا لعلهم يرجعون [الروم:41]، ويقول سبحانه:فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم [النور:63]، ومن لم يلتزم بطاعة الله عزوجل، فليس بمأمون على دينه، فكيف يؤتمن على غيره؟).

169-وأرى أن من طعن في علماء السنة العاملين، ورماهم في عقيدتهم بالإرجاء أو التجهم، وفي فهمهم وفتياهم بالجهل بالواقع وسطحية النظرة، أرى أن من وصل به الأمر إلى هذا الحد، فقد ولج باباً عظيماً من أبواب الزيغ والضلال، فإما أن يكون جاهلاً فيُعَلَّم، وإما أن يكون حاقداً متحاملاً فأسأل الله أن يكفينا شره، والسلامةُ والنجاة في حسن الظن بأهل العلم، وإقالة عثرتهم، وستر عورتهم، وسد خَلَّتِهم، والعمل بنصائحهم، والتاريخ والواقع دليلان على ذلك،(ومع ذلك فلا عصمة لشخص بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم).

170-وليس كل من خالفني في مسألة رميته بالضلال أو بالفسق أو البدعة أو الخروج من دائرة أهل السنة أو الكفر وغير ذلك، فإن هذا من فعل أهل البدع، لكني أُفَرِّقُ بين صور الخلاف-على ماسبق تفصيله-وليس كل من عمل البدعة أو الكفر كان مبتدعاً أو كافراً، فَفَرْق بين الإطلاق والتعيين، ولو أن كل عالم أخطأ في مسألة أهدرناه، فما يكاد يبقى لنا أحد، كما قال الإمام الذهبي رحمه الله في ترجمة محمد بن إسحاق بن خزيمة-فالمخالف إن كان من أهل الإجتهاد فهو مأجور ومغفور له خطؤه، والتحذير من خطئه راجع إلى التفصيل السابق، مع النظر في المصالح والمفاسد، وأعتقد أن لازم القول ليس بقول، إلا إذا عَلِمَ به القائلُ والتزمه.

171-وأرى أن اختلاف العلماء لا يُنْزِل من قدرهم، ويجب الإستفادة منهم جميعاً، مع الترحم عليهم.

172-وأعتقد أن العالم مهما بلغ علمه فإنه بَشَرٌ، يُؤخذ من قوله ويُرد، ولذلك فلا أدعو إلى تقليد عالم بعينه، وردّ كل ماجاء عن غيره، بل أدعو إلى حب أئمة أهل السنة جميعاً، الأربعة وغيرهم، والإستفادة من مذاهبهم واجتهاداتهم، والترجيح بين أقوالهم، واتباع ماشهد له الدليل من أقوالهم، وهذا في حق من تأهَّل لذلك، أما من لا يعرف ذلك: فإن كان عنده من يخبره بالراجح من أقوالهم، وإلا أخذ من كتاب أحد الأئمة أهل الحديث والأثر، فإن علم أن هناك دليلاً يُخالف ذلك، فليعمل بمقتضى الدليل، ولا يدفع السنة لقول أحد، فإن الأئمة قد أوْصوْا بأن مذهبهم هو الحديث الصحيح، أما إذا تتبع رُخَصَ العلماء وزلاتهم، فقد فتح على نفسه باب المروق من الدين، والعياذ بالله.

173-وأرى الجمود على قول عالم وردَّ ماسواه بما في ذلك السنن، عصياناً للعالم نفسه، وخروجاً عن الجادة، وفتحاً لباب العصبية المذمومة، وقد نزه الله علماءنا-ولله الحمد-عن ذلك، فإننا نراهم يرجحون الراجح-في الغالب-وإن خالفوا مشايخهم، إنما وقع المحظور من جهلة العوام، وبعض من ينتسب للعلم، وليس كذلك، وهم سبب لمثل هذه الفتنة في كل عصر ومصْر، والله المستعان.

174-ولا أرى أن كل مسألة خلافية لا يُنْكَر فيها على المخالف-أي لا يُبَيَّن فيها خطأ المخالف، أويُحذَّر من خطئه-فإن أكثر مسائل العلم فيها خلاف، ومبناها على الإجتهاد، ولكن يُفَرَّق بين المسائل التي تتجاذب فيها الأدلة، وَوَسِعَ الخلاف فيها سَلَفَنا-فما وسعهم يسعنا-وبين المسائل التي نجد أدلة الحق فيها واضحة وقوية، فعند ذلك يُنْكَر قول المخالف، مع بيان الدليل، دون طعن في نية المخالف، أو رميه بالفسق أو الضلال ونحو ذلك-على تفاصيل سبق بيانها-.

175-وارتفاع شأن الرجل عندي يكون باتباع الحق، والدعوة إليه مع الرسوخ في العلم، وليس مجرد كونه خطيباً مُفَوَّهاً، أو أنه سُجن كذا وكذا من السنوات، أو أنه كاتب بارع، أو عابد جلد، أو نحو ذلك، ولو اجتمعت خصال الخير في رجل فهو قرة العين، وريحانة العصر،وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء [المائدة:54].

176-ولا أقول: إن الغاية تبرر الوسيلة، فإن هذه قاعدة اللادينيين المجرمين، الذين يستحلون المحارم في سبيل الوصول إلى غاياتهم-وإن كانت غاية محرمة-بل أعتقد أن المقاصد يجب أن تكون شرعية، وكذلك الوسائل يجب أن تكون شرعية، على التفصيل السابق.

177-وأرى جواز الجرح والتعديل-بل قد يجب في بعض الأحوال-بشرط أن يكون القصد من ذلك الذب عن هذا الدين، ولا يُفتح الباب في ذلك لكل من دب ودرج، وأن الذي يتكلم في ذلك يجب أن يكون عليماً حليماً متجرداً، لأن ذلك ضرب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، وإذا كان الجرح يترتب عليه مفسدة أكبر فيُترك، أما الذين يريدون أن يسدوا هذا الباب: فإما أن يكونوا جهلة بدعوة أهل الحديث والأثر، وإما أن يكونوا حاقدين، ومع ذلك أراهم متناقضين، فهم يجرحون من يخالفهم، دون خطام ولا زمام، ولو انصفوا لأقروا بالحق، وبيَّنوا ضوابطه وقيوده لمن لا يحسن ذلك.

178-وأرى أنه يجب على أهل السنة والجماعة أن يكونوا أمة واحدة، ولا يجوز التفرق والتحزب فيما بينهم، بل يجب أن يكونوا صفاً واحداً على عدوهم، وأما الكتل السرية، والبيعات التي يسمونها بـ”البيعات الدعوية”، فهي من أسباب الفُرْقة والفتنة، والبيعة تكون لمن ولاه أهل الحل والعقد، أو غلب عليها-وهو مسلم، وإن كان جائراً-وأرى أن حديث:“من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية”، أن ذلك لمن تجتمع عليه كلمة أهل الحل والعقد، كما قال الإمام أحمد في”مسائل ابن هانيء”، لا كما تدعيه كل جماعة لنفسها، وتنـزل هذه العقوبة على من خالفها.

179-ولا أرى صحة المقولة المشهورة:”إن الجماعات الإسلامية ظاهرة صحية، أو أنها خطوة للجماعة الكبرى”، لأنها جماعات متعارضة متضاربة، كل منها يهدم مابناه الآخر-ظاهراً أو باطناً-، ويرى بعضهم أنه لو طرد خطيباً سلفياً من مسجده، وعلا المنبر مِنْ بَعْدِه، كأنه استرد المسجد الأقصى!!والقول بأن الجماعات ظاهرة صحية، قول مخالف للنقل وللعقل والواقع، فالأدلة كثيرة في وجوب الاعتصام وترك التفرق، ومتى كان الخلاف سبباً للإجتماع؟!، والواقع يُثْبت أن عدد الجماعات أو الفِرَق والأمراء يزيد ولا ينقص، وأَلْسِنَةُ الفتنة قد صرخت من فوق المنابر، وتراشق الناس بالتُّهَم، فالله المستعان، نعم لو كانوا متخصصين في العلوم والأعمال بفتوى أهل العلم والفضل لكان ذلك نافعاً، وقائل هذا القول إما أنه جاهل بواقع الجماعات، أو أنه فَرِحٌ مسرور بتفرق المسلمين، والذي أعتقده أنه يجب على الجميع أن يرجعوا لأهل العلم، وأن ينقضوا هذه الحزبيات التي ماأنزل الله بها من سلطان.

180-وأرى الفرق الواضح الجلي بين نظام الشورى الإسلامي والنظام الذي يسمىبـ”الديمقراطي”:

أ-فالشورى أهلها هم أهل الحل والعقد في الإسلام من علماء وأمراء ووجهاء وأعيان، و”الديمقراطية” أهلها من اختاره الشعب-إن صَدَقوا في ذلك-سواء كان براً تقياً أو فاجراً شقياً.

ب-مجال أهل الشورى فيما لم يرد فيه نص بعينه، فيُلْحِقون ما استجد بأصوله العتيقة، أو فيما ورد فيه نص جلي، إلا أن هناك أموراً استجدت تحتاج إلى النظر في قاعدة المصالح والمفاسد، أما مجال”الديمقراطية” فواسع جداً-عند أهلها-حتى إنهم ليناقشون مسائلَ معلومٌ من الدين بالضرورة وجوبها أو حرمتها، هل يحرمونها ويحلونها أم لا؟ فإلى الله المشتكى.

ج-طريق اختيار أهل الشورى الخبرة والممارسة الطويلة في المجالات النافعة للمسلمين، كالعلم والسياسة الشرعية والمجالات الإقتصادية والعسكرية وغيرها، أما أهل النظام”الديمقراطي” فطريق الإختيار عندهم الإنتخابات التي تُسَوِّي بين العالم والجاهل، والمسلم والفاجر، والرجل والمرأة، والله يقول:أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون [القلم:35،36] ويقول: أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كــــــالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون [الجاثية:21]ويقول سبحانه: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون [الزمر:9] ويقول:وليس الذكر كالأنثى [آل عمران:36] وقد جعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شهادة المرأة بنصف شهادة الرجل، وجعل ذلك دليلاً على نقصان عقلها، أفبعد هذا كله يُسَوِّى بين هذين النظامين رجل يعي مايقول، أو يدري مايخرج من رأسه، أو يخاف يوماً تُبلى فيه السرائر؟! إننا قد ابتلينا في عصرنا هذا بمن يحاول أن يلتمس لكل بلوى دليلاً يبررها لا يغيّرها،(ومع ذلك فلا بد في تغيير ذلك من الدعوة إلى الله عزوجل بالحكمة والموعظة الحسنة)،والله المستعان.

181-وأرى أن القول المشهور عند بعض الجماعات:”نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه”أنه ليس على اطلاقه، فلا تعاون إلا على البر والتقوى، فيُنظر مااتُّفِقَ عليه أولاً: هل هو حق أم باطل؟ فإن كان حقاً فذاك، وإلا فلا يجوز التعاون عليه، لأنه تعاوُنٌ على الإثم والعدوان، وأيضاً ماالمراد بالعذر هنا؟، وما حدود هذه المسائل الخلافية؟، كل هذا فيه تفصيل بَيّنْتُه في“سلسلة الفتاوى الشرعية”السؤال رقم(66) العدد الرابع.

182-ولا أرى مايفعله بعض الناس(-اليوم بدون ضوابط شرعية-)، من قتل نفسه بحجة مصلحة الدعوة جائزاً، وقد تكلمت على من استدل على ذلك بقصة غلام الأخدود، انظر“سلسلة الفتاوى الشرعية”العدد السادس، السؤال(103).

183-وأرى أن الدعوة إلى وحدة الأديان دعوة خبيثة باطلة، ولا يقيم لها أهلُ السنة وزناً، وهي دعوى الزنادقة والمارقين من الدين، فالواجب الحذر من ذلك، وإياك أن تُسْتَدْرَج لها-وأنت لا تشعر-باسم الحوار بين الأديان، فإنهم يُسَمُّون الأمور بغير اسمها، وانظر إلى مؤسسيها وأفرادها، فلن ترى إلا أناساً لم يرد الله أن يُطهِّر قلوبهم.

184-ولا أرى الدعوة إلى الله بواسطة التمثيليات والمسرحيات ونحو ذلك، فهذه أمور تميع الدعوة ولا ترفعها، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والدعوة بهذه الوسائل سبيل من لم يأنس بالعلم الشرعي، ومن لم يتشبع بطريقة السلف الصالح.

185-وأرى أن تقسيم الدين إلى قشور لا يُعتنى بها!! ولباب يُعتنى بها!!، تقسيمٌ مُبْتَدَع، وثمرة قبيحة من ثمرات الغزو الفكري للأمة، وأن هذا التقسيم-عند من عرفْتُهم قائلين به-كان سبباً في تركهم لكثير من الواجبات، بل ربما جعلوا الدعوة إلى التوحيد، والولاء والبراء من أجله، بلبلةً فكرية، واشتغالاً بغير المعركة الحقيقية، وتفرقة للصفوف، والله المستعان، ولو سلمنا بما قالوا: فهل سَلِمَ لُبٌّ بدون قشر؟! فمن فرَّط في القشر فرَّط في اللُّب”ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام”.

186-وأرى أن الدعوة إلى التقريب بين السنة والشيعة زلة خطيرة، وغفلة عن أصول دعوة الطائفتين، ولازم هذا القول الطعنُ في السلف الذين لم يسلكوا هذا السبيل، بل قد اشتهر عنهم الطعن في الروافض، ورميُهم بالجهل والتخليط، حتى جعلوا أصل مذهب الرافضة من وضع اليهود، وغايته الزندقة، والعياذ بالله، وهكذا إذا اشتغل الناس بالحماس-في غير موضعه-نَسُوا العقيدة، والله المستعان.

187-وأعتقد أن دعوى تجديد أصول الدين، وترك قواعد السلف ومجاراة العصر، فتنة في الدين، وباب للزندقة والمروق.

188-وأن من قال: آخذ بالقرآن فقط، ولا آخذ بالسنة، أنه كافر بالقرآن والسنة، وعند تنـزيل الحكم على المُعَيَّن تُستوفى الشروط، وتُنفى الموانع.

189-وأعتقد أن تصنيف السلف لكتب العقيدة تصنيف محكم لا نستغني عنه، وأرى أن القول بأن الكلام في كتب العقيدة عبارة عن نصوص جافة أو عقيمة: زلة أليمة، ومقالة ذميمة.

190-(وأرى أن خير من تكلّم على العقيدة، وخير من فسّر معنى”لا إله إلا الله” وخير من تكلّم عن المنهاج، هم السلف الصالح، ومن سلك سبيلهم من أهل العلم، أما أهل الحماس والتهييج، فالله يعلم كم أضروا بـ”لا إله إلا الله” وأهلها، والله المستعان).

191-وأعتقد أن تصنيف السلف لكتب العقيدة تصنيف محكم لا نستغني عنه، وأرى أن القول بأن الكلام في كتب العقيدة عبارة عن نصوص جافية عقيمة: زلة أليمة، ومقالة ذميمة.

192-وأرى مع تزاحم الواجبات، وضيق الأوقات، وضعف الطاقات، البدء بالأهم فالأهم.

193-ويجب أن يُفَرَّق بين أخطاء المسلمين وبين الإسلام، فمن أخطأ أو انحرف فعلى نفسه، والإسلام بريء من هذا الانحراف، وكذلك من زل من الدعاة فالدعوة لا تقره على زلته والناس في هذا رجلان: رجل يحمل الدعوة، ورجل تحمله الدعوة، فالأول ممدوح، والثاني مذموم، ومن الناس من عقْلُهُ أكبر من علمه فينفع، ومنهم من علمه أكبر من عقله فيضر، والموفَّق من وفقه الله تعالى ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً [البقرة:269].

194-وأرى أن الناس تُجاه الدعوة على أقسام: فمنهم الصادق الحكيم، فهذا الصنف أسأل الله أن يُكثِّرهم ويزيدهم من فضله، ومنهم الصادق غير الحكيم، فأسأل الله له الهداية، ومثل هذا يجب أن يكون حيث ينفع، لا حيث يضر-بعد نصحه وتوجيهه ماأمكن-، ومنهم الصادق الذي لا يُدْرك حق الدعوة عليه، فهذا يُذَكَّر، والذكرى تنفع المؤمنين، ومنهم من يرجو من وراء الدعوة مصالح دنيوية، فأسأل الله أن يُطهر قلوبنا وقلوبهم،(ومثل هؤلاء ينصحون، فإن انتفعوا بالنصيحة، وإلا فلا يُرجى منهم لأنفسهم فضلاً عن غيرهم خير)، ومنهم من يُظهر محبته للدعوة، وما حمله على ذلك إلا خلافات حزبية مع الآخرين، فأسأل الله لنا ولهم سلامة القصد، وحالهم كحال من سبقهم، ومنهم من يحارب الدعوة ظاهراً أو باطناً، إما متأولاً أو متحاملاً، فأسأل الله أن يكفينا شرهم بما شاء وكيف شاء، وأرى أن يُتعامل مع الجميع بما يوافق الكتاب والسنة، كلٌّ على حسب حاله.

195-وأرى أن المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، وأن العزلة قد تكون حسيّة-لمن كان ذلك أولى في حقه-وقد تكون معنوية:“خالطوهم بأجسادكم، وزايلوهم بأعمالكم”.

196-ولا أرى استحبابُ-فضلاً عن وجوبِ-ذِكْرِ حسنات أهل البدع، كلما احتجت إلى ذمهم والتحذير منهم، فإن ذلك يفسد المقصود من التحذير منهم، إنما أحتاج إلى ذكر حسناتهم، إذا كنت في مقام الترجمة، وليس ذلك في كل ترجمة-كما هو صنيع السلف-فكم من تراجم لم يذكروا فيها حسنات أهل البدع، وكذلك أذكر بعض حسناتهم، إذا كان هناك انحراف عليهم بغير حق، كمن يطعن في إخلاص وصدق رجل ابتلي ببدعة، ويرميه بالزندقة أو نحو ذلك، والرجل ليس كذلك، فيُدَافَع عنه بالحق، كما كان بعض أئمة الحديث يقول-مدافعاً عمن أُفرط في ذمه-: فلان ليس به بأس، ولكن المسكين ليس له بَخْت، أو كان من أهل الصدق، لكن أُتِيَ من قبل التدليس، أو من وهم تلامذته عليه-ونحو ذلك-وأرى أن كثيراً ممن يتكلم بقاعدة الحسنات والسيئات أو الموازنة أو الاعتدال في تقويم الرجال، أنهم استدلوا في مواضع بأدلة واهية كبيت العنكبوت، وما فَهِمَ سلف الأمة منها فَهْمَهم، ومع ذلك لم يلتزموا بقاعدتهم مع مخالفيهم من أهل العلم والسنة، فإذا ذكروهم ماذكروا إلا مثالبهم، أو بخسوهم حقهم، والحقُّ أن الصادقين اليقظين أهل الحكمة والإدراك من طلبة العلم حالهم كما قال القائل:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهــــن فلـــــول من قراع الكتائب

197-ومسألة فقه الواقع لا أنكرها بالكلية، ولا أقول-كما علمتُ عن بعضهم-: إنها أهم فروض الأعيان، ولكن لها شروط وضَّحْتُها في“سلسلة الفتاوى الشرعية” العدد الرابع السؤال(67) وكذا قول بعضهم: سلفية المنهج عصرية المواجهة، قول يدل على أن من أخذ به فقد جَهِل واقع الأمة، والحامل لهذا ولذاك المبالغة في الحماس، وقد بَيّنْتُ هذا أيضاً في“سلسلة الفتاوى الشرعية” العدد السابع السؤال(130).

198-وأرى أن مسألة العمل الجماعي فيها تفصيل: فإن كان الإجتماع على السنة ومنهج السلف الصالح، فهذا واجب، وداخل في عموم قوله تعالى:وتعاونوا على البر والتقوى [المائدة:2] ولا يكون تعاونٌ مع الاعتزال والتفرد، أما إن كان المراد منه أن كل رجل يطلب من أتباعه البيعة، أو يقومون بعمل تكتلات سرية عنقودية أو هرمية-كما يسمونها-، ويَتْبع ذلك ولاءٌ وبراءٌ، فمن وافقهم على ذلك فله مالهم وعليه ماعليهم، ومن خالفهم-وإن كان مصيباً- تنقصوه وآذوه-وإن كان من أهل العلم والفضل-، فإذا كان هذا هو المقصود-بلسان الحال أو المقال-من العمل الجماعي، فهنا نحتاج إلى الإحتجاج ببقية الآية:ولا تعانوا على الإثم والعدوان [المائدة:2] وغالب الذين يدندنون بالعمل الجماعي هذا شأنهم-فيما أعلم-، والله المستعان.

199-وشرعية الجمعيات أو المؤسسات أو الهيئات الخيرية، أمر لايُنكره أحد، مادامت هذه الجمعيات تعمل لنصرة الحق ودعمه وتأييده، بشرط أن يَسلم أهلها من التحزب المقيت، ومن فتنة المال، الأمر الذي يسيء للدعوة في كل مكان، وأما إذا كانت هذه الأعمال الخيرية شعاراً فقط، ومن ورائها مقالات مخالفة، ورمي لبعض العلماء بالإرجاء أو التجهم أو الجهل بواقع الأمة وجرّ المسلمين إلى الفتنة مع حكامهم، وتبدأ الفتنة بالتكفير، وتنتهي بالاغتيال والاستحلال والتفجير، أو اتخاذ بيعات تفرق صفوف المسلمين، فهذا ونحوه ليس من عمل الهيئات الخيرية، وليس لمثل ذلك مَدَّ المحسنون وأهل الخير أيديهم لهذه الجمعيات، والمسألة ليست مسألة شعارات، فإن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما سمع من قال: يالَلْمهاجرين، وقال آخر: يالَلأنصار فقال:“أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، دعوها فإنها منتنة” مع أن الغلامين رفعا شعار المهاجرين والأنصار، ولا شك في فضلهما، فليراجع امرؤ نفسه، وليتق الله ربه يوم تبلى السرائر [الطارق:9].

200-وأرى أن مايسمونه بـ”السرية”عند الجماعات المعاصرة، قد زاد عن حده الشرعي، حتى صار فتنة لهم ولغيرهم، وأن السرية منها ماأمر به الشرع أو استحبه أو أجازه، ومنها ماحرمه الشرع، ومن كان يُخفي حقيقة دعوته على أهل العلم، فليس عمله من السرية الممدوحة في شيء، إنما هو ممن يشمله قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:“والإثم ماحاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس”فالذي يُسر عمله الصالح خشية الرياء، أوخشية أن لا تحتمله عقول العوام، أو أنه لا حاجة لأحد في معرفته، أو نحو ذلك فلا بأس، أما الكتل السرية التي تجر على الأمة الشر، أوكتمان حقيقة ماهم عليه على أهل العلم، كي لا يُحذِّروا من خطئهم-بعد نصحهم-أو اتخاذ أسلوب التقيه، أو نحو ذلك، فهذا شر مستطير والعياذ بالله.

201-وأرى أن القول: بحرق بعض كتب أهل العلم النافعة، لوجود بعض الزلات فيها كـ”فتح الباري”و”شرح النووي لمسلم”، أرى أن هذا القول زلة خطيرة، وجرأة كبيرة، ومَنْ ذا الذي يَسْلَمُ كتابه-غير كتاب ربنا عزوجل-من الخطأ، فرحم الله أهل العلم، وإذا كان الذهبي رحمه الله يقول: كدت ألا أراهم إلا في كتاب أو تحت تراب، فما ظنك بنا؟!.

202-وأرى أن إطلاق القول على أحد من أهل السنة-وإن كثر خطؤه-بأنه أضر على الإسلام من اليهود والنصارى، قولٌ يَضر أكثر مما ينفع، لا لأن هذا مخالف لفعل السلف، فقد أطلق السلف على العُبَّاد الذين يتقربون إلى الله بوضع الأحاديث في ترغيب الناس وترهيبهم، أنهم أشر فرق الوضاعين، بما فيهم الزنادقة، وليس لأن قائل ذلك يعتقد كُفْرَ من قال فيه ذلك، إنما يعتقد أن اليهودي لو دعا إلى ما هو عليه ما صدقه أحد، لأنهم يَحْذَرون منه أول الأمر وآخره، بخلاف الموثوق به عند المسلمين، فإن الناس يتابعونه على خطئه، ولكن هذا القول لا تحتمله النفوس، ويُساء الظن بقائله، ويتعاطف مع المقول فيه ذلك بحجة أنه مظلوم، ومعرفة مايؤول إليه القول أمرٌ مُهم، وهذا القول لو سلمنا بإطلاقه، فمحله غير مسائل الإجتهاد، التي يقع في مثلها الخلاف بين أهل العلم، وإلا لزم إطلاقه على أئمة العلم وأساطين الهدى، لأنه لم يسلم أحد منهم من الخطأ.

203-وأنصح بترك الغلو في الحكم على المخالف، فإن ضرر ذلك عظيم علينا في الدنيا والآخرة، كما أنصح بالتيقظ والحذر من حيل أهل البدع والحزبيات المفرِّقة لصفوف أهل السنة.

204-وأعتقد أن هجر العصاة والمبتدعة نوع من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيجب أن يكون الهاجر متجرداً لله عزوجل، وإن غلب على الظن-بنظرة أهل العلم-، أن الهجر يزيل المفسدة أو يقللها-سواء عند المهجور، أو عند المغترين به-فالهجر واجب، وإن كان الهجر يعود بمفسدة أكبر فيُترك أو يُدارى المبتدع، كما فعل أهل السنة في الكوفة مع الشيعة، وفي البصرة مع القدرية، وقد رأيت كثيراً من الشباب ممن لا يحسنون هذا الباب فأضروا بأنفسهم قبل غيرهم.

205-ولا أرى بأساً بالاستدلال-لمن هو أهل-على قُبْح صنيع مسلم بآية ذُكِرَت في سياق الكلام على المشركين، إذا شابه صنيعُ المسلم صنيعَهم في الجملة، وليس معنى ذلك أن يكون المسلم كافراً، إنما يجب عليه ترك التشبه بهم، كما هو موجود من كلام أهل العلم في ذم التقليد والجمود، بذكر الآيات التي تذم من اتبعوا آباءهم على ماكانوا عليه، كما حكى الله سبحانه وتعالى عنهم:قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون [الزخرف:22] بل في”الصحيحين”من حديث علي-رضي الله عنه-عندما طَرَق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم علياً وفاطمة ليلةً، فقال:”ألا تصليان”؟ فقال علي: يارسول الله إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يُرجع إليه شيئاً، ثم قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو مُوَلٍّ يضرب فَخِذَه:وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً [الكهف:54] والآية وردت في سياق الكلام على المشركين المعرضين.

فلا يُشنَّع على أهل الحق في ذلك، لكن يجب أن يكون التجريح من أهل العلم والحلم والتجرد لرب العالمين، لا لكل من دَبَّ ودَرَج، فإن أَعْراض المسلمين حُفْرة من حفر النار وقف عليها الحُكَّام والمحدِّثون، ومن قال في مسلم ماليس فيه، كُلِّف أن يأتي بالمخرج يوم القيامة مما قال.

206-وأرى أن إطلاق القول بقتل كل صاحب بدعة إسراف وغلو، لأن السلف كان في زمنهم دعاة البدع القبيحة، و اكتَفوْا بالتحذير منهم وهَجْرِهم، وهم قادرون على استعداء السلطان عليهم، لكن الذي يَخرج على الأمة بالسيف، فيُقاتَل أو يُقْتَل حتى يكف شره عن المسلمين، وعجباً لمن يطلق هذا الحكم، فقد يَجُرُّون هذا الحكم-على مافيه-على من وقع في بدع وأخطاء وإن كانت خفيفة، فالله المستعان.

207-وأرى أن قول من يقول: إن الدعوة السلفية حزب من الأحزاب المنحرفة، ويجب اعتزالها، كما يُعتزل غيرها، ومن يقول: إن السلفيين يعملون في خندق مع الصوفية والعلمانية ضد الإسلام، أرى أن هذا القول جائر ظالم-والثاني أقبح من الأول-سواء كان قائله جاهلاً أو متحاملاً.

208-ولا أَعِدُ من استجاب لهذه الدعوة بدنيا فانية، إنما أبشره بخير الدنيا والآخرة، قال تعالى:قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون [يونس:58] وقال تعالى:قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا مايوحى إليّ قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون [الأنعام:50].

209-وأدعو إلى التصفية والتربية، التصفية الشاملة: في العقيدة، وفي المناهج العلمية والعملية، وفي الخُطب والمواعظ، وفي الكتب والمؤلفات، وفي الصفوف وغير ذلك، وأدعو إلى التربية على هذا الإسلام المصفى مما ألحقه به الجاهلون أو الحاقدون.

210-وأعتقد أن هذه الشمولية النافعة هي التي تدعو لكل معروف وتنهى عن كل منكر، لا شمولية من لم يبال بدعوة التوحيد والعلم، بل ويَعُدُّ ذلك سبباً لفرقة الصفوف، أو اشتغالاً بما لا ينفع.

211-وأرى أن العلم ليس بكثرة الكتب والرواية، بل أساس ذلك اتباع الكتاب والسنة ولزوم الأثر،(وخشية الله عزوجل).

212-وأعتقد أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها أمر دينها، لثبوت الحديث في ذلك، ولا يُشترط أن يكون المجدد واحداً، فقد يكون فرداً وقد يكون عدداً، وقد يجدد بعضهم في باب، والآخر في باب آخر، والراجح عندي أن رأس المائة يرجع للتاريخ الهجري، الذي عليه المسلمون، وصنيع العلماء في ذِكْر وعَدِّ المجددين يشهد لذلك، والمقصود أنه يجدد للأمة الدين، لا يحيي فيهم البدع، والأصل أن يكون هذا المجدد من علماء السنة لا من علماء البدع، وإن عد بعضهم أهل البدع في المجددين، إما لأن العادّ يوافقه على بدعته، أو لأن المجدد جدّد في السنة، ولم يَدْعُ لبدعته، وأرى أنه قد يكون من ا لعلماء من هو في وسط القرن أفضل من المجدد الــذي على رأس القرن، وذلك فضــــل الله يؤتيـــه مـــــــــن يشـاء [المائدة:54].

213-وأعتقد أن في هذه الأمة مُحدِّثين مُلْهَمين، ولا يكون ذلك إلا لأهل الاتباع، وأن الرؤيا الصالحة حق، وأنها جزء من ستة وأربعين جزءاً أو غير ذلك من أجزاء النبوة، وأنها مبشرات، وليس مصدراً للعقيدة ولا للتشريع.

214-وأعتقد أن من كتم علماً ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار، وأنه يجوز كتمان العلم-أحياناً-لدفع مفسدة، كما في حديث:“لا تبشرهم فيتكلوا”، وأن الناس يُحدَّثون بما تحتمله عقولهم، وبما ينفعهم في دينهم ودنياهم.

215-ولا أتجرأ على تفسير آيات القرآن وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إلا بعد الرجوع إلى أهل العلم في ذلك ومعرفة من سبقني إلى ذلك، وأرى ذلك منهجاً لطلبة العلم فمن دونهم-على تفاصيل في ذلك من مسألة لأخرى-بخلاف العلماء المُجتهدين فالله عزوجل فالله عزوجل يعطي لهم أفهاماً في كتابه، كما في حديث علي رضي الله عنه:”إلا فهماً أعطاه الله عزوجل رجلاً مسلماً في كتابه” وأرى وجوب الرجوع للعلماء وفَهْمِهِم، فإن الاعراض عن فهم علماء الأمة سلفاً وخلفاً يفتح باب الضلالة والإنسلاخ من الهُدى، وأكره أن أتبنى قولاً ليس لي فيه إمام من علماء الأمة، ولا أخرج عن كلام أهل العلم جميعاً في مسائل الخلاف، فإن الحق لا يفوتهم،(إنما أُرجح بين أقوالهم حسب الدليل الشرعي، وليس هذا من باب التقليد لإمام بعينه، كما لا يخفى، وقد سبق الكلام على ذلك، وأي معنى في انتسابنا لمنهج السلف، إذا كنا نأتي اليوم بأقوال مُخْتَرَعة، لم يتكلم بها أحد من الأئمة السابقين؟! فالحق وسط بين الجفاء والتقليد).

216-وأرى أن خير مايُفسر به القرآن القرآن والسنة والأثر، وأقبح التفاسير تفاسير الباطنية وأهل البدع والرأي.

217-وكل عِلْم ادعاه أحد من عِلْم الباطن، ولم يوجد في الكتاب ولا في السنة، فهو بدعة وضلالة، ومفتاح شر وزندقة.

218-وأُبْغِضُ عالماً لا يعمل بعلمه، ويقف في وجه دعوة الحق، ويناصر أهل الباطل على أهل الحق، ويقذف بالشبهات على العامة، ويُزَيّن لهم باطلهم، ويبيع دينه بعرض من الدنيا، أو بدنيا غيره.

219-وأكْرَهُ عبادةً لا تقوم على الدليل، ومن انحرف من علماء هذه الأمة وضل السبيل، كان له شَبَهٌ بأحبار اليهود، ومن ضل من عُبّاد هذه الأمة، كان له شبه بِرُهْبان النصارى، فاللهماهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين [الفاتحة:6،7].

220-وأرى أن من أسباب وهْن الأمة الجهلَ والتفرق، وعلاج ذلك يكون بالعلم وتعليمه، والتحذير من التحزب والتفرق بين المسلمين، وإن سمى البعضُ الأمور بغير اسمها،“فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم”.

221-وأرى أن تَلَقِّي العلم على يد علماء السنة العاملين خير سبيل للهداية، ومن يسّر الله له ذلك فلا يبْغ عنه بدلاً، ومن لم يتيسر له ذلك، فليقرأ المسألة فيما تيسر له من كُتب، ويسجل ماظهر له، فإن أمكنه اللقاء بعالم، أو الاتصال به، سأله عما وقف عليه، والله تعالى يقول:فاتقوا الله مااستطعتم [التغابن:16] وليس قول بعضهم:”من كان شيخه كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه” صحيحاً في كل الأحوال، فكم من أناس نفع الله بهم المسلمين، وأكثر علومهم من بطون الكتب، وكم من أناس عند رُكَبِ أهل العلم، وامتلأت قلوبهم وأذهانهم بأفكار مُحْدَثة، فما وُفِّقُوا للإستفادة من مشايخهم، كالذين نراهم اليوم يباهون بأنهم درسوا عند الشيخ الفلاني أو الشيخ الفلاني، ليجعلوا ذلك بازياً لهم، فيصطادوا به المساكين من المسلمين لأحزابهم أو مقالاتهم، وشيخهم على خلاف ماهم عليه، فاتقوا يوماً تُبْلى فيه السرائر، واعلموا أنه لا يخفى على الله خافية.

222-ولا أُحَرِّمُ العلوم العصرية النافعة، ولا الوظائف الحكومية وغيرها، إلا إذا كانت في ذاتها مخالفة للشرع، أو يكون ضررها أكبر من نفعها، فتكون عندئذٍ محرمة، وهذه العلوم والأعمال منها ماهو جائز، ومنها ماهو مستحب، بل بعضها فرض كفاية على المسلمين، إذا كانت أمور دنياهم-النافعة-لا تستقيم إلا به.

223-وأنصح من يتولى مايسمى بـ”الإعلام” في بلاد المسلمين، أن يتقوا الله عزوجل في تربية أبناء المسلمين، فإنهم أمانة في أعناقهم، ولا يجوز لهم نَشْرُ أي شيء يمس جناب التوحيد والرسالة بسوء، من قريب أو من بعيد، كما لا يجوز بث ما يهيج الرذيلة ويحارب الفضيلة، ولا يجوز لهم تشويه صورة أهل العلم والفضل والدعاة إلى الله سبحانه بالحكمة والموعظة الحسنة على منهج السلف الصالح، بأنهم ارهابيون أو متطرفون، أو غير ذلك، فالله عزوجل يقول:وقد خاب من افترى [طه:61]ويقول:إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون [النور:19] والواجب على من ولاه الله أمر المسلمين، أن يُحْكِم الرقابة على وسائل التربية والتعليم، فإن هذا مما أوجبه الله عليه.

224-ولا أنسب حديثاً لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا بعد العلم-بوجه من الوجوه المقبولة-بثبوته، وأعتقد أن الأحاديث الصحيحة فيها كفاية وهداية، وأن الاحاديث المنكرة والموضوعة تُساهم في إحياء البدع وإماتة السنن، فما أُحْيِيَتُ بدعة إلا وأُميتَتْ سُنَّةً أو سُنَنٌ، وأرى أن الذين يتتبعون الأحاديث المنكرة والموضوعة للقصص وجمع العوام، ضيَّعوا أنفسهم وغيرهم، ولم ينصحوا للإسلام وأهله، ومن تأمل شروط من ذهب من أهل العلم لرواية الأحاديث الضعيفة، علم أن هذه القاعدة تنقض بنيان من تذرع بها إلى بث الأحاديث التي لا خطام لها ولا زمام.

225-وأرى أنه يجوز لنا أن نُحَدِّث عن بني إسرائيل ولا حرج في ذلك، مالم يكن مخالفاً للكتاب والسنة، لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:“…وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج”، مع بيان أنه من أخبار بني إسرائيل، كي لا يُنسب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم،(إلا إذا ظهر أن البيان لبعض الناس لا يكفي، فيُترك ذلك بالكلية)، ولو اشتغلنا بالثابت في السنة لكان أولى وأنفع.

226-ولا أرى تضعيف حديث في”الصحيحين” اللذين تلقتهما الأمة بالقبول، إلا حديثاً بعينه تكلم فيه الأئمة السابقون-قبل حصول الإجماع والتلقي-فعند ذلك أُحَكِّم قواعد أهل العلم، لأن فتح هذا الباب يزعزع الثقة في”الصحيحين”، وقد سمعت من يحقق أحاديث”الصحيح”أو”الصحيحين”، والله المستعان.

227-وأرى أن المتأخرين من علماء الحديث كالذهبي والعراقي وابن حجر وغيرهم، أنهم أعرف الناس بمنهج الأئمة المتقدمين في قواعد الحديث، وأنهم الذين نصروا مذهبهم، ومع ذلك فليسوا بمعصومين، وهناك مواضع خالفوا فيها ماحكم به بعض الأئمة، لكن المرجع عندهم في ذلك صنيع أئمة آخرين، وبه يَتَعقَّب بعضُهم على بعض، فالأصل عند المتأخرين نصرة مذهب المتقدمين-وإن خالفوا في مواضع-،وقد غفل عن ذلك بعض المعاصرين، فرماهم بهدم مذهب المتقدمين، فأوغر الصدور على هؤلاء الأئمة وغيرهم-عَلِمَ ذلك أو لم يعلم-وجرّأ الحدثاء على العلماء، والخلف على السلف، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

228-ولا أخْرُج عن الإجماع الثابت-سواء ظهر لي دليله أم لا-،“فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة”، ولا تجتمع على خلاف الصواب، لأن فيها طائفة ظاهرة على الحق، ولا يصح إجماع الأمة-وفي جملتها طائفة ظاهرة على ا لحق-على خلاف الصواب، والإجماع المنضبط هو اجماع الصحابة، أي اجماع المجتهدين والعلماء من الصحابة، وفي غيرهم انضباطه أقل، لكن إذا صَحَّتْ دعوى الإجماع، فلا أستجيز الخروج عنها، لأن الفضيلة للأمة عامة، وليست خاصة بالصحابة، رضي الله عنهم جميعاً.

229-وأعتقد أن الذي لا يبالي من الطلاب بالإجماع-وإن صح عنده-فهو مخالف للجادة التي عليها أهل العلم، أضف إلى ذلك أنه يلزم من قوله التناقض، لأنه يُسلِّم بإجماع أهل اللغة على شذوذ كلمة أو لحنها، وكذلك في الحديث والقراءات، فلماذا لا يكون كذلك في الفقه والأحكام!!لكن الشأن كل الشأن في ثبوت الإجماع، فإن هناك من يتساهل فيدعي الإجماع في مواضع اشتهر فيها النـزاع، وبعضهم يدعي الإجماع، ويعني إجماع علماء أحد المذاهب، وبعضهم يزدري المخالف، فلا يَعُدُّ خِلافَه خلافاً، وكل ذلك ساعد في إسقاط هيبة الإجماع أمام بعض طلاب العلم.

230-وأرى الإستدلال بالقياس ضرباً من الاجتهاد، فإن كان له أمارة أو علامة جليّة أخذْتُ به، كما في قياس الأوْلى والمِثْل، لا قياس الشَّبَه الذي تكلم به المشركون، ولا أخرج عن القياس الصحيح، إلا لدليل أقوى منه، وإذا لم تكن له أمارة تدل عليه، فلا أعمل به، إلا إذا كانت فتوى العلماء بموجبه، ولم أعلم دليلاً يدفعه، قلت بقولهم، واتهمت رأيي لرأيهم، فالأمر وسط بين النفاة والغلاة، فهناك من وقف على ظاهرية المبنى دون ظاهرية المعنى، فأتى بما يُستهجن ويُشَنَّع به عليه، وهناك من بالغ في الرأي وردّ السنن(ظاناً أنه آخذٌ بالقياس الصحيح)، فأتى بالقبائح، وقِسْ على هذا الكلامَ في المفهوم والمصالح المرسلة ونحو ذلك.

231-وآخذ بقول الصحابي إذا لم أجد له مخالفاً من الصحابة، ولم أعلم دليلاً يرد قوله واجتهاده، لا سيما إذا اشتهر ولم يُنْكَر، واجتهادهم أحب إليّ من اجتهاد غيرهم في هذا الحال، كما هو في ظاهر في”إعلام الموقعين”.

232-وإذا اختلف الصحابة في فهم نص، ولم يكن هناك نص يرجح قول أحدهم، فالعمل بما جاء عنهم أولى، وهو من اختلاف التنوع، كما في هيئة التكبير في العيدين، ولا يُنْكَر على المخالف في هذا.

233-وأرى مراعاة الأعراف السائدة بين المسلمين مالم تخالف شرع الله عزوجل، وأن الحفاظ على المروءة من أسباب الستر في الدنيا والآخرة، وحاجة طلبة العلم لهذا آكد من غيرهم، كي ينتفع الناسُ بعلومهم.

234-وأعتقد أن الله عزوجل يأمر بالمصلحة الخالصة أو الراجحة-عَلِمَها من عَلِمها، وجَهِلَهَا من جَهِلَهَا-وينهى عما فيه مفسدة خالصة أو راجحة، ولا يلزم للعمل بالنص الوقوفُ على العلة في كل أمر أو نهي، فإن عَلِمْنَا العلَّةَ فذاك، وإلا فنقول:سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير [البقرة:285] فإن الشريعة جاءت بتكميل المصالح أو تحصيلها، وبتعطيل المفاسد أوتقليلها.

235-وأرى أن قاعدة ارتكاب المفسدة الصغرى لدفع المفسدة العظمى، أوترك الواجب لما هو أوجب منه، أو تحصيل أعظم المصلحتين، بتفويت أدنى المصلحتين، كل ذلك حق، لكن له ضوابط، غفل عنها كثير من الذين يدندنون بذلك، فمن ذلك:

أ-أن تكون المفسدة التي يُرْجى دفعها، أو المصلحة التي يُرْجى تحصيلها، يقينية أو راجحة لا وهمية، كي لا تُرْتَكَبَ مفسدة يقينية من أجل مصلحة وهمية التحقق.

ب-أن يكون تقدير المصلحة أو المفسدة بمعيار الشرع، وفهم العلماء الراسخين، لا بتقدير الأحداث أو الحزبيين، الذين يجعلون مااتفقوا عليه من أعظم المصالح-وإن كان مخالفاً للشرع-، وينظرون إلى ماعند غيرهم أنه قشور وأمور لا حاجة لها في الوقت الحاضر-وإن كان ذلك دعوة إلى تصحيح العقيدة أو تمييز الخبيث من الطيب-.

ج-ألا يكون هناك سبيل لدفع تلك المفسدة الكبرى إلا بارتكاب المفسدة الصغرى، وإلا لو كان هناك سبيل شرعي آخر، فلا يجوز ارتكاب المنكر أو تضييع الفريضة، وعند التقيد بذلك فارتكاب المفسدة لا يسمى سيئة، بل هو حسنة، وفاعلها محسن وليس بمسيء، وعلى ذلك فالذين تركوا كثيراً من دينهم باسم”مصلحة الدعوة” يجب أن يُفيقوا من غفلتهم، وأن يعلموا أن مصلحة الدعوة في الاتباع لا في الابتداع،(وفي القواعد والأصول، لا في العواطف والنكول)”وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وصدق الله إذ يقول:والله يعلم وأنتم لا تعلمون[البقرة:216].

236-وأومن بمُحْكَمِ كتاب الله عزوجل ومتشابهه، فأعملُ بمحكمه وأترك الخوض في متشابهه، وأكِلُ عِلْمَه إلى عالِمِه، وأعتقد أن الذين يتبعون المتشابه ويتركون المُحْكَمَات، هم الذين سماهم الله بأن في قلوبهم زيغاً، فاحذروهم.

237-والخلاف أنواع: خلاف تنوّع، وخلاف أفهام، وخلاف تضاد، والأخير هو المذموم،(والثاني يرجع بينه بالدليل، ويُعمل بالراجح منه).

238-وأعتقد أن الله رفع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان ومااسْتُكْرِهَتْ عليه.

239-وأرى مسيس الحاجة إلى الرجوع إلى اللغة العربية، التي بها نفهم ديننا، ونَسْلَمُ من الغزو الفكري، الذي حاول أن يطمس اللغة العربية، وأن يبث مصطلحات مشوهة للإله وللدين والعبادة وغير ذلك، مما جعل المسلم يقع في الشرك الصريح، وهو مع ذلك يسمع القرآن، بل وربما يحفظه، ولا يدري أن القرآن يحذّر مما يفعل.

240-وأرى العمل بأحاديث الآحاد في العقيدة وغيرها، وِفاقاً لأهل السنة، وخلافاً للمعتزلة.

241-وأرى العمل بقاعدة سد الذرائع، وخيرُ من يدرك الحال والمآل هم الراسخون في العلم، وأرى أن الفتن إذا أقبلت عرفها العلماء، وإذا أدبرت عرفها كثير من الناس.

242-وأرى دراسة كتب المذاهب وتدريسها لمن عنده أهلية الترجيح، فإن الواقف على اجتهادات أهل العلم، والناظر في أدلتهم، تقوي مَلَكَتُه في الاستنباط، ويعرف مواضع الإجماع والنـزاع، ويعرف فضل علم السلف على الخلف، وتسلم فتواه من الإفراط والتفريط، ومن لم ير النظر في كتب المذاهب، فقد حرم نفسه خيراً كثيراً، وأشَدُّ من علمته مُنْكِراً على المذاهب هو أبومحمد بن حزم رحمه الله، ومع ذلك فكتبه مليئة بالنقل عنهم، مما يدل على معرفته الواسعة بأقوال الأئمة، وأنصح بعدم البدء في بحث المسائل العلمية بكتب الظاهرية وأهل الرأي، بل يكون البدء بكتب علماء الحديث والأثر، ثم بكتب غيرهم، وفائدة ذلك لا تخفى على طلبة العلم، كي لا ينجرف وراء كلام أهل الرأي أو الظاهرية، قبل أن يعرف أدلة أهل الحديث والأثر.

243-وأُقدِّمُ فهم الفقهاء للنص على تفسير أهل اللغة، والحقيقة الشرعية مقدمة على الحقيقة اللغوية والعُرْفية، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جاء ليُبَيِّن الشرع، لا ليبين اللغة والعُرْف.

244-وأعتقد أن“الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور متشابهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام”وأن معرفة الحلال والحرام بواسطة الشرع لا بالعقل ولا بالذوق ولا بالخيالات والمنامات، فإن هذا كله لازمه عدم الحاجة إلى إرسال الرسل عليهم السلام، ولا إنزال الكتب، وهذا عين الباطل.

245-وأرى المسح على الخفين في السفر والحضر-على تفاصيل السنة في ذلك-خلافاً للشيعة، الذين يرون مسح الرِّجْلَين، ولا يرون المسح على الخفين.

246-وأعتقد أن الرجم باقٍ على من زنا وقد أُحْصِن، إذا اعترف أو قامت عليه البينة الشرعية، وقد رَجم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والخلفاءُ الراشدون.

247-وأرى أنه لا نكاح إلا بولي، وأن نكاح المتعة منسوخ وحرام إلى يوم القيامة، وأنه لا يجوز لامرأة أن تهب نفسها لفظاً ومعنى لأحد، وأن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

248-وأرى أن استئجار قوم يقرءون القرآن ويُهْدُونه للميت، مُحْدَث لم أعلم أحداً فعله من سلفنا، وسبب لفتح باب سوء القصد في حفظ كتاب الله وتلاوته، وصورة سيئة للإسلام والمسلمين.

249-وأرى دفع العدو الصائل بأقل مايندفع به، وقتال الفئة الباغية-بالشروط الشرعية لذلك-ولا يُتبع الباغي، ولا يُجْهَز عليه، وإذا أمكن دفعه بالأدنى، فلا يجوز دفعه بما هو أشد.

250-ولا يحل مال امريء مسلم إلا بطيبة من نفسه، قال تعالى:ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل [البقرة:188]وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:“إن أموالكم وأعراضكم عليكم حرام”.

251-ولا يجوز تأخير صلاة النهار إلى الليل، ولا صلاة الليل إلى النهار، لمسافر ولا لغيره إلا لعذر، كنوم أو نسيان.

252-وأرى أنه لا يجوز التشبه بالمشركين فيما هو من خصائصهم وعباداتهم، ومع ذلك فقد وقع المسلمون في كثير من هذا المحظور، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومعلوم أن التشابة في الظاهر يورث التقارب في الباطن، وأنصح بإحياء ماكان عليه السلف في التاريخ الهجري، وهو سُنَّةٌ عُمَرِيَّةٌ، و(قد جرى عليها عمل المسلمين، فلا أستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ومع ذلك فلا أُحرِّمُ استعمال التاريخ الميلادي).

253-وأرى بطلان الحيل، وأن الحيلة لا تحل حراماً، ولا تنقضُ عُقْدَةَ واجبٍ في الدين، وأن المحتال يعامل بنقيض قصده، ومن استعجل الشيء قبْل أوانه، عوقب بحرمانه.

254-وأنصح بعدم الإقامة في بلاد الكفر، إلا بضوابط معروفة عند أهل العلم، حفاظاً على ديننا وأهلينا.

255-وأرى الصلاة على المسلم الغائب الذي مات في بلاد وليس عنده أحد يصلي عليه، كما في قصة الصلاة على النجاشي-بشرط السلامة من مفسدة أكبر-، أما مايفعله بعض الأحزاب من تعميم الصلاة-حيث استطاعوا-،على من مات منهم، وإن صلى عليه المئات من الناس في بلده، ولا يفعلون ذلك مع غيره من الموتى-وإن كان أفضل منه حسب ما يَظهر للناس-،لأنه ليس من حزبهم، فلا أرى ذلك إلا بدعة مقيتة، وسبباً من أسباب فساد ذات البين، ولم أعلم عن سلفنا أنهم عمَّموا الصلاة في بلاد المسلمين-حسب استطاعتهم-على من مات من الخلفاء الراشدين وأهل العلم والزهد والتقى، ولو فُعِل لنقل، فكيف إذا كان ذلك لأناس دون آخرين؟، وكيف إذا استُعْمل في ذلك التصوير بجميع أنواعه؟!وصدق الله إذ يقول:ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم [آل عمران:101].

256-وأرى أن في المجتمع القبلي خيراً كثيراً، وصفاتٍ حميدةٍ من مكارم الأخلاق: كالاغاثة والنجدة وإكرام الضيف والصبر وتحمل المشاق ونصرة المظلوم، ومعرفة حق الجار، وغير ذلك، إلا أنني أُحذِّرهم من مفاسد لا تُبْقِي ولا تذر، كالتحاكم إلى غير شرع الله، والرجوع إلى الأسلاف والأعراف، والإعراض عن حكم الله عزوجل، وقطع الطرق، وقتل النفوس، وإيواء المحدثين، وقَتَلةِ الأبرياء، والتفاخر بالأحساب والأنساب، والتعاون على الإثم والعدوان، وحُبِّ الذّكْر والشّرف، والمراءاة بالأعمال الصالحة، بل وأحياناً يفتخرون بالقتل والسلب والنهب، وكل ذلك وغيره فساد عظيم للبلاد والعباد.

257-وأرى أن مشايخ القبائل وعُرَّاف الناس يدفع الله بهم فتناً عظيمة، بسعيهم للإصلاح بين الناس-لو صدقوا النية في ذلك مع الله ثم مع الناس،وإصلاحُهم بين الناس وإطفاءُ الفتن باب خير مفتوح لهم، وقبيلة بدون شيخ لا وزن لها-في الغالب-وتَذْهَبُ كلمتها وتفشل، وكذا قبيلة يكثر شيوخها وعُرَّافها، ويتنافس رجالها على من تكون له الكلمة في المحافل العامة والخاصة، قبيلة هذا حالها لا يُرجى لها خير، فأنصح كبار القبائل والعشائر بتقوى الله عزوجل، ليكونوا قدوة حسنة في قبائلهم، فلا عزة إلا بالطاعة، ولا قوة إلا بالرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، ولا أمان إلا بترك المعاصي، قال تعالى:وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظـــــالمة إن أخذه أليم شديــــــد [هـــــود:102] ويقول سبحانه:واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة [الأنفال:25].

258-ولا يجوز الذبح لغير الله سواء كان ذلك لملَك مقرب، أو لنبي مرسل، أو لولي صالح-فضلاً عن غيرهم-فإن ذلك من الشرك، والعَقْر الموجود عند بعض القبائل وهو ضرب قوائم البهيمة دون ذبحها، حتى يرضى الخصم، وإلا تركوها حتى تموت، مما حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و مايسمى عندهم بـ”الهَجَر” وهو ذبح البهائم، عند ساحة الخصم، من الذبح الذي يحرمه هذا الدين، والذبح عند تأسيس البيوت وتلطيخ جُدُرِها بدم الذبيحة، أو عند حفر الآبار، وإراقة الدم فيها، من أجل أن يخرج الجن من البيت أو البئر، أو لجلب خير ودفع شر، كل ذلك من الذبح لغير الله، والله عزوجل يقول:قل لن يصيبنا إلا ماكتب الله لنا [التوبة:51] ويقول:وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً [الجن:6].

والجامع لهذا الباب قوله تعالى:فصل لربك وانحر [الكوثر:2] أي انحر لربك الذي تصلي له-على قول كثير من أهل العلم-وقوله تعالى:قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له [الأنعام:162،163].

259-وأرى أن الذين ينتمون للمذاهب العصرية الهدامة على أقسام: فمنهم المستبصر الـمُدْرِك لحقيقة هذه المذاهب، وأنها حرب على الإسلام وأهله، فمن أقرها ورضي بها أو ناصرها مع علمه بذلك فقد كفر، ومنهم من لم يعلم بحقيقتها، إنما لُبِّسَ عليه وظن أنها تدعوا إلى العدل والحرية وقوة الأمة، وغير ذلك من الكذب والدجل، الذي وجد سوقاً نافقة عند من لا عِلْم له بدينه، فلا يُطْلق الحكم بالكفر على هؤلاء، بل يُبيّن لهم حقيقة ذلك، ويُدْعَون إلى الاعتصام بحبل الله عزوجل، وسواء هؤلاء أم أولئك، فتغيير المنكر يكون بالحكمة والموعظة الحسنة، لا بإثارة الفتن، وزيادة المنكر.

260-وأعتقد أن دعوى القومية والوطنية والجنسية ونحو ذلك من الدعوات التي جعلت الولاء والبراء من أجل هذه الأمور، وعدم اعتبار الدين أساساً للولاء والبراء، أنها دعوات باطلة جاهلية، والله المستعان.

261-وأرى أن الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان، وأن من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان، أما الحب والبغض في الحزبيات والأهواء أو القومية والوطنية والمصالح الفانية وغير ذلك، فإنه سبب الوهن الذي أصابنا، وقد يصل بصاحبه إلى الكفر، والله المستعان.

262-وكذلك مايُسمى بمنظمات حقوق الإنسان ونحو ذلك، فكل ذلك سراب يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، ولا نطالب بحقوق أكثر مما أعطانا ديننا، ودَعُونا من التلبيس على الخلق، وأين هذه المنظمات من المسلمين الذين يُوطَئون بالنعال في بقاع شتى؟فنسأل الله البصيرة والثبات على الحق، والعافية من كل مكروه.

263-وأرى أن دعوى تحرير المرأة دعوى فاجرة، إنما يُقصد من ورائها إخراج المرأة من عفتها وحشمتها وطهارتها، وكيف يُحرِّر المرأةَ مَنْ يَسْعَوْن لاستعباد الرجال؟!! وهل أعطى المرأةَ حقَّها أحدٌ أكثر مما أعطاها خالقها وبارئها؟سبحانك هذا بهتان عظيم، فاحذري يااخت الإسلام، فإن القوم والله ذئاب العفة والطهارة والعِرْض والدين، فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين [يوسف:64].

264-وأرى أن النقل الصحيح لا يعارضه العقل الصريح، وأن الذين حكَّموا عقولهم على النقل، تركوا صريح العقل وصحيح النقل، واتبعوا زبالة العقول وفاسد الأفهام، وأرى أن أصحاب المدرسة العقلية، الذين لا يقبلون من النصوص-وإن تواترت-إلا ماوافق عقولهم، ويقبلون ماكان ضعيفاً أو موضوعاً إذا وافق عقولهم، أراهم بدون عقل رشيد، ولا فهم سديد، وعقلٌ لا ينقاد للنقل الجنون خير منه، فالمجنون مرفوع عنه القلم، أما هؤلاء فأعداء للسنن، وأفراخ للمعتزلة.

265-ولا يجوز أن تُضْرب للسنة الأمثال والمقاييس الفاسدة، فيقال: لِمَ، وكيفَ؟.

266-وأومن بما جاء في”الصحيحين” من حديث أبي هريرة أن ملك الموت جاء لموسى عليه السلام في غير صورته، وأن موسى عليه السلام لطمه، ففقأ عينه، ولا يُرَّدُّ ذلك لرأي منكوس، أو قياس معكوس، ولا جزعاً من تهاويل المرجفين المبتدعين، الذين يرمون أهل الحديث بأنهم حُطَّاب ليل، أو يروون مالا ينتفعون به، وقد بيَّن أهل العلم رحمهم الله المراد بهذا الحديث.

267-ولا أقول: إن الإسلام دين مساواة-كما هو مشهور عند كثير من الناس-،بل هو دين عدل ورحمة، ولم يرد الأمر بالمساواة بين الناس، إنما ورد الأمر بالعدل بينهم، قال تعالى:إن الله يأمر بالعدل والإحسان [النحل:90] لأن المساواة فيها مساواة الذكر بالأنثى في كل شيء، ومساواة البر بالفاجر، والمسلم بالكافر، والعالم بالجاهل، وقد فرق الله بين هذا وذاك فقال تعالى:أفنجعل المسلمين كالمجرمين، مالكم كيف تحكمون [القلم:35،36] وقال سبحانه:قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون [الزمر:9] وقال جل ثناؤه:وليس الذكر كالأنثى [آل عمران:36] وأما العدل فهو وَضْعُ الشيء في موضعه، وإعطاء كل ذي حق حقه، ولا تشترط المساواة في مقادير الحقوق، ومن ردد هذه الكلمات وهو جاهل فلا شيء عليه، إنما يُصحَّحُ له لفظه، ومن تكلم بهذه الكلمات وهو عالم بمراد قائليها فهو كذاب خبيث، وجزى الله خيراً من ألف في المناهي اللفظية، لأن جهل المسلمين سلاح عظيم في يد عدوهم.

268-وكذلك لا أرى القول: بأن فلاناً من رجال الدين، لأن مفهوم ذلك أن غيره ليسوا من رجاله، والحق أننا جميعاً رجال هذا الدين، كل حسب قدرته واستطاعته، لكن فينا العالم والعامي، والعامي يَسْأل العالم، ويأخذ بفتياه الشرعية، وأما نصرة الدين والدفاع عنه، فقد ينصره بعض العامة أكثر من نصرة بعض العلماء، وأرى أن هذا المصطلح تسرب إلينا من أهل الكتاب، الذين يقولون: فلان من رجال الكنيسة، والحمد لله على الهداية.

269-وأدعو إلى مكارم الأخلاق ومعاليها، وأحذر من مساويء الأخلاق وسفسافها.

….هذا ما يسر الله لي به من الوقوف على كلام أهل العلم من أهل السنة، وسميته:“السراج الوهاج في بيان المنهاج” الذي يشمل عقيدتي ودعوتي فإن المنهاج هو السبيل والسنة، وهو أعم من المسائل الخلافية التي بين الدعاة، وطلاب العلم، وما ذكرته هنا: فبعضه قد نقلته بحروفه من كلام أهل العلم، وبعضه ذكرته بمعناه، ومنه ماعزوته إلى قائله، ومنه ماليس كذلك، مكتفياً بهذه الإشارة، وكثير منه من اجتهادي وفهمي لمعتقد سلفنا، وليس للخلف إلا مااعتقده وتكلم به السلف رحمهم الله، وهم رجال، ونحن عليهم عيال.

ومعلوم أن هذه العجالة لا تحتمل بسط أدلة ماذكرتُ بل ولا تحتمل اسْتيعاب ذِكْر مايُراد ذِكْره، وقد كتب جماعة من السلف-مكتفين بالإشارة،معتقدهم ومعتقد أهل السنة، فلي بهم أسوة حسنة، ومعلوم أيضاً أن أهل الحديث-ولله الحمد-هم الذين يصنفون ويُشهرون معتقداتهم، وأما أهل البدع فيتوارَوْن بمذاهبهم الرديئة، فالحمد لله الذي جعل في هذه الأمة طائفة ظاهرة على الحق، منصورة لا يضرها من خالفها، ولا من خذلها، حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك.

وإني لأتقرب إلى الله عزوجل بما كَتَبْتُ في هذه الأوراق، مع علمي بأن كثيراً من الغامضين لا يعجبهم هذا الوضوح، كما لا يعجب بعض المتسرعين ذلك الهدوء، لكن القصد هو رضا الله عزوجل، فهو حسبي ونعم الوكيل.

وخاب وخسر من لم يلزم غرز العلماء العاملين-فيما لا يخالف الكتاب والسنة-، الذين دعوتهم كالغيث حيثما وقع نفع، أو كالنخلة ماأتاك منها نفعك، وأما غيرهم فدعوته كعارض قوم عاد:فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو مااستعجلتم به ريح فيها عذاب أليم [الأحقاف:24] فكم من دعوة ظنها الناس منحة، وهي محنة، وكم من صرخة أنِس بها الناس رشداً، فظنوا أنها رحمة، فإذا هي نقمة، فاللهم عاملنا بلطفك وعفوك، وارزقنا البصيرة والثبات على الهدى.

وإني لأُذَكِّر من شغل نفسه-لا بعيوب الناس فقط، بل شغل نفسه أيضاً-بالزور والبهتان على عباد الله، بأن من عدّ كلامه من عمله، قَلَّ كلامه إلا فيما يعنيه، ومن كان بيته من زجاج فلا يرمي الناس بالحجارة، وليخش يوماً تَبْيَضُّ فيه وجوه وتَسْودُّ وجوه، ونصيحتي لأهل السنة أن يستعينوا بالله في أداء الأمانة بهمة عالية، و نفس واثقة بربها عزوجل، وصدق من قال:

فحيهلاً إن كنت ذا همة فقد حدا بك حادي الشوق فاطو المراحــلا

وقـــــل لمنادي حُبِّهـم ورضاهــــــــــــمُ إذا ما دعا لبيك ألفاً كوامــــــــــلا

ولا تَنْظُر الأطلا من دونهــــم فــــــــإن نظـرت إلى الأطلال عُدْنَ حوائـــلا

ولا تنتظِــــر بـــــــالسير رفقة قـــــاعد ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا

وأحيي بذكراهم سـُــراك إذا ونت ركابك فالذكرى تعيدك عامـــــــلا

وإما تخافـــــن الكــــــــــلال فقـــــــل لها أمامك وِرْدُ الوصل فابغ المناهـلا

وخذ قبساً من نورهــــــم ثم سِرْ بِهِ فنورهمُ يهديك ليس المشاعــــــلا

وفي النهاية أسأل الله عزوجل السداد في القول والعمل الظاهر والباطن، وأن يقيني فتن المحيا والممات، وأن يرحم والِدَيَّ وأهلي وذريتي وإخواني، إنه نعم المولى ونعم النصير، وعلى الإجابة قدير، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

وكتبه الفقير إلى عفو ربه

مصطفى بن إسماعيل السليماني

دار الحديث-بمأرب-فليفل

ديرة آل هادي بن وهيط

رحمه الله وحفظ ذريته.