المبحث الثالث من مباحث اشتراط نفي الشذوذ :
فإن قيل : إن اشتراط وجود الضبط يُغني عن اشتراط انتفاء الشذوذ ، لأن الشذوذ خلل في الضبط !!
فالجواب : معلوم أن الرجل وإن كان غاية في الضبط فقد يهم ويخالف في بعض الروايات ، ولا يزحزحه ذلك عن مرتبة الضبط والإتقان في الجملة ، فاشتراط الضبط اشتراط لشرط عام ، ولا يلزم من وجود الضبط في الجملة نفي الشذوذ في هذا الحديث بعينه .
وعلى ذلك فهما شرطان : أحدهما : عام في الراوي ، وهو الضبط .
والثاني : خاص بالرواية التي يُراد الحكم عليها بالصحة ، وهو نفي الشذوذ .
فيثبت بذلك أنهما شرطان أصليّان في التعريف ، وهذا بخلاف من ذهب إلى أن المراد بشرط نفي الشذوذ مجرد البيان أو التصريح بالمنطوق [32](1) ، والله أعلم .
فإن قيل : إن نفي الشذوذ يلزم منه وجود الضبط ، فإن الراوي إذا شذَّ اختل ضبطه !!
فالجواب : قد سبق في الجواب على الإشكال السابق ما يغني عن إعادت هنا .
أضف إلى ذلك : أن الأحاديث منها فرد وغريب ، ومنها ماله طرق متعددة ، فما كان من النوع الثاني ؛ فبجمع الطرق يظهر الشذوذ وغيره ، فنفي الشذوذ يتنـزل على هذا النوع .
أما النوع الأول : وهو الفرد الغريب ؛ فلا يُتصور فيه نفي الشذوذ عنه ، فلو كان أحد رواة الحديث الغريب ضعيفًا ، ولم نشترط الضبط في الراوي ـ على هذا القول الوارد في هذا الإشكال ـ ووجدنا الحديث متصلاً ؛ بالعدول ـ وإن كان فيهم من هو سيء الحفظ ـ وأيضًا فلا شذوذ فيه ؛ لأن الشذوذ ليس في هذا النوع ـ كما سبق ـ وكذا ليس فيه علة خفية ، فهل يُحكم عليه بأنه قد استوفى شروط الصحة ؟! فإن قيل : نعم ؛ فهذا مردود ، وإن قيل : لا ، لأن راويه ضعيف ، قلت : اشتراط الضبط العام في الراوي هو الذي يخرج هذا السند من جملة الصحاح ، لا مجرد نفي الشذوذ ، فتأمل ، والعلم عند الله تعالى .
فإن قيل :إن نفي الشذوذ لا يكون في رواية الضعفاء ، إنما هو في رواية من يحتج به ،فهذا يغني عن اشتراط الضبط .
والجواب:أن اشتراط الضبط التام لا بد منه في الصحيح ؛ لإخراج الحسن فما دونه ، والله أعلم .
فإن قيل : الأصل في الراوي الذي حكموا عليه بأنه ضابط : أن مخالفاته قليلة بالنسبة لموافقاته للثقات ، فلماذا لا نعمل بالغالب ، ونحكم عليه بأنه قد ضبط هذا الحديث ، ولا نتوقف فيه حتى ننظر : هل سلم من الشذوذ والعلة أم لا ؟!
فالجواب : أن الأئمة وضعوا شروط الصحة صيانة للحديث النبوي من أن يدخل فيه شيء – مع الشط أو الاحتمال – ليس منه ، وهذا يقتضي التأكد من سلامة الحديث من الشذوذ والعلة .
ثم إننا لو أطلقنا القول بصحة حديث الضابط مطلقًا ، باعتبار أن الغالب عليه الضبط ، مع علمنا بوجود مخالفات في الجملة عند أهل الضبط؛ فإن هذا القول فيه قبول الحديث مع الاحتمال .
فلو فرضنا أن الضابط يحفظ مائة حديث ، وقد أخطأ في سبعة منها ، ونحن لا ندري: أهذا الحديث بعينه مما أخطأ فيه أم لا ؟ فتصحيح الحديث لمجرد كون الراوي ضابطاً – مع هذا الاحتمال – دون النظر في كلام الأئمة في هذه الراوية ؛ تصحيح مع الشك أو الاحتمال .
وَوِزان ذلك مسألة الاتصال : فلو فرضنا أن راويًا سمع من شيخه مائة حديث إلا سبعة لم يسمعها منه ، إنما أخذها بواسطة ضعيفة عنه ، ثم وقفنا على رواية هذا الراوي عن ذلك الشيخ ، ولو ندْرِ أهذا الحديث من تلكم السبعة أم لا ؟ فهل نحكم بالاتصال لمجرد كون الراوي سمع الأكثر من شيخه ؟ أم لا بد من البحث في هذه الرواية بعينها : أهي من السبع أم لا ؟ وجوابكم على هذا ، هو جوابنا على ما تقدم ، والله أعلم .
الشرط الثالث – حسب كلام الناظم – السلامة من العلة : وهذا مأخوذ من قول الناظم : ” ولم يُعَل ” وفيه مباحث :
أولاً : تعريف العلة :” هي سبب خفي يقدح في صحة الحديث، مع أن الظاهر السلامة منه” والمراد بذلك العلة التي لايقف المحدث عليها إلا بعد جمع طرق الحديث،أو الباب.
وخرج بقولهم : “سبب خفي ” الأسبابُ الظاهرة في الجرح : مثل ضعف الراوي، وجهالته، وانقطاع السند ، ونحو ذلك ، فإن هذه الأمور وإن كان الحديث يُعَلُّ بها؛ إلا إنها ليست هي المرادة بالعلة اصطلاحًا ، وبقية الكلام : ” مع أن الظاهر السلامة منه ” تدل على أن ظاهر السند السلامة من هذه العلة الظاهرة .
وخرج بقولهم:” يقدح في صحة الحديث” العلل غير القادحة كالاختلاف الذي يمكن معه الترجيح أو الجمع.
ثانيا: ظهر مما سبق من تعريف العلة أنها تنقسم إلى قسمين :
1 – علة قادحة : وهي المرادة بقول الناظم :”ولم يُعَلْ” أي بعلة قادحة .
2 – علة غير قادحة، وقد سبق ذكر بعض أمثلتها ، كالاختلاف الذي يمكن معه الجمع على طريقة المحدثين .
ثالثًا : ذهب بعض أهل العلم من المحدثين والفقهاء إلى أن الأصل في الحديث الذي يتصل إسناده برواية العدل الضابط : الصحة؛ إلا أن يظهر أنه شاذ أو معلل، والراجح: أن الحديث لايكون صحيحا إلا بتوافر ما يجب توافره، وانتفاء مايجب انتفاؤه ، ولو كان انتفاء الشذوذ والعلة ليس شرطًا في الحديث الصحيح؛ لما ذُكِر هذا في تعريفه .
نعم، قد يقال فيما جمع الشروط الإيجابية الثبوتية ، وهي الاتصال ، والعدالة ، والضبط : ” إسناده صحيح ” أما إطلاق الصحة على مجرد ذلك، ثم يُنْشَر ذلك الحديث في الناس، وتُستنبط منه أحكامُ يُستحل بها الدم، والمال، والعرض، دون النظر في سلامته من العلل؛ ففي هذا استرواح وتوسع غير مرضي ، والله أعلم [33](1) .
لكن إذا أطلق الإمام الناقد منهم قوله في الحديث :”إسناد صحيح ” فالأصل أنه لا يُطْلق ذلك لمجرد وجود الشروط الثلاثة : الاتصال , والعدالة , والضبط ؛ لأن الإمام منهم يحفظ معظم السنة , ويحفظ كلام الأئمة في الأحاديث , هذا هو الأصل حال في الإمام منهم , فإذا سئل أحدهم عن الحديث :فإنه يجول بفكره في كل مايعلم عن هذا الحديث , من طرق , وأقوال للأئمة فيه , ونحو ذلك , فلو كان يعلم أن فيه علة خفية تقدح في صحته ؛ لما استجاز إطلاق القول بصحة السند, لأنه – والحالة هذه – يكون مُلبِّساً على الناس , إذ يغترون بقوله :” إسناد صحيح ” ويعملون بالحديث , والإمام يعلم أن فيه علة , وحاشا الإمام منهم أن يسلك هذا المسلك .
ولا شك أن إمعان الإمام النظر في الحديث وما يتعلق به , من خلال ما يحفظه ؛ فإنه أقوى في النفس من مجرد بَحْثِ باحث في الكتب , ولم يجد للحديث علة , فإذا كنا سنعمل ببحث الباحث ؛ فمن باب أولى أن نعمل بنقد الناقد البصير .
نعم , إذا عُلم أن الإمام منهم يعْدل عمداً عن قوله :” حديث صحيح ” إلى قوله :” إسناد صحيح ” فإن ذلك يورث ريبة في نسبة تصحيح الحديث إلى ذلك الإمام .
وكذا إذا عُلِمَ من صنيع إمام منهم أنه يُفرِّق بين العبارتين في الحكم على الحديث ؛ فيؤخذ بما عُلِم من صنيعه , وإلا فالأصل ما قدمته في حقه وحق أمثاله, وقد أشار إلى ذلك ملخصًا ابن الصلاح , حيث قال :”……غير أن المصنِّف المعتمد منهم ؛ إذا اقتصر على قوله: إنه صحيح الإسناد , ولم يذكر علة , ولم يقدح فيه؛ فالظاهر منه : الحكم له بأنه صحيح في نفسه , لأن عدم العلة والقادح هو الأصل والظاهر , والله أعلم ” أ.هـ [34](2) .
وقد فهم بعضهم كلام ابن الصلاح على غير وجهه؛ فانتقدوه ,مع أن كلام ابن الصلاح فيه عدة قيود , وهي :
أ- أنه لم يطلق أن الأصل عدم العلة والقادح في حق كل أحد , إنما قيَّد ذلك بالمصنف المعتمد , والمصنف هو الذي يؤلف في الأبواب , فيذكر حديثاً تحت باب , في مقام الاحتجاج به على الباب , ويصرح بأن إسناده صحيح , وهو رجل معتمد في هذا الفن , فيستبعد أن يجازف في هذا الحكم , إلا بعد أن يحول بفكره في كل معلوماته عن هذا الحديث، كما سبق .
ب – لم يجزم ابن الصلاح بأن الإمام يصحح الحديث بهذا القول، وإنما استظهر ذلك .
ج – لم يجعل ابن الصلاح الحكم بالصحة عامًّا عند المحدثين ؛ بل جعله مقصورًا على القائل :”إسناده صحيح ” والعالم لا يلزمه أن يقلِّد العالم , لكن العامي أو العاجز عن الاجتهاد مطلقًا , أو في بعض الحالات ؛ له أن يأخذ بقول العدل بهذه الضوابط , والله أعلم .
فان قيل: فإذا ثبتت عدالة الراوي وضبطه ؛كان الأصل :أن يحفظ ما روى ,حتى يتبين خلافه اهـ [35](1) .
فالجواب: قد سبق الرد على ذلك في الكلام على الضبط , وردَّ قول من قال : إن اشتراط الضبط يغني عن اشتراط نفي الشذوذ , وخلاصة ذلك: أن شرط الضبط شرط عام, وشرط نفي الشذوذ شرط خاص برواية معينة , ولا يلزم من ثبوت العام ومدح الراوي في الجملة , تحقق الشرط الخاص، وهو نفي الشذوذ عن هذه الرواية بعينها , ولا شك أن الشذوذ والمخالفة قد وقعت في أحاديث الأئمة الكبار – فضلاً عمن دونهم – فاذا اكتفيا بمجرد الضبط ؛ فهذا تصحيح للحديث مع الشك , وفيه ما فيه , والله أعلم .
( إشكال ) ذكر بعضهم أن كتب العلل إنما تبحث في أحاديث الثقات الذين يوجد في رواياتهم علل خفية، ومع ذلك فقد يقف الباحث فيها على أحاديث بعض الضعفاء، بل المتروكين،وغير ذلك من العلل الظاهرة !!
والجواب عن هذا الإشكال من وجهين :
أ – أن هذا نادر،ولا يُخِلُّ بمقصود مُصَنِّفي كُتب العلل،فإن العبرة بالأشهر الأكثر، لا بالأقل الأندر .
ب- أن من جملة هذا النادر أحاديث رواها بعض الثقات ، فَظُنَّ أنها صحيحة لذلك، فلما فُتِّش فيها؛ ظهر أنها ترجع إلى أحاديث الضعفاء والمتروكين، فما كان من هذا القبيل؛ فهو موافق لقصد من أَلَّفَ في العلل الخفية، والله أعلم .
( إشكال آخر ) اعتُرِض على الناظم بأنه لم يجمع الشروط التي تختص بالإسناد – وهي الاتصال، والعدالة، والضبط – على حِدَةٍ، والشروط التي يشترك فيها الإسناد والمتن – وهي السلامة من الشذوذ والعلة – على حِدَةٍ، إذ لو فعل ذلك لكان أولى .
والجواب مع كون هذا الاعتراض له وجه – إلا أنه قد يعتذر عن الناظم – رحمه الله – بأن النظم اضطره إلى ذلك ، وإن كان غيره من النُّظَّام قد تخلص من هذا الإشكال بسهولة ويُسْر .
●الشرط الرابع: مما اشترطه الناظم رحمه الله – في الحديث الصحيح : العدالة : وهو مأخوذ من قوله :” يرويه عَدْلٌ” وهذه جملة حالية، والمعنى: أن الإسناد يكون متصلا سالما من الشذوذ والعلة حال كون راويه عدلا .
وتحت هذا الشرط مسائل :
الأُولى : تعريف العدل، وقد عُرِّف بعدة تعاريف .
1-هو: من أتى بالواجبات، وتَرَكَ المحرمات .
2-هو: من كانت له مَلَكَةٌ تحمله على ملازمة التقوى والمروءة [36](1) .
3-هو: الذي لايجاهر بكبيرة ، ولايُصر على صغيرة .
4-هو: من قارب وسدّد ، وغلب خيرُهُ شرَّه [37](2) .
5-هو: من ترك الكبائر ، وكانت محاسنه أكثر من مساوئه [38](3) .
6-هو: من كان الأغلب في حقه الطاعة ، أو من كان أكثر أحواله طاعة لله [39](4) .
7-هو: المسلم ، البالغ،العاقل ، السالم من أسباب الفسق ، وخوارم المروءة [40](5) .
فاشتراط الإسلام : أخرج الكافر، وهذا الشرط إنما يُشْتَرط في الأداء لا في التحمل ، أي قد يسمع الكافر شيئًا من الرسول – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – حال كفره ، ويؤديه بعد إسلامه ، ويُقْبَل هذا منه لعدالته حال الأداء، لا حال التحمل ، والله أعلم .
قال الحافظ الذهبي في ” الموقظة ” ( ص 61 ) : ” لاتُشترط العدالة حالة التحمل ، بل حال الأداء ، فيصح سماعه كافرًا ، وفاجرًا ، وصبيًّا ، فقد روى جبير – رضي الله عنه –أنه سمع النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم – يقرأ في المغرب بـ” الطور ” فسمع ذلك حال شِرْكه ، ورواه مؤمنًا[41](1) ” اهـ .
واشتراط البلوغ: أخرج الصغير الذي لم يَبْلُغ، وهذا أيضا إنما يُشْترط في حالة الأداء؛ لأن الصغير قد يتحمل قبل البلوغ، إلا أنه لا يُقْبل منه إلا إذا بلغ؛ لأن البالغ الذي أصبح مكلفا، ويعرف الحساب والجزاء، ونحو ذلك؛ يكون عنده خوف من أن يجازف في القول على رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم – بخلاف الصغير : فإنه لا يُؤْمَن عليه أن يقول على النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – مالم يقل؛ لأنه ليس عنده الإدراك الواسع، أو العقل الكامل، الذي يجعله يخاف ويرتدع .
هذا أَمْرٌ، وأَمْرٌ آخر: أنه قد لايكون عنده ضبط يستطيع به أن يأتي بالحديث على وجهه، واشتراط البلوغ حد منضبط قد عُلِّقَتْ به أمور كثيرة في الشريعة، فاعتماده أولى، وإن كان في النفس شيئ من رد رواية من قارب البلوغ ولم يبلغ بعد، مع توافر ضبطه، وخوفه من المجازفة في القول على النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – فيُنظر : هل هناك من حدَّث قبل البلوغ بالشرط السابق ، ومع ذلك لم يقبلوا منه ؟! وأما ما يذكر بعض أهل العلم [42](2) منتقدين هذا الشرط بحجة قبول الصحابة رواية صغار الصحابة : كابن عباس ، وابن الزبير، والنعمان بن بشير؛ فليس ذلك ظاهرًا في أنهم حدَّثوا بما حدَّثوا به قبل البلوغ ، أما التحمل في الصغر : فلا إشكال فيه ، والله أعلم .
واشتراط العقل: أخرج المجنون، نسأل الله العافية، والجنون قسمان : مُطَبَّق ومتقطع:
فالأول: هو الذي يكون ملازما للرجل في كل حال، ويُرَدُّ حديثه مطلقا .
أما الثاني: فهو الذي يعتري الإنسان في حال دون حال، فمثله تُقْبَل روايته حال إفاقته، إذا توافرت فيه الشروط الأخرى، وتُرَدُّ حال جنونه .
واشتراط العقل : معتبر في حالتي التحمل والأداء، إذ غير العاقل لايُتَصَوَّر منه تحمل ولا أداء .
واشتراط السلامة من أسباب الفسق: أخرج من وقع في شئ منها، وأصر على ذلك ،أما مجرد الوقوع في الكبيرة فالمسلم غير معصوم من ذلك ، ولو رددْنا رواية كل من وقع في معصية – دون إصرار عليها – ما سَلِم لنا أحد ، والله المستعان .
ولايُؤْمَن في حق من أصر على الكبيرة الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم –
وأخرج هذا الشرط أيضًا المجهول الذي لم تتحقق عدالته وسلامته من أسباب الفسق، والمراد بذلك فسق الشهوات، أما فسق الشبهات والتأويل الذي يقع فيه أهل الأهواء والبدع ؛ ففي رواية أهله تفصيبل.
واشتراط السلامة من خوارم المروءة: أخرج من انخرمت مروءته، وفي هذا الشرط مباحث :
الأول :تعريف المروءة :قال بعضهم:هي: أن تَفْعل من المباحات مايَزِينُكَ،وتترك منها ما يَشِينُكَ”. وقال بعضهم: هي:” الصيانة من الأدناس ،والترفُّع عما يَشِينُكَ عند الناس ” .
وقال بعضهم: هي: “ترك المذموم عُرْفًا” .
وهذه أقوال متقاربة في المعنى ، وتدل على المراد، وانظرها وغيرها في كتاب ” المروءة وخوارمها” [43](1)
الثاني : ضابط المروءة: ليس للمروءة ضابط شرعي معين، وأعمال معروفة في كل عصرٍ ومصر، بل المعتبر في ذلك العرف، وهو يختلف باختلاف البلدان، والأزمان، والأشخاص، فَرُبَّ شئ يكون مستنكرًا في زمن دون آخر، وفي بلدة دون أخرى ومن شخص دون آخر …. وهكذا .
الثالث : لماذا اشترطوا في العدل السلامة من خوارم المروءة ؟
المقصود من ذلك: أن يكون الراوي صاحب صيانة وتَحَرُّزٍ من الأمور التي عُرِفتْ عمن ليس من أهل هذا الشأن: أهل التحرز، والتوقِّي، والسمت الحسن، لأن الراوي إذا لم يكن كذلك؛ فَيُخْشَى منه أن يكون صاحب مجازفة، وتوسُّعٍ غير مرضيٍّ، ويُلْقي الكلام دون مبالاة، فيقول على النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – مالم يَقُلْ، أو لايتورع إذا شك في الوجه الذي تَحَمَّل به الحديث ؛ فيرويه على الوجه المخالف للاحتياط والورع، بخلاف صاحب المروءة والتحرز: فإنه إذا ترفَّع عن النقائص العرفية – وإن كانت مباحة شرعًا – فلن يتجرأ على حديث رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – بل سيكون أكثر ترفعا وتحرُّزًا، والله أعلم .
الرابع : هل اشتراط السلامة من خوارم المروءة في العدل شرط نظري وعملي، أم هو شرط نظري فقط ؟
الذي يظهر لي أن الطعن في الرواة بسبب الوقوع في شئ من خوارم المروءة أمر قليل جدا، ومع كونه كذلك : فالإعلال به أقل من القليل، فإني لا أعرف رجلا جمع شروط العدالة: من الإسلام، والعقل، والبلوغ، والسلامة من أسباب الفسق؛ ومع ذلك ضُعِّفَ، ورُدَّتْ روايته بسبب خوارم المروءة ،نعم قد يُتَكَلَّم في الرجل بسبب خوارم المروءة؛ دون أن يفضي هذا الكلام إلى رَدِّ حديثه عند الأئمة، كما جاء عن شعبة أنه قال : قلت للحكم : مالك لم تَحْمِل عن زاذان – يعني زاذان الكندي-؟ قال : كان كثير الكلام اهـ [44](1) ومع ذلك فقد وثقه غير واحد .
وكذا ترك شعبة حديث رجل بسبب أنه رآه يركض على برذون[45](2)،باعتبار أن هذا الفعل يخدش في مروءته ، ولكن هذا الطعن لايؤثر في الرجل ، والله أعلم .
المسألة الثانية في شرط العدالة : كيف تُعْرَف عدالة الراوي عند المحدثين ؟
يُعْرَف ذلك عندهم بطرق ، منها المقبول، ومنها المردود، وهي :
1-استفاضة الثناء على الراوي وشُيُوعه بين الأئمة والمحدثين، وهذه الطريق أقوى في إثبات العدالة من مجرد تزكية شخص أو شخصين يجوز عليهما الخطأ في اجتهادهما .
وعلى هذا فلا يُقْبَل التجريح فيمن كان كذلك إلا إذا كان مفسَّرًا، ومن المعلوم أن من استفاضت عدالته في الرواية، وحُمِد عند الأئمة، وكان له قَدَمُ صِدْق في نصرة الدين؛ فالجرح المجمل فيه يكون مردودًا، وكثيرًا مايكون من باب كلام الأقران في بعضهم، أو بسبب كلام لا يصح عن المتكلَّم فيه ، أو له فيه تأويل صحيح، أو نحو ذلك مما يُدَافَعُ به عن العلماء .
2-التزكية : وذلك أن ينص إمام أو إثنان – مثلا – من أئمة الجرح والتعديل على أن فلانًا عَدْل، أو ما يقوم مقام هذا القول من العبارات، فيُقْبَل هذا التعديل: سواء كانت التزكية من تلميذ المزَكَّى أو من غيره ، شريطة أن يكون التلميذ أهلا لذلك ، ولم تقع منه محاباة في التعديل لشيخه، وهذا هو الأصل؛ لكونه عدلا، خلافا لمن رد تزكية التلميذ بناء على احتمال المحاباة للشيخ ، وهذا قول مردود؛ إذ لو أن التلميذ حابى شيخه، وعَدَّله – وهو يعلم عنه خلاف ذلك – لسقطت عدالة التلميذ في هذا الموضع، والفرض أنه عَدْلٌ رضى .
3-اختبار الأحوال، وتتبع الأفعال التي يحصل معها العلم من ناحية غلبة الظن بالعدالة. قاله الخطيب.[46](1)
4-ومنهم من يُطلق القول بأن الأصل في المسلم العدالة، فمن لم يُجَرَّح؛ فهو عدل عنده، وهذا مذهب فيه اتساع غير مَرْضِي، إذ أن الحكم بالإسلام والعدالة الظاهرة شئ، والحكم بالعدالة في الرواية شئ آخر ، فهذا خاص ،والأول عام ، ولايلزم من ثبوت العام ثبوت الخاص .
5-ومنهم من يرى أن مستوري التابعين حجة ، والتحقيق على خلافه .
6-ومنهم من يرى أن الراوي إذا روى عنه جماعة؛ فإنه يكون ثقة، وفيه نظر ، إنما تُرفع عن الراوي بذلك جهالة العين ، إلا إذا كان مشهورًا ، وروى عن الأكابر ، وأهل الانتقاء ، وأخرج حديثه من ينتقي في أحاديث كتابه ، فإن هذا يرفعه إلى الاحتجاج مالم يُجرح ، والله أعلم [47](2) .
7-ومنهم من يرى أن الراوي إذا روى عنه من ينتقي في شيوخه، ولا يروي إلا عمن كان ثقة عنده ؛ فإنه يكون ثقة عنده بذلك ، ومن ثَمَّ يكون ثقة عند غيره؛ لقبول خبر العدل، وفي هذا المقام تفصيل يرد هذا الإطلاق، وليس هذا موضعه (1) .
8-ومنهم من يرى أن الراوي إذا أخرج له صاحبا “الصحيحين” أو أحدهما؛ فإنه يكون عدلا في الرواية، وهو إطلاق غير مقبول ؛ لاحتمال أنهما ما أخرجا له إلا ما علما صحة حديثه ، أو أخرجا له في الشواهد ، ونحو ذلك [48](3) .
9- وتعرف عدالة الراوي – أيضاً- من خلال النظر في كتابه , فإن كان ممن يشك في حديث؛ يضرب على أحاديث بجواره , أو ممن يشك في كلمة ؛ يضرب على الحديث كله ؛ دل ذلك على عدالته وورعه , لأن العادة: أن المحدِّث يحب كثرة الحديث لا قلته ، وربما يضرب الورع على أحاديث يتنافس المحدثون في أخذها عنه، والرحلة إليه بسببها ، فضَرْبُهُ عليها لأدنى شك: يدل على مزيد من الدين والورع ، وقد حصل هذا ليحيى بن يحيى ، ومسعر ، ومالك ، وغيرهم ، انظر كتابي :” شفاء العليل ” [49](4) .
وهذه الطريقة كانت متيسرة للأئمة الأوائل ، الذين كانوا ينظرون في كتب وأصول الرواة ، بخلاف من بعدهم ، والله أعلم .
10- وتُعرف عدالة الراوي ـ أيضًا ـ بروايته عن أبيه ، أو عن شيخ قد اشتهر الرواي بالأخذ عنه ، ومع ذلك يروي عنه تلميذه مرة بواسطة ، ومره يقول : وجَدْتُ في كتاب أبي كذا ، ومره يروي عنه بلا واسطة ، فما الذي يحمله على النـزول في الإسناد عن شيخه ، مع إمكان العلو ، ولو علا في الإسناد ، وروى عنه مباشرة ؛ لم يتعقبه أحد؛ لاشتهاره بالأخذ عنه ؟ولكن الدين هو الذي يجعله ينـزل مع إمكان العلو ، والنـزول غير مرغول فيه عند المحدثين – في الجملة – .
وهذه الطريقة تُعْرَف بها العدالة ـ لما سبق ـ ويُعرف بها الضبط أيضًا ، لأن تمييز الراوي بين ما كان عنده عن شيخه بواسطة مما كان بدون واسطة ؛ يدل على الضبط .
جاء في ” النبلاء “[50](1):” قال الجرجاني : فسألت يحيى بن معين عن سماع أبي بكر بن أبي شيبة من شريك ؟ فقال: أبوبكر عندنا صدوق ، وما يَحْمله أن يقول : وجَدْتُ في كتاب أبي بخطه ؟ وقال : فتأمل كيف عرف أن أبا بكر صدوق ، وأن ذلك بسبب نزوله مع أنه لو علا ما أنكر عليه أحد ، ولكنها الأمانة العلمية ، والأمانة في البلاغ ، والأمر دين .
وحُدِّثْتُ عن روح بن عبادة بحديث الدجال ، وكنا نظنه سمعه من أبي هشام الرفاعي ” اهـ .
11- اشتهار الراوي بالعلم والعناية به ، واتساع رحلته ، مالم يُجرَّح ، فمثل هذا يحتج به عدالة وضبطًا ؛ إذ لو كان فيه ما ينقض ذلك ؛ لما سَلِمَ من كلام الأئمة ، فإن الهمم متوافرة للكلام في المشاهير الذين يوجد منهم ما يقتضي الجرح . [51](2)
12- ومنهم من يرى أن تعديل المبهم كافٍ ، بقول أحدهم : حدثني الثقة ، ونحو ذلك،أن هذا كافٍ في التعديل، وهذا غير سديد : فقد يكون ثقة عنده،وليس كذلك عند غيره ، فلا بد من تسمية من حدثه ، والله أعلم[52](5).
14- ومنهم من يرى ثبوت العدالة بعدم إدخال البخاري للرجل في ” التاريخ الكبير ” وكذا ابن أبي حاتم في ” الجرح والتعديل ” قاله التهانوي [53](6) وزاد بعضهم كتبًا أخرى في المجروحين ، وهو قول مردود ، وانظر ” اتحاف النبيل ” [54](7) .
15- ومما يرفع الجهالة عن الشيخ كثرة رواية الراوي المشهور أو المصنف عن هذا الشيخ ، أو وصْفه بغير الحديث : كالقضاء ، والغزو ، والقراءة ، وغير ذلك ، أو تحديد مكان وزمان أخذ الراوي عنه ، فكل هذا يساعد في رفع الجهالة ، لكن الاحتجاج بحديث من كان كذلك فيه تفصيل ، والله أعلم .
وهناك مذاهب أخرى لبعض أهل العلم ، والمعتمد ماسبق اعتماده ، والعلم عند الله تعالى .
الشرط الخامس من شروطالصحيح – حسب ترتيب الناظم – : الضبط: وهو مأخوذ من قوله :” يرويه… ضابط ” والضبط: هو الإتقان، والتثبت، وتحت هذا الشرط مسائل :
الأولى : أقسام الضبط : الضبط قسمان :
ضبط صدر ، وضبط كتاب ، وقد قال يحيى بن معين :” هما ثبْتان : ثبْت حفظ ، وثبْت كتاب” [55](3) اهـ .
أما ضبط الصدر؛ ففيه مباحث :
الأول : تعريفه: هو أن يُثْبت ما سمعه، بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء [56](1) .
وقول من قال : ” متى شاء ” أولى من قول من يقول :” … متى طُلِبَ منه ” وذلك للاحتراز من الطعن فيمن عُرِف بأنه عسر في الرواية، فإذا طُلِب منه الحديث، وأبى أن يحدث به ، فلا يقال : ليس بضابط ، لأنه طُلب منه الحديث ، فلم يأت به ، لأن عدم إتيانه بالحديث في هذه الحالة ليس عن قلة ضبط ، أو عجز ، بل لأمر آخر ، وهو التعسر في التحديث ، ولايلزم من ذلك اختلال في الضبط ، هذا ما ظهر لي من فرق بين الكلمتين ، والأمر في ذلك سهل ، والله أعلم .
الثاني : متى يُشْتَرط ضبط الصدر ؟
الأصل أنه يشترط في حالة الأداء، فإن جمع مع ذلك الضبط حال التحمل وما بعده ؛ فهو أفضل ، وقد يوجد من الناس من يتحمل ولايؤدي ماتحمل، كمن اشتغل بالعبادة والزهد، وأعرض عن التحديث ، فهذا في الغالب يختل ضبطه ، ولايُحتج به، وقد يوجد من يتحمل وهو صغير لايضبط ، ثم يحفظ ماكَتَبَ أو كُتِبَ له ، ويتقن حفظه ، ثم يؤديه من حفظه ، فإن أدّى حال اختلال ضبطه؛ لايُقبل ، وإن أدى حال ضبطه بأخرة ؛ قُبل منه .
الثالث : كيف يتم معرفة ضبط الصدر ؟ يعرف العلماء ذلك بأمور :
1-استفاضة ضبط الراوي بين الأئمة، وهذه الصورة هي أعلى الصور في هذا الباب .
2-تزكية بعض أئمة الجرح والتعديل للراوي بأنه يحفظ حديثه ويتقنه .
3-سَبْر روايات الراوي، ومقارنتها بروايات غيره من الثقات ؛ لينظر هل يوافقهم أم يخالفهم ؟ ويُحْكَم على حديثه بعد ذلك بما يستحق ، كما قال ابن معين : قال لي إسماعيل بن علية يومًا : كيف حديثي ؟ قلت : أنت مستقيم الحديث ، فقال لي : وكيف علمتم ذاك ؟ قلت له عارَضْنا بها أحاديث الناس ، فرأيناها مستقيمة ، فقال : الحمد لله . . . اهـ [57](2) .
4-إذا نصُّوا على أن الراوي ثقة ، وليس له كتاب ، فهذا يدل على أنه يحفظ حديثه في صدره .
5-ومن ذلك قول الراوي عن نفسه :” ما كتبت سوداء في بيضاء ” أو ” ما يضُرُّني أن تُحْرَق كتبي” ونحو ذلك مما يدل على إتقانه لحديثه .
6-باختبار الراوي، وللاختبار صور ، منها :
أ – أن يأتي إليه أحد أئمة الجرح والتعديل، فيسأله عن بعض الأحاديث ، فيحدثه بها على وجه ما ، ثم يأتي إليه بعد زمن، فيسأله عن الأحاديث نفسها ، فإن أتى بها كما سمعها منه في المرة الأولى ؛ علم أن الرجل ضابط لحديثه، ومتقن له ، أما إذا خَلَّط فيها، وقَدَّم وأَخَّر؛ عَرَفَ أنه ليس كذلك ، وتكلم فيه على قدر خطئه ونوعه، فإن كانت هذه الأخطاء يسيرة عددا ونوعا؛ احتملوها له إذا كان مكثرا، وإلا طُعِن فيه.
ومسألة كثرة الخطأ وقلته مسألة نسبية ، ترجع إلى كثرة حديث الراوي وقلته ، فمن كان مكثرًا من أحاديثه الصحيحة، وأخطأ في أحاديث قليلة ؛ احْتُمِل له ذلك الخطأ ، كمن كان عنده عشرة آلاف حديث – مثلاً – وأخطأ في عشرين حديثًا منها ، وهذا بخلاف من لم يكن عنده إلا حديث واحد – مثلا – وأخطأ فيه، فمثل هذا يكون متروكا، أو كمن عنده عشرة أحاديث، وأخطأ في خمسة منها ؛ فهذا يطعن فيه مع أن الخطأ في عشرين حديثًا ،أو خمسين حديثًا، لا يضر من كان مكثرًا، واسع العلم والحصيلة .
إلا أن النظر لا يقتصر على مسألة القلة والكثرة فقط، بل يُراعَى في ذلك أيضاً نوع الخطأ: فقد يكون الخطأ قليلاً، إلا أنه فاحش، فيذهب بحديث الراوي، كما جاء عن الدارقطني أنه قال في الربيع بن يحيى بن مقسم : حَدَّث عن الثوري عن ابن المنكدر عن جابر ، قال : جَمَع النبي –صلى الله عليه وعلى آله وسلم – بين الصلاتين ، ثم قال : وهذا حديث ليس لابن المنكدر فيه ناقة ولاجمل ، وهذا يُسقط مائة ألف حديث ” وقال أبو حاتم في “العلل ” : ” هذا باطل عن الثوري ” اهـ [58](1) .
ب – وهناك صورة أخرى لاختبار الرواة لمعرفة ضبطهم ، وهي أن يُدْخِل الإمام منهم في حديث الراوي ما ليس منه، ثم يقرأ عليه ذلك كله ،موهمًا أن الجميع حديثه، فإن أقره وقبله ، مع ما أُدخل فيه؛ طعن في ضبطه ، وإن ميز حديثه من غيره؛ علم أن الرجل ضابط، ومثال ذلك : ما حصل من يحيى بن معين مع أبي نعيم الفضل بن دكين الكوفي [59](2) ولعل لذلك صلة بالتلقين الآتي في الصورة الثالثة .
ج – ومن صور الاختبار – أيضًا – أن يلقن الإمام منهم الراوي بقصد اختباره شيئا في السند أو في المتن ، لينظر هل سيعرف ويميز؛ فيرد ما لُقِّنَه، أو لا يميز؛ فيقبل ما أُدخل عليه ،فإن ميز؛ فهو ضابط، وإلا فغير ضابط .
ومن قبول التلقين : أن يسأل الإمامُ أحدَ الرواة عن مجموعة من الأحاديث ، أي هل حدثك فلان بكذا وكذا ، وليس ذلك من حديثه ، فإن أجابه بنعَم ؛ عَرف ضعفه وغفلته ، ويُعبِّر علماء الجرح والتعديل عن الراوي الضعيف في مثل ذلك بقولهم : ” فلان يُجيب عن كل ما يُسْأل عنه ” والله أعلم.
د – إغراب إمام من الأئمة على الراوي بالحديث، فيقلب سنده، أو متنه، أو يركب سند حديث على متن حديث آخر، أو العكس ، ليعرف ضبط الراوي من عدمه أو قلته ، ويحكم عليه بما يستحق حسب حِذْقه، وفطنته، وضبطه ، أو غفلته، وعدم فهمه ، وهذا يفعله الشيوخ مع تلاميذهم لمعرفة نباهتهم وتيقظهم ، والعكس ، كما جرى من حماد بن سلمة مع ثابت البناني [60](1) .
وأما ضبط الكتاب ؛ ففيه مباحث أيضًا :
( 7 ، 8 ، 9 ) لقد سبق في كيفية معرفة عدالة الراوي برقم ( 9 ، 10 ، 11 ، 12 ) طري أخرى لمعرفة الضبط أيضًا ، فيُرجع إليها هناك ، والله أعلم .
10- وكذلك يُعرف الضبط بالمذاكرة ، كما قال أبوزرعة : كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث ، فقيل له : ومايدريك ؟ قال : ذاكرتُه ، فأخذت عليه الأبواب ” اهـ [61](2) .
11- بالنظر في كتاب الراوي : فيُعرف اختلاطه – مثلاً – وذلك إذا كانت رواية القدماء عنه مستقيمة ، ورواية الأحداث عنه مضطربة ، فَيُعْلَم من ذلك اختلاطه بأخرة .
بل يُعلم من خلال النظر في الكتاب: هل هو مدلِّس أم لا ؟ فإن كانت رواياته التي صرح فيها بالسماع عن الثقات مستقيمة ، والتي يعنعن فيها مضطربة ، وكذا التي قد يُظهر فيها واسطة ضعيفة، عُلم بذلك تدليسه ، فمن خلال النظر في الكتاب يُعلم ضبط الراوي وعدمه ، والله أعلم .
وأما ضبط الكتاب ، ففيه مباحث أيضًا :
الأول : تعريفه : وهو صيانة الراوي لكتابه منذ أدخل الحديث فيه ، وصححه ، أو قابله على أصل شيخه، ونحو ذلك؛ إلى أن يؤدي منه[62](3) وذلك لأن الراوي قد يُبتلى برجل سوء : سواء كان ابنًا، أو جارًا، أو صديقًا، أو ورَّاقًا، أو نحو ذلك، فَيُدْخِلون في كتابه ما ليس منه، فعند ذلك يُطْعَن في ضبط الراوي، ويَسْقُط حديثه .
الثاني : الطعن في الراوي بسبب عدم ضبط الكتاب : إنما يكون فيمن لم يكن عنده إلا ضبط الكتاب فقط ، أما من كان عنده ضبط صدر ؛ فلا يضره عدم ضبط الكتاب، إذا حدث من صدره، وإن كان الأفضل أن يجمع بينهما، وكذلك الحال فيما إذا لم يكن عند الراوي ضبط صدر، لكن عنده ضبط كتاب؛ فلا يضره ضعف حفظه إذا حدث من كتابه ، كما أخذ البخاري من أصول ابن أبي أويس [63](4) .
الثالث : كيف يتم معرفة ضبط الكتاب ؟
يُعْرف ذلك بعدة أمور :
1-التنصيص من إمام على أن فلانًا صحيح الكتاب ، أو أن كتابه هو الحَكَم بين المحدثين ، أو أن كتابه كثير العجم والتنقيط، ونحو ذلك مما يدل على ضبطه لكتابه .
2-التنصيص على أن أصل الراوي الذي يُحدِّث منه مُقَابلٌ على أصل شيخه، أو على نسخة معتمدة منه.
3-أن يوافق حديثُهُ الذي يرويه من كتابه حديثَ الثقات، فإن هذا يدل على ضبطه لكتابه، وقد يكون عنده ضبط صدر ، وقد لايكون .
4-التنصيص على أنه لم يكن يُعير كتابه، ولايُخْرِج أصله من عنده؛ لأن فاعل ذلك قد ينسى المعار إليه ،وقد يعيره للمأمون وغير المأمون؛ فيؤدي ذلك إلى إدخال شئ في كتابه، وهو ليس من حديثه ، وقد لا يميز ذلك ، لاسيما إذا لم يكن عنده حفظ وإتقان لحديثه، فيسقط حديثه .
( إشكال) لو قيل : لماذا لم يشترط الناظم –رحمه الله – في الحديث الصحيح تمام الضبط، وإنما اكتفى بقوله ” يرويه عدل ضابط …” ؟
والجواب : أن الضبط إذا أُطْلِق فإنما ينصرف الذهن إلى تمامه، لا إلى أصله، فيكون المراد من قوله : ” ضابط ” أي تام الضبط .
( فائدة ) : هل هناك فرق بين بين قولهم في حديث ما : “حديث صحيح ” و”إسناده صحيح”و” رجاله ثقات”و” رجاله رجال الصحيح”؟
الجواب : إن بين هذه العبارات فرقاً ، والعلماء – في الأصل – لايغايرون بينهما إلا لمعنى، وإن كان بعضهم قد لايراعي هذا الأمر في مواضع، فَيَسْتَخْدِم هذا القول في موضع ذاك ، والله أعلم.
والفرق بينهما يكمن في كون بعضها أعلى من بعض ، وذلك راجع إلى توافر شروط الصحة الخمسة، أو النقص منها ، وترتيبها من الأعلى إلى الأدنى كالتالي:
1-فأعلاها قولهم:”حديث صحيح” إذْ أنه يعني توافر جميع شروط الصحة التي قد سبق ذكرها.
2-ويليه قولهم :”إسناده صحيح”لكونه لم تتوافر فيه إلا ثلاثة شروط من شروط الصحة، وهي: العدالة، والضبط، والاتصال ، دون التأكد من السلامة من الشذوذ والعلة .
وهذه اللفظة إنما تفيد صحة الإسناد ظاهرًا لاحقيقة.
3-ويليه قولهم:”رجاله ثقات” فإنه يعني توافر شرطين فقط، هما: العدالة، والضبط، دون تعرض لبقية شروط الصحة من الاتصال، والسلامة من الشذوذ والعلة،أضف إلى ذلك أن بعضهم قد يقول:”رجاله ثقات”ولايعني التوثيق الاصطلاحي، وإنما يعني من يُحتج به؛ وإن كان دون الثقة، وهذا القول أعلى من قولهم : ” رجاله مُوَثَّقون ” [64](1) .
4-ويليه قولهم:”رجاله رجال الصحيح” لكونه لم يتوافر فيه إلا شرط متيقن، وهو العدالة، وشرط غير متيقن وجوده : وهو الضبط التام؛لأن من رجال الصحيح من هو ثقة،ومنهم من هو صدوق ،ومنهم من في حفظه لين، وقد يخرِّج له صاحب الصحيح في الشواهد ، وقد يخرج له احتجاجًا مُعْتَمِدًّا على قرائن غير مطردة في جميع روايات الراوي.
وأيضًا فليس في هذه العبارة مايدل على السلامة من الشذوذ والعلة ،ولامايدل على ثبوت الاتصال، والله أعلم.
على أن هذا القول قد يتوسع فيه بعضهم – كالبيهقي – ويطلق ذلك على شيوخ الطبراني ، وليسوا من رجال الصحيح .
( تنبيه ) : هذه الفروق المذكورة بين العبارات : يُعمل بها مالم يذكر الإمام أن الإسناد صحيح، ويكون ذلك منه في مقام الاحتجاج – كما سبق – أو يُعلم أن الإمام لايراعي هذه الفروق ، بل يُطلق الجميع ويريد الصحة ، والله أعلم .
وبهذا ينتهي ما يسر الله به من الكلام على ما ذكره الناظم –رحمه الله- من تعريف الحديث الصحيح، وبيان شروطه .
وتلخيص هذه الشروط على النحو التالي :
إن للحديث الصحيح خمسة شروط ، ثلاثة منها لابد من ثبوتها ، وهي الاتصال والعدالة والضبط ، وشرطان منها لابد من انتفائهما، وهما الشذوذ والعلة .
وقد يقال : شروط الصحيح منها ما هو عام في الراوي – لا مجرد حديث بعينه – ومنها ما هو خاص برواية بعينها ، وهاك التفصيل :
(أ) الاتصال شرط خاص بالرواية .
(ب)نفي الشذوذ والعلة شرط خاص بالرواية ، أي أن الراوي الضابط قد يوجد في أحاديثه الأخرى شذوذ وعلل ، لكن الرواية السالمة من ذلك لاتتضر بالأخطاء الأخرى مالم تكثر ، أو تفحش .
(ج) العدالة والضبط شرطان لابد من توافرهما في الراوي ، فإذا لم يكن عدْلا؛ سقط كل حديثه ، وإذا لم يكن ضابطًا ؛ لم يُحتج بحديثه أصلاً ، وقد يسقط كله ، والله أعلم .
(فائدة أخرى ) : سبق تعريف الحديث الصحيح ، وبيان شروطه ، إلا أن العلماء قد يطلقون القول بذلك في بعض الرواة أو الأحاديث، ولا يريدون بذلك المعنى الاصطلاحي السابق .
فقد يريدون بذلك مجرد صحة سماع الراوي من شيخه ، وإن كان متروكًا ، أو يقصدون مطلق الأحاديث التي يُحتج بها ، فيدخل في ذلك الحسن ، أو يريدون أن الحديث ليس بمنكر ، وإن كان راويه لا يحتج به ،أو يريدون حديثًا مختلفًا فيه، والصحيح فيه حديث فلان إلى فلان،لا إلى رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – أو ما اعتضد بطرق أخرى ، أو بالتلقي بالقبول ، أو صحيح المعنى لا السند ، وغير ذلك [65](1) .
“الحديث الحسن “
قال الناظم – رحمه الله – :
| 5- والحسَنُ المعروفُ طُرْقًا وغَدَتْ | رِجَالُهُ لاكالصحيحِ اشْتَهَرَتْ |
تكلم الناظم – رحمه الله – في هذا البيت على حدِّ الحديث الحسن لذاته ، وذلك بعد أن فرغ من الكلام على الحديث الصحيح ، وقدَّم الصحيح على الحسن لعلو قدره ، وعِظَم شأنه.
وقوله :”طُرْقا” بسكون الراء عند الأكثر ، وبعضهم يحركها “طُرُقًا”.
وتحت هذا البيت عدة مسائل:
●المسألة الأولى : تعريف الحديث الحسن عند الناظم –رحمه الله –:
عَرّف الناظم الحديث الحسن بأنه:المعروف طرقه ، والمشهور رجاله شهرةً دون شهرة رجال الصحيح “.
ويظهر من كلام البيقوني –رحمه الله – أنه يشترط في الحديث الحسن شرطين:
1-أن تكون طرقه معروفة ، وهذا الشرط مأخوذ من تعريف الخطابي –رحمه الله – كما سيأتي إن شاء الله تعالى .
2- اشتهار رجاله شهرة لاتبلغ شهرة رجال الصحيح، وذلك ـ فيما يظهر ـ من جهة الضبط ، وأما العدالة فلايشترط أن يكون رجال الحسن دون رجال الصحيح فيها، فقد يكون بعض رجال الحديث الحسن أَعْبَدَ وأتقى لله من بعض رجال الحديث الصحيح . علمًا بأن هذه العبارة مأخوذة من عبارة الخطابي :” واشتهر رجاله ” كما لا يخفى .
●المسألة الثانية: الاعتراضات الواردة على تعريف البيقوني –رحمه الله -:
اعلم أن الشرطين السابق ذكرهما لم يفيا بتعريف الحديث الحسن ، وذلك من وجوه:
(أ)أن الشرط الأول ـ وهو المعروف طرقه – غير مانع : إذْ أنه يدخل فيه الحديث الصحيح ،والضعيف ،والموضوع ، إذ كل منها طرقه معروفة ، فالصحيح طريقه معروفة بعدالة الرواة وضبطهم ، والضعيف طريقه معروفة بضعف راويه ، وهكذا الموضوع طريقه معروفة بكذب راويه ، ونحو ذلك ، وإن كان قد ينازع في إدخال الضعيف والموضوع .
(ب)أن ظاهر عبارته اشتراط العدد في طرق الحديث الحسن ، لقوله “طرقا” ومعلوم أن كلامه هذا إنما يتأتى إذا كنا بصدد تعريف الحسن لغيره، لا الحسن لذاته وهو المراد في تعريف الناظم لقوله ” لاكالصحيح اشتهرت” ولأن الحسن لذاته أولى في البدء بالتعريف من الحسن لغيره، والناظم لم يُعَرِّف قسما آخر للحسن غير هذا ، وتعريفه فيه افتباس من تعريف الخطابي للحسن لذاته ؛ فترجح أن مراده بهذا التعريف الحسن لذاته ، وعليه ،فالإيراد وارد عليه ، إلا أن يقال: مراده تعريف الأحاديث الحسان التي طرقها معروفة …. الخ ،وهو وإن كان خلاف الظاهر ؛ إلا أنه مما يُعتذر به عن الناظم ، وقد يقال : المراد بالطرق الرواة ، وفيه بُعْد ، لأنه لا يطلق على رواة السند الواحد طرق ، والله أعلم.
(ج) اشتراطه شهرة الرواة شهرة لا كشهرة رجال الصحيح : قد يقال فيه :إنه غير كافٍ ؛ لأنه قد يرد على ذلك رجال الضعيف ، فإنهم قد اشتهروا -أيضا- بالضعف ، ويصدق عليهم أنهم دون رجال الصحيح في الضبط، ومعلوم أن الناظم لم يرد هذا ، لكن لفظه لم يغلق الباب بالكلية أمام مالم يُرِدْ تعريفه .
وقد يجاب عن الناظم بأن سياق كلامه في منظومته يدفع هذا الإيراد أصلاً؛ لأنه عَرَّف الضعيف بعد ذلك ، فلا يكون مرادًا هنا ، وعلى كل حال فالدقة في التعاريف أولى ، والله أعلم .
(د) لم يصرح الناظم باشتراط الاتصال والعدالة ، كمالم يشترط سلامة الحديث الحسن من أن يكون شاذًّا أو معللا.
وقد فُسِّر تعريف الخطابي ـ الذي اقتبس منه الناظم تعريفه للحسن ـ بأن معرفة الطرق تتضمن الاتصال ، والعدالة ، ونفي الشذوذ والعلة ، وهذا كله يستفاد من تمثيلهم لذلك برواية الراوي عن أهل بلده ، كقتادة في البصريين وعطاء في المكيين، وهكذا .
وعندي في هذا نظر : لأن هذا المثال مثال الحديث الصحيح لا الحسن ، وأيضا فالحسن لايقتصر على رواية الرجل عن أهل بلده ، وهذا النوع من الروايات قليل بالنسبة لغيره من الروايات التي يرويها العدل عن مثله ، دون النظر إلى اتحاد البلد ، وإذا كان هذا قليلا؛ فيرده قول الخطابي في بقية التعريف :” وعليه مدار أكثر الحديث ” .
وعلى كل حال: فالتعاريف ينبغي أن تكون صريحة في العبارة ، غير موهمة ، أو محتملة ، وهذا مالم يكن هنا ،سيأتي – إن شاء الله تعالى – قريبًا كلام حول تعريف الخطابي ، له صلة بهذه المسألة ، والله أعلم .
(هـ ) وقوله :” رجاله لا كالصحيح اشتهرت ” ظاهره أنه يشترط في جميع رجال السند أن يكونوا دون شهرة رجال الصحيح ، وليس كذلك ، بل استبعد أن يكون هذا مرادًا عند الناظم، إنما يكفي أن يوجد رجل واحد كذلك في السند ، والله أعلم .
●المسألة الثالثه : تعريفات أخرى للحديث الحسن:
عَرَّفَ جماعةٌ من العلماء الحديث الحسن بتعاريف عدة ، فمن ذلك :
أولا : تعريف الإمام الخطابي:
عَرَّفه بقوله:”هو ما عُرِف مخرجه ، واشتهر رجاله ، وعليه مدار أكثر الحديث ، وهو الذي يقبله أكثر العلماء ، ويستعمله عامة الفقهاء ” [66](1) .
وقوله : ” ما عُرِف مخرجه” للعلماء في تفسيره قولان:
1-أن المراد بذلك: ما اتصل سنده، فخرج بذلك كل ما كان فيه انقطاع [67](2) .
2- أن المراد بذلك : أن يكون راويه معروفًا بأخذ الحديث عن أهل بلده،كقتادة في البصريين،وعمرو بن دينار في المكيين،والزهري في المدنيين، وابن وهب والليث في المصريين، وهكذا.
فكل من هؤلاء معروف بأخذ حديث أهل بلده، والمقصود من هذا أن الراوي إذا عُرف بأخذ الحديث عن أهل بلد ما، فإنه لايكون كذابًا – حيث أنه صار المرجع في حديث ذاك البلد – ويكون قد ضبط حديثهم، وأتقنه .
إلا أن تعريف الخطابي هذا لايخلو من انتقادات ، وهي :
(1)أن عبارته هذه ليس فيها كبير تلخيص ، ولاهي جارية على صناعة الحدود والتعريفات، كما ذكر ذلك ابن دقيق العيد والذهبي – رحمهم الله [68](3) – ولما فيها أيضًا من التكرار والتداخل، إذْ فُسِّر قوله ” عرف مخرجه ” ببعض ما فُسِّر به قوله ” واشتهر رجاله ” .
وذهب بعضهم [69](1) إلى أن تعريف الخطابي مقتصر على قوله : ” هو ما عُرِف مخرجه ، واشتهر رجاله ” وأما بقية كلامه فتوضيح لا تعريف،ولو سلمنا بهذا؛ فهو مع ذلك لم يَسْلَم من الإيراد – كما سيأتي – والله أعلم .
(2)كون التعريف غير مانع : لأنه لم يَجْمع أوصاف الحديث الحسن ، ليحترز بها عن غيره ، فلم يشترط انتفاء الشذوذ والعلة عنه، هذا إن سلمنا بأن قوله”ما عرف مخرجه واشتهر رجاله” يتضمن الاتصال والعدالة ، والضبط .
وظاهر قوله : ” اشتهر رجاله ” يُدْخِل رجال الصحيح والضعيف[70](2) ، كما سبق في نقد تعريف الناظم، وإن كان كلام الناظم في هذا الموضع أدق من كلام الخطابي : لقوله “لاكالصحيح اشتهرت” فقيد الشهرة ولم يطلقها، كما فعل الخطابي –رحمه الله-
إلا أن قوله ” ويقبله أكثر العلماء” يَرُدُّ الاعتراض عليه بدخول رجال الصحيح والضعيف ، حيث إن الصحيح يقبله كل العلماء ، والضعيف لايقبله أكثرهم ، وإن قبله بعضهم؛ فذلك في مواضع معينة، فترجح أنه أراد ما يبلغ الصحة أو الضعف ، وإن كانت عبارته فيها ما فيها ، والله أعلم .
(3) قوله : ” وعليه مدار أكثر الحديث” فيه بحث، فهل يسلم للخطابي أن أكثر الأحاديث من قبيل الحسان؟!هذا يحتاج إلى بحث ونظر.
ويظهر من كلام الخطابي –رحمه الله – أنه يريد أن يعرف الحسن لذاته،لا الحسن لغيره، والله أعلم .
ثانياً : تعريف الإمام الترمذي – رحمه الله : فقد ذكر في ” سننه ” أن الحديث الحسن هو :” كل حديث يُرْوَى : لا يكون في إسناده من يُتَّهَم بالكذب، ولايكون الحديث شاذًا، ويُرْوَى من غير وجه نحو ذلك ” .
قال :” فهو عندنا حديث حسن ” [71](3) .
فيظهر من كلامه أنه أراد أن يعرف الحسن لغيره، وأنه يشترط فيه ثلاثة شروط :
1-ألا يكون في إسناده من يُتَّهَم بالكذب.
2-ألا يكون شاذًّا .
3-أن يروى من غير وجه بنحوه .
وفي هذا التعريف عدة مناقشات:
(1) قوله ” ألاّ يكون في إسناده مَنْ يُتَّهَم بالكذب” ظاهره: إدخال من ليس بمتهم ، وإن كان متروكًا لشئ آخر غير التهمة ، أو واهيًا ضعيفًا ، وكذا يدخل فيه الثقة ، والصدوق ، والذي يظهر أن هذا غير مراد ، إلا أن العبارة غير دقيقة .
ولما كُنا نَعْلَم أن الإمام الترمذي ماكان ليترك رواية راوٍ شديد الضعف لتهمته بالكذب ، ويَقْبل رواية من هو شديد الضعف لفحش غلطه – مثلاً- فيفرق بين أمرين يشتركان في الضعف الشديد، فلما كان ذلك كذلك؛ فيمكن أن يقال : إن الترمذي –رحمه الله- أشار بقوله هذا إلى الاحتراز من رواية من اشتد ضعفه من جميع الأصناف ، ومثَّل لذلك بالمتهم ، لا أنه حصر الضعف في التهمة [72](1) .
أقول هذا دفاعًا عن أبي عيسى –رحمه الله – وإلا فعبارته غير مانعة ، والله أعلم .
(2) قوله : ” ألا يكون في إسناده من يتهم بالكذب” إن نظرنا إليه من جهة الضبط ؛ فقد سبق في الإيراد الأول أنه ليس بمانع ، وإن نظرنا إليه من جهة العدالة في الدين ؛ فقد أخرج الوضاع، والكذاب، والمتهم بالكذب في الحديث النبوي ، وبقي غير هؤلاء ،ومنهم : الغلاة الرؤوس في البدعة، وأهل الفجور والفسوق، وهؤلاء قد رد الأئمة روايتهم – على تفاصيل في أهل البدع – وليسوا بعدول في الرواية ، لكن هل يطلق عليهم – اصطلاحًا- أنهم متهمون بالكذب ؟ الظاهر:لا ، وإن كانت النفس – مع ذلك – لاتطمئن على الحديث النبوي من جهتهم ، والله أعلم .
(3) اقتصار الترمذي على قوله : ” ألا يكون شاذًا ” دون اشتراطه السلامة من بقية العلل .
ويجاب عنه فيقال:هل يُفْهَم من كلام الترمذي :أنه لا يشترط في الحديث الحسن انتفاء العلة ؟
والجواب : مع أن عبارته قد تدل على ذلك؛ إلا أننا لانستطيع أن ننسب هذا الرأي للترمذي؛ لأنه إمام من أئمة هذا الشأن، ولا يمكن أن يُحَسِّن حديثًا فيه علة يعلمها، لأن العلة الخفية إذا كانت تقدح في رواية راوي الحديث الصحيح؛ فلأن تقدح في رواية راوي الحديث الحسن لغيره – والأصل فيه الضعف – من باب أولى .
فملخص ذلك : أنه قد يقال – من باب الاعتذار عن الترمذي – أنه – رحمه الله – أشار إلى اشتراط نفي جميع العلل الخفية القادحة بقوله : ” ولايكون شاذًّا” ومعلوم أن الشذوذ، والقلب ، والإدراج: علة خفية تقدح في صحة الحديث ، فما كان الترمذي ليحترز من علة ويرضى بالأخرى؛ لأن التفريق بين المتماثلات – دون دليل – معيب عند العقلاء – فضلاً عن كبار العلماء – ومع ذلك فلو اشترط انتفاء العلة ليدخل في ذلك الشذوذ، لكان أولى من العكس ؛ إذ كل شذوذ علة بلا عكس ، والله أعلم .
فإن قيل : لقد أجاب الحافظ عن الترمذي في هذا الموضع في ” النكت” [73](1) بما حاصله : أن الترمذي لم يشترط انتفاء العلة ؛ لأن الانقطاع علة ، وضعف الراوي علة، وعنعنة المدلس علة ، والترمذي لم يُرد الاحتراز من ذلك .
فالجواب : أن ما ذكره الحافظ خاص بالعلل الظاهرة ، والكلام هنا عن العلل الخفية التي تدل على وهم الراوي وخطئه في الرواية.
فإن قيل : لقد احترز الترمذي من وقوع هذا الخطأ بقوله:” ولايكون شاذًّا … ” .
فالجواب : أن الشذوذ نوع من العلة ، وبقيت أنواع أخرى كالقلب، والإدراج ، فالرواية المقلوبة أو المدرجة لايستشهد بها .
فإن قيل : إن جميع العلل ترجع إلى مخالفة المقبول من هو أوثق منه ، وهذا معنى الشذوذ الناتج عن المخالفة ، فاشتراط الترمذي انتفاء الشذوذ كافٍ عن التنصيص على اشتراط انتفاء بقية العلل ؟
فالجواب من وجهين :
الأول: أننا لانسلم بأن جميع العلل هي من باب مخالفة المقبول لمن هو أوثق منه في شيخهما، فقد تعرف العلة بمخالفة المنصوص عليه في الشرع ، أو مخالفة المشهور عند أهل العلم، وإن لم يتحد المخرج .
الثاني : أن العلماء ذكروا أن الأحاديث التي فيها علة خفية لاتعرف إلا بجمع الطرق ، ولم يجعلوها نوعًا واحدًا مقتصرًا على الشذوذ ، بل ذكروا الحديث الشاذ، والمدرج، والمضطرب، والمقلوب ، وفرَّقوا بين هذه الأنواع، وإن كانت – في الجملة – ترجع إلى المخالفة .
(4) يفهم من عدم اشتراط الترمذي الاتصال أن جميع صور الانقطاع تصلح في الشواهد ، والصحيح أن الذي يصلح للشواهد ما كان من قسم المنقطع الاصطلاحي ، لا المعضل ولا المعلق إذا كان الساقط فيه أكثر من واحد ، والله أعلم .
والخلاصة : فمع أن عبارة الترمذي غير سالمة من الإيرادات ـ إذا نظرنا إليها من جهة صناعة الحدود ـ إلا أنه قد يقال من باب الدفاع على الترمذي :
1-أراد الترمذي إشتراط العدالة في الحديث الحسن بقوله :” ألا يكون في إسناده من يُتهم بالكذب ” وفي ذلك إشارة إلى اشتراط العدالة ، والتحرز من كل ما يُجَرِّىْ الراوي على القول على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالمجازفة وعدم التحرز .
فيدخل في ذلك كل من لم يُجَرَّح من قِبَل عدالته ، كالمجهول ، والمستور ، وأما الفساق بسبب الشهوات ؛ فيلحقون ـ حُكْمًا ـ بالمتهمين ، لاحتمال تجرئهم على الكذب ، وأما فساق التأويل ؛ فمن رُدَّ منهم فيُلحق بالمتهمين ـ حكمًا ـ للعلة السابقة .
2- وأيضًا فقد أراد الترمذي اشتراط الضبط ـ في الجملة ـ باشتراطه تعدد الطرق ، والسلامة من الشذوذ ، فإن تعدد الطرق يجبر الضعف الخفيف لا الشديد ، ولعل في هذا إشارة إلى إخراج من اشتد ضعفهم من جهة الضبط [74](1) .
كما أن اشتراط تعدد الطرق يُبْعد احتمال أن يكون الثقة والصدوق مراديْن ـ عند الترمذي ـ في التعريف كما فهمه بعضهم [75](2) ، فإنه لا يشترط في رواية الثقة والصدوق لتكون حسنة تعدد الطرق !! ولو كان ذلك مرادًا ؛ لكان الحسن عند الترمذي أعلى من الصحيح ، وهو بعيد ، والله أعلم .
3-أشار الترمذي بقوله :” ولا يكون شاذًّا ” إلى نفي جميع العلل عن الحديث الحسن ، فإن التفريق بين المتماثلات معيب عند العقلاء ـ فضلاً عن كبار أهل العلم ـ .
4-ظاهر صنيع الترمذي ـ رحمه الله ـ عدم اشتراط الاتصال ، لأن الانقطاع من العلل التي تنجبر بجمع الطرق ـ في الجملة ـ .
وعلى ذلك : فتعريف الترمذي وإن خولف في بعض عباراته ؛ إلا أن النتيجة واحدة ، والعبرة بالمعاني لا بالمباني ، والله أعلم .
ثالثاً : تعريف الإمام ابن الصلاح :
قال –رحمه الله – بعد ذكره لتعريف الخطابي والترمذي : ” وكل ذلك مستبهم لا يشفي العليل ، وليس فيما ذكره الترمذي والخطابي ما يفصل الحسن عن الصحيح ، وقد أمعنت النظر في ذلك والبحث ، جامعًا بين أطراف كلامهم ، ملاحظًا مواقع استعمالهم ، واتضح أن الحديث الحسن قسمان:
أحدهما :” الحديث الذي لايخلو رجال إسناده من مستور،لم تتحقق أهليته ، غير أنه ليس مغفلاً كثير الخطأ فيما يرويه ، ولا هو متهم بالكذب في الحديث ، أي لم يظهر منه تعمد الكذب في الحديث، ولا سبب آخر مفسِّق، ويكون متن الحديث مع ذلك قد عُرف بأنه روى مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر ، حتى اعتضد بمتابعة من تابع راويه على مثله ، أو بماله من شاهد ، وهو ورود حديث آخر بنحوه ، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذًّا ومنكرًا ” قال:” وكلام الترمذي على هذا القسم يتنـزل ” .
القسم الثاني :” أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح؛ لكونه يَقْصُر عنهم في الحفظ والإتقان ، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يُعَدُّ ما ينفرد به من حديثه منكرًا، ويعتبر في كل هذا – مع سلامة الحديث من أن يكون شاذًّا ومنكرًا – سلامته من أن يكون معللاً ” قال: ” وعلى هذا القسم يتنـزل كلام الخطابي ” .
قال : ” فهذا الذي ذكرناه جامع لما تفرق من كلام من بلغنا كلامه في ذلك ، وكأن الترمذي ذكر أحد نوعي الحسن ، وذكر الخطابي النوع الآخر ” [76](1) اهـ .
وبهذا الكلام السابق يتضح للناظر أن ابن الصلاح –رحمه الله – عرَّف نوعي الحديث الحسن ، فتعريفه الأول خاص بالحديث الحسن لغيره ، وعليه نَزَّل كلام الإمام الترمذي .
وأما تعريفه الثاني فخاص بالحسن لذاته ، وعليه نَزَّل كلام الإمام الخطابي.
وقوله في تعريف الحسن لغيره : ” لم تتحقق أهليته ” أي من جهة الضبط ، أما من جهة العدالة فقد نص على أن الراوي مستور ، ولما كان عدم تحقق أهلية الضبط يدخل فيه من كان ضعفه شديدًا – وهو ليس مرادًا هنا – أخرجه بقوله ” غير أنه ليس مغفلاً كثير الخطأ … ” الخ .
هذا، وقد يقال : قوله: ” لم تتحقق أهليته ” تفسير لقوله : ” مستور” لأنه تكلم بعد ذلك عن العدالة بقوله ” ولاهو متهم بالكذب في الحديث….” الخ .
واعلم أن ما سبق من كلام ابن الصلاح عليه بعض الإيرادات، وهي قسمان :
أ-ما يَرِدُ عليه في تعريفه الحسن لذاته : وإن كان ابن الصلاح قد بدأ بتعريف الحسن لغيره، فإن الحسن لذاته أعلى رتبة ،والإيرادات الواردة عليه في هذا القسم كالتالي :
1- قوله : ” أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة ” صريح في اشتراطه الشهرة في العدالة ، وليس ذلك شرطًا في راوي الحديث الصحيح فضلاً عن الحسن ، وإنما يُشْتَرط فيهما أن يكون عدلاً ، وليس كل من كان عدلاً عند أحد من الأئمة؛ كان عدلاً عند غيره ، فضلاً عن أن يكون كذلك عند الكل أو الجل ، ويستبعد أن ابن الصلاح يريد هذا الشرط؛ فإنَّ واقعه وواقع غيره من العلماء ليس كذلك ،وإنما مراده مطلق العدل ، وليس العدل المطلق، وإلا فعبارة ابن الصلاح دالة على هذا الشرط ولذا لزم التنبيه، والله أعلم .
2- قوله: ” وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يُعَدَّ ما ينفرد به من حديثه منكرًا ”
المنكر عند ابن الصلاح نوعان :
1 – مخالفة الراوي – فيدخل الثقة والضعيف – لمن هو أولى منه .
2- تفرد الضعيف ، وكلاهما بمعنى الشاذ – أيضًا – عنده .
فقوله : ” يرتفع عن حال من يُعَدِّ ما ينفرد به من حديثه منكرًا ” احتراز من الضعيف ، الذي تفرده يُعدُّ منكرًا ، ثم اشترط بعد ذلك السلامة من الشذوذ والنكارة ، وهو احتراز من النوع الثاني من الشاذ والمنكر ، والناتج عن المخالفة .
ومع ذلك : ففي كلامه شئ من الإيهام والغموض الذي يجعل الواقف على كلامه غير مُدرك لمراده بجلاء ؛ فإن مراده : أن يكون رجال الحسن دون رجال الصحيح في الضبط ، وفوق درجة الضعف في الحفظ ، فلو عبر بذلك ، أو قال: من خف ضبطه ؛لكان أولى ، وأوضح ، وأخْصَر، والله أعلم .
3-أنه لم يشترط الاتصال، وهو شرط لابد منه في الحسن لذاته .
4- اشتراطه سلامة الحديث من النكارة – في قوله : ” ويعتبر في كل هذا مع سلامة الحديث من أن يكون شاذًّا ، أو منكرًا – حَشْو لا حاجة له ، فيغني عنه اشتراطه سلامته من الشذوذ، لاسيما على مذهبه في عدم التفريق بين المنكر والشاذ، وعلى مذهب من يفرق بين الشاذ والمنكر ؛فقد خرج المنكر بقيد ألا يكون راويه ضعيفًا ، وأيضًا فنفي الشذوذ يستلزم نفي النكارة من باب أولى [77](1) .
ب- ما يرد عليه في تعريفه الحديث الحسن لغيره:
يرد عليه ما أُورِد على تعريف الترمذي فيما سبق، إلا أنه يستثني من ذلك ما أُورِد على الترمذي في قوله: ” وألا يكون فيه من يتهم بالكذب” ففي كلام ابن الصلاح ما يدل على السلامة – في الجملة – من الإيراد عليه في هذا الموضع ،ومع هذا ؛ فإن ابن الصلاح ترد عليه أمور لم ترد على الترمذي، وهي :
1-أنه لم يشترط نفي الشذوذ الناتج عن المخالفة للأوْلى لامجرد تفرد الضعيف، وهو شرط قد نَصَّ عليه الترمذي، إلا أن ابن الصلاح قد جعل السلامة من الشذوذ ثمرة رواية الحديث من وجهين فأكثر ، ولايلزم من ذلك نفي الشذوذ فقد يروي الحديث ضعيفان ، مخالفيْن للثقة الحافظ أو أكثر، فيكون القول قول الثقة الحافظ ، وتكون رواية الضعيف – مع المتابعة – منكرة ، وظاهر كلام ابن الصلاح أن مطلق المتابعة يدفع الشذوذ والنكارة بقسيمها،وليس كذلك.
فالترمذي جعل انتفاء الشذوذ في التعريف شرطًا مستقلاًّ مع اشتراطه أيضًا رواية الحديث من غير وجه .
علما بأن ابن الصلاح يرى أن الشذوذ الذي بمعنى المخالفة ضعف لاينجبر [78](1) .
2-قوله: ” لايخلو رجال إسناده من مستور ” يقال : لايُشْتَرط في الحديث الحسن لغيره أن يكون كذلك ، فقد لايكون في الإسناد مستور أصلاً ، ومع ذلك يكون حسنًا لغيره، فعلى سبيل المثال كون أحد رجاله مشهورًا من جهة العدالة ، لكنه ضعيف من جهة الضبط – ومن كان كذلك فلا يسمى مستورًا- فإذا جاء له عاضد مثله صار به حسنًا ، هذا إذا فسرنا قوله : ” مستور ” من جهة العدالة لا الضبط [79](2).
3-الإسهاب في التعريف ، مع أن الاختصار كان أليق بالمقام.
وعلى كل حال: فيمكن الاعتذار عن ابن الصلاح –رحمه الله – بأنه أراد أن يضع للحديث الحسن لغيره قاعدة تجمع جميع أفراده ، ولما كان ذلك فيه عسر ومشقة؛[80](3) لم يكن تعريفه دقيقًا ، ولذلك قال الإمام الذهبي –رحمه الله – في ” الموقظة” [81](4) ثم لاتطمع بأن للحسن قاعدة تندرج كل الأحاديث الحسان فيها ، فأنا على إياس من ذلك ” اهـ.
رابعًا : تعريف الحافظ ابن حجر –رحمه الله تعالى – :
عرف الحافظ-رحمه الله – الحديث الحسن لذاته بتعريف أدق من تعريف غيره،فقد عرف الحديث الصحيح أولاً بقوله:” وخبر الآحاد، بنقل عدل تام الضبط ، متصل السند، غير معلل ولاشاذ، هو الصحيح لذاته” .
ثم قال: ” فإن خَفَّ الضبط ؛ فالحسن لذاته” [82](5) .
فهو –رحمه الله – يرى أن شروط الحديث الحسن هي شروط الحديث الصحيح ، إلا شرطًا واحدًا: وهو تمام الضبط ، فإنه يُشْتَرط في الصحيح ، أما الحسن فَيُشْتَرَط خفة الضبط، وهذا أدق مما سبق من تعاريف ، ومع ذلك فحوله بعض المناقشات ، أذكرها ، وأذكر الجواب عنها ما أمكن – إن شاء الله تعالى –
(1) كيف نعرف أن هذا الراوي تام الضبط ، وهذا خفيف الضبط، وما هو الضابط في ذلك [83](1) ؟
الجواب : أن علماء الجرح والتعديل لهم عبارات، تدل على أن من قيلت فيه فهو من رجال الحديث الصحيح، فيعبرون بها عن تمام الضبط، كقولهم مثلاً :”ثقة حافظ”و”ثقة ثبت”و”ثقة متقن”و”ثقة”و”مستقيم الحديث”…. الخ .
ولكثير منهم عبارات – أيضًا – تدل على أن من قيلت فيه فهو من رجال الحديث الحسن ، فيعبرون بها عن خفة الضبط ، كقولهم مثلاً:” صدوق،لابأس به ، مأمون،خيار…” إلى غير ذلك .
وهذا كله فَرْعٌ عن سبرهم روايات الراوي ومقابلتها بروايات غيره من الثقات ، ثم النظر في مقدار موافقته، أومخالفته، أوتفرده، ومن ثَمَّ يحكمون عليه بما يستحق مدحًا أو قدحًا – على تفاصيل في ذلك، ليس هذا موضعها –
فلا إشكال حول عبارة الحافظ : ” فإن خف الضبط . . . ” لأن معرفة ذلك تكون بالرجوع إلى سُلَّم الجرح والتعديل ؛ لمعرفة ألفاظ هذه المرتبة ، والله أعلم .
وقول الصنعاني : ” لاعُرْف في مقدار خفة الضبط ” قول غير مقبول ؛ لأن التفاوت بين مراتب الجرح والتعديل ، ومعرفة منـزلة كل مرتبة ، وما تحويه من عبارات ؛ كل هذا معروف مشهور ، وهم وإن لم يقولوا : فلان خفيف الضبط ؛ فقد عبّروا بما يدل على ذلك ، والناظر في كتب الرجال ، وأحكام الأئمة على الرواة ؛ وترجيحهم راويًا على آخر لقوة الضبط وخفته ؛ لايكاد يتردد في رد كلام الصنعاني – رحمه الله – أما من كان له اصطلاح خاص في عبارة من العبارات ؛ فإن ذلك لايؤثر على العرف العام ، والله أعلم .
(2)فإن قيل: إن قوله :”فإن خف الضبط ” غير مانع؛ لأنه يُدْخِل الحديث الضعيف، فراويه خفيف الضبط أيضًا ؟
فالجواب : أن خفة الضبط لاتُطْلق في الاصطلاح على من ضَعْفُه واضح – وإن كان يقوى بالانجبار – بل معناها: أن الرجل عنده أصل الضبط ، لكن فيه خفة ،وهذا لايقال في الضعيف فضلاً عن الضعيف جدًا .
(3)أن الحافظ اشترط في الحسن ما اشترط في الصحيح –دون تمام الضبط- ومن شروط الصحيح ” أن يتصل سنده بنقل عدل تام الضبط ” فيفهم منه أن الحسن يشترط فيه ” أن يتصل سنده بنقل عدل خفيف الضبط ” أي أن خفة الضبط شرط في جميع طبقات الحديث الحسن ، كما أن تمام الضبط شرط في جميع طبقات الحديث الصحيح؟!
والجواب : أن هذا ليس مرادًا للحافظ –رحمه الله- وصنيعه أكبر شاهد على هذا ،وإن كانت عبارته توهم ذلك ، بل الحديث يكون حسنًا بمجرد وجود خفة الضبط ولوفي طبقة واحدة.
ولو أن الحافظ –رحمه الله – قال بعد تعريف الحديث الصحيح :” فإن خف الضبط في أحد رواته أو أكثر؛ فهو الحسن لذاته” لكان بعيدًا عن الإيهام والاعتراض ، والله أعلم.
ومما يدل على أن كلام الحافظ يوهم اشتراط خفة الضبط في جميع السند للحديث الحسن لذاته :
ما حاء في ” الأجوبة اللائقة على الأسئلة الفائقة ” [84](1) فقد قال الحافظ : ” هو الحديث المتصل السند ، برواةٍ معروفين بالصدق ، في ضبطهم قصور عن ضبط رواة الصحيح ، ولايكون الحديث معلولاً ولاشاذًَّا ، ثم قال : ” ومحصَّله : أنه هو والصحيح سواء ؛ إلا في تفاوت الضبط ، فراوي الصحيح يُشْترط أن يكون موصوفًا بالضبط الكامل ، وراوي الحسن لايُشْترط أن يبلغ تلك الدرجة ، وإن كان ليس عَريًّا عن الضبط في الجملة ؛ ليخرج عن كونه مغفَّلاً ، وعن كونه كثير الخطأ ، وما عدا ذلك من الأوصاف المشترطة في الصحيح : كالصدق ، والاتصال ، وعدم كونه شاذًّا ، ولامعلولاً ؛ فلا بد من اشتراط ذلك كله في النوعين ” اهـ .
وقد سبق الجواب عن الحافظ في ذلك ، وستأتي كيفية التخلص من هذا الإيراد بعد قليل – إن شاء الله تعالى – .
فإذا أردنا تعريف الحديث الحسن لذاته دون تعلق بالحديث الصحيح، فيقال:”هو ما اتصل سنده، بنقل مقبول ، خَفَّ الضبط في أحد رواته أو أكثر ، ولا يكون شاذًا ولا معللاً ” .
فقولي : ” مقبول “يشمل خفيف الضبط، وتام الضبط ،ويخرج الضعيف فمادونه، وعلى هذا فالحديث الحسن قد يكون في إسناده رجل واحد خفيف الضبط ، وبقية رجاله ممن وصفوا بتمام الضبط ، وقد يكون فيه أكثر من واحد ممن خف ضبطهم ، وبقية الإسناد ممن تَمَّ ضبطهم ، وقد يكون مسلسلاً بمن خف ضبطهم ، والله أعلم .
( خاتمة)
وبناءً على ما سبق : يظهر لنا أن الحديث الحسن ينقسم إلى قسمين : حديث حسن لذاته ، وقد مر معنا تعريفه ، وحديث حسن لغيره، ويمكن أن نعرفه بأنه : ” ما فيه ضَعْفٌ خفيف يُجْبَر بنحوه” .
فقولي : ” ما فيه ضعف خفيف ” شامل لصور الضعف الخفيف: عدالةً، وضبطًا، واتصالاً .
وقولي:” يُجْبر بنحوه” أي يحصل بنحوه في الضعف الانجبار والارتقاء من حيز الضعف إلى الحُسْن ، وذلك لايكون إلا بالعاضد الآخر الصالح لذلك ، وهذا ينفي الشذوذ والعلة ، لأنه لا انجبار للحديث مع وجودهما ،كما ينفي العاضد الذي ضعفه شديد لأنه لايجبر غيره .
وقولي : ” يُجبر بنحوه ” أولى من التعبير بـ ” يجبر بغيره ” لأن القول الثاني يدخل فيه الضعيف والمقبول لذاته ، وما جُبر بالمقبول لذاته ، وهو صحيح أو حسن ؛ لايقال فيه : حسن لغيره ،والله أعلم .
●المسألة الرابعة : ما معنى قول الترمذي : ” حسن غريب” أو ” حسن لانعرفه إلا من هذا الوجه ” ؟ وهل هو كقوله : ” حديث حسن ” ؟
والجواب : أن الإمام الترمذي –رحمه الله – له عبارات في حكمه على الأحاديث، فتارة يقول : ” حديث صحيح ” وهذا لم أعلم له فيه اصطلاحًا خاصًا، أو استقراءً تامَّاً لذلك يوضح معناه عنده ،بل لم أقف على تعريف له للحديث الصحيح [85](1) ؛ لذا فإنا نحمله على ما عليه الأئمة في تعريف الحديث الصحيح .
وتارة يقول :” حديث حسن ” ولا يُرْدِفه بوصف آخر من صِحَّة أو غرابة ، وهذا هو الحسن لغيره ،وهو الذي عرفه الترمذي في كتابه [86](2) .
وتارة يقول :” حديث حسن غريب” أو ” حديث حسن لانعرفه إلا من هذا الوجه “فهذا معناه عند الترمذي –فيما يظهر- الحسن لذاته، إلا أنه يظهر أن يطلق ذلك مع ذكره علة ظاهرة في السند؛ فذاك أمر آخر [87](3) .
فلا تَعَارُض بين وَصْفِهِ الحديثَ بالحُسْن والغرابة ، وبين اشتراطه في الحديث الحسن أن يُرْوَى من غير وجه؛ لاختلاف المحل : فالأول يتنـزل على الحسن لذاته – في الغالب – والثاني يتنـزل على الحسن لغيره ، والله أعلم .
وتارة يقول: “حديث غريب “فقط ، وقد قال الشيخ الألباني –رحمه الله – : ” أنه يعني أن إسناده ضعيف ” [88](4) والله أعلم .
( تنبيه ) : قدمت الكلام في هذه المسألة على المسألة الآتية لصلتها بشروط الترمذي في الحديث الحسن وكونها تخالف – في الظاهر – اشتراط الترمذي أن يروي الحديث من غير وجه .
●المسألة الخامسة : معنى قول الترمذي : ” حديث حسن صحيح ” .
استشكل بعض العلماء هذا القول ، وقالوا: هذا جَمْعٌ بين المتغايرين؛ لأن راوي الحسن قاصر عن رتبة راوي الصحيح في الضبط، فكيف يجتمع إثبات القصور ونفيه في حديث واحد؟
وقد أجاب العلماء عن هذا الإشكال بأجوبة،محصَّلُها فيما يلي :
1-أن تردد أئمة الحديث في حال رواية : جعل المجتهد يتردد في وصفه الحديث بأحد الوصفين ، هل يصف الحديث بالصحة لقول من وثق راويه، أو يصفه بالحسن لقول من وصفه بما يدل على خفة الضبط ؟ فيقال فيه :”حسن”باعتبار وَصْفِهِ عند قوم، و”صحيح”باعتبار وَصْفِهِ عند آخرين ،وذلك عند التفرد ،وغاية ما فيه: أنه حذف حرف التردد ، وتقدير الكلام : ” حسن أو صحيح” [89](1) .، وعلى هذا فما قيل فيه ذلك فهو دون الصحيح وفوق الحسن ؛ للتردد ، والجزم أقوى من التردد، بلا تردد، والله أعلم .
وقريب من هذا الجواب من جهة المعنى : قول من أجاب عن ذلك بأن الجمع بين الصحة والحسن درجة متوسطة بين الصحيح والحسن، فما قيل فيه ” حسن صحيح ” أعلى رتبة من الحسن ودون الصحيح، فلم يُتَّفَق على الحكم بصحته الاصطلاحية[90](2) ، وعد بعضهم هذا تحكمًا لا دليل عليه [91](3) .
2-أن ذلك باعتبار إسنادين، أحدهما صحيح، والآخر حسن.
وهو على ذلك يكون أعلى مما قيل فيه صحيح ، وهو فرد [92](4) .
فإن قيل : إن الترمذي قد يجمع بينهما في حديث واحد مع قوله :”غريب لانعرفه إلا من هذا الوجه” وهذا يدل على أنه ليس له إلا إسناد واحد .
فالجواب : بأن هذا خارج عن موضع النـزاع ، إذْ الكلام فيما قال فيه :”حسن صحيح” فقط، لا ما قال فيه : ” حسن صحيح غريب ” أو ما قال فيه : ” حسن صحيح لانعرفه إلا من هذا الوجه”، والله أعلم .
3 – ومنهم من جمع بين القول الأول والثاني، فقال:إن كان للحديث إسناد واحد؛ فَيُفَسَّر كلام الترمذي بالقول الأول، وإن كان له إسنادان؛ فَيُفَسَّر بالقول الثاني [93](5) .
وقد يقال : هل يلزم من كون الحديث عندنا له إسناد واحد، أو له إسنادان؛ أن يكون الأمر كذلك عند الترمذي، مع أنه لم ينص على أحد الأمرين ؟ فقد يكون الأمر عنده على خلاف ما عندنا ، فكيف نفسِّر مراده في كل حديث باعتبار حصيلتنا العلمية ، لاباعتبار ما عنده ؟ هذا ، مع أننا لم نقف على نص للترمذي بذلك التفسير الذي حملوا كلامه عليه ؟!! .
وقد يُجاب عن ذلك، فيقال : إن قوله: ” لا نعرفه إلا من هذا الوجه ” يدل على أنه ليس له – عنده – إلا طريق واحد ، ومالم يذكر فيه ذلك؛ فهذا يدل على أن الحديث له أكثر من طريق عنده ، وإلا فما فائدة التنصيص على الغرابة في بعض المواضع دون بعض ؟ إلا أن هذا لايلزم اطراده ، والله أعلم .
والمقصود :أن هذا القول الثالث – الذي قاله الحافظ – أقوى من غيره، على ما فيه من تأمل.
فإن كان هناك من يستقرئ هذه المسألة ، وينظر هل الترمذي يسير على ما ذكره الحافظ أم لا ؟ وإن كان قد يعكر على ذلك في الجملة اختلاف نسخ الترمذي ، ومالم يكن ذاك الاستقراء؛ فنحن نأخذ بقول الحافظ ابن حجر؛ لأنه إمام في هذا الشأن، وهو صاحب استقراء وفَهْم ، والأصل أنه إذا وضع قاعدة في هذا الفن قُبِلَتْ منه ، مالم نجد ما يردها ، والله أعلم .
فإن قيل : لماذا لاتُستقرأ هذه المسألة ، ويُفْصَل فيها ؟
فالجواب : أنني لا أرى كبير فائدة في ذلك ، مع ما يحتاج الأمر من جهد كبير في سبيل الوصول إلى هذه الفائدة .
أضف إلى ذلك أن اختلاف النسخ في الأحكام لا بد أن يُؤثر على ذلك ، فلذا آثرت ما سبق ، هذا بالإضافة إلى ما عند الترمذي – رحمه الله – من تساهل في الأحكام ، والله أعلم .
ولعل العلماء الذين أجابوا عن هذا الإشكال قد وقف كل منهم على أمثلة تدل على ما أجاب به ، وأما جعل ذلك قاعدة مطردة فأمر آخر ، والله أعلم .
4- أن المراد بذلك: أن متنه حسنٌ لغةً ، أي من جهة فصاحة اللفظ وجزالة المعنى ، وصحيح من جهة الإسناد.
ويلزم على هذا الجواب أن توصف جل الأحاديث النبوية بالحُسن؛ لوجود هذا الوصف في متونها ، إلا ماظهر أن الراوي أخطأ في روايته بالمعنى، أو رواه بلفظ فيه ركة [94](1) .
5 – أنه حسن من جهة الفضل والبشارة والتيسير ، والأمور التي تميل إليها النفس ، ولا يأباها القلب ؛ هو حديث حسن ، وصحيح من جهة إسناده ، قاله ابن الصلاح [95](2) .
ويرد على ذلك أن الترمذي يطلق الحسن على أحاديث في وصف جهنم، أو إقامة الحدود ، والعقوبات ، ونحو ذلك [96](2) .
6 – أن الحسن في كلام الترمذي ليس قسمًا للصحيح ، أي ليس قسمًا مستقلاًّ ، بل هو أعم من الصحيح ، والصحيح جزء منه ، وأن المراد بالحسن هنا : أنه معمول به ،وأنه كقول مالك : وعليه العمل ببلدنا ، وأن الترمذي أراد بهذا أن يبين الصحيح المعمول به ، من الصحيح الذي لايُعمل به ، وهو قوله : ” صحيح ” فقط، ويدفع هذا أن الترمذي يقول في كثير من الأحاديث ” صحيح ” .
وعليه العمل أو هو قول فلان وفلان ، بل يدفع هذا من أساسه قول الترمذي في أول ” العلل الصغير ” الذي في آخر جامعه [97](1) : ” جميع ما في هذا الكتاب من الحديث فهو معمول به ، وقد أخذ به بعض أهل العلم ، ما خلا حديثين . . . ” الخ كلامه ، فكيف يؤخذ بذاك القول مع هذا التصريح ، وهو حكمه على كثير من الأحاديث بقوله :”صحيح ” فقط [98](2) ؟!!
●المسألة السادسة:
هل يُحتج بالحديث الحسن لغيره، مع أن كل طريق فيه لا يَسْلم من ضَعْف خفيف؟
الجواب: نعم، يُحتج بما هذا وصفه، والعمدة في ذلك صنيع عدد من الأئمة، فمن ذلك:
1- الإمام الشافعي رحمه الله، فقد قال رحمه الله تعالى:
” المنقطع مُختلف فيه: فمن شاهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من التابعين، فحدَّث حديثاً منقطعاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اعتُبر عليه بأمور:
- منها: أن يُنْظر إلى ما أَرْسَل من الحديث، فإن شَرِكَه فيه الحفاظ المأمونون، فأسندوه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمثل معنى ما روى؛ كانت هذه دلالة على صحة مَنْ قَبِلَ عنه، وحَفِظَه.
- وإن انفرد بارسال حديث، لم يَشْرَكْه فيه مَن يُسنده؛ قُبِل ما ينفرد به من ذلك.
- ويُعتبر عليه بأن يُنْظر: هل يوافقه مرسِل غيره، ممن قُبل العلم عنه من غير رجاله الذين قُبل عنهم؟ فإن وُجِدَ ذلك؛ كانت دلالة تُقوِّى له –أي للمرسِل الأول- مرسَله، وهي أضعف من الأولى.
- وإن لم يُوجَد ذلك: نُظِر إلى بعض ما يُرْوى عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قولاً له، فإن وُجِدَ يوافِق ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت في هذه دلالة على أنه لم يأخذ مرسَله إلا عن أصل صحيح –إن شاء الله-.
- وكذلك إن وُجد عوام من أهل العلم يُفْتُون بمثل معنى ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم….” إلى أن قال رحمه الله: ” وإذا وُجدت الدلائل بصحة حديثه بما وصفت؛ أحببْنا أن نقبل مرسَله، ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة تثبت به ثبوتها بالموتصل”[99](1).ا.هـ.
فهذا الإمام الشافعي –وهو من أئمة الدين المتقدمين- يُقوِّي المرسَل بمرسَل آخر، وكلاهما ضعيف، ويقويه بالموقوف، وليس هو –في ذاته- بحجة، فثبت ما قلْته، والله أعلم.
فإن قيل: إن الشافعي رحمه الله يرى العمل بما هذا وصفه من المراسيل، لا أنه حجة يُحتج به.
فالجواب: كيف يقال هذا، والشافعي يقول فيما إذا تابع المرسِل مرسَل آخر:
” كانت دلالة تقوِّي له مرسَله، وهي أضعف من الأولى”.أ.هـ..
فهذا نص صريح بأن المرسَل يتقوى بالمرسَل، وإن لم تكن في درجة القوة المستفادة من متابعة حديث مسند لحديث مرسل، فكيف يقال: المرسَل بعد المتابعة بمرسَل آخر، ليس قوياً، وهو باقٍ على الضعف؟!
وكذا قال الشافعي فيما إذا تابع المرسِلَ قولُ صحابي: ” كانت في هذه دلالة على أنه لم يأخذ مرسَله إلا عن أصح يصح إن شاء الله”.ا.هـ.
وقال أيضاً: “وإذا وُجِدَتْ الدلائل بصحة حديثه بما وَصَفْتٌ؛ أحببْنا أن نقبل مرسله، ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة تثبت به ثبوتها بالمتصل”.ا.هـ.
فكيف يحكم الشافعي بأن المرسِل ما أخذ مرسَله إلا عن أصل يصح –بعد متابعته بالموقوف- وأن هذه الدلائل تدل على صحة حديث المرسِل، ثم يُقال بعد ذلك: إنه ضعيف لا يُحتج به، وإن عُمِل به، أو أنه لا يلزم من العمل بالحديث صحته؟!
نعم، لا يلزم من العمل بالحديث صحة مَبْنَاه؛ لكن هذا ليس في هذا الموضع، لهذه الأدلة من كلام الشافعي نفسه.
نعم، إن الشافعي فرَّق بين مراتب الحجية بين ما هذا سبيله وبين المتصل، لكن لم يقُل إن المرسل الذي يتقوى بمثله ليس بحجة أصلاً، والله أعلم.
وتفصيل الرد على من استدل ببعض كلام الشافعي على رد رواية الضعيف إذا توبع بمثله أو نحوه مطلقاً في موضع آخر، “شرحي للنزهة” إن شاء الله تعالى.
3،2- يحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل –رحمهما الله تعالى-:
جاء في “شرح علل الترمذي[100](1)” لابن رجب رحمه الله: “قال إسحاق بن هانيء، قال لي أبو عبد الله: -يعني أحمد- قال لي يحيى بن سعيد: “لا أعلم عبيد الله –يعني ابن عمر- أخطأ إلا في حديث واحد لنافع عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام…” الحديث.
قال أبو عبد الله: فأنكره يحيى بن سعيد عليه.
قال أبو عبد الله: قال لي يحيى بن سعيد: “فوجدته قد حَدَّث به العمري الصغير عن ابن عمر مثله.
قال أبو عبد الله: لم يسمعه إلا من عبيد الله، فلما بلغه عن العمري صححه“.ا.هـ
فتأمل كيف ارتاب في حديث عبيد الله العمري –وهو ثقة- ثم صححه بحديث العمري الصغير، وهو عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف عند القطان وأحمد.
فإن قيل: إن القطان صحح الحديث لأنها متابعة ضعيف للثقة، ونحن لا ننازع في ذلك، إنما ننازع في تقوية الضعيف بمثله أو نحوه.
فالجواب: سبق من كلام الشافعي تقوية المرسَل بمثله، وهما ضعيفان.
وأيضاً: فالثقة حجة بنفسه، ولا يحتاج –في الأصل- إلى متابعة غيره له، إنما ارتاب القطان في رواية الثقة، واستنكر روايته، فلما تابعه الضعيفُ عليها؛ صححها القطان، فرواية الثقة عند ارتياب القطان منها نُنَزِّل منزلة رواية الضعيف، لأنه لولا متابعة الضعيف للثقة؛ لضعَّفَ القطانُ روايته، فلما نُزِّلت رواية الثقة هنا منزلة رواية الضعيف التي يُرتاب منها، ويُتوقف فيها، وصححها القطان بمتابعة الضعيف؛ دل ذلك على صحة ما أجبْتُ به، والله أعلم.
فإن قيل: إن القطان حكم بالنكارة، والمنكر لا يَعتضد بغيره.
فالجواب: أن الحكم بالنكارة إذا كان فرعاً عن جمع الطرق، وكان الراوي مخالفاً لمن هو أوثق منه؛ فلا يُستشهد بما هذا سبيله، لكن إذا كان الإمام يظن أن الراوي تفرد بهذا الحديث، ورأى أن مثله لا يقبل تفرده بهذا الأصل، فحكم بالنكارة، ثم وَجَدَ متابعاً؛ زالت علة هذا الحكم، والحكم يزول بزوال علته، وهي هنا: ظَنُّ التفرد، ولذلك فقد صحح القطان هذا الحديث لما وقف على متابعة العمري الصغير، وإلا فالمنكر أبداً منكر، كما قال أحمد[101](1)، والله أعلم.
فإن قيل: لماذا ذكرت أحمد مع القطان، والمتكلِّم بما سبق هو الفطان؟
قلت: لقد أقرّه أحمد على ما قال، ولم يتعقب، ولو كان كلام القطان قولاً محدثاً مخترعاً –كما يقول بعض طلاب العلم فيمن يرى الإحتجاج بما هذا سبيله- لأنكره أحمد، فهل يسكُت أحمد ويصرخ بعض طلاب العلم في هذه الأيام برد هذا القول؟ ألا يسَعهم ما وسع أحمد؟!
5،4- محمد بن يحيى الذهلي، والعقيلي –رحمهما الله تعالى-:
جاء في “الضعفاء” للعقيلي[102](2) ترجمة محمد بن عبد الله بن مسلم بن أخي الزهري:
” وأما محمد بن يحيى النيسابوري: فجعله في الطبقة الثانية من أصحاب الزهري، مع أسامة بن زيد، ومحمد بن إسحاق، وأبي أويس، وفليح، وعبد الرحمن بن إسحاق، وهؤلاء كلهم في رجال الضعف والإضطراب” وقال محمد بن يحيى: “إذا اختلف أصحاب الطبقة الثانية؛ كان المفزع إلى الطبقة الأولى في اختلافهم، وإن لم يوجد عندهم بيان؛ فيما روى هؤلاء –يعني الطبقة الثانية- وفيما روى –يعني أصحاب الطبقة الثالثة- يُعرف بالشواهد والدلائل، وقد روى ابن أخي الزهري ثلاثة أحاديث، لم نجد لها أصلاً عند الطبقة الأولى، ولا الثانية، ولا الثالثة”.ا.هـ.
فهذا الذهلي –وهو أعرف الناس بأحاديث الزهري، حتى لُقِّب بمحمد بن يحيى الزهري- قسَّم أصحاب الزهري إلى ثلاث طبقات، الأولى: يحتج بها؛ لأنهم أعرف الناس بالزهري وحديثه، وإذا اختلف من دونهم من تلاميذ الزهري في حديثه؛ سُبر هذا بحديث الطبقة الأولى، والحكم لمن وافقهم، فهذا بحث عن شاهد من الثقات أولاً، فإن لم يوجد؛ نزلنا إلى الطبقة الثانية – وهي طبقة رجال الضعف والإصطراب- كما صرح العقيلي أخذاً من صنيع الذهلي –فإن وجدنا ما يشهد لقول أحد المختلفين الضعفاء، وإن كان من رواية ضعيف، فضعيف مع ضعيف، أولى من ضعيف وحده، فإذا قُبل ضعيف مع ضعيف، مع أن هناك ضعيفاً آخر يخالفهما؛ فمن باب أولى يقبل ضعيف مع ضعيف دون مخالف لهما، وهذا ظاهر فإن لم يوجد متابع في الطبقة الثانية؛ كان المفزع إلى الثالثة –وهي دون الثانية في الضبط، إلا أنها ليست طبقة المهدرين المتروكين، ومع ذلك فرواية صاحب الطبقة الثالثة تشد من أزر صاحب الثانية الذي خالفه غيره، ولم يتابَع على قوله، فإذا كان ذلك كذلك مع وجود المخالفة؛ فما ظنك بالحال عند السلامة من المخالف أصلاً؟!
إن هذا النص من أعلم الناس بالزهريات؛ ومن أخْبر الناس بمراتب أحاديث الزهري؛ لنص ظاهر على صحة ما أجبْتُ به، والله أعلم.
فإن قيل : لم يصرح الذهلي في هذا النص بأن رواية الضعيف إذا توبعت ؛ احتُجَّ بها !!
فالجواب : هذا الإيراد من زُخْرف القول البعيد عن روح النص ولُبِّه ، كيف لا ، والذهلي قال في أول كلامه : إذا اختلف أصحاب الطبقة الثانية ؛ كان المفزع إلى الطبقة الأولى في اختلافهم ، فإن لم يوجد عندهم بيان ؛ ففيما روى هؤلاء . . . ” اهـ .
فما فائدة المفزع إلى الطبقة الأولى ، إذا كان من وافق ما عندهم روايته مردودة أيضًا ؟
أليست الطبقة الأولى هي التي يُسْتبرأ بها أحاديث الزهري ، وهي التي يُسْبر بها حديث تلامذة الزهري ؟
أليس حديثهم غاية في الصحة عنه ؟فكيف يكون من وافقهم مردود الرواية ؟!
فما فائدة قول الذهلي : ” فإن لم يوجد عندهم بيان ” ؟ بيان ماذا ؟ أليس البيان الذي يوضح أن راوي الطبقة الثانية قد ضبط روايته عن الزهري ؟ وإذا كان ذلك كذلك ؛ فكيف تُردُّ رواية من ضبط حديث شيخه ؟!
فإن قيل: نحن لاننازع في الضعيف إذا وافقه ثقة ،ولكن ننازع في ضعيف لم يتابعه إلا مثله أو نحوه .
فالجواب : مع أنكم تنازعون في ذلك ؛ فالذهلي لم ينازع ، بل ساق الكلام مساقًا واحدًا ، وذكر أنه يفزع لرواية الطبقة الأولى ، وإلا فالثانية ، وإلا فالثالثة ، أما أنتم فلا ترون المفزع إلا إلى الأولى فقط ، وهم الثقات ، وفي هذا فارق بينكم وبين الذهلي .
أضف إلى ذلك : أن الذهلي لم يصرح بتصحيح رواية الضعيف إذا توبع من الطبقة الأولى ، أو الثانية أو الثالثة ، فإما أن تقولوا بضعف رواية الضعيف إذا توبع من ثقة أيضًا ، كما تقولون بضعف روايته إذا تابعه مثله ، فإن صرّحتم بذلك ؛ عرف الناس خطأكم وتناقضكم .
وإن قلتم : لا ، نقبل كلامه في متابعة رجل من الأولى للضعيف دون غيرها من الطبقات .
فالجواب : لماذا تفرقون بين كلام الذهلي ، وقد ساقه مساقًا واحدًا ؟ هل عندكم من سلطان بهذا، أم تقولون على الذهلي ما لا تعلمون ؟! ثم إنكم تَدَّعون أنكم سائرون على منهج الأئمة المتقدمين ، فهل الذهلي منهم أم لا ؟وهلأنتم قبلتم كلامه أم لا؟ وهل نقلتم عن أحد يوافقكم بمثل هذا الظهور عن الذهلي ؟
وأيضًا: فإذا كان الذهلي قبل رواية ضعيف مع ضعيف في الزهري ، وهو ممن يُجمع حديثه ،كما أنه كثير الحديث والتلاميذ ، ولم يطلق القول بأن هذا مردود لأن تلامذة الزهري الثقات يرووه ، فكيف لايقبل ضعيف مع ضعيف عن مطلق الثقة مالم يأت بمنكر ؟!
فإن قيل : وهل متابعة مَنْ في الطبقة الأولى للضعيف ، تستوي مع متابعة من في الطبقة الثانية ، أو الثالثة ؟
فالجواب: ما أظن أحدًا يقول : متابعة الثقة الحافظ للضعيف تستوي من جميع الوجوه – مع متابعة الضعيف للضعيف ، لكن هناك أصل في الشَّبَه ، وهو الحكم بثبوت من تُوبع من غيره ، إلا أن الماتبعة لاتستوي مع اختلاف العدد أو الوصف ، كما هو ظاهر ، والله أعلم .
فإن قيل :ولم أدخلت العقيل مع الذهلي ؟
قلت : العقيل نقل هذا ، شارحًا له ، موضحًا مراد الذهلي في مواضع الاشتباه ، وسكت عنه في الترجمة ، ولو كان يعلم أن هذا مخالف لما عليه الأئمة ؛ لأنكره على الذهلي ، بل الدواعي متوافرة للرد على من خالف منهج الأئمة فيما هو دون ذلك ، فلما لم ينكر على الذهلي ، وسلَّم له هذا التفصيل في حديث الزهري ؛ دَلَّ ذلك على إقراره ، والله أعلم .
6– الإمام الترمذي ، وقد سبق نقل كلامه بتمامه فيتعريف الحديث الحسن .
فإن قيل :إن الترمذي ما أراد بذلك أن الحديث الحسن – بهذه القيود التي ذكرها – يكون حجة يُحتج بها !!
فالجواب:هذا من عجب العُجاب ، إذْ كيف يشترط الترمذي عدم الضعف الشديد ، ومجئ الحديث من وجه آخر ، ولايكون شاذا ، ثم يسميه حسنًا ، وبعد هذا كله لايراه الترمذي حجة إذا توافرت فيه هذه شروط مطلقًا ؟
أي تهمته للترمذي بالتلبيس على العباد أعظم من هذه ؟!نعم ، قد يحكم الترمذي على حديث بأنه جسن ، ويذكر في سنده علة ظاهرة ، كانقطاع ونحوه ، ولايلزم من ذلك تضعيف الترمذي لما استوفى الشروط السابقة مع حكمه عليه بالحسن ، وقد راعى في حكمه الحديث بمجموع طرقه ، لا من طريق واحد .
هذا ، وقد رددت على من يرى أطلاق رد الاحتجاج بالحسن لغيره بحجة الضعيف لايتقوى بمثله أو نحوه مطلقًا ، وينسب ذلك إلى منهج الأئمة الذين قد نقلتُ عن بعضهم ما يدفع هذه النسبة إليهم ، كل ذلك في شرحي ” للنزهة ” ولعل الله ييسر إتمام ذلك هنالك ، والله تعالى أعلم .
الحديث الضعيف
قال الناظم – رحمه الله – :
| 6- وكُلُّ ما عن رُتْبَةِ الحُسْنِ قَصُرْ | فَهْوَ الضعيفُ وهْوَ أقسامًا كثر |
بعد أن فرغ الناظم –رحمه الله – من الكلام على الحديث الصحيح والحسن لذاته ؛ شرع في الكلام على الحديث الضعيف ، فذكر تعريفه، وأشار إلى أنه ذو أقسام ، ولم يذكر شيئًا من أقسامه في هذا الموضع ، وإن كان قد ذكر كثيرًا منها بعد ذلك .
وقوله : ” أقسامًا ” نُصب على التمييز .
وتحت هذا البيت عدة مسائل:
●المسألة الأولى: تعريف الحديث الضعيف : وقد عُرِّف بعدة تعاريف :
التعريف الأول : تعريف الناظم –رحمه الله – : فقد عرّفه بأنه : “كل ما عن رتبة الحُسْن قَصُر ” أي هو الحديث الذي لم يبلغ رتبة الحديث الحَسَن لذاته ؛ لأنه المقصود عند إطلاق الحَسَن ، ولأنه الذي عَرَّفه الناظم قبل ذلك .
وقد سبق الناظم إلى هذا التعريف الحافظ العراقيُّ ، فقد قال في ألفيته :
| أما الضعيف فهْوَ مالم يبلغِ | مرتبة الحسن . . . . . . . . . |
ثم قال في الشرح : ” أي ما قصر عن رتبة الحسن ؛ فهو الضعيف ” اهـ [103](1) بل سبق العراقيَّ أيضًا ابنُ دقيق العيد ،فقال : ” ما نقص عن درجة الحسن ” [104](2) اهـ . وتبعهما على ذلك السيوطي ، فقال : ” ما قصر عن رتبة الحسن ؛ فهو الضعيف ” [105](3) .
وقد مَرَّ بنا أن الحديث الحسن: هو ما جمع شروطًا خمسة : وهي الاتصال، والعدالة، وخفة الضبط، والسلامة من الشذوذ، والسلامة من العلة .
فكل ما قصر عن هذه الشروط أو بعضها ؛ فهو الضعيف بالمعنى العام ، الذي يدخل فيه جميع أقسام الحديث الضعيف سواء كان الضعف، بسبب فَقْد الاتصال، أو الطعن في العدالة، أو الضبط .
فإذا فقد الاتصال – مثلاً – فهو نازل عن رتبة الحَسَن، ويكون من قبيل الحديث الضعيف، وقسمًا من أقسامه ، وكذا لو ضَعُف ضبط راويه؛ فإنه حينئذٍ لايكون حسنا، بل يكون أيضًا من قبيل الضعيف ،وقسمًا من أقسامه ، وهكذا يقال عند عدم توافر العدالة أو عدم السلامة من الشذوذ والعلة .
ولايخفى عليك أن عبارة الناظم – ومن سبقه – تُدخِل في الضعيف الحديثَ الذي راويه متروك ، بل كذاب ، والحديثَ الشاذ ، أو المنكر . . . ونحو ذلك ؛ لأن كل ذلك لم يبلغ رتبة الحُسْن ، ويصْدُق عليه أنه قصر عن رتبة الحسن ، وهذا بخلاف الضعيف اصطلاحًا ، الذي يتقوى بغيره – على ما سيأتي إن شاء الله – لكن قد يقال : لعل الناظم أراد التعريف العام للحديث الضعيف ، لاخصوص الحديث الضعيف الذي ينجبر بنحوه ، ويؤيد هذا قوله بعد ذلك : ” وهو أقسامًا كُثر ” إلا أنه على ذلك لم يعرِف خصوص الضعيف تعريفًا ينفصل به عن الضعيف العام ، والله أعلم .
ويرِدُ على الناظم – أيضًا – أنه ربط تعريفه للحديث الضعيف بتعريفه للحديث الحسن ، وقد سبق ما على تعريفه للحسن من إيرادات .
التعريف الثاني : تعريف ابن الصلاح :
قال ابن الصلاح –رحمه الله تعالى – بعد أن عَرَّف الحديث الصحيح والحسن : “وكُلُّ حديث لم تجتمع فيه صفات الحديث الصحيح ولا صفات الحديث الحسن؛ فهو ضعيف ” [106](1) .
وعلى هذا التعريف عدة اعتراضات :
1 – قوله : ” لم تجتمع فيه صفات الحديث الصحيح ، ولا صفات الحديث الحسن ” فكلمة : ” الحديث الصحيح ” حشو لا حاجة لها ، لأن الصحيح حسن وزيادة ، فإذا قَصُر عن الحسن فمن باب أولى أن يَقْصُر عن الصحيح .
ووجْه هذا الاعتراض : أن الكلمة في التعريف لابد أن تكون تأسيسية؛ لأن الأصل في الكلام التأسيس لا التأكيد – فضلاً عن التكرار والحشو – فلو اقتصر على نفي صفات الحُسْن لكان أخصر ؛ لأن نفْي صفات الحَسَن مسلتزم لنفي صفات الصحيح وزيادة ،والله أعلم .
وهناك من اعتذر عن ابن الصلاح –رحمه الله – [107](1) فقال: ما ملخصه : إن تعريفه مثل تعريف النحْوي إذا عرَّف الحرف ، فإنه إذا عَرَّف الاسم والفعل؛ عَرَّف الحرف بأنه: ” ما لايقبل شيئًا من علامات الاسم ، ولاعلامات الفعل ” لأن القسمة عنده ثلاثية : اسم، وفعل، وحرف ، وكذا فَعَلَ ابن الصلاح هنا .
إلا أن من اعترض على ابن الصلاح لم يرتض هذا الجواب ، وذلك: لأن الحرف ليس قسماً من الأسماء ولا من الأفعال، وليس بينه وبين الاسم والفعل عموم وخصوص ، بل هو قسم مستقل ، أما الحسن فبينه وبين الصحيح عموم وخصوص ، فكل صحيح حسن – لأن الصحيح حَسَنٌ وزيادة – بلا عكس [108](2) .
وقال ابن الوزير مدافعًا عن ابن الصلاح : ” لا اعتراض على ابن الصلاح ؛ فإنه لايلزمه أن يحدَّ الضعيف على رأَيْ غيره ، وإنما كان يلزمه لو كان يرى أن كل صحيح حسن” اهـ[109](3).
قلت : مما سبق في تعريف الصحيح والحسن عند ابن الصلاح نعلم أنه يرى أن الصحيح حسن وزيادة ، فتمّ الإيراد عليه ، ولذلك فقد ذكر الصنعاني كلام ابن الصلاح في بعض المواضع ، ثم قال : ” . . . . وهذا مع ما فصّله هنالك يقضي بأن ابن الصلاح رأْيُه رأيُ من يقول : بأن كل صحيح حسن ، فيتم الاعتراض عليه ” اهـ [110](4) .
2- أن قوله:” لم تجتمع فيه صفات الصحيح” لا يُخْرِج الحديث الحسن، فقد لا يتوافر الضبط التام، ويتوافر الضبط الخفيف ، وهذا من صفات الحديث الحسن [111](5) .
وعندي : أن هذا الاعتراض غير وجيه – ولعل منشؤه الذهول والسهو من قائله – لأن ابن الصلاح اشترط أيضاً انتفاء صفات الحسن، فكيف يدخل الحسن في التعريف مع هذا الشرط [112](6) ؟ .
3 – واعترض الحافظ بأنه لو قال ابن الصلاح : ” كل حديث لم تجتمع فيه صفات القبول ” لكان أسلم من الاعتراض وأخصر اهـ [113](1)
قلت : أما كونه أخصر ؛ فنعم .
وأما كونه أسلم من الاعتراض ؛ فلا : لأنه يقال : وصفات القبول تشمل صفات الصحيح والحسن ، وقد سبق عن الحافظ أن انتفاء صفات الحسن يستلزم انتفاء الصحيح وزيادة ، فقد وقع الحافظ فيما أنكره على ابن الصلاح ، ولا زال الاعتراض قائمًا ، والله أعلم .
ثالثاً: تعريف الحافظ ابن حجر رحمه الله:
عَرَّف الحافظ – رحمه الله – الحديث الضعيف بقوله:” هو كل حديث لم تجتمع فيه صفات القبول ” وقد سبق ما فيه في الكلام على تعريف ابن الصلاح، والله أعلم.
أضِفْ إلى ذلك : أن صفات القبول كثيرة ، منها العاضِد : سواء كان من طرق أخرى ، أو مما تلقاء العلماء بالقبول مع ضعف سنده ، ولا شك أن فَقْدَ ذلك لايضر إذا توافرت الشروط الخمسة التي في الصحيح ، إلا أن قول الحافظ : ” ما لم تجتمع فيه صفات القبول ” قول عام ، يدخُل فيه العاضد ، وليست شروط العاضد مرادًا فيما يُقْبل بذاته ، فلعل المراد عند الحافظ : صفات القبول التي يُقبل بها الحديث لذاته ، فأخرج الصحيح والحسن ، والله أعلم .
وبعد عَرْض هذه الأقوال في تعريف الحديث الضعيف ؛ فالذي يظهر لي أن الراجح في ذلك ما قاله الحافظ الذهبي – رحمه الله – [114](2) في تعريف الضعيف ، حيث قال : ” الضعيف : ما نقص عن درجة الحسن قليلاً “ اهـ .
فقوله : “ما نقص عن درجة الحسن ” أخرج الحَسن فضلاً عن الصحيح .
وقوله : ” قليلاً ” أخرج ما كان شديد الضعف ” .
فإن قيل : هناك أحاديث تنقص عن درجة الحسن قليلاً ، وليست بضعيفة ، لوجود عاضد لها ، سواء كان من طرق أخرى ، أو لكونها تُلُقِّيتْ بالقبول ، فلو اشترط الذهبيَ في التعريف بقوله : ” ليس لها عاضد ” .
فالجواب : المقام مقام تعريف الضعيف في نفسه ، وليس مقام الحكم : هل للضعيف جابر ، أم لا ؟ والحديث إذا كان قد انجبر بغيره ، فإنه يقال : هو ضعيف ؛ لكنه انجبر بكذا وكذا .
إذًا فلاغبار على ما قاله الذهبي ، لأنه ليس مقام تعريف الضعيف الذي ليس له ما يعضده ؛ فإن هذا قسم من الضعيف لا كل الضعيف .
فإن قيل : لو قال الذهبي : ” هو ما نقص عن درجة الحسن لغيره قليلاً ” لكان أولى .
فالجواب : هذا الاعتراض بمعنى الاعتراض السابق ، والمقام مقام تعريف الضعيف الذي إذا جاءه جابر انجبر به ، لا مقام تعريف ما ليس له جابرٌ أصلاً ، والله أعلم .
●المسألة الثانية: لما كانت صحة الحديث راجعة إلى تَمَكُّن الإسناد والمتن من صفات القبول، وكذلك ضَعْفُ الحديث راجع إلى فَقْد هذه الصفات أو بعضها ، لما كان الأمر كذلك أردتُ بيان صفات القبول، مع ذكر نوع الحديث الذي تشترط فيه هذه الصفات بشكل يُقَرِّب المقصود ، وهاك بيان ذلك :
| صفة القبول | الحديث الذي يشترط وجودها فيه |
8- تَلَقِّي الحديث خارج الصحيحين بالقبول. | 1- تُشترط في الصحيح لذاته، ولغيره، وفي الحسن لذاته، ولغيره. 2- تُشترط في الصحيح لذاته، ولغيره، في الحسن لذاته، ولغيره. 3- يُشترط في الصحيح لذاته، وفي الحسن لذاته، وفي بعض صور الصحيح لغيره. 4- يُشترط ذلك في الصحيح لذاته، وفي الحسن لذاته، وفي بعض صور الصحيح لغيره. 5- يُشترط في الصحيح لذاته. 6- يُشترط في الحسن لذاته، وفي بعض صور الصحيح لغيره. 7- يُشْترط في الصحيح لغيره، والحسن لغيره. 8- يشترط في الصحيح لغيره. |
( تنبيه ) : من هذه الصفات ما يكون فَقْدُهُ موجبًا للضعف الشديد، ومنها ما يكون فَقْدُه موجبًا للضعف الخفيف، ومنها ما لا يلزم من فَقْدِه ضعف الحديث أصلاً، فقد يكون صحيحًا – فضلاً عن أن يكون حسنًا – كما في صفة التلقي بالقبول والعاضد، والله أعلم.
تنبيهات على عدة أمور في الجدول السابق :
- قولي في الصفة الثانية:” العلة الخفية ” احتراز من العلة الظاهرة التي تكون في أصل الحسن لغيره،وهو الضعيف، ثم يزول أثرها بالمتابعة، وقولي:” القادحة ” احتراز من غير القادحة.
- وقولي في الصفة الرابعة:” ثبوت العدالة ” أي: بالاستفاضة أو التزكية، لا مجرد عدم العلم بالجارح، فيخرج المجهول بأنواعه – فضلاً عن المجروح في العدالة – .
- الطريق إلى معرفة الفرق بين الضبط التام، والضبط الخفيف : هوكلام الأئمة في الرواة، حسب ما هو مُفَصَّلٌ في سُلَّم الجرح والتعديل في غير هذا الموضع.
- قولي في الصفة السابعة: ” العاضد ” له صور كثيرة، ومنها: التلقي بالقبول، وقولي: الذي يجبر أخرج القاصر عن ذلك، وهو ما كان شديد الضعف،سواء كان ذلك في السند أو المتن ، وقولي:” غيره ” يشمل خفيف الضبط ليرتقي إلى درجة الصحيح لغيره، ويشمل أيضًا ما فيه ضعف ينجبر،فيرتقي على الحسن لغيره، وهذا أعم من قول من قال: الذي يجبر الضعيف؛ فإنه يُخرج الصحيح لغيره في كثير من صوره، وكذا فقولي : ” الذي يجبر غيره ” يخرج الغير الذي لاينجبر بالعاضد .
- وقولي في الصفة الثامنة : ” تلقي الحديث بالقبول ” هذا من جملة العواضد، وإنما أفردته بالذِّكْر لكونه ليس من قبيل النظر في حال رجال السند، وقولي:” خارج الصحيحين ” احتراز مما تلقته الأمة بالقبول فيهما، فإن آحادهما تفيد العلم النظري بخلاف ما نحن فيه، فهو وإن صح فليس في درجة ما في ” الصحيحين ” كما لا يخفى.
والذي جعلني أبدأ بذكر السلامة من الشذوذ والعلة في هذا الموضع – مع أن العلماء في الغالب يختمون بها الكلام في التعاريف – : أنني رغبتُ في البدء بالشروط التي يحتاج إليها الصحيح بنوعيه، والحسن بنوعيه، وكلما كان مجال الشرط أوسع؛ بدأْتُ به، وكلما كان أضيق، خَتَمْتُ به، وقد أقدِّم ما يتعلق بالأقوى من الأحاديث على ما دونه في الرتبة وإن كان الشرط أوسع مجالاً، كما قدمت شرط الصحيح لذاته على شرط الصحيح لغيره، والحسن لغيره؛ فإن الصحيح لذاته أخص ، والله أعلم
●المسألة الثالثة : أقسام الحديث الضعيف ؟
أشار الناظم إلى ذلك بقوله ” وهو أقسامًا كُثر ” وهنا سؤالان :
الأول: هل أقسام الحديث الضعيف على مرتبة واحدة من الضعف ؟
والجواب: أنها ليست كذلك، بل هي متفاوتة في ذلك، فبعضها أشد ضعفاً من بعض .
الثاني : السبب في تفاوت مراتب الضعف ؟
والجواب : أن يقال : لما كانت صحة الحديث راجعة إلى تمكن شروط القبول في الإسناد والمتن ، فكذلك ضعف الحديث راجع إلى فَقْد هذه الصفات ، أو بعضها ، وليس الذي فَقَدَ شرطا كالذي فَقَدَ شرطين ، وليس الذي فَقَدَ شرطين كالذي فقد ثلاثة وهكذا ، فكلما كثر تخلف الشروط؛ كان الضعف أشد – في الجملة – وذلك أن الطعن في العدالة أشد من فَقْدِ الضبط والاتصال ، ونحو ذلك .
والأئمة ينظرون إلى الراوي من جهتين : جهة العدالة ، وجهة الضبط ، فالمطعون في عدالته ساقط بالكلية ، أما المطعون في ضبطه : فقد يكون ضعيفا يُسْتشهد به ، وقد يكون ساقطا متروكا ، فصح أن المطعون في عدالته لا رجاء فيه ، بخلاف المطعون في ضبطه ، والله أعلم .
●المسألة الرابعة : حكم العمل بالحديث الضعيف الذي لم يشتد ضعفه:
للعلماء عدة أقوال في هذه المسألة:
الأول: هناك من ذهب إلى العمل بالحديث الضعيف، حتى في باب الأحكام، وأنه أولى من آراء الرجال، إذا لم يكن هناك ضعيف آخر يعارضه، وأن يكون ذلك في الأحاديث التي تفيد الإحتياط، والتحرز، لا في التيسير والتسهيل.
قلت: هذا عمل بظن مرجوح أو شك، ودَفْعُه واضح، والله أعلم.
الثاني: هناك من ذهب إلى أنه ينفع في باب الترجيح، فلو كان هناك حديث صحيح، يعارضه آخر مثله، والضعيف موافق لأحدهما؛ فإنه يقوي من كفة الصحيح الذي يوافقه، وهذا لا يُدْفع عن الصواب والقبول، إذا خلا الصحيح الآخر من مرجح أقوى، والله أعلم.
الثالث: وذهب بعضهم إلى أنه يُعمل به في تعيين المبهم في الرواية، فإذا جاءت طريق صحيحة فيها مبهم، لم يُسَمَّ، وجاءت تسميته من طريق ضعيفة، حُكم عليه بما يستحق.
قلت: وفي هذا تفصيل: فإن كان المبهم رجلاً لم يُسمّ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي الرواية الضعيفة تسميته بصحابي؛ فلا يُقبل إثبات الصحبة بهذه الطريق، فإن إثبات الصحبة يترتب عليه عدد من الأحكام، ولا يُقبل ذلك بمجرد طريق ضعيفة، وقسْ على هذا أموراً أخرى.
وكذلك إذا اتحد المخرج؛ كان التعيين منكراً، والله أعلم.
الرابع: وذهب الجمهور إلى أن الحديث الضعيف يُعْمل به في فضائل الأعمال، ووضعوا لذلك شروطاً:
- أن يكون الضعف غير شديد.
- أن يكون معنى الحديث مندرجاً تحت أصل عام، واختُلف المراد بالأصل العام: فمنهم من قال: تشهد عمومات الشريعة، ومنهم من قال: أن يكون الحديث الضعيف قد جاء معنى من حديث صحيح أو حسن، لكن دون ذكر الثواب أو العقاب، وانفرد الضعيف بذكر ذلك، فليس في العمل به جديد إلا أنه يشوِّق ويرغب في العمل، أو يزيد النفس نفوراً عن الشيء الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح أو الحسن.
- ألا يُعتقد عند العمل به ثبوته وإن كان في تصوُّر وقوع ذلك مشقة واضطراب، فكيف يُشوقه للعمل بالحديث الصحيح أو الحسن، وهو لا يعتقد ثبوته؟!
وذهب بعضهم إلى عدم بيان ضعفه؛ حتى لا يتردد سامعه في العمل به، وهذا يخالف هذا الشرط؛ فإن السامع إذا لم يعرف ضعفه، ويسمع نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه سيعتقد ثبوته، والله أعلم.
- ألا يُظهر العمل به، أو يدعو إليه؛ حتى لا يُظن ثبوته.
- أن يكون ذلك في غير الأحكام والعقائد.
- ألا يعارضه ما هو أقوى منه.
واستدلوا على ذلك بأدلة، منها:
- أن العمل في هذه الحالة ليس بمجرد الحديث الضعيف، إما هو بالحديث الصحيح أو الحسن.
قلت: مجرد التشويق والترغيب في العمل لمجرد الحديث الضعيف: فيه نوع عمل بالضعيف، كما لا يخفى.
- أن هذا قول جمهور العلماء، بل ادعى بعضهم الإجماع، ويجاب عنه: بأن دعوى الإجماع لا تصح، والجمهور ليس كلامهم حجة بمفرده، والعبرة بالأدلة.
الخامس: ذهب بعضهم إلى القول بمنع العمل بمجرد الحديث الضعيف مطلقاً –وهو الراجح- واستدلوا بأدلة، منها:
- أن العمل بالحديث الضعيف عمل به مع الشك أو الظَن المرجوح ، وكلاهما مذموم .
- أن الحديث الضعيف لايثبت شئ من الأحكام ، والاستحباب أو الكراهة من جملة الأحكام الخمسة .
- أن ترك العمل به من باب سد الذرائع ؛ حتى لاتشيع الأحاديث الضعيفة بين الناس ، لاسيما وهناك من لم يبال من الخطباء والوعاظ شروط هذه القاعدة ،وتوسَّع في ذلك توسُّعًا غير مرضي.
- هل عملنا بكل الصحيح والحسن ، حتى نحتاج إلى العمل بالضعيف ؟!
- هذه القاعدة أفضت إلى إهدار كثير من جهود الأئمة في التحرز والوقاية من أن يُنْسب إلى رسـول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – مالم يَقُلْه ، فاشتهرت الأحاديث الضعيفة بين الناس لعدة أسباب ، منها هذه القاعدة .
هذا، وقد اختصرتُ الكلام هنا اختصارًا ، وتوسَّعْتُ فيه في موضع آخر في شرحي ” للموقظة ” للذهبي ، وقد أُفْرد ذلك في شريطين بعنوان : ” الطَّرْحُ والإهمال للحديث الضعيف في فضائل الأعمال ” فيُرْجَع إليه هنالك ، والله أعلم وأحكم .
الحديث المرفوع
قال الناظم – رحمه الله – :
| 7 – وما أُضِيفَ للنبيّ المرفوعُ | . . . . . . . . . . . |
سبق أن تكلم الناظم – رحمه الله – على الحديث النبوي من جهة قبوله ورَدِّه ، وقَسَّم ذلك إلى صحيح، وحسن، وضعيف ، وقد تكلم في هذا البيت على الحديث النبوي من جهة إضافته إلى قائله ، فذكر ما أضيف إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وما أضيف إلى التابعي ، وسيأتي الكلام – إن شاء الله تعالى – على ما أضيف إلى الصحابي .
وهذا يتصل بمباحث المتن ؛ لأن النظر فيه إلى قائله ، لا إلى اتصال سنده ، أو عدالة وضبط رواته [115](1) ؛ والله أعلم .
وقول الناظم :”ما” أي المتن الذي ” أضيف ” أي عُزِي ونُسِبَ إليه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – سواء كان من نسبه إليه صحابيا، أو تابعيا، أو من دونهما ، وسواء كان المعزو إليه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم قولاً ، أوفعلاً ، أو تقريرًا ، وسواء ثبت ذلك أم لا .
وتحت هذا الصدر من البيت عدة مسائل :
●المسألة الأولى : سبب تقديم المرفوع على الموقوف والمقطوع ؟
قدم الناظم – رحمه الله – المرفوع لشرفه وعلو منزلته ، لأنه منسوب إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – [116](2) وهذا كما أنه قدم الصحيح على غيره للسبب نفسه.
●السألة الثانية : تعريف الحديث المرفوع ؟
هو “ما أضيف إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – من قول،أو فعل، أو تقرير، أو صفة”[117](3) .
وقولي : ” ما أضيف ” تقدم أن معناه : المتن الذي عزي ونسب .
وقولي : ” من قول ” كأن يقول: ” قال رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – كذا وكذا ، أو سمعته يقول كذا .
وقولي :” أو فعل ” كأن يقول : ” فعل رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -كذا وكذا .
وقولي : ” أو تقرير ” وهو عدم إنكاره –صلى الله عليه وعلى آله وسلم – لأمر رآه ، أو بلغه عمن يكون منقادًا للشرع [118](1) ؛ وخرج بذلك بعض أفعال الكفار التي لم يأت فيها بخصوصها عن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – إنكار ، لكونه يُنكر عليهم دينهم في الجملة ، والله أعلم .
وقد عَدَّ العلماء هذا القسم من جملة المرفوع حُكْمًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لايسكت على المنكر ، بل لابد أن يبين أنه منكر ، وذلك لأمور :
1-أنه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – لاتأخذه في الله لومة لائم ، بل هو أحق الناس بذلك .
2-أنه معصوم من الخطأ في البلاغ ، فإذا سكت عن أمر عُلم أنه حق .
3-أن الشئ لو كان منهيًا عنه ؛ لنـزل الوحي على رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – يخبره بذلك .
وهذا بخلاف غيره ؛ فإنه قد يسكت على المنكر لأسباب ، منها :
1-أن يكون ذاهلا عنه.
2-الرهبة من فاعل المنكر ، أو الرغبة إليه .
3-أن يكون جاهلا بحكم ما فعله صاحب المنكر .
4-أن يكون متأولا لفعل صاحب المنكر ، فيرى أنه مصيب فيسكت عنه لذلك ، والواقع أن هذا الفعل ليس له وجه صحيح .
5-أن يكون مافعله الرجل من المسائل الاجتهادية التي يسوغ فيها السكوت عن المخالف ، فيسكت لذلك ، لا لأن مخالفه مصيب .
6-أن يترك تغيير المنكر خشية أن يؤول إلى مفسدة أكبر ، ولايُبَيِّن حكمه لذلك أيضًا .
وكل هذه الأسباب منتفية عنه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – .
فإن قيل : إن السبب السادس غير منتفٍ عنه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – لأنه قد يترك إنكار المنكر وذلك إذا كان سيؤول إلى مفسدة أكبر .
فالجواب : أن تَرْكه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – تغيير المنكر بالقيد السابق؛ لايلزم منه عدم بيانه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – أن الشئ الفلاني منكر: كما قال لعائشة ” لولا أن قومك حديثو عهد بكُفْر؛ لهدمت الكعبة …” .
فأثبت أن بناء الكعبة ليس على قواعد إبراهيم ،مع تركه البناء على ما هو عليه ؛ مراعاة لحال قريش .
ومن ذلك أيضا قوله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، في عبدالله بن أبي بن سلول – وقد استُؤْذِن في قتله : ” دعه لايتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه ” فلم ينكر أن ساب الرسول يُقْتل ، ولكنه تركه لأمر آخر ، فلا يُعَدُّ هذا سكوتا عن بيان المنكر ، بخلاف سكوت غيره .
وقد يجمع حديث واحد القول والفعل والتقرير، ومثال ذلك : حديث خالد – رضي الله عنه – في أكل الضب ، فقد ترك – النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم – الأكل من الضب ، وهذا فعل ، إذ التروك عند العلماء أفعال، وقال عندما سأله خالد : ” أحرام هو ؟” فقال – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – : ” لا ، إنه لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه ” وهذا قول ، وأقر خالدًا على الأكل منه .
- وقولي :” أو صفة ” يشمل الخُلُقية ، والخلْقية ، والأولى من باب الأفعال ، وأما الخلْقية : فهي ما أتى من الأحاديث في وصف خلقته – صلى الله عليه وعلى آله وسلم كالطول ، واللون ،والشعر ، والوجه، ونحو ذلك ،وإن كان لاينبني عليها حكم شرعي – في الجملة – وأدخلتها في الحديث المرفوع؛ لأن أحاديث الشمائل – وهذا منها – مذكورة من جملة الأحاديث النبوية [119](1) .
- فإن قيل : إن التقرير داخل في الأفعال ، فلا حاجة لذكره ، ويُكْتَفَى بذكر القول، والفعل، والوصف الخِلْقي ؟
فالجواب : أن السكوت المقصود – وإن كان فِعْلاً – إلا أن ذكر التقرير في هذا الموضع حَسَنٌ ؛ لأسباب :
- دفع الإيهام ، فقد يظن بعضهم أن الاقتصار على الفعل لايدخل فيه التقرير ، فذُكر دفْعًا لذلك .
- لما كان سكوت الصحابي – فمن دونه – لا يُعَدُّ حكمًا يُنسب إليه ، بخلاف سكوت النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – حَسُنَ ذِكْر التقرير في التعريف ؛ لإظهار الفرق بين سكوت النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وسكوت غيره .
- أن القول فعل أيضًا، ومع ذلك فمن العلماء من نص على القول في التعريف، ولم يقتصروا في تعريف المرفوع على أنه : ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الأفعال ، باعتبار أن القول داخل في الفعل ، والجواب عن ذلك هو الجواب عن إظهار التقرير في التعريف ، والله أعلم .
فائدة : هذا التفصيل في تعريف المرفوع من باب التوضيح لما يشمله التعريف ، وإلا لو اقتصرنا على قول الناظم : ” وما أضيف للنبي المرفوع” لكان ذلك مُتَّجها ، والله تعالى أعلم .
فائدة أخرى : وقد عرَّف الخطيب المرفوع بقوله : ” والمرفوع : ما أخبر فيه الصحابي عن قول رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – أو فعله ” [120](1) ويلزم على هذا أن يكون كل ما لم يُذكر فيه الصحابي ؛ فلا يُسَمَّى مرفوعًا ، وفيه نظر .
قال الحافظ : ” قلت : يجوز أن يكون الخطيب أورد ذلك على سبيل المثال ، لا على التقييد ، فلا يخرج عنه شئ ، وعلى تقدير أن يكون أراد جَعْلَ ذلك قيدًا ؛ فالذي يخرج عنه أعم من مرسل التابعي ، بل يكون كل ما أضيف إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – لايُسمَّى مرفوعًا إلا إذا ذُكر فيه الصحابي – رضي الله عنه – والحق خلاف ذلك ، بل الرفع كما قررناه إنما يُنظر فيه إلى المتن دون الإسناد ، والله أعلم ” [121](2) اهـ .
●المسألة الثالثة : أقسام الحديث المرفوع :
ينقسم الحديث المرفوع إلى قسمين : مرفوع تصريحًا، ومرفوع حكمًا [122](1) .
- المرفوع تصريحًا : هو كل ما أُضيف إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وقد تقدم الكلام على ذلك .
- وأما المرفوع حكمًا : فهو في الأصل ليس منسوبا إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – صراحة ، لكن يفهم بقرينة خارجية أن هذا الحكم لايكون إلا عنه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – .
●المسألة الرابعة : صور المرفوع حكمًا :
للمرفوع حكمًا صور كثيرة، منها :
- قول الصحابي :” أُمِرْنا بكذا ” أو : ” نُهينا عن كذا ” أو : ” أُمِرَ فلان بكذا ” أو ” أُوجب علينا كذا ” أو : ” حُظر أو حُرِّم علينا كذا أو: “أُبيح أو رُخِّص لنا في كذا “.
(أ) فقول الصحابي: ” أمرنا بكذا ” أو ” نهينا عن كذا ” المتبادر منه أن الآمر والناهي لهم هو النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – هذا هو الأصل ، لاسيما إذا كان ذلك في مسألة شرعية ، أو ساقه الصحابي مساق الاحتجاج به على حكم شرعي [123](2)، خلافا لمن قال : إنه يحتمل أن يكون الآمر أو الناهي له في ذلك : أمر القرآن ، أو الأمة – أي الإجماع – أو بعض الأئمة والخلفاء ، أو القياس ، أو الاستنباط [124](3) .
وقد حكى أبوالسعادات ابن الأثير عن بعضهم تفصيلاً في ذلك ، فقال : ” وقال بعضهم : في هذا تفصيل : وذلك إن كان الراوي أبابكر الصديق – رضي الله عنه – فيُحمل على أن الآمر هو النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – لأن غير النبي لا يأمره ، ولا التزم أمر غيره ، ولا تأمَّر عليه أحد من الصحابة ، فأما غير أبي بكر : فإذا قال : ” أُمِرْنا ” فإنه يجوز أن يكون الآمر النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – أو غيره ؛ لأن أبابكر تأمَّر على الصحابة ، ووجب عليهم امتثال أمره ، وقد كان غير أبي بكر – رضي الله عنه – أميرًا في زمن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وبعده ، فلا يجوز أن يُضاف الأمر إليهم ” [125](1) .
والظاهر أن هذا التخصيص لا يلزم،حتى قال الزركشي :” وهذا المذهب غريب جدًّا “[126](2).
ومن أمثلة هذه الصورة : ما جاء عن أنس – رضي الله عنه – أنه قال :” أُمِرَ بلالٌ أن يشفع الأذان، ويُوتِرَ الإقامة ” .
فمن ذا الذي أَمَره بهذا الأمر ؟ هل هو أبوبكر أو عمر – رضي الله عنهما – ؟ لايظن بهما أن يتقدما على النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – فيأمرا بلالا في عهده – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – بذلك ، وأما بعد عهده – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – فقد ذكر بعضهم أن بلالا لم يؤذن بعد موته – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – ولو أَذَّن بلال بعد النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – فلن يأمراه إلا بما ثبت عندهما عنه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – ثم كيف يأمرانه بما هو قائم به من قبل ؟!
وزاد السخاوي فقال : ” ويتأيَّد بالرواية المصرحة بذلك ” [127](3) اهـ .
ومحصَّل اعتراض من لم يعد قول الصحابي : ” أُمِرْنا بكذا ” – وما معناه من عبارات – من قبيل المرفوع : أمور ، فهي :
1- أن يحتمل أن يكون الآمر غير رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وأمْر غيره ليس بمرفوع .
والجواب عن ذلك : أن هذا خلاف المتبادر ، والأصل أن الآمر هو رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وما عداه محتمل ، لكنه بالنسبة إلى الأول مرجوح ، وأيضًا فمن كان في طاعة رئيس ، إذا قال أمرتُ ” لايُفْهَم عنه أن آمره إلا رئيسه [128](4) .
وقد تعقب السخاوي – رحمه الله – كلام أبي الحسن الكرخي ، فقال: ” وكذا ما أبداه الكرخي من الاحتمالات في المنع أيضًا بعيد ، كما قاله شيخنا ؛ فإن أمْر الكتاب ظاهر للكل ، فلا يختص بمعرفة الواحد دون غيره ، وعلى تقدير التنـزل فهو مرفوع ؛ لأن الصحابي وغيره إنما تلقوه من النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – [129](1) .
وأمْر الأمة لايمكن الحمل عليه ؛ لأن الصحابي من الأمة ، وهو لا يأمر نفسه .
وأمْر بعض الأئمة : إن أراد من الصحابة مطلقًا فبعيد ، لأن قوله ليس حجة على غيرهم منهم ، وإن أراد من الخلفاء فكذلك ؛ لأن الصحابي في مقام تعريف الشرع في هذا الكلام والفتوى ، فيجب حمله على من صدر منه الشرع ، وبالجملة : فهم من حيث أنهم مجتهدون ؛ لايحتجون بأمر مجتهد آخر ، إلا أن يكون القائل ليس من مجتهدي الصحابة ، فيحتمل أنه يريد بالآمر أحد المجتهدين منهم.
وحمله على القياس والاستنباط بعيد أيضًا ؛ لأن قوله : ” أُمِرْنا بكذا ” يُفْهَم من حقيقة الأمر والنهي ، لاخصوص الأمر باتباع القياس ” [130](2) اهـ .
وزاد الصنعاني في رده حمل الأمر على القياس : ” . . . . وحمْله على القياس فبعيد ، كحمله على الاستنباط ؛ فإنه لايتبادر ذلك لسامع ” [131](3) .
2-ومما اعتُرِض به أيضًا : أن قول الصحابي : ” أُمِرْنا بكذا ” يحتمل أن الصحابي أخطأ في اجتهاده ، وظَنَّ ما ليس بأمْر أمرًا .
وأُجيب : بأنه احتمال ضعيف ؛ لأن الصحابي عدْل عارف باللسان ،ولايُطلق ذلك إلا بعد التحقق . اهـ [132](4) .
3-ومما اعترض به أيضًا : أن هذه الصيغة وردت في أمْر من غير النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – [133](5) .
ويجاب : بأن هذا خلاف الأصل لما سبق ، والعمل بالأصل حتى يظهر خلافه : هو الأصل ، والله أعلم .
2-وأما قول الصحابي: ” كُنا نَفْعل كذا” فله حالان :
- أن يُضَاف إلى زمن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – كقول جابر – رضي الله عنه – :”كُنَّا نَعْزِلُ والقرآن يَنْـزِل ” يعني في حياته – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – فهذا على الأرجح من قبل المرفوع , فإن قوله: “كنا ” يدل على التكثير والتكرار ، ويُسْتَبْعَد أن يُقَرُّوا على منكر مع كثرة إتيانهم إياه في زمن الوحي، الذي يخبر النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – بآحاد أفعال بعض الصحابة .
ب-أن تأتي هذه العبارة مجردة عن الإضافة: ” كنا نفعل كذا ” فالخلاف في هذه الصورة مشهور بين العلماء ؛ فمنهم من يقول: إن هذا من قبيل الموقوف ، ومنهم من يقول : هو من قبيل المرفوع، وهو الأرجح ، وذلك لأن قول الصحابي :” كنا نفعل كذا ” يدل في الأصل على التكرار والتكثير ، فالظن بالصحابة – رضي الله عنهم – أنهم لايعملون الشئ، ويكثرون منه إلا إذا استشاروا النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – أو كان عندهم في ذلك مستند عنه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – فهل يُعْقل أنهم يفعلون هذا الشئ بهذه الكثرة من عند أنفسهم ، دون أن يرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؟ هذا أمر مستبعد ، لاسيما إذا كان ذلك من الصحابي في معرض الاستدلال به على شرعية أمر ما ، والله أعلم [134](1) .
وللعلماء مذاهب في قول الصحابي : ” كنا نفعل كذا ” بدون إضافة : فذهب بعضهم إلى إطلاق القبول ، سواء أضافه إلى زمن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – أم لا ، وهذا صنيع الشيخين ، وأكثر منه البخاري ، ومنهم من فصَّل من جهة احتمال خفاء هذا الفعل فلا يُقبل ، أم لا ، ومنهم من فصَّل بين كون القائل من المجتهدين فلا يُقبل ، أم لا ، إذا الصحابي أورده في معرض الحجة ، انظر هذا كله في ” النكت ” للحافظ [135](2) .
3-وكذا قول الصحابي : ” كنا لانرى بأسا بكذا ” فهو أيضًا من قبيل المرفوع – على الراجح – إلا أن يأتي دليل يمنع من ذلك ، فيقدم الدليل النصي على المرفوع الحكمي ، أو تظهر قرينة تدل على أنه لايراد بذلك عموم الصحابة ، ومما يشهد لهذين الأمرين : ما جاء في صحيح مسلم ( 1547) ك / البيوع / ب / كراء الأرض / عن ابن عمر قال : ” كنا لانرى بالخَبْر – أي كراء الأرض – بأسا؛ حتى كان عام أول ؛ فزعم رافع أن ببيَّ الله نهى عنه ” .
وفي رواية : أن ابن عمر كان يكري مزارعه على عهد رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وفي إمارة أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وصدرًا من خلافة معاوية ، حتى بلغه من آخر خلافة معاوية: أن رافع بن خَديج يُحدِّث فيها بنهْي عن رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – فدخل عليه وأنا معه ، فسأله ، فقال : ” كان رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – ينهى عن كراء المزارع ” فتركها ابن عمر بعدُ ، وكان إذا سُئل عنها بعدُ قال : زعم رافع ابن خديج أن رسول الله –صلى الله عليه وعلى آله وسلم – نهى عنها .
وفي رواية : قال ابن عمر : لقد منعنا رافعٌ نَفْعَ أرضينا . [136](1)
قال الخطيب مستدلاً بذلك على أن الأصل جَعْلُ هذه الصيغة من قبيل المرفوع : ” أفلا ترى أن ابن عمر لم يستجز أن يذكر ما كانوا يفعلونه من استكراء الأرض إلا بالجمع بينه وبين حديث رافع عن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – في النهي عنه ” اهـ [137](2).
قلت : فإذا وقفنا على هذه العبارة عن الصحابي ، ولم نجد خلاف ذلك في السنة ؛ فالأصل أنها تقرير ، وأنها من قبيل المرفوع ، والله أعلم .
( تنبيه ) : ومع أن قول الصحابي : ” كنا نرى كذا ” له حكم الرفع ، فقد قال الحافظ : ” ينقدح فيه من الاحتمال أكثر مما ينقدح في قوله : ” كنا نقول ، أو نفعل ” لأنها من الرأي ، ومستنده قد يكون تنصيصًا أو استنباطًا ” اهـ [138](3) .
فإن هذا يدل على أن ابن عمر كان يفعل ذلك، لاعموم الصحابة، ولما بلغه الدليل ترك ما كان يفعل، والله أعلم .
4 – قول الصحابي : ” من السنة كذا ” الصحيح أن هذا له حكم الرفع؛ لأن المتبادر من هذه العبارة : أنها سنة النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – خلافًا لمن قال : إنه من المحتمل أن تكون سنة الخلفاء الراشدين؛ لأن هذا ليس هو الأصل ، فإن سنتهم تبعٌ لسنته – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – والحمل على الأصل أولى من الحمل على الفرع ، والظاهر من مقصود الصحابي بذلك إنما هو بيان الشريعة ونقلها ، فكان إسناد ما قصد بيانه إلى الأصل ؛ أولى من إسناده إلى التابع ، والله أعلم [139](1) .
5 – قول التابعي عن الصحابي : ” يرْفَعُه”أو “مرفوعًا “أو ” يسنده” أو”يبْلُغ به ” أو ” يَنْمِيه ” أو يَرْويه ” أو ” رواة” أو “رواية ” أو ” قال : قال ” دون ذكر النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – .
فإن ذلك من قبيل المرفوع حُكْمًا [140](2) .
واعلم أن القائل لهذه العبارات هو التابعي الراوي عن الصحابي ، والضمائر في قوله : ” يرفعه ” أو ” ينميه ” … الخ ، راجعة إلى الصحابي، أي أن الصحابي – رضي الله عنه – هو الذي يرفع الحديث، أو ينميه إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – .
قلت هذا حتى لايلتبس الأمر على من وجد مثل هذه العبارات فيتوهم أن القائل لها هو الصحابي ، وقد بوب الخطيب في ” الكفاية ” بقوله : باب في قول التابعي عن الصحابي : ” يرفع الحديث ” و “ينميه ” و ” يبلغ به ” [141](3) .
( تنبيه ) : إذا قال الراوي عن التابعي : يرفعه ” أو ” يبلغ به ” فذلك أيضًا مرفوع ، ولكنه مرفوع مرسل ، قاله ابن الصلاح [142](4) .
( تنبيه آخر ) : قول التابعي : ” يرفعه ” أبلغ في الرفع من قوله : ” من السنة ” قاله الزركشي [143](1) .
وكذا يقال في :” قال : قال ” فمثلا لو فرضنا أن عندنا إسنادا من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة : قال : قال ” … الحديث ” دون أن يقول :” قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ” فالقائل :” قال : قال ” هو سعيد بن المسيب ، وفاعل ” قال ” الأولى هو أبوهريرة – رضي الله عنه – وفاعل ” قال ” الثانية هو رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – [144](2) .
ويُلْحَق بذلك ما إذا قال الصحابي : ” قال رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – يرفعه ” ويُعَدُّ ذلك من الأحاديث القدسية حُكْمًا [145](3) .
وجعل العلماء هذه العبارة من قبيل المرفوع حُكْمًا؛ لأنها قد دخلها الاحتمال، أي أنها محتملة أن يكون القائل في ” قال ” الثانية أبابكر أو عمر –رضي الله عنهما –فهذا الاحتمال – وإن كان بعيدا – إلا أنه قد حمل العلماء أن يجعلوا هذه العبارة وأمثالها من قبيل المرفوع حُكْمًا لاتصريحا .
فإن قيل : لماذا عدل التابعي إلى مثل هذه العبارات ، ولم يأت بالعبارات الصريحة، فيقول عن الصحابي: ” سمعت رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – ” أو نحو ذلك .
والجواب : أن هذا راجع إلى ورع التابعي، وذلك أنه قد يكون نسي الصيغة التي حدثه بها الصحابي – مع ثقته بصحة نسبة الحديث إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم – فخاف أن يأتي بصيغة من صيغ التحمل – مع شكه فيها – ويكون الأمر على خلاف ذلك، فأتى بصيغة محتملة تحتمل هذا وذاك ، ويحتمل أن يكون ذلك طلبا منه للتخفيف والاختصار ،أو قد يكون التابعي شاكا في نسبة ذلك إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – [146](4) وعندي في ذلك تأمل، إذْ كيف يليق بالتابعي العدل أن يجزم بما هو شاك في ثبوته ؟! إلا أن يقال : باب الرواية فيه توسُّع، بخلاف باب الاحتجاج والعمل ، والله أعلم.
6 – إخبار الصحابي بما يقال بالرأي والاجتهاد ،أوله تعلق باللغة ،أو شرح غريب ، كالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق ، وأخبار الأنبياء – عليهم السلام – أو الآتية كالملاحم ، والفتن ، وأحوال يوم القيامة ، وكذا الأخبار عما يحصل بفعل ثواب مخصوص ، أو عقاب مخصوص ،بشرط ألايكون الصحابي ممن يأخذ عن بني إسرائيل [147](1) .
وواضح من هذا أن إدخال هذا القسم فيما له حكم الرفع ؛ له عدة شروط :
أ – أن يكون القائل صحابيا ، فإن كان تابعيا اختلف الحكم .
ب – ألا يكون الصحابي ممن يأخذ عن بني إسرائيل ، فإن كان كذلك؛ فليس لروايته التي تحتمل أن تكون عن بني إسرائيل حكم الرفع ، لأنه – والحالة هذه – يحتمل أن يكون أخذه عنهم ، وكلامهم ليس حجة في ديننا.
( تنبيه ) : الصحابي – وإن كان ممن يأخذ عن بني إسرائيل – إن روى شيئًا ليس لأخبار بني إسرائل فيه احتمال أو مدخل ؛ فإن له حكم الرفع ، وذلك كأن يروي شيئًا له صلة بالأحكام الشرعية ، أو يتصل بنبينا محمد – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وما أعدَّ الله له من جزاء وثواب ، ونحو ذلك ، فهذا يكون مرفوعًا ، لا من أخبار بني إسرائيل .
وقد ذكر الحافظ ابن كثير – رحمه الله – في تفسير ” سورة الضحى ” ،عند قوله تعالى : ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) قول ابن عباس : ” عُرِض على رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – ما هو مفتوح على أمته من بعده كنـزًا كنـزًا ، فسُرَّ بذلك ، فأنزل الله ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) فأعطاه في الجنة ألف قَصْر ، في كل قَصْر ما ينبغي له من الأزواج والخدم .
قال الحافظ ابن كثير : رواه ابن جرير من طريقه ، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس ، ومثل هذا ما يقال إلا عن توقيف ” اهـ. هذا مع نص الحافظ ابن كثير أن ابن عباس ممن يروي في بعض الأحيان عن بني إسرائيل [148](2) .
وذلك لأن كفار بني إسرائيل لايؤمنون برسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – ولايحكون عما له ولأمته من الثواب عند الله عزوجل .
ج – أن يكون هذا الأمر المخبر عنه لايقال بالرأي ونحوه ، كالإخبار عن حال أهل الجنة ، أو أهل النار ، أو عما يكون في القبر، ونحو ذلك من الأمور التي ليس للاجتهاد فيها مجال .
ووجْه إدخال هذه الصورة في قسم المرفوع حُكْمًا: أن الصحابة – رضي الله عنهم – أشد الناس حذرًا من القول على الله بغير علم ، وما كان الواحد منهم يذكر أمرا غيبيا ،ويذكر أن الله عزوجل يقول لمن فعل كذا : كذا وكذا ، أو أو أنه يكرمه أو يعاقبه بكذا ، ونحو ذلك دون أن يكون له في ذلك حجة، فمن المستبعد أن يهجم الصحابي على هذا الأمر دون مستند عن رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – لأن هذا الأمر – بهذا التفصيل – لايؤخذ من قواعد الشريعة فقط، إنما يؤخذ عن رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – أو من أخبار أهل الكتاب ، فلما اشترط العلماء ألايكون الصحابي ممن يأخذ عن أهل الكتاب؛ ترجَّح الأمر الآخر، وهو الأخذ عن رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وانظر نحو ذلك ملخصًا في ” النـزهة ” [149](1) والله تعالى أعلم .
( تنبيه ) : قال السخاوي : ” إذا عُلم هذا ؛ فقد ألحق ابن العربي بالصحابة في ذلك ما يجئ عند التابعين أيضًا ، مما لامجال فيه ، فنصَّ أن يكون في حكم المرفوع ، وادعى أنه مذهب مالك ” ، قال : – والظاهر أن القائل ابن العربي – : ” ولهذا أدخل – يعني مالكًا – عن سعيد بن المسيب صلاة الملائكة خلف المصلي ” اهـ [150](2) .
ولعل المراد بذلك : أن له حُكم المرفوع المرسل ، والله أعلم .
ومن ذلك أيضًا: حُكْم الصحابي على الشئ بأنه معصية، أو نسبة الصحابي فاعله إلى الكفر والعصيان ، ما لم يكن ذلك من قبيل الاجتهاد ، لأن الصحابي قد يحكم على الشئ بأنه معصية – إذا لم ينسب ذلك إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – اجتهادًا منه ، إما أَخْذًا بظاهر آية، أو بنصٍّ عام، أو بالنظر إلى كليات الشريعة، ونحو ذلك .
وإذا كان كذلك ؛ فقد يرى الصحابيُّ الدليل الدال على التحريم صحيحًا ، وغيره لايراه كذلك ، أو يوافقه غيره على صحة الدليل؛ لكن يعارضه عنده ما هو أقوى منه وأنهض في الدلالة ، من هذا الدليل .
أما إذا صرح الصحابي بأن هذا الشئ معصية أو كفر ، ولم يكن ذلك من قبيل الرأي والاجتهاد ، وكذا لايكون الصحابي ممن يروي عن أهل الكتاب ؛ فالظاهر أن عنده نصًّا بذلك عنه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – والله أعلم .
وقد ذكر الحافظ في ” النكت ” [151](1) أن ابن عبدالبر حكى الإجماع على أن هذا الحكم من الصحابي مسند .
قال : وبذلك جزم الحاكم في ” علوم الحديث ” اهـ .
قال السخاوي مستظهرًا القول برفع ما هذا سبيله : ” ومن الأدلة للأظهر : أن أبا هريرة – رضي الله عنه – حدَّث كعب الأحبار بحديث : ” فُقِدَتْ أمَّةٌ من بني إسرائيل ، لايُدْرَى ما فَعَلَتْ ” قال كعب : أأنت سمعتَ النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – يقوله ؟ فقال له أبوهريرة : نعم ، وتكرر ذلك مرارًا ، فقال له أبوهريرة : أفأقرأ التوراة ؟!! أخرجه البخاري.
قال : قال شيخنا : فيه أن أبا هريرة لم يكن يأخذ عن أهل الكتاب ، وأن الصحابي الذي يكون كذلك، إذا أخبر بما لا مجال للرأي والاجتهاد فيه؛ يكون للحديث حكم الرفع ” اهـ .
قال السخاوي : ” وهذا يقتضي تقييد الحكم بالرفع لصدوره عمن لم يأخذ عن أهل الكتاب ” [152](2) .
فإن قيل : يُحتمل أن الصحابي الذي لايأخذ عن أهل الكتاب يأخذ عن صحابي آخر يأخذ عنهم ، فيعود الكلام – وإن كان لامجال للرأي فيه ، وراويه لايروي عن الإسرائيليات – إلى أهل الكتاب .
فالجواب : أن هذا خلاف الأصل ، وما كان كذلك ؛ فلا يُعَوَّل عليه إلابدليل يدل عليه ، ولو طردنا مثل هذه الاحتمالات؛ لأسقطنا أشياء كثيرة يُحتج بها عند أهل العلم ،والله أعلم .
هذا ، وقد مثَّل جماعة من أهل العلم لهذه القاعدة بعدد من الأحاديث ؛ وعندي أنها لا تسلم من احتمال استدلال الصحابي بالقواعد العامة ، أو نصٍّ آخر ، ونحو ذلك ، فينظر المثال السالم من الاحتمال ، والله أعلم .
7 –حكاية الصحابي لسبب النـزول ، وهو إخبار الصحابي عن نزول آية من آيات الكتاب العزيز، فهذا من قبيل المرفوع حُكْمًا وذلك لأن الصحابي قد شهد الوحي والتنـزيل ، فهو يعلم عن سبب نزول هذه الآية ما لايعلمه غيره [153](1)،فمن ذلك قول جابر كانت اليهود تقول : ” من أتى امرأة في دبرها جاءالولد أحول ، فأنزل الله عزوجل : ( نسائكم حرث لكم . . . ) الآية ، أخرجه البخاري ومسلم ، وأطلق بعضهم أن تفسير الصحابي له حكم الرفع [154](2)، وهذا الإطلاق غير صحيح ؛ إذ أن الصحابة قد يختلفون في تفسر آية ما ، وليس من الممكن أن نأخذ بتفسير الجميع ، ولا يستقيم – أيضًا – أن نجمع بين تفاسيرهم كما نجمع بين الأحاديث المرفوعة .
وقسم ابن عباس – رضي الله عنهما – التفسير إلى أربعة أوجه :
1-تفسير يعرفه كل الناس ، أو لا يُعْذر أحد بجهالته .
2-تفسير يعرفه العلماء.
3- تفسير يُعْرف من لغة العرب.
4- تفسير استأثر الله تعالى بعلمه [155](3) .
فالأول والثالث والرابع : لايستقيم أبدًا أن نقول : إن لها حكم الرفع ، أما القسم الثاني فذهب من قَسَّم هذا التقسم إلى أن له حكم الرفع .
وعندي أن إطلاق هذا ليس بلازم – أيضًا – فإن التفسير الذي يعرفه العلماء : قد تكون معرفتهم به مأخوذة عن رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وقد تكون ناشئة عن فقههم في كليات الشريعة وأحكامها، وهذا أمر اجتهادي راجع إلى فهم العالم في كتاب الله – عزوجل – وهذا هو الأغلب، ولو كان عند الصحابي تفسير عن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – فالأصل أنه يعزوه إليه .
وعلى هذا : فلا يلزم من ذلك أن يكون التفسير مرفوعًا ، فلم يبق معنا إلا حكاية الصحابي سبب النـزول، فهو الذي له حكم الرفع دون ما سواه ، والله أعلم .
( تنبيه ) : ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – أن هناك فرْقًا بين قول الصحابي : ” نزلت هذه الآية في كذا” وبين قوله : ” سبب نزول الآية كذا ” .
فجعل القول الثاني من قبيل المسند عند جميع أصحاب المسانيد .
وأما القول الأول : ففيه نزاع بين العلماء ، فالبخاري يدخله في المسند، فيكون من باب الرواية ، وأحمد لايدخله ، فيكون من باب التفسير ، والله أعلم [156](1) .
( تنبيه ) : فإن قيل : إن الصور السابقة في المرفوع الحكمي من جملة السنة التقريرية؟
فالجواب : أن في هذا الإطلاق نظرًا؛ فإن أكثر الصور السابقة لاتدخل في صور التقرير كقول الصحابي: ” من فعل كذا؛ فقد عصى أبا القاسم – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – ” فإن ذلك لايدخل في التقرير ؛ لأن مستند الصحابي الذي يحمله على هذه الفتوى قد يكون قوليًّا، أو فعليًّا، أوتقريريًّا ، وكذا قوله :” أُمِرْنا، ونُهينا ” فإن مستنده في ذلك سنة قولية .
وكذلك سبب النـزول ، والإخبار بأمر غيبي، وقول التابعي : ” يرفعه ” وما في معناه لايلزم في هذا كله أن يكون تقريرًا.
نعم قول الصحابي: ” كنا نفعل كذا ” أو ” كنا لانرى بأسًا بكذا ” عُدَّ من قبيل المرفوع من قِبَل إقرار النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – لهم على ذلك .
ومن المعلوم أن منـزلة التقرير المنصوص على كونه في حضرة النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – أعلى منـزلة من التقرير المستنبط من قول الصحابي ” كنا نفعل كذا ” وما في معناه ، والله أعلم .
●المسألة الخامسة :نجد في بعض كتب العلل أن بعض العلماء يقول في بعض الأحاديث: “رفعه فلان ، وأرسله فلان ..” وقد اعترض بعضهم – وأظنه ابن حبان – على هذا بأن المرسل من جملة المرفوع ، فيكون المعنى واحدًا، وإنما صواب العبارة أن يقال: ” أرسله فلان ، وأسنده فلان …”
وأجاب بعضهم عن هذا الإشكال بأن مقصود من أطلق العبارة السابقة بالرفع الاتصال، فيكون معنى العبارة ” أرسله فلان ، ووصله فلان ” [157](1) .
إلا أن هذا الجواب ليس دقيقًا ، وذلك لأن الرفع في اصطلاحهم هو ما أضيف إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وإن لم يكن متصلاً ، فكيف يفسر الرفع بالاتصال مع أنه لاتلازم بينهما ، والأمر في ذلك سهل ، والله أعلم ؟ .
وعلى كل حال : فالتنبيه على هذا لايخلو من فائدة ، وإن كان لا يغير من الواقع شيئًا ، لأن كلام العلماء قد دُوِّن عنهم ، فما بقي إلا محاولة فهمه على ما أرادوه ، أما المحققون للأحاديث فيما بعد عصور العلماء؛ فالأوْلى أن يراعوا ماسبق ، والله أعلم .
المقطوع
قال الناظم – رحمه الله – :
| . . . . . . . . . . . . . . | وما لتابعٍ هو المقطوعُ |
بعد أن ذكر الناظم – رحمه الله – الحديث المرفوع؛ ثَنَّى بالكلام على المقطوع، مع ذكره لحده .
فقوله: ” وما ” معطوف على قوله – فيما سبق – : ” وما أُضيفَ للنبي المرفوع ” فمعنى البيت ” وما أُضيفَ لتابعٍ هو المقطوع ” وعلى هذا فيكون تعريف المقطوع عند الناظم، هو : ” ما أضيف إلى التابعي من قول أو فعل ” .
وتحت هذا العَجُز من البيت مسائل :
●المسألة الأولى : قد يُعترض على الناظم – رحمه الله – ذِكْره المقطوع عقيب المرفوع وقبل الموقوف، وكان الأولى به تقديم الكلام على الموقوف؛ لأنه أشرف من المقطوع ، لأن الموقوف منسوب إلى الصحابة – رضي الله عنهم – .
●المسألة الثانية : تعريف التابعي :
للعلماء في تعريف التابعي قولان مشهوران :
- فمنهم من يقول :” هو مَنْ لَقِيَ الصحابيَّ وإن لم يصحبه ” وهو الذي عليه عمل الأكثرين من أئمة الحديث [158](1) .
- ومنهم من يقول :” هو من صحب صحابيًّا ” [159](2) ولايكتفي فيه بمجرد اللُّقِي .
( تنبيه ) : لا يُشترط في التابعي أن يكون مؤمنًا حال لقائه الصحابي ، فقد يراه وهو كافر ، ثم يُسْلم بعد ذلك [160](3) ،وكذلك لايُشترط أن يسمع منه [161](4) .
واختار الحافظ في ” النـزهة ” [162](1) والسخاوي في” فتح المغيث ” [163](2) أنه لايُشترط أن يكون التابعي حال لقاء الصحابي مميزًا ، وعندي في ذلك وقفة ؛إذْ كيف يُعَدَّ ذلك لقاءً أو رؤية والتابعي طفل ابن يوم أو يومين ؟!
فإن قيل : يُعَدُّ تابعيًّا ، كما عُدَّ صغار الصحابة في الصحابة،وإن كانت روايتهم مرسلة .
فالجواب : إنما عُدَّ هؤلاء في الصحابة لشرف الرؤية ، وليست رؤية النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – كرؤية غيره ن فهذا قياس مع الفارق .
ولعله لذلك اشترط ابن حبان أن يكون التابعي في حال لقائه الصحابي في سن البالغ الذي يحفظ [164](3) .
وعندي أنه لايشترط البلوغ ، والتمييز كافٍ ، ولكن الأكثر أطلقوا ، فالله أعلم .
🟎المسألة الثالثة : التابعون طبقات :
أ – فمنهم طبقة كبار التابعين .
ب – ومنهم طبقة متوسطيهم .
ج – ومنهم طبقة صغارهم .
وللعلماء أقوال في الضابط الذي يُعْرَف به كون التابعي كبيرًا أم صغيرًا :
1-فمنهم من يقول : إذا لقي جماعة من الصحابة؛ فهو كبير بخلاف من لقي الواحد والاثنين ونحو ذلك .
2-ومنهم من يقول : إذا لقي كبار الصحابة فهو كبير ، بخلاف ما إذا لقي صغارهم .
3 – ومنهم من يقول : هو من كانت أكثر رواياته عن الصحابة بخلاف من كانت أكثر رواياته عن التابعين [165](4) .
وهذه الأقوال قد تكون في حق بعض الرواة قولاً واحدًا ، فقد يلقى أحدهم كبار الصحابة ، ويتضمن ذلك رواية جماعة منهم ، وتكون أكثر رواياته عنهم ، والله أعلم.
●المسألة الرابعة : تعريف الحديث المقطوع :
اعلم – رحمك الله – أن الحديث المقطوع:” هو ما أضيف إلى التابعي قولاً أو فعلاً وأما التقرير ففي إطلاق نسبته إلى غير النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – نظر ، سبق تفصيله في المرفوع ، وسيأتي – إن شاء الله تعالى – في الموقوف ، والله أعلم .
( تنبيه ) تسمية ما أُضيفَ إلى التابعي من قول، أو فعل، بالمقطوع: هو المشهور في الكتب المصنفة في علوم الحديث ، وقد سماه البرديجي بالمنقطع ، وسمى الشافعي، والطبراني، والحميدي ، والدارقطني ،وغيرهم المنقطع مقطوعًا [166](1).
●المسألة الخامسة : الفرق بين المنقطع والمقطوع :
بينهما فرق من جهتين :
- من جهة التعريف : فالمقطوع سبق تعريفه ، والمنقطع :” هو ما سقط من أثناء سنده راوٍ أو أكثر ، ليس على التوالي ” .
- أن المنقطع من مباحث السند ، وأما المقطوع فمن مباحث المتن ، فافترقا .
●المسألة السادسة : هل يقال فيما أضيف إلى التابعي ، وقد اتصل سنده : مقطوع متصل ؟
الجواب : منع الجمهور من إطلاق ذلك، بل ينبغي أن يُقَيَّد ذلك ، فيقال : ” هذا متصل إلى سعيد بن المسيب ” – مثلا – والسر في ذلك أن المقطوع هو بظاهره اللغوي ضد المتصل ، فيفهم من ذلك الحكم على الأثر بحكمين متضادين، وليس هذا مرادًا عند من أطلق ذلك ، فينبغي التقييد حذرًا من التنافر لغة ، والله أعلم [167](1).
●المسألة السابعة : ما هي الفائدة من كتابة آثار التابعين، مع أنها ليست حجة لذاتها ؟
والجواب : أن لذلك فوائد كثيرة منها :
1-أنه قد تعرف بآثار التابعين علة الأحاديث المرفوعة، وذلك كما إذا رُوي حديث تارة مرفوعًا، وتارة مقطوعًا من مخرج واحد ،وكان من رواه مقطوعًا أرجح ممن رواه مرفوعًا ، فرواية المقطوع بَيَّنَتْ علة المرفوع .
وقد ذكر الخطيب السبب في كتابة الأحاديث المنقطعة المرسلة ، وإن لم يكن حجة عند قوم فقال : ” . . . . ومن لم يرها كذلك – أي حجة – من نُقَّاد الآثار ، وحُفَّاظ الأخبار ؛ فإن يكتبها للاعتبار بها ، وليجعلها[168](2) علة لغيرها ”
ثم ساق سنده إلى الميموني ، فقال : تَعجَّب إلىَّ أبوعبدالله – يعني أحمد بن حنبل – ممن يكتب الإسناد ، وَيَدع المنقطع ، ثم قال : وربما كان المنقطع أقوى إسنادًا أو أكبر .
قال الميموني : قلت : بيِّنْه لي كيف ؟ قال : ” يُكتب الإسناد متصلاً وهو ضعيف ، ويكون المنقطع أقوى إسنادًا منه ،وهو يرفعه ثم يُسنده ، وقد كتبه هو على أنه متصل ، وهو يزعم أنه لايكتب إلا ما جاء عن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – .
قال الميموني : معناه : لوكتب الإسنادين جميعًا ؛ عَرف المتصل من المنقطع ، يعني ضعْف ذا ، وقوة ذا ” اهـ [169](3) .
2-بعض أقوال التابعين لها حكم الرفع عند بعض العلماء كقول التابعي ” من السنة كذا ” أو ” أمرنا بكذا ” أو يذكر أمرا غيبيا لامجال للاجتهاد، فيه فيكون بمثابة الحديث المرسل الذي قد يرتقي بالشواهد إلى درجة القبول، ومنهم من يراه في حكم الموقوف ، والموقوف قد يستشهد به في مواضع ، كما سيأتي – إن شاء الله تعالى – والله أعلم .
وقد عدَّ السخاوي المقطوع أحد ما يعتضد به المرسل ، وأطلق ذلك [170](1) ، والصواب التقييد ، والله أعلم .
3-أن كلام التابعين من جملة كلام السلف، ونحن إنما نفهم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة – وعلى رأسهم الصحابة والتابعون – ولا نستقل بفهمهما دونهم ، فعندما نعرف أقوال التابعين – بعد ثبوتها إليهم – نستطيع أن نقول: إن هذا القول الذي قلنا به قد قال به فلان وفلان من التابعين ، ونستطيع أيضا أن نتحاشى الأقوال التي لم يقل بها أحد من السلف [171](2).
4- ونستفيد – أيضًا – من كتابة آثار التابعين معرفة اختلافهم واتفاقهم، فما أجمعوا عليه لم نخرج عنه ، وما اختلفوا فيه تخيرنا منه ما نرى أنه الصحيح الموافق للأدلة والقواعد ، ولم نُحْدِث قولا جديدًا من عند أنفسنا ، ونشذ عن مذاهبهم [172](3).
5- أنه بمعرفة اختلاف أقوال التابعين: يسوغ للمجتهد الاجتهاد في اختيار القول الذي يراه أقرب إلى الحق، وكونه اجتهد ووافق اجتهاده قولا قد سُبِق إليه؛ يجعل العلماء لاينكرون عليه إنكارهم على من خرق الإجماع ، ولاينسبونه بذلك إلى تكفير، أو تفسيق ، أو تضليل ؛ لأن المسألة اجتهادية يسوغ فيها الخلاف ، وشيخ الإسلام ابن تيمية يُكثر من ذلك .
6-وربما يتضح بالمقاطيع المعنى المحتمل من المرفوع ، قاله السخاوي [173](4) .
(تنبيه ) : اعترض الزركشي على إدخال المقطوع في أنواع الحديث ، فقال : ” في إدخاله في أنواع الحديث تسامح كثير ح فإن أقوال التابعين ومذاهبهم لا مدخل لها في احديث ، فكيف يكون نوعًا منه ” ؟ [174](5)
والجواب : أن ما سبق من كلام الإمام أحمد الذي ذكره الخطيب عن الميموني عن أحمد – وإن كان في غير المقاطيع – فإنه يشير إلى رد هذا الاعتراض ، للعلة نفسها ، وأيضًا فكلام التابعين الذي له حكم الرفع يدفع هذا الإطلاق ،وقد تنبَّه الزركشي لذلك ، فقال بعد كلامه السابق : ” نعم ، يجئ هنا ما بُيِّن في ” الموقوف ” من أنه إذا كان أدخل عن سعيد بن المسيب صلاة الملائكة خلف الصفوف . . . ” اهـ [175](1)
وبهذا الجواب الثاني دَفَع السخاوي هذا الاعتراض أيضًا [176](2)، والله أعلم .
وقد يُضاف إلى ذلك : أن من المحدثين من أطلق كلمة ” الحديث على المقاطيع ، كما مرَّ بنا في ” الصحيح ” من كلام البيهقي وغيره في تفسير كلام أحمد وغيره ، ولذا حَسُن معرفة هذا النوع من جملة أنواع علوم الحديث ، والله أعلم .
●( خاتمة ) : الأثر يُطْلق على الموقوف، والمقطوع، وهو في الموقوف أكثر، ومن العلماء مَنْ يُطْلِق الأثر على ما يشمل الجميع من مرفوع، وموقوف، ومقطوع [177](3)، والله أعلم .
الحديث المسند والمتصل
قال الناظم – رحمه الله – :
| 8 – والمسندُ المتصلُ الإسنادِ مِنْ | راويه حتى المصطفى ولم يَبِنْ |
تكلم الناظم – رحمه الله – في هذين البيت على الحديث المسند .
وقوله : ” راويه ” يعني به المصنفَ الذي خَرَّج الحديث : كالبخاري، ومسلم، وغيرهما، وليس المراد مطلق الراوي أيًا كان موضعه من السند؛ لأننا لو فرضنا أن المراد بالراوي هو التابعي – مثلا – فإن الإسناد وإن اتصل من التابعي إلى رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – ؛ فقد يكون منقطعًا دونه، فلايكون مسندًا – والحال هذه – ونحن نشترط في المسند الاتصال .
قوله : ” المصطفى ” أي النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – .
قوله : ” ولم يَبِنْ ” أي لم ينقطع، فهو تأكيد لقوله المتصل .
والكلام في هذا البيت في عدة مسائل :
●المسألة الأولى : تعريف المسنَد لغة – بفتح النون –:مأخوذ من الإسناد ، وإسناد الشئ إلى الشئ عزوه إليه ، ويقال : المسنَد مأخوذ من السند، وهو ما ارتفع وعلا عن سفح الجبل ، لأن المسنِد يرفعه إلى قائله ، ويجوز أن يكون مأخوذًا من قولهم : فلان سنَد ، أي معتمد ، فسُمِّي الإخبار عن طريق المتن مسندًا ، لاعتماد النقاد في الصحة والضعف عليه ، قاله الزركشي [178](1) .
وأما تعريفه في الاصطلاح ، فللعلماء في ذلك أقوال ، وهي كالتالي :
أولا : تعريف الناظم – رحمه الله – : عَرَّف الناظم الحديث المسند : بأنه الحديث المتصل الإسناد إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – .
وعلى هذا القول فيشترط في المسند شرطان:
1-اتصال السند.
2-الرفع .
وعليه فيظهر جليًا أن هناك فرقًا بين المرفوع والمسند والمتصل .
فالمرفوع يُنْظَر فيه إلى حال المتن، مع قَطْع النظر عن الإسناد، فحيث كان مضافًا إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – كان مرفوعا، سواء اتصل السند أم لا .
ومقابِلُهُ المتصل : فإنه يُنْظَر فيه إلى حال الإسناد، مع قَطْع النظر عن المتن ، سواء كان مرفوعا أو موقوفا .
وأما المسند : فيُنْظَر فيه إلى الأمرين جميعا، فيكون بينه وبين كل من الرفع والاتصال عموم وخصوص مُطْلَق ، فكل مسند مرفوع ، وكل مسند متصل ، ولاعكس فيهما ، قاله الحافظ [179](1).
ثانيًا: تعريف ابن عبدالبر : عرف ابن عبدالبر الحديث المسند : بأنه ما رُفع إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – خاصة، وقد يكون متصلاً، وقد يكون منقطعًا، فالمتصل : كمالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – ، والمنقطع: كمالك عن الزهري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ،لأن الزهري لم يسمع من ابن عباس [180](2).اهـ بمعناه .
وقد رَدَّ هذا الحافظ ابن حجر – رحمه الله – بأنه يلزم على قوله أن يتحد المرسل والمسند، وهذا مخالف للمستفيض من عمل الأئمة في مقابلتهم بين المرسل والمسند، حيث يقولون: ” أسنده فلان ، وأرسله فلان ” [181](3) .
ثالثًا: تعريف الخطيب البغدادي – رحمه الله تعالى – فقد عرفه بقوله : ” المسند عند أهل الحديث : ما اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه، وأكثر ما يستعمل فيما أُسْنِد عن رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – دون ما جاء عن الصحابة وغيرهم ” [182](4) اهـ بمعناه .
قال الحافظ ابن حجر معلقًا على هذا التعريف: ” الحاصل أن المسند عند الخطيب يُنْظر فيه إلى ما يتعلق بالسند، فيشترط فيه الاتصال ، وإلى ما يتعلق بالمتن فلا يشترط فيه الرفع، إلا من حيث الأغلب في الاستعمال ، فمن لازم ذلك: أن الموقوف إذا اتصل سنده؛ قد يسمى مسندًا، ففي الحقيقة لافرق عند الخطيب بين المسند والمتصل إلا في غلبة الاستعمال فقط [183](1) اهـ .
قلت : لازم كلام الخطيب أن المقاطيع – أقوال التابعين فما دونهم – تسمى مسانيد ، وهذا مستبعد ، وإن وُجِدَ من قال بذلك ؛ فهو نادر مهجور ، لايستحق أن يُعَرَّف المسند به ، فإن التعاريف تتبع الأغلب في الاستعمال ،لا النادر ، ثم يُشار بعد التعريف إلى من استعمله في خلاف هذا المعنى المشهور ، والخطيب نفسه أقر بأن الأغلبية في الاستعمال لا تراعى مطلق الاتصال ، بل تنظر إلى اتصال السند إلى رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – والله أعلم .
وقد ذكر العراقي في ” شرح الألفية ” [184](2) نحو كلام الخطيب عن ابن الصباغ ، فقال : ” قال ابن الصباغ في ” العدة ” : المسند ما اتصل إسناده ” قال العراقي : ” فَعَلى هذا يدخل فيه المرفوع ، والموقوف ، ومقتضى كلام الخطيب : أنه يُدخل فيه ما اتصل إسناده إلى قائله من كان ، فيدخل فيه المقطوع ، وهو قول التابعي ، وكذا قول من بعد التابعين ، وكلام أهل الحديث يأباه ” اهـ .
رابعًا : تعريف الحافظ ابن حجر – رحمه الله تعالى – فقد قال بعد أن ذكر الأقوال السابقة : ” والذي يظهر بالاستقراء من كلام أئمة الحديث وتصرفهم، أن المسند عندهم : ما أضافه من سمع النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – بسند ظاهره الاتصال ” ثم قال في شر ح التعريف : فـ ” من سمع ” أعم من أن يكون صحابيُّا، أو تحمل في كفْره، أو أسلم بعد النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – لكنه يُخْرِج من لم يسمع: كالمرسل، والمعضل .
و ” بسند ” يُخْرج ما كان بلا سند، كقول القائل من المصنفين: ” قال رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – ” فإن هذا من قبيل المعلق .
و ” ظهور الاتصال ” يُخْرِج المنقطع، لكن يدخل منه ما فيه انقطاع خفي : كعنعنة المدلس، والنوع المسمى بالمرسل الخفي، فلايخرج ذلك عن كون الحديث يسمى مسندًا، ومن تأمل مصنفات الأئمة في المسانيد؛ لم يرها تَخْرُج عن اعتبار هذه الأمور ” اهـ [185](1) .
قلت : توجد في الكتب المصنفة في المسانيد أحاديث فيها انقطاع جلي، ولازم كلام الحافظ أن تُعَدَّ هذه – أيضا – مع الانقطاع الجلي أحاديث مسندة، وفيه ما فيه .
فإن قيل : قد تكون منقطعة عندنا لا عند أصحاب المسانيد .
فالجواب : أنه يُسْتبعد أن يخفى هذا – مع كثرته – على أصحاب المسانيد ، ويُنْظَر هل لبعض أصحاب المسانيد كلام في مواضع أخرى يُصرح بعدم سماع فلان عن فلان ، ومع ذلك أخرجوا له من طريقه ؟ .
فإن وجد ذلك ؛ كان أقوى في رَدَّ ما قال الحافظ [186](2)، والله أعلم .
والذي يظهر أن المسند هو: ” ما اتصل سنده مرفوعًا إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – ” مراعاة للأغلب في الاستعمال ،وهذا يوافق كلام الحاكم ، واشتراطه ألا يكون في المسند رواية مدلس [187](3) وقد ظن الحافظ أن كلام الحاكم يؤيده في عدم اشتراط حقيقة الاتصال ، وإنما يُكتفى بما ظاهره الاتصال ، كما في ” النكت ” [188](4) ورد هذا الفهم السخاويُّ في ” فتح المغيث ” [189](5)والله أعلم .
( تنبيه ) : قول أحد الأئمة : ” فلان يدخل في المسند ” يراد به أن سماع أو لقاء الراوي بشيخه ثابت ، أي أن روايته عن شيخه متصلة لا منقطعة ،ويُراد بذلك – أيضًا – أن الراوي من جملة الصحابة ، وانظر تفصيل ذلك في ” شفاء العليل ” [190](6) .
قال الناظم – رحمه الله – :
| 9- وما بِسَمْعٍ كلِّ راوٍ يتصل | إسنادُه للمصطفى فالمتصلْ |
والكلام عن هذا البيت في عدة مسائل :
●المسألة الأولى : العبارات التي يعبر بها عن المتصل : يقال له المتصل ، والموصول ، والمؤتصل، والموتصل ، وهي عبارة الشافعي في ” الأم” [191](1) .
●المسألة الثانية : تعريف الناظم للمتصل :
عَرَّف الناظم الحديث المتصل بأنه: ” ما اتصل سنده بسماع كل راوٍ من شيخه إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – ” وعلى هذا التعريف إيرادان :
1 – أنه اشترط في الاتصال أن يكون مصحوبًا بالسماع، فأخرج بذلك ماعداه من طرق التحمل، فظاهر عبارته أنه لا يعدها اتصالا، وهذا غير صحيح، وهو مذهب غاية في التشدد ، وما أظن الناظم يقصد اشتراط ذلك في الحديث المتصل ، ولعل النظم هو الذي اضطره إلى ذلك ، أو يقال إنه عبر بعبارة غير دقيقة ، ولم يستحضر حال كتابته هذا البيت ما يلزم على قوله من الحكم بانقطاع كل مالم يكن سماعًا .
علمًا بأن هناك أئمة عرّفوا المتصل بمثل تعريف الناظم كابن عبدالبر في ” التمهيد ” [192](2) وابن الصلاح [193](3) والنووي في ” الإرشاد ” [194](4) وغيرهم .
وعلى كل حال : فيرد على كلامهم ما ورد على كلام الناظم ، لكن قد يُعتذر عن الجميع بأنهم عبَّروا بالسماع عن جميع صور التحمل باعتبار الأغلب ، أو الأشهر ، أو مالا خلاف فيه ، والله أعلم .
2 – إشتراطه أن يكون مرفوعًا إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – فخرج بذلك ما اتصل سنده إلى الصحابي وهو الموقوف ، أو من دونه، وهي المقاطيع ،فلا يُسمى كل هذا متصلا على هذا القول،والناظم لم يفرِّق بهذا بين المسند والمتصل ، فعرفهما بشئ واحد ، فشرط لهما الاتصال والرفع ، ولابد من تميز الأنواع ، والله أعلم .
●المسألة الثالثة : القول الراجح في تعريف المتصل:
اعلم أن الراجح في تعريف المتصل أنه: ” ما اتصل سنده إلى منتهاه ” فقولي : ” ما اتصل سنده ” أخرج جميع صور الانقطاع: جليًّا كان أو خفيًّا ، وكذا أدخل جميع صيغ التحمل من سماع وعرض وإجازة ونحوها ، وكل ذلك بشروطه المعروفة عند أهل العلم .
وقولي : ” إلى منتهاه ” يشمل المرفوع، والموقوف، وكل ذلك يدخل في قسم المتصل، بخلاف المقطوع : فإنه وإن كان متصلاً في الحقيقة؛ إلا أن العلماء لم يطلقوا عليه وصف الاتصال إلا مقيدًا، كقولهم: ” متصل الإسناد إلى الزهري “وعَدّ بعضهم إطلاق ذلك تنافرًا من جهة اللغة ، فلا يقال : مقطوع متصل ، إنما يُقال : متصل إلى فلان ، وقد مر الكلام على ذلك في الحديث المقطوع .
وخلاصة الأمر : أن المتصل يُشترط فيه شرط واحد، وهو اتصال السند، دون النظر إلى صاحب المتن ، والله أعلم .
●المسألة الرابعة : هل يلزم من الاتصال صحة الحديث ؟
اعلم أن الاتصال إنما هو شرط واحد من شروط الصحة، وعلى هذا فلا يُحكم للحديث المتصل بالصحة إلا باجتماع شروطها الخمسة، التي مَرَّ الكلام عليها في الحديث الصحيح ، وعلى هذا فقد يكون الحديث المتصل صحيحًا، وقد يكون حسنًا، وقد يكون ضعيفًا، وكذلك في المرفوع ، والمسند ، والله أعلم .
( تنبيه ) : سبق في نوع الصحيح كلام على كيفية معرفة الاتصال بين الراوي وشيخه ، بما يُغني عن إعادته هنا ، والله أعلم .
الحديث المسلسل
قال الناظم – رحمه الله – :
| 10- مسلسَلٌ قُلْ ما عَلَى وصْفٍ أَتَى 11- كـذاك قـدْ حَدَّثَنِيِـه قائمـًا | مِثْلُ أَمَا واللهِ أنباني الفَتَى أو بَعْدَ أنْ حَدَّثني تَبَسَّمَا |
تكلم الناظم – رحمه الله – في هذين البيتين على الحديث المسلسل، وذكر تعريفه وبعض أمثلته .
فقوله: ” مسلسل ” هو صفة لمحذوف، تقديره: حديث مسلسل
وقوله: ” قُلْ ما على وصفٍ أتى ” أي قل في تعريف الحديث المسلسل: أنه ما جاء على صفة واحدة.
فالصفة – هنا – تشمل ما كان صفة للراوي وما كان صفة للرواية – كما سيأتي إن شاء الله تعالى – .
وقوله: ” الفتى ” أي الراوي، سواء كان ثقة أو دون ذلك ، خلافًا لمن ظنَّ أنه العدل الضابط، [195](1) فليس ذلك شرطًا في المسلسل ، والله أعلم .
وصلة هذا بالنوع الذي قبله ، وهو المتصل : أن كلاًّ منهما من مباحث السند [196](2)، وأنهما بمعنى من جهة اللغة ، والله أعلم .
وتحت هذين البيتين مسائل :
●المسألة الأولى : تعريف الحديث المسلسل لغة واصطلاحًا .
فالمسلسل لغة : هو المتصل، ومنه سلسلة الحديد، سميت بذلك لاتصال بعضها ببعض .
واصطلاحًا : عَرَّفه الناظم بأنه : ” الحديث الذي جاء على وَصْفٍ واحد ” .
وقال النووي :” هو ما تتابع رجال إسناده على صفةٍ أو حالةٍ للرواة تارة ، وللرواية تارة أخرى [197](3)، وهذا أظهر من تعريف الناظم في اشتراط التتابع في المسلسل ، والله أعلم .
وبنحوه قال الصنعاني في ” توضيح الأفكار ” [198](4) فقد قال :” هو الحديث الذي اتفقت رجاله ، وتتابعوا على صفة واحدة ، أو حال واحدة ؛ سواء أكانت قولية ، أو كانت فعلية ، أومركبة منهما جميعًا ” اهـ .
وقوله : ” اتفقت رجاله ” يغني عن قوله : ” وتتابعوا ” وهو أظهر في الدلالة على المراد من الأول ، والله أعلم .
وظاهر من تعريف النووي أن التسلسل في الصفة أو الحال للراوي أو الرواية لابد منه ، مع أن بعض المسلسلات قد ينقطع فيها التسلسل في بعض الطبقات ، ولذا قال ابن دقيق العيد :
” وهو ما كان إسناده على صفة واحدة في طبقاته ، فتارة يكون في جميعها ، كما إذا كان كله بصيغة : سمعت فلانًا يقول ، إلى آخره ، وتارة يكون في أكثره ، مثل الحديث المسلسل بقولهم : ” وهو أول حديث سمعته منه . . . ” [199](1) اهـ .
●المسألة الثانية : أنواع الحديث المسلسل :
ينقسم الحديث المسلسل – في الجملة – إلى قسمين:
1 – مسلسل بصفة الراوي .
2 – مسلسل بصفة الرواية [200](2) .
أما المسلسل بصفة الراوي فله صور كثيرة منها :
- أن يكون مسلسلاً بالحفاظ كرواية حافظ عن حافظ إلى منتهاه .
- أن يكون مسلسلاً بالفقهاء ، كرواية فقيه عن فقيه إلى منتهاه.
- أن يكون مسلسلاً بالمحمدين ، كرواية محمد عن محمد إلى منتهاه .
- أن يكون مسلسلاً بأهل بلد معين كالحجاز .
- أن يكون مسلسلاً بمن أول إسمه حرف العين مَثَلاً، كرواية علي عن عبدالله عن عمر إلى منتهاه.
- أن يكون مسلسلاً بأصحاب العاهات – نسأل الله السلامة – كرواية الأعرج عن الأعمى عن الأصم إلى منتهاه .
- أن يكون مسلسلاً بالهيئة ، ومنه قول الناظم :
” كذاك قد حَدَّثنيه قائمًا . . . أو بَعْدَ أن حَدَّثني تبسَّما ” [201](3) .
وأما المسلسل بصفة الرواية فله صور – أيضًا – منها :
1 – ما تسلسل بصيغة واحدة من صيغ التحمل، كالعنعنة مَثَلاً، ومنه قول الناظم : ” أَمَا والله أنباني الفتى ” .
ويلحق بذلك قول الراوي : صُمَّمْت أُذناي إن لم أكن سمعته من فلان ”
2 – ما تسلسل بذِكْر زمن من الأزمنة ، كأن يقول كل راوٍ: ” حدثني فلان يوم العيد ” .
3 – ما تسلسل بذكر مكان من الأمكنة، كأن يقول كل راوٍ: ” حدثني فلان بين الركن والمقام”[202](1)
وبالنظر إلى الحديث المسلسل من جهة القول والفعل ؛ فإنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام :
- مسلسل بالقول، كحديث معاذ حين قال له النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – : ” يا معاذ إني أحبك في الله ؛ فلا تدعَنَّ دبر كل صلاة أن تقول : اللهم أَعِنِّي على ذِكْرك ، وشكرك، وحُسْنِ عبادتك “ فقد تسلسل بقول كل راوٍ لمن بعده : ” إني أحبك في الله ” ومنه – أيضا – قول الناظم :
” أما والله أنباني الفتى ” .
2 – مسلسل بالفعل ، كقول أبي هريرة – رضي الله عنه – : ” شبك أبوالقاسم بيده، وقال :” خَلَقَ الله التربة يوم السبت … ” الحديث، فقد تسلسل – أيضًا – بتشبيك يد كل راوٍ بيد من بعده ، ومنه أيضًا قول الناظم:
” كذاك قد حدثنيه قائمًا … أو بعد أن حدثني تبسما ”
3 – مسلسل بالقول والفعل، ويُمَثِّلون له بحديث أنس مرفوعًا: ” لايجد العبد حلاوة الإيمان حتى يؤمن بالقدر خيره وشره ، حلوه ومره ” قال : وقبض رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – على لحيته، وقال : ” آمنت بالقدر ” فقد تسلسل بقبض كل راوٍ على لحيته بقوله: ” آمنت بالقدر ” [203](2) .
●المسألة الثالثة : فوائد الحديث المسلسل :
للحديث المسلسل عدة فوائد ، منها :
- أنه يدل على مزيد من الضبط والإتقان، وذلك أن نَقْلَ الراوي حال شيخه وهيئته التي حدثه عليها، وكذا حكايته الواقعة التي حدثه شيخه فيها؛ كل ذلك يدل على ضبطه لما روى .
- أن بعض صور المسلسل يدفع الانقطاع والتدليس – وهو غاية المقصد من هذا النوع – [204](3) كالمسلسل بـ ” حدثني ، وأخبرني ” فإنه لايُتَصَوَّر فيه الانقطاع والتدليس ، مالم يقع وهم في ذلك ، وكذا ما جاء في الفائدة الأولى؛فإن ذلك يدل على الاتصال ، والله أعلم .
- أن المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين أقوى في الثبوت من غيره ، وإذا توبع أفاد العلم النظري ، قاله الحافظ في ” النـزهة ” [205](1) .
4-وذكر ابن دقيق العيد أنه قد يكون فيه اقتداء بالنبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – فيما فعل [206](2) اهـ .
وزاد الصنعاني : ” وقوله ” [207](3) .
●المسألة الرابعة :هل يلزم من كون الحديث مسلسلاً أن يكون صحيحًا ؟
الجواب: أن هذا ليس بلازم، فقد يكون الحديث المسلسل صحيحًا ، أو حسنا أو ضعيفا ، بل أكثر الأحاديث المسلسلة ضعيفة، كما ذكر ذلك جماعة من أهل العلم،[208](4) بل قال الحافظ الذهبي – رحمه الله – ” وعامة المسلسلات واهية ، وأكثرها باطلة لكذب رواتها ، وأقواها المسلسل بقراءة سور الصف والدمشقيين ، والمسلسل بالمصريين، والمسلسل بالمحمدين إلى ابن شهاب ” اهـ [209](5).
وليس المراد من كونها ضعيفة ضعف أصل المتن ، بل المراد: أن الضعف فيها من جهة تسلسلها على صفة معينة، أما متنها فقد يكون صحيحًا ، وقد يكون ضعيفًا [210](6).
( تنبيه ) : المقصود من ذكر أمثلة المسلسل توضيح ذلك للقارئ ، ولايلزم من ذلك صحتها عندي ، وقد ذكر الحاكم بعض الأمثلة في ذلك ، ثم قال : ” وإني لا أحكم لبعض هذه الأسانيد بالصحة ، وإنما ذكرتُها ليستدل بشواهدها عليها – إن شاءالله – ” اهـ [211](7).
( تنبيه آخر ) : قد يقول قائل : إذا كان أكثر المسلسلات واهية ، فلماذا ذكروا في فوائد المسلسل ما سبق ؟
والجواب : هذا على افتراض الصحة ، فبعض المسلسلات ثابت ، وبعضها مختلف فيه ، فمن ذهب إلى ثبوت ذلك ؛ استفاد منها تلك الفوائد ، والله أعلم .
●المسألة الخامسة : هل يُشترط في الحديث المسلسل أن يكون من بداية السند إلى نهايته كذلك ؟
ذكر بعض أهل العلم أن هذا ليس بلازم، فقد وُجِدَتْ بعض الأحاديث يكون التسلسل فيها في بعض طبقات السند دون بعض، ومع ذلك يحكمون لها بأنها أحاديث مسلسلة، لكن الغالب في المسلسلات أنها تكون كذلك من أولها إلى آخرها .
الحديث العزيز
قال الناظم – رحمه الله – :
| 12-عزيزُ مَرْوِيْ اثنينِ أو ثلاثةْ | . . . . . . . . . . . . . . |
تكلم الناظم – رحمه الله – هنا على الحديث العزيز .
فقوله : ” عزيزُ ” بالضم من غير تنوين، مراعاةً للنظم .
وقوله : ” مرويْ ” هو بسكون الياء،وعلى هذا فالياء وإن كتبت خطًّا؛ فلاتنظق لفظًا، مراعاةً للنظم أيضًا .
وتحت صدر هذا البيت مسائل :
●المسألة الأولى: تعريف العزيز : عَرَّفه الناظم بأنه : “الحديث الذي يرويه اثنان أو ثلاثة ” ويعني بذلك أنه ما كان في أقل طبقة من طبقات سنده راويان أو ثلاثة .
وهذا التعريف الذي ذكره الناظم قد سبقه إليه جماعة من أهل العلم كابن منده ، وابن طاهر المقدسي ، وابن الصلاح، وابن دقيق العيد، والنووي، والعراقي، وابن الجزري .
ومثاله: مارواه الشيخان من حديث أنس، وما رواه البخاري من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – قال : ” لايؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده، وولده، والناس أجمعين ” .
فإن هذا الحديث رواه عن أنس : قتادة وعبدالعزيز بن صهيب، ورواه عن قتادة شعبة وسعيد، ورواه عن عبدالعزيز إسماعيل بن علية وعبدالوراث ، ورواه عن كُلٍّ جماعة .
وهاك شكلا يوضح ذلك :
جماعة عن شعبة عن قتادة
جماعة عن سعيد عن أنس . . . الحديث .
جماعة عن ابن علية عن عبدالعزيز عن أبي هريرة
جماعة عن عبدالوارث
قال ملا علي القاري في شرح ” النـزهة ” [212](1) : ” كان لم يذكر رواة أبي هريرة اكتفاءً بما ذكر من رواة أنس ، أو لعدم تعدُّد رواته ، فحينئذٍ يُقال : إن كان المعتبر في العزة اثنينية الصحابي ، وأن يكون لكل منهما روايان ، وهكذا ؛ ينبغي أن يبين راوي أبي هريرة أيضًا ، وإن لم تُعتبر ؛ فما الحاجة إلى ذكْر أبي هريرة – رضي الله عنه – ” .
قال : والظاهر : أن تعدد الصحابي غير معتبر في العزة ؛ لأن هذا الحديث عزيز عند مسلم ، مع أن صحابيه واحد ” اهـ .
قلت : ظاهر صنيع الحافظ أنه يشترط الاثنينية في طبقة الصحابة أيضًا ، ولذا ذكر أبا هريرة متابعًا لأنس ، ولا يشترط أن يكون عزيزًا – أيضًا – عن أبي هريرة ، ولذلك لم يذكر من رواه عنه ، والله أعلم .
ومما يؤيد ما فهمتُه من صنيع الحافظ في اشتراطه التعدد في طبقة الصحابة ، قوله الذي نقله عنه ابن قطلوبغا في حاشيته على ” النـزهة “فقد قال الحافظ : ” . . . وهذا بخلاف ما تقدم في حدِّ العزيز والمشهور ، حيث قالوا : إن العزيز لابد فيه أن لاينقص عن اثنين من الأول إلى الآخر ، فإن إطلاقه يتناول ذلك . . . ” اهـ [213](2).
وقد قال زكريا الأنصاري في ” فتح الباقي ” [214](3) :” وقد يكون الحديث عزيزًا مشهورًا ، كحديث : ” نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ” – متفق عليه – فهو عزيز عن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – رواه عنه حذيفة وأبوهريرة . . . ” اهـ .
والذي يظهر لي : اشتراط الاثنينية في طبقة الصحابة أيضًا في الحديث العزيز ، والله أعلم .
فإن قيل : إن الصحابة كلهم عدول فلماذا يشترط العدد فيهم ؟
والجواب :أن المقام هناليس مقام القبول والرد ، ولكنه مقام بيان كيفية وصول الحديث إلينا من جهة السند ، وعدد رواته ، وعلى أي هيئة بلغنا ، ولهذا فقد يكون صحيحًا ، وقد يكون ضعيفًا .
واشتراط العدد فيمن دون الصحابة ليس المراد منه ثبوت الصحة ، فقد يرويه اثنان ثقتان حافظان ، أو ضعيفان، أو متروكان فالمسألة اصطلاحية فقط ، والله أعلم .
وعَرَّف الحافظ العزيز في ” النـزهة ” [215](1) بقوله : ” وهو : ألايرويه أقل من اثنين عن اثنين ” وهذا أدق من قوله في موضع آخر في ” النـزهة ” [216](2) في معرض ردِّه على ابن حبان : ” . . . وأما صورة العزيز التي حررناها ؛ فموجودة بألايرويه أقل من اثنين عن أقل من اثنين ” اهـ .
فقوله :” ألا يرويه أقل من اثنين ” أخرج الغريب ، وأدخل العزيز والمشهور .
وقوله : ” عن اثنين ” أخرج المشهور والغريب أيضًا ، فيبقى العزيز ، ولكن التعريف الثاني ليس مانعا ؛ لأن المشهور والمتواتر داخلان في هذا الحد؛ لأنه يصدق على كل منهما أنه لايرويه أقل من اثنين عن أقل من اثنين ” فهذا القيد أخرج الغريب فقط ، أما المشهور والمتواتر فلم يخرجهما هذا القيد ، ولذا فالأول أدق ، والله أعلم .
ولو أن الحافظ قال : ” هو ما كان في أقل طبقة من طبقاته راويان فقط” لكان أوضح في مراده، وأقرب في فهم مقصوده .
فقولي: ” أقل طبقة من طبقاته ” يشمل وجود هذا الوصف في طبقة أو أكثر ، فوجوده مشروط في طبقة واحدة على الأقل، فإن عُدِم هذا انتقل إلى الغرابة أو الشهرة .
وقولي: ” راويان فقط ” أخرج مالم يكن كذلك، فإن كان في أقل طبقة من طبقاته واحد؛ فهو الغريب، وإن كان فيها أكثر من اثنين، فهو المشهور، وقد يصل إلى التواتر بشروط أخرى .
وظاهر كلام بعضهم أنه قَيَّد العزيز برواية اثنين أو ثلاثة عمن يُجْمع حديثه ، أي من المشاهير كالزهري ، وقتادة ، ونحوهما . [217](3)
والخلاصة في تعريف العزيز : أن أكثر من وقفتُ على كلامه في تعريف العزيز يدل على ما ذهب إليه الناظم تعريف الحافظ ابن حجر .
فإن قيل: وعلى تعريف الأغلب يلزم من ذلك التداخل في الأنواع؛ لأن المشهور يُطْلَق على مارواه الثلاثة أيضًا ؟
فالجواب من وجهين :
- على قول من يرى أن المشهور رواية ما زاد عن ثلاثة؛ فلا تداخل ، ولا إيراد .
- وعلى قول من يرى أن المشهور رواية ثلاثة فما فوق؛ يقع التداخل، ولاعيب في ذلك إذا كانت هناك مواضع يُستعمل فيها العزيز على المشهور والعكس عند الأئمة، لكن الإيراد يكون وجيهًا إذا لم يكن ذلك معلومًا عندهم، فيقع اللبس والايهام ، والله أعلم .
●المسألة الثانية : لماذا سُمِّي العزيز عزيزًا ؟
ذكر الحافظ – رحمه الله – لذلك احتمالين [218](1):
- أن يكون مأخوذًا من قولهم: ” عَزَّ يَعزُّ ” – بفتح العين – أي قوي بمجيئه من طريق أخرى كقوله تعالى: ( فعززنا بثالث ) .
- أن يكون مأخوذًا من قولهم: ” عَزَّ يَعِزُّ ” – بكسر العين – إذا قَلَّ ونَدَرَ ، سُمِّي بذلك لقلة وجوده في الأسانيد .
( إشكال ) : لو قيل : إن الاحتمال الأول في تسمية العزيز، يلزم منه أن يُسَمَّى المشهور عزيزًا – أيضًا – لأن مجئ الحديث من ثلاث طرق فأكثر يجعله أقوى من طريقين فقط، فتسميته بالعزيز عندئذٍ أولى .
والجواب: من حيث اللغة فلا مانع ، وإلا فالمسألة اصطلاحية ، ومراعاة تميز الأنواع – إن أمكن – أولى ، ولايقع هذا إلا بهذا ، والله أعلم .
●المسألة الثالثة : وَصْفُ الحديث بالعزة ، هل يلزم منه أن يكون صحيحًا ؟
الجواب : هذا ليس بلازم، فالحديث الذي يوصف بالعزة قد يكون صحيحًا ، وقد يكون حسنًا ، وقد يكون ضعيفًا، فكل ذلك راجع إلى أمور تتصل بصحة الإسناد أو المتن أو ضعفهما، والله أعلم .
( تنبيه ) : قد يُطْلق علماء الجرح والتعديل على الراوي قولهم: ” عزيز الحديث ” أو ” عزيز المخرج ” أو عزيز الحديث جدًّا” ونحو ذلك ، ولايعنون بذلك المعنى الاصطلاحي السابق ، ولكنهم يريدون بذلك أنه قليل الرواية ، وليس مشتغلاً بالحديث ، والغالب أن من كان كذلك يكون ضعيفًا ، أو مجهولاً وانظر ترجمة أُسَيْد بن يزيد البصري في ” الكامل ” لابن عدي [219](2)،وقد قال الحاكم في ” المستدرك ” [220](3) ” عقبة بن خالد الشني ، في ثقات البصريين وعُبَّادهم ، وهو عزيز الحديث ، يُجْمَع حديثه ، فلايبلغ تمام العشرة ” اهـ والله أعلم .
الحديث المشهور
| . . . . . . . . . . . . . | مشهور مروي فوق ما ثلاثة |
فقوله : ” مشهورُ ” بالضم بدون تنوين ، مراعاةً للنظم .
وقوله : ” مرويْ ” بسكون الياء ، والياء تُكتب خطا ، ولاتُنطق ،مراعاةْ للنظم أيضًا .
وقوله : ” ما ” في قوله : ” فوق ما ثلاثه ” زائدة ، والله اعلم .
وتحت هذا العَجُز من البيت مسائل :
●المسألة الأولى : ما معنى قول الناظم : ” فوق ما ثلاثهْ ” ؟
هذه الكلمة مشكلة : هل المقصود من هذا أن المشهور هو مارواه ثلاثة فما فوق ؟ أي أن الثلاثة داخلة في هذا ، كقوله تعالى : ( فإن كن نساء فوق اثنتين ) أي اثنتان فما فوق ؟
وإلى هذا ذهب بعض شراح هذا النظم في تفسير هذه الكلمة .
أو أن المقصود أربعة فأكثر ، وذهب إليه بعض شراحها – أيضًا – وعلى هذا يكون تعريف الحديث المشهور عند الناظم مارواه أربعة فأكثر ، إلا أن الأمر محتمل في نسبة هذا وذاك إلى الناظم ، وإن كان الثاني أظهر ؛ لأنه الأصل ، ولأن الناظم عرَّف العزيز برواية اثنين أو ثلاثة ، فيترجح أن المشهور عنده برواية أربعة فأكثر ، والله أعلم .
●المسألة الثانية : التعريف المختار للحديث المشهور :
أنه : ” ما كان في أقل طبقة من طبقات سنده ثلاثة فأكثر ، مالم يبلغ حد التواتر ”
فقولي: ” ما كان في أقل طبقة من طبقات سنده ثلاثه” أخرج الغريب، والعزيز – على قول – إذ الغريب أقل طبقة من طبقاته واحد ، والعزيز أقل طبقة من طبقاته اثنان – على قول – .
وقولي : ” فأكثر ” يدخل أربعة فما فوق .
وقولي: ” ما لم يبلغ حد التواتر ” يخرج الحديث المتواتر، لأنه إذا زاد العدد عن ثلاثة وأفاد العلم اليقيني ، صار الحديث متواترًا، والمشهور الذي نحن بصدده من قسم الآحاد لا التواتر ، والله أعلم .
●المسألة الثالثة : الفرق بين المشهور والمستفيض :
- من العلماء من سَوَّى بينهما،وقال :لافرق بين النوعين [221](1).
- ومنهم من غاير بينهما ، واختلفوا في وجه التغاير بينهما :
- فقال بعضهم : ” المستفيض: هو الذي يكون ابتداؤه، وانتهاؤه،ووسطه سواءً، والمشهور أعم من ذلك ” .
ب-وقال بعضهم : ” إن المستفيض ماتلقته الأمة بالقبول دون اعتبار عدد ، بخلاف المشهور” .
- وقال بعضهم : ” إن المستفيض هو المتواتر ، بخلاف المشهور، فهو قسم من قسم الآحاد “، والله أعلم [222](1).
●المسألة الرابعة : أقسام المشهور :
ينقسم المشهور إلى قسمين :
- مشهور اصطلاحي : وهو المقصود من كلام الناظم .
- مشهور غير اصطلاحي : ويُقْصَد به ما اشتهر على الألسنة ، من غير اعتبار أي شرط ، فيشمل ماله سند واحد فأكثر ، ومالا إسناد له [223](2)، ويشمل ما صح، وما لم يصح ، وهو أقسام :
- مشهور عند أهل الحديث خاصة ، مثل حديث أنس أن رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – قنت شهرًا بعد الركوع ، يدعو على رعل وذكوان ” .
- مشهور عند المحدثين، والعلماء، والعوام، كحديث : ” المسلم مَنْ سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده ” .
- مشهور عند الفقهاء ، كحديث ” لاضرر ولا ضرار ” .
- مشهور عند الأصوليين ، كحديث : ” رُفِعَ عن أمتي الخطأ ، والنسيان ،وما استكرهوا عليه ” .
- مشهور عند علماء العربية كحديث : ” نعم العبد صهيب، لولم يخف الله لم يعصه ” وإن كان لا أصل له .
- مشهور عند الأدباء ،كحديث ” أدبني ربي فأحسن تأديبـي ” .
- مشهور عند العامة ، كحديث ” العجلة من الشيطان ” [224](3) .
●المسألة الخامسة : قد يظن الظان أن كثرة الطرق تصل بالحديث إلى درجة الصحة ، وعلى هذا فالحديث إذا كان مشهورًا يكون صحيحًا ، وهذا الظن غير صحيح؛ لأن العلماء لاينظرون في الحكم بالصحة إلى عدد الطرق فقط ، وإنما ينظرون في توافر شروط القبول ، فإن توافرت؛ صححوا الحديث دون النظر إلى كثرة العدد ، وإن لم تتوافر ردوا الحديث ، فَرُبَّ حديث له أكثر من طريق ، ورواته كذابون ، أو هالكون، فلا تنفع الكثرة هنا ، وَرُبَّ حديث يصح في الجملة ؛ لا بآحاد طرقه ، وَرُبَّ حديث ترفعه كثرة الطرق إلى التواتر ، والله أعلم .
( تنبيه ) : اعترض على الناظم – رحمه الله – عدم ذكره للحديث الغريب مع أخويه العزيز والمشهور – كما صنع الحافظ في ” النـزهة ” – فإن له بهما تعلقا ، حيث إن الأمر في جميع هذه الثلاثة يدور على عدد رواة كل منها ، وهو وإن كان قد ذكر الغريب إلا أنه أَخَّر ذكره ، وكان الجمع بينها أولى ، والله أعلم .
( تنبيه آخر ) : قد يجتمع في الإسناد غرابة ، وعزة ، وشهرة ن وذلك باعتبار نسبي لابإطلاق ، فيقال : هو عن فلان غريب ، أو غريب عن فلان ، أو عزيز ، أو مشهور ، والله أعلم [225](1).
الحديث المعنعن
قال الناظم – رحمه الله – :
| 13- معنعن كَعَنْ سعيدٍ عن كَرَمْ | . . . . . . . . . . . . . . . |
تكلم الناظم – رحمه الله – في هذا الجزء من البيت عن الحديث المعنعن ، ولم يذكر له تعريفًا وإنما عَرَّفه بالمثال ، وكان الأولى ذكر التعريف ثم المثال .
وتحت هذا الجزء من البيت مسائل :
●المسألة الأولى : تعريف الحديث المعنعن :
هو:” الحديث الذي يرويه الراوي عن شيخه بصيغة ” عن ” دون أن يذكر سماعًا، أو تحديثًا، أو إخبارًا ، أو نحو ذلك ” .
●المسألة الثانية : هل الحديث المعنعن من قبيل المقبول أو من قبيل المردود ؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال :
- فمنهم من قال : إنه مردود مطلقًا .
- ومنهم من قال : إنه مقبول مطلقًا .
- ومنهم من فَصَّل – وهم الجمهور – فقالوا : إن الراوي إذا عنعن عن شيخه؛ قُبِلَ قولُه بشروط ثلاثة :
- العدالة في الرواية ، فتشمل العدالة في الدين والضبط .
ب- البراءة من التدليس .
ج- لقاء الراوي بشيخه [226](1).
وقد اتفق العلماء على الشرطين الأولَيْن ، واختلفوا في الثالث على أقوال :
- فمنهم من اشترط طول الصحبة بين الراوي وشيخه ، وهذا قول أبي المظفر السمعاني .
- ومنهم من اشترط أن يكون الراوي المعنعِن معروفًا بالرواية عن شيخه ، وهو قول أبي عمرو الداني.
- ومنهم من اشترط ثبوت اللقاء ولو مرة واحدة ، وذكر بعضهم أن هذا مذهب ابن المديني ، والبخاري ، ونسبه ابن رجب إلى المحققين ، وذكر أقوالاً عن كثير منهم ، وبَيَّن أنها أخص من كلام ابن المديني ، والبخاري .
- ومنهم من اكتفى بإمكان اللقاء ، وهو مذهب الإمام مسلم –رحمه الله – وحكى الإجماع عليه ، ولايُسلَّم له ذلك دعوى الإجماع [227](1) .
والذي يترجح لي : الأخذ بمذهب مسلم مالم يغمز إمام في السماع ، فيؤخذ بقوله عند ذاك ، وهو مذهب المحققين ، والله أعلم .
فإن قيل : إذا كانت العنعنة محمولة على الاتصال بالسماع ونحوه ، فلماذا لايقول الراوي : حدثني فلان ، أو سمعت فلان ، ونحو ذلك ؟
فالجواب : لقد أجاب على ذلك الخطيب – رحمه الله – في ” الكفاية ” [228](2) فقال : ” إنما استجاز كَتَبَةُ الحديث الاقتصار على العنعنة ؛ لكثرة تكررها ، ولحاجتهم إلى كتْب الأحاديث المجملة بإسناد واحد ، فتكرار القول من المحدث : ” حدثنا فلان ” عن سماعه من فلان : يشق ويصْعُب ؛ لأن لوقال : أُحدِّثكم عن سماعي من فلان ، وروى فلان عن سماعه من فلان ، وفلان عن سماعه من فلان ، حتى يأتي على أسماء جميع مُسْنِدي الخبر ، إلى أن يُرفع إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وفي كل حديث يَرِدُ مثل ذلك الإسناد ؛ لطال وأضجر ، وربما كثر رجال الإسناد حتى يبلغوا عشرة وزيادة على ذلك ، وفيه إضْرارٌ بكتَبة الحديث ، وخاصة المقلين منهم ، والحاملين لحديثهم في الأسفار ، ويَذْهب بذكر ما مثَّلْناه مدةٌ من الزمن ، فساغ لهم – لأجل هذه الضرورة – استعمال : ” عن فلان ” . . . . ” اهـ .
●المسألة الثالثة : حالات العنعنة قبولاً وردًّا :
للعنعنة حالات تُقْبل فيها، وتكون محمولة على الاتصال ، وأخرى يُتَوقف فيها أو تُرَدُّ ، ومنها :
- أن يثبت سماع الراوي من شيخه في رواية صحيحة ، أو يصرح إمام بأن الراوي سمع من شيخه ، فالعنعنة تكون في بقية حديثه محمولة على السماع ، مالم يكن مدلسًا .
- أن يصرح إمام بعدم سماع الراوي من شيخه ، فالرواية المعنعنة هنا منقطعة، ولاتُقْبَل .
- أن يثبت سماع التلميذ من الشيخ في بعض الأحاديث دون البعض الآخر ، ثم يروي التلميذ البعض الآخر بالعنعنة، موهمًا السماع من شيخه ، فهذه عنعنة مدلِّس، يُتَوقف فيها .
- أن يمكن لقاء الراوي بشيخه مع براءته من التدليس ، وبراءته من طَعْنِ إمامٍ في سماعه من شيخه ، فالعنعنة هنا محمولة على الاتصال .
- أن يمكن لقاء الراوي بشيخه مع براءة الراوي من التدليس ، لكن قد طعن إمام في سماعه من ذلك الشيخ ، فالرواية المعنعنة هنا يُتوقَّف فيها .
فإن قيل : إن هذه الحالة الأخيره إنما تكون فيها العنعنة من قبيل المنقطع؛ إذا كان الطاعن في السماع غير البخاري أو شيخه ابن المديني ، لأنهما يشترطان ثبوت اللقاء ؟
فالجواب: أن هذا القول لايُسَلَّم به ؛فإن مذهب البخاري وابن المديني هو مذهب المحققين ، وعلى هذا فإذا طَعَنَا في سماع راوٍ؛ فإنه يقبل منهما ، كما يُقْبل طعن بقية الأئمة .
وقد تقدم الكلام على هذه المسألة بتوسع في الحديث الصحيح ، والله أعلم .
●المسألة الرابعة : الحديث المؤنَّن ، ويقال : المؤنأن : وفيه مبحثان :
- تعريفه : وهو : ” مارواه الراوي بصيغة ” أن ” دون أن يذكر سماعا، أو تحديثا، أو إخبارا، أو نحو ذلك .
- حكمه : اختلف العلماء في حكم الحديث المؤنَّن على قولين :
- فمنهم من ذهب إلى أنه من قبيل المنقطع .
ب-وذهب الجمهور إلى أن حُكْم ” أَنَّ ” هو حُكْم ” عَنْ ” وأنه لااعتبار للحروف والألفاظ فقط .
وعندي: أن في الحديث المؤنَّن تفصيلا ، وذلك أن الراوي – غير الصحابي – إذا قال: إن فلانًا قال ، فهو بين حالين :
إما أن يكون قد أدرك زمن الشئ الذي يرويه، أو لا ؟ فإن كانت الحالة الأولى؛ فهو كالحديث المعنعن، حسب تفصيله السابق ، وإن لم يكن مدركا؛ ففيه تفصيل ذكرته في كتاب ” إتحاف النبيل ” [229](1) .
وخلاصته : أن الراوي إذا لم يشهد ما حكاه : فالراجح الحكم بعدم الاتصال ، وإن لم يكن الراوي مدلِّسًا ؛ لأنه لم يُسْند ذلك إلى من فوقه ، ولم يشهد وقوع ما حكى عنه شيخه ، إلا إذا ظهرت قرينة تدل على الاتصال : كأن ياتي الحديث من طريق أخرى محفوظة ، بإسناد ذلك إلى الشيخ ، أو ما يدل على أن الراوي تسامح في التعبير عند روايته ، أو يكون مشهورًا بالرواية عن شيخه ، أو يخرج الحديث كذلك أحد الشيخين ولايُنتقد عليه ، فكل ذلك يشير إلى الاتصال ، والله أعلم .
( فائدة ) : ذكر الحافظ أن لفظة ” عن ” و ” أنَّ ” قد تَرِدُ ولايتعلق بها حكم باتصال ولا انقطاع، بل يكون المراد بها سياق قصة، سواءأدركها الناقل أو لم يدركها ، ويكون هناك شئ محذوف مقدر، وضَرَبَ أمثلةً لذلك، منها : ما أخرجه ابن أبي خيثمة في تاريخه قال : ” ثنا أبوبكر بن عياش ثنا أبوإسحاق عن أبي الأحوص أنه خرج عليه خوارج فقتلوه، ثم قال الحافظ :لم يُرِدْ أبو إسحاق بقوله: ” عن أبي الأحوص ” أنه أخبره بذلك ، وإنما فيه شئ محذوف تقديره: ” عن قصة أبي الأحوص ” أو “عن شأن أبي الأحوص ” وما أشبه ذلك، لأنه لايمكن أن يكون أبو الأحوص حَدَّثَه بعد قَتْله “[230](1) اهـ.
معرفة المُبْهَم
قال الناظم – رحمه الله- :
……………………. ومُبْهَمٌ ما فيه راوٍ لم يُسَمْ
أراد الناظم في هذا الجزء من البيت أن يعرِّف الحديث المبهم.
وقوله: “لم يُسَمْ” أي: لم يُعَيَّن اسمه.
وتحت هذا الجزء من البيت مسائل:
●المسألة الأولى: تعريف الحديث المبهم :
عَرَّفَه الناظم بأنه: الحديث الذي فيه راوٍ لم يُعَيَّن اسمه،وذلك كقول الراوي : حدثني رجل ، أو حدثني شيخ ، وظاهر قوله: “ما فيه راوٍ” أن مراده تعريف المبهم الذي في السند،لقوله : ” راوٍ ” فأخرج ما ليس براوٍ ، وإلا فقول الصحابي: جاء رجل إلى النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – أو : سألتِ امرأةٌ النبيَّ – صلى الله عليه و آله وسلم – أو : مرَرَّنْا برجل…. ونحو ذلك، فكل هذا مبهم في المتن؛وإن كان لا صلة له بالاتصال والانقطاع،أو القبول والرد، كما لا صلة له بالإبهام الذي في السند؛ لأن هذا المبهم – في الأصل – ليس من رواة السند ، إنما هو مذكور فيه فقط ، إلا أن يُكنِّي الصحابي عن نفسه بذلك ؛ فذاك أمر آخر ، والله أعلم .
وقد عرّف غير واحد المبهم بما يشمل مبهم الإسناد ، ومبهم المتن ، وهذا الإطلاق أولى ، ثم بعد ذلك يُتكلَّم عن أقسام المبهم ، والعلم عند الله تعالى .
●المسألة الثانية: أقسام الحديث المبهم:
(أ) ينقسم الحديث المبهم من حيث موضع الإبهام إلى قسمين: 1- مبهم في السند 2- مبهم في المتن.
ومثال مبهم في الإسناد: أن يقول الراوي: حدثني شيخ، أو حدثني رجل، أو رجل من الأنصار، أو عن جماعة من أصحابنا، أو حدثني أشياخ من أهل الحي، ونحو ذلك.
ومثال المبهم في المتن: قول الصحابي: جاء رجل إلى النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – أو: سأل رجل النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ونحو ذلك، كقول أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – في حديث الرقية: فقام إليه – أي إلى سيد الحي الذي لُدغ – رجل منا، فقرأ عليه الفاتحة، فكأنما نشط من عقال .
(ب) – وينقسم الحديث الذي فيه مبهم من حيث شدة الإبهام وخفته إلى قسمين :
1-قسم متوغِّل في الحهالة ، فمهما بحث الباحث عنه في الطرق الأخرى ؛ فإنه لايهتدي إلى معرفته .
2- قسم يَسْهُل الوقوف عليه بجمع الطرق .
( تنبيه ) : ظاهر صنيع ابن الصلاح : إنه لم يمثِّل إلا للمبهم في المتن ، والله تعالى أعلم .
●المسألة الثالثة: حكم الحديث المبهم:
أما المبهم في المتن : فلا يؤثر في صحة الحديث، وذلك لأنه ليس له تَعَلُّقٌ بالرواية من جهة القبول أو الرد .
وأما المبهم في الإسناد فإنه يكون سببًا لرد الحديث، لعدم علمنا بحال هذا المبهم: هل هو ممن يحتج به أم لا ؟ فَقَدْ فَقَدَ الحديث بذلك شرطين من شروط الاحتجاج، وهما: ثبوت العدالة والضبط ، ويحتمل أن يفقد شرطًا ثالثًا : وهو الاتصال ، وذلك إذا لم يصرح تلميذ المبهم بالسماع .
قال الحافظ ابن حجر في ” النـزهة ” [231](1) : ولا يُقْبَل حديث المبهم ما لم يُسَم؛ لأن شرط قبول الخبر: عدالة راويه، ومن أُبْهِم اسمه لا تُعْرَف عينُه، فكيف تُعْرَف عدالته؟.
( تنبيه ) : إذا قال الراوي : ” حدثني الثقة ” فهذه رواية عن مبهم ، وتوثيق المبهم لايُحتج به ، وسيأتي تفصيل ذلك – إن شاء الله تعالى – .
●المسألة الرابعة : هل الحديث الذي فيه مبهم، متصل أو منقطع؟
في المسألة قولان للعلماء.
1-فذهب قوم إلى أنه منقطع [232](2) .
2-وذهب الأكثر من علماء الرواية وأرباب النقل – كما حكاه الرشيد العطار – إلى أنه متصل في سنده مجهول [233](3).
وذلك لأنه لم ينقطع له سند، واختاره العلائي [234](4)، وهو الراجح: إذ أن الراوي المبهم ليس ساقطًا من السند ، حتى يُحْكَم على الإسناد بأنه منقطع، وغاية ما في الأمر: أنه لم يُسَمَّ، وهذا الترجيح محمول على ما إذا لم يكن في السند انقطاع بين المبهم وتلميذه، أو المبهم وشيخه اللذين في السند، وبعبارة أخرى: أن القول بأن السند متصل فيه مبهم مُقَيَّدٌ بأحد أمرين :
1-التصريح بالسماع من المبهم،قال الحافظ : ” والتحقيق : إذا وقع التصريح بالسماع : أنه – أي السند – متصل في إسناده مبهم ” اهـ[235](1)
2- إذا كان تلميذ الراوي المبهم يروي عن الشيخ – الذي يروي عنه المبهم – في الروايات الأخرى بواسطة واحدة في الغالب،ولم يكن مدلِّسًا وإلا خشينا أن يكون هناك انقطاع فوق المبهم أو دونه، والله أعلم.
●المسألة الخامسة : كيف يتم تعيين المبهم في السند والمتن؟
يُعْرَف ذلك بجمع طرق الحديث، فما أُبهم في طريق؛ قد يُبَيَّن في طريق آخر[236](2) شريطة أن يكون محفوظًا ليس شاذًّا، كما يُعْرَف ذلك بتنصيص الراوي عن المبهم، كأن يقول: إذا قلت حدثني الثقة، أو من لا أتهم؛ فهو فلان، فإذا صح إليه السند بذلك، حُمل على ذلك، أما إذا قال أحد الأئمة: إذا قال فلان: حدثني الثقة فهو فلان، فهذا لا يُطْلَق التسليم به؛ لاحتمال أن ذلك فرع عن اجتهاده واستنباطه، ولذلك نراهم يختلفون في تحديد المراد بذلك، مما يدل على أنها قاعدة غير مطردة، وانظر أمثلة كثيرة في ” التدريب ” [237](3) .
وكذا يُعْرَف المبهم بتنصيص أهل الشأن بذلك [238](4) ، والظاهر أن هذا راجع منه إلى جمع الطرق .
●المسألة السادسة: ما هي الفائدة من معرفة المبهم؟
بما أن الإبهام ينقسم إلى إبهام في الإسناد، وإبهام في المتن، فإن لمعرفة كل منهما فوائد:
(أ)- فوائد معرفة المبهم في المتن : معرفة كون الرجل المبهم في بعض الطرق أنه فلان ابن فلان ، وأنه صحابي – مثلاً – وذلك إذا سأل النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – أو نحو ذلك، فثبتت بذلك عدالته، ويُرد بذلك على من نفى صحبته، ويثبت لمن روى عنه أنه تابعي، وغير ذلك من الأحكام المتفرعة عن ثبوت الصحبة .
قال الحافظ ابن كثير : “وهو فنٌّ قليل الجدوى بالنسبة إلى معرفة الحكم من الحديث، ولكنه شيء يَتَحَلَّى به كثير من المحدثين، وغيرهم ” [239](5) اهـ .
قلت : كلام الحافظ ابن كثير مقيَّد بالنسبة إلى معرفة الحكم من الحديث ، وهذا مُسَلَّم به ، وإلا فلا يُقبل إطلاق القول بأن هذا الفن قليل الجدوى .
وظاهر كلام الحافظ ابن كثير هذا أنه يريد به مبهم المتن ، ولذا قال : ” وأهم ما فيه : ما رفع إبهامًا في إسناد . . . ” اهـ [240](1) .
2- أن يكون في الحديث منقبة لذلك المبهم، فيستفاد بمعرفته فضيلته؛ فيُنَـزَّل منزلته، كأن يقول النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – : ” من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة؛ فلينظر إلى هذا ” أو : ” سيدخل عليكم رجل من أهل الجنة ” فإذا عُرِفَتْ عينه؛ نُسِبَتْ إليه منقبة التبشير بالجنة، وكذا عكسه : إذا وُصِفَ بالنفاق أو نحوه، والغالب في مثل هذا أن الرواة لا يسمونه؛ تغليبًا للستر عليه ، وقد يكون تعيين سادًّا لباب جولان الظن في غيره من أفاضل الصحابة، والله المستعان .
3- أن يكون ذلك المبهم سائلاً عن حكم عارضه حديث آخر، فيُستفاد بمعرفته هل ما رواه ناسخ أو منسوخ ؟ وذلك إن عُرِف زَمَن إسلام ذلك الصحابي، وكان قد أخبر عن قصة شاهدها وهو مسلم.
4- أن يكون ذلك المبهم له فتوى فقهية، فإذا عرفنا عينه، ورأينا روايته تخالف رأيه، أفادنا ذلك في الترجيح – على تفاصيل في هذه القاعدة ليس هذا موضعها – .
5- تحقق الشيء على ما هو عليه أولى من الجهل به، فإن النفس متشوفة إليه [241](2) .
(ب) فوائد معرفة الإبهام الذي في السند:
تنقسم هذه الفوائد إلى أقسام:
القسم الأول: فوائد تتصل بمعرفة حال المبهم أو من فوقه، أو من دونه بعد تعيينه:
وأثر ذلك في صحة الحديث وضعفه لا يخفى، فمن هذه الفوائد:
- معرفة حال المبهم سواء كان ثقة، أو ضيعفًا، أو متروكًا، فيحكم على الحديث حسب ذلك ، مع مراعاة الشروط الأخرى .
- وكذا معرفة كون المبهم ممن روى عن شيخه قبل الاختلاط، أو بعده إذا كان شيخه قد رُمِي بتغير أو اختلاط .
- وكذا معرفة كون المبهم ممن له مزية في شيخه من قرابة، أو طُول صُحْبة، أو معرفة بحديثه، ونحو ذلك.
- إذا عرفنا المبهم، وكان من مشاهير الثقات، الذين ينتقون في شيوخهم؛ نفعنا ذلك في الرفع من جهالة الشيخ، وكذلك إذا كان ممن لا ينتقي،وكان شيخه قد روى عنه آخر، فإن ذلك يرفعه من جهالة العين إلى جهالة الحال.
- إذا قال التابعي:حدثني رجل أنصاري، فيحتمل أن يكون صحابيًّا، أو تابعيًّا آخر، فبتعيين المبهم نعرف هل هو صحابي أم لا؟ وأثر ذلك في الحكم على الحديث لا يخفى.
- إذا وجد سند فيه: عن رجل عن أبيه أو عمه، فلا يمكن معرفة حال شيخه إلا بمعرفة عينه.
القسم الثاني: فوائد تتعلق باتصال السند وانقطاعه، ومنها:
- بتعيين المبهم يمكن معرفة اتصال وإرسال روايته عن شيخه الذي في السند، وكذا الحال في رواية تلميذه الذي في السند عنه.
- إذا تعين المبهم – وكان مدلسًا – وقد رواه بالعنعنة – فيتوقف في ذلك ، وقد نحكم على السند بالانقطاع ، وكان قبل ذلك متصلاً فيه مبهم .
- إذا قال التابعي: ثني رجل أنصاري عن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – واتضح لنا أن الأنصاري تابعي، وليس بصحابي، فالحديث يكون مرسلاً.
القسم الثالث: لا تعلق له بالقسمين السابقين:
وهو معرفة اتحاد مخرج الحديث أو اختلافه، فإذا جاء الحديث عن رجل معروف، ووقفنا عليه من طريق رجل مبهم، فيحتمل أنه متابع لذلك، أو مخالف له، كما يحتمل أن المبهم هو ذاك الرجل، لكن الرواة اختلفوا عليه، أو اضطرب هو فيه، فبمعرفة عين المبهم يتضح لنا هذا من ذاك، والله أعلم.
●المسألة السابعة : توثيقهم المبهم.
وذلك كقول الراوي: أخبرني الثقة.
ففي قبول هذا التعديل ثلاثة أقوال، ذكرها الحافظ ابن حجر – رحمه الله – وهي:
- أنه مقبول مطلقًا تمسكًا بالظاهر، إذ الجرح على خلاف الأصل.
- أنه مردود مطلقًا؛ لأن الراوي المبهم قد يكون ثقة عند تلميذه مجروحًا عند غيره، وهذا هو الراجح [242](1) .
- إذا كان القائل ممن له مذهب متَّبع؛ أجزأ ذلك في حق من يقلده على مذهبه ، وذكر الحافظ أن هذا ليس من مباحث علوم الحديث [243](1) .
سؤال: إذا قال إمام من أئمة الجرح والتعديل، كشعبة، أو ابن معين أو غيرهما: حدثني الثقة، هل يُقْبَل هذا منه، ويصحَّح الحديث أم لا ؟
الجواب: وَجْهُ من قال بقبوله: أن هذا إمام خبير بهذا الشأن، والأصل قبول قوله، وإعماله أولى من إهماله، وأن هذا من باب العمل بخبر العدل في فنه، وقياسًا على قبولهم بعض الروايات مع عدم الاتصال، لمعرفتهم بثقة الواسطة، كما قالوا في أبي عبيدة بن عبد الله ابن مسعود عن أبيه، والنخعي عن بن مسعود، وحميد عن أنس في كثير من الروايات، وأيضًا فخلاف الغير لمن وثق المبهم احتمال ضعيف، فلا نرد الصريح لاحتمال ضعيف ، ثم إن الموثِّق أعلم بشيخه من غيره ،وعلى ذلك : فيُقْبَل هذا من الإمام مالم تظهر نكارة ، أو يطعن إمام في صحة الحديث بسبب وجود المبهم الموثِّق ، أو لشئ آخر .
وأما مَنْ رَدَّه: فلأن الإبهام يوعِّر الطريق في الوقوف على حال هذا الرجل عند غير هذا الإمام، وإضرابه عن تعيين اسم شيخه يُورِثُ الرِّيبة التي تُوقِع التردُّدَ في القلب [244](2)، وادعاء أن احتمال مخالفة الغير احتمال ضعيف: يرده الاختلاف المشهور في كثير من التراجم،فيكاد يكون الاختلاف في الرواة أكثر من التراجم المتفق عليها جرحًا أو تعديلاً ، وكون الأصل قبول خبر العدل، لا يمنع من رد قوله أحيانًا، ولذا نرى المجتهد لا يُلزم بقول مجتهد آخر، فربما رده وربما قبله، وربما ذكره وأحال العهدة على غيره دون بيان موقف منه .
والأمثلة التي ذكرها الفريق الأول يجاب عنها بأن النخعي يروي عن جماعة عن ابن مسعود لا عن واحد عنه، فالجمع يجبر الجهالة في هذا الموضع، وحميد ثَبَّتَه ثابت فيما لم يسمعه من أنس، فالواسطة معلومة العين والحال، أما أبو عبيدة فقد أخذ عن ثقات أصحاب أبيه، كما ذلك كثير ممن قبل روايته عنه ، وهم معروفوا العين والحال.
أضف إلى ذلك: أن هذا أمر قد لا ينضبط: لأن أئمة الجرح والتعديل ليسوا سواء، فمنهم المتوسط، ومنهم المتشدد، ومنهم المعتدل، والمتشدد – فضلاً عن المتوسط – قد يتساهل أحيانًا، إما في زمن معين، وإما في أهل بلد معين، ونحو ذلك، وما من متشد إلا جرب عليه التساهل في بعض المواضع، وهذا وإن كان قد يرد عليه نوع اعتراض؛ إلا أنه مع غيره من الوجوه السابقة يتقوى، والأصل حماية الحديث النبوي من أن يدخل فيه ما ليس منه، وقبول توثيق المبهم له أثر في ذلك .
فإن قيل: وكذلك لا يجوز إخراج حديث من جملة الحديث النبوي.
فالجواب: أننا لا نسلم بأنه – والحالة هذه – من جملة الحديث النبوي، أما إذا ثبت الحديث؛ فلا يجوز رده بلا دليل، وبين الأمرين فرق لا يخفى.
فإذا انضمت هذه الوجوه إلى بعضها؛ قوي القول بالرد.
هذا ما حضرني من وجوه القبول والرد.
والخلاصة: أن الذي تميل إليه نفسي في هذا الموضع – على غضاضة – قول من ذهب إلى الرد، والله أعلم.
( تنبيه ) : قول القائل:” حدثني الثقة ” أعلى من قوله :” حدثني مَنْ لا أَتَّهم ” فإن قوله الثاني صريح في نفي التهمة، ولا يلزم من ذلك ثبوت التوثيق، بخلاف الأول، فلا يلزم من نفي النقص ثبوت الكمال، إلا أن العالم إذا أَطْلق هذا – لاسيما في مقام الاحتجاج – فإنه يريد به المدح، لا مجرد نفي النقص، و ولكني أردت التنبيه على الفرق بين دلالة الكلمتين فقط، والله أعلم [245](1) .
●المسألة الثامنة : هل يُسْتَشْهَد بالمبهم؟
لا يُستشهد بالحديث الذي فيه راو مبهم؛ إلا إذا كان الإبهام في طبقة التابعين، أو تابعيهم.
فإن قيل: لماذا خص التابعون وتابعوهم بذلك؟
قلت: لأن ذلك صنيع العلماء، ولأن هاتين الطبقتين مشهود لهما بالخيرية، والكذب قليل فيهما بالنسبة لما بعدهما من الطبقات، فقد فشا فيها الكذب، وقد فصَّلْتُ الكلام في ذلك في كتابي ” إتحاف النبيل ” [246](2)هنالك.
( تنبيه ) : إذا قال الراوي : حدثني جماعة أو عدة ، أو : حدثني أهل الحي . . . وما كان في معناه ؛ فإن النفس تطمئن إلى انجبار علة الإبهام بالجمع ، إذا كان ذلك في طبقة التابعين وأتباعهم ،إلا إذا كثر الجمع كثرة لايدفعها الباحث ، أو حف المقام قرائن أخرى ؛ فيقبل من الجمع ، وإن نزلت طبقتهم ، وقد فصلت ذلك في كتابي : ” إتحاف النبيل ” [247](3)
●المسألة التاسعة : ما هو السبب الذي يحمل المبهم على الإبهام ؟
الجواب : قال السخاوي في ” فتح المغيث ” [248](1) : ” ومبهَم الرواة مالم يُسَمَّ في بعض الروايات أو جميعها : إما اختصارًا ، أو شكًّا ، او نحو ذلك . . . ” اهـ .
قلت : وكذا فالمدلس قد يُبهم شيخه لسبب أو أكثر من أسباب التدليس .
وكذا قد يُبهم الراوي شيخه خشية أن يتضرر – بِذْكر اسم شيخه – من ولاة الأمور ، والله أعلم .
( خاتمة ) : قال السخاوي – رحمه الله – في ” فتح المغيث ” [249](2) : ” والأصل فيه – أي في معرفة المبهم – قول ابن عباس : لم أزلْ حريصًا على أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين قال الله لهما : ( إن تتوبا إلى الله ) إلى أن خرج حاجًّا ، فخرجت معه ، فلما رجعَنا ، وكنا ببعض الطريق ، عَدَلَ إلى الأراك لحاجة له ، فوقفتُ له ، حتى فرغ ، ثم سرت معه ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، من اللتان تظاهرتا على النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – من أزواجه ؟ قال : هما حفصة وعائشة اهـ متفق عليه ، والله تعالى أعلم .
قال الناظم – رحمه الله – :
| 13 – وكُلُّ ما قَلَّتْ رجالُه عَلا | وضِدُّه ذاك الذي قَدْ نَزَلا |
تكلم الناظم – رحمه الله – في هذا الجزء من البيت عن نوع من أنواع علوم الحديث، وهو: العالي ، مع ذكره لحده .
وقوله: “وكل ما” أي: وكل حديث.
وقوله: “رجاله” أي: رجال إسناده.
وتحت هذا البيت عدة مسائل:
●المسألة الأولى: تعريف الإسناد العالي:
لقد عَرَّفه الناظم : ” بأنه كل ما قل رجال إسناده ” .
قلت: هذا التعريف خاص بعلو المسافة، أو العدد، أما علو الصفة، فلا يُشْترط فيه قِلَّةُ الرجال، وإنما يكون الاعتبار بتقدم الوفاة وتأخرها، أو بتقدم السماع وتأخره، كما سيأتي بيانه – إن شاء الله – .
ولذلك قال السخاوي – رحمه الله – في شرحه لمنظومة العراقي “ألفية الحديث” عند قول العراقي: ” طَلَبُ العلو سُنَّةٌ وقد….” فقال السخاوي: العلو الذي هو قلَّةُ الوسائط في السند، أو قِدَم سماع الراوي، أو وفاته” [250](1) اهـ ، فجمع بين النوعين عند كلامه على سُنِّية العلو ، فاتضح بذلك أن الناظم عرَّف المسافة فقط ، والله أعلم .
●المسألة الثانية: أقسام العلو:
ينقسم العلو في – المشهور – إلى قسمين:
- علو مسافة.
- علو الصفة.
أما علو العدد، وهو: قلة عدد رجال الإسناد؛فينقسم إلى:
- علو مطلق.
- علو نسبي.
أولاً: العلو المطلق، هو: قلة الوسائط إلى النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وهو أجل هذه الأنواع وأعظمها، وسمي مطلقًا: لأنه أول ما يتبادر إلى الذهن عند الإطلاق، فإن اتفق مع ذلك أن يكون سنده صحيحًا كان الغاية القصوى، وإلا فصورة العلو فيه موجودة – أي: وإن كان فيه ضعف – ما لم يكن موضوعًا، فهو –أي: الحديث الموضوع- كالعدم، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر – رحمه الله – [251](1).
ثانياً: العلو النسبي، وينقسم إلى قسمين:
- علو بالنسبة إلى إمام.
- علو بالنسبة إلى كتاب مصنَّف.
أما العلو بالنسبة إلى إمام، فهو: ما يقل العدد فيه إلى ذلك الإمام كشعبة، أو مالك، والثوري، والشافعي، وغيرهم.
ولا يشترط فيه أن يقل العدد من بداية السند إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما الشرط فيه: أن يقل العدد إلى هذا الإمام، ولا يضر كثرة العدد من ذلك الإمام إلى منتهاه.
وأما العلو بالنسبة إلى رواية أحد الكتب المصنفة: كالصحاح، والسنن، والمسانيد، وغيرها من الكتب المعتمدة؛ فهذا القسم ينقسم إلى أنواع، وهي: الموافقة، والبدل، والمساواة، والمصافحة، ولكي تتضح هذه الأنواع الأربعة؛فهاك المثال التالي:
قال الإمام البخاري – رحمه الله – : حدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – .
فلو أن أحد المحدثين ممن تأخر عهده عن البخاري، ولْيكن البيهقي مثلاً؛ أراد أن يروي حديثًا بعينه من طريق البخاري، فكان بينه وبين قتيبة شيخِ البخاري أربعة رواة، فأراد أن يرويه من غير طريق البخاري، – ليقلَّ عدد رجاله إلى قتيبة – وكان بينه وبين قتيبة ثلاثة رواة، فهذه تسمى موافقة، لأنه قد وافق البخاري في شيخه مع العلو .
فإن رواه البيهقي من غير طريق قتيبة – كمحمد بن بشار مثلاً – عن مالك بالعدد نفسه، فهذه تسمى البدل، أو الإبدال، لأنه أبدل مكان قتيبة محمد بن بشار، فالموافقة هي: الإلتقاء مع شيخ المصنف من غير طريقه ،والبدل هو: الإلتقاء مع شيخ شيخه من غير طريقه أيضاً.
وأما المساواة، فهي: أن يكون بين البيهقي وبين رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – مثل ما بين البخاري وبين رسول الله – عليه الصلاة والسلام – ولنفترض أنهم سبعة رجال، فكأن البيهقي قرين مساوٍ للبخاري، وكلما تأخر الزمان؛ فُقِدَت المساواة بين المتأخر والمتقدم، كما لا يخفى.
فإذا رواه البيهقي عن ثمانية؛ فهي مصافحة، وكما سبق في المساواة: أنه كلما تأخر الزمان؛ لا تقع المصافحة بين المتأخر والمتقدم.
فالمساواة: أن يروي المتأخر الحديث برجالٍ عددهم كعدد رجال المتقدم.
والمصافحة: أن يروي المتأخر الحديث بما يزيد عن عدد رواة المتقدم بواحد فقط، فكأنه تلميذ له، وسمِّيت مصافحة: لأن من عادة التلميذ إذا لقي شيخه أن يصافحة، فشُبِّهَتْ بذلك، والله أعلم.
واعلم أن مساواة شيخ البيهقي للبخاري مصافحة للبيهقي، ومساواة شيخ شيخ البيهقي للبخاري مصافحة لشيخ البيهقي، وهكذا.
( تنبيه ) : قال الحافظ – بعد ذكره ما سبق ملخصًا – في “النـزهة” [252](1) : وأكثر ما يعتبرون الموافقة والبدل إذا قارنا العلو، وإلا فاسم الموافقة والبدل واقع بدونه.
( تنبيه آخر ) : سبق أن العلو المطلق هو: ما كان مضافًا إلى النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – أما النسبي فهو: ما كان مضافًا إلى إمام، أو إلى مصنَّف، ومن نظر في تعريف المساواة – وهي من العلو النسبي حسب ما سبق – وجد فيها معنى العلو المطلق، وقد أشار ابن قطلوبغا في حاشيته على “النـزهة” إلى هذا الإيراد [253](2) .
وقد يقال: إن المساواة قد تكون من العلو المطلق، وقد تكون من العلو النسبي، فتكون من العلو المطلق إذا كان بين المخرِّج المتأخر والرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – عدد من الرجال يساوي العدد الذي بين المصنف المتقدم عليه في الطبقة وبين رسول الله – صلى الله عليه وآله و سلم – وتكون من العلو النسبي إذا كان العدد مساوياً إلى الصحابي أو من قاربه.
وقد قال ابن الصلاح: وأما المساواة فهي في أعصارنا : أن يَقِلَّ العدد في إسنادك، لا إلى شيخ مسلم وأمثاله، ولا إلى شيخ شيخه، بل إلى من هو أبعد من ذلك، كالصحابي أو من قاربه، وربما كان إلى رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – بحيث يقع بينك وبين الصحابي – مثلاً – في العدد مثل ما وقع من العدد بين مسلم وبين ذلك الصحابي، فتكون بذلك مساويًا لمسلم – مثلاً – في قرب الإسناد وعدد رجاله.اهـ [254](3).
فإيراد ابن قطلوبغا يتنـزل على ما إذا كانت المساواة إلى النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ولذا فإطلاق أن المساواة علو مطلق أو نسبي فيه نظر، والله أعلم.
قلت: ويلحق بالمساواة في الإيراد والجواب عليه المصافحة، والله أعلم.
( تنبيه آخر ) : اعلم أن علو المتأخرين من المساواة والمصافحة لايكون إلابنـزول المتقدم غالبًا[255](1)، وقد سمى ابن دقيق العيد هذا النوع – بهذا القيد – علو التنـزيل[256](2)،ولولا نزول ذلك الإمام – المتقدم – في إسناده ؛ لم يعْلُ المتأخرين في إسناده [257](3)،ولا يلزم من نزول المتقدم أن يلحقه عيب بذلك، لأسباب يَنْـزِل من أجلها الإمام – ليس هذا موضعها – والله أعلم .
ثانيًا : علو الصفة : وهو على قسمين :
1- علو بتقدم وفاة الشيخ الذي روى عنه، وإن استوى عدد الرجال بينه وبين النازل ، مثال ذلك : ماقاله ابن الصلاح :” ما أرويه عن شيخ أخبرني به عن واحد عن البيهقي عن الحاكم، أعلى من روايتي لذلك عن شيخ أخبرني به عن واحد عن أبي بكر بن خلف عن الحاكم، وإن تساوى الإسناد في العدد؛ لتقدم وفاة البيهقي على وفاة ابن خلف؛ لأن البيهقي مات سنة ( 458) ومات ابن خلف سنة (487) اهـ [258](4) .
وهذا تلخيص لما قال ابن الصلاح :
ابن الصلاح عن شيخ عن آخر عن البيهقي عن الحاكم .
ابن الصلاح عن شيخ عن آخر عن ابن خلف عن الحاكم .
وذكر ابن الصلاح صورة أخرى لهذا القسم، فقال : ” وأما العلو المستفاد من مجرد تقدم وفاة شيخك، من غير نظر إلى قياسه براوٍ آخر؛ فقد حدَّه بعض أهل هذا الشأن بخمسين سنة، وقيل: ثلاثين ” اهـ[259](5).
وانظر كلام النووي في التدريب [260](6) .
2- علو بتقدم السماع من الشيخ، سواء تقدمت الوفاة أم لا، فمن سمع قبل الآخر؛ كان أعلى ممن سمع منه بعده ، ومثال ذلك : سفيان الثوري: فإذا روى عنه راويان، أحدهما سمع منه سنة(120) والآخر سمع منه سنة (150)فالأول الذي تقدم سماعه أعلى من الآخر عُلُوَّ صِفَةٍ؛ لأن قِدَم سماعه يدل – في الجملة – على قِدَم رحلته، وتبكيره بالطلب، أو علو همته، زِدْ على ذلك : أن بعض المحدثين إذا تأخرت وفاتهم، وطعنوا في السن؛ ربما يتغير حفظهم، فيأخذ عنهم المتأخر في حال تغيرهم.
نعم، ربما كان متأخر السماع أرجح، وذلك بأن يكون الشيخ حال تحديثه الأول لم يبلغ درجة الإتقان والضبط ثم حصل له ذلك بعد.
قال ابن الصلاح :” وكثير من هذا يدخل في النوع المذكور قبله، وفيه ما لا يدخل في ذلك …. “اهـ[261](1) .
( تنبيه ) : وينقسم العلو باعتبار آخر إلى قسمين:
1- صوري: وهو ما سبق تفصيله، وهو المراد عند الإطلاق.
2- معنوي : وهو باعتبار تمكن رجال السند من العدالة، والضبط، والاتصال، وقد يُضَم إلى ذلك أوصاف أخرى: كالفقه، وغيره ولذا قال ابن المبارك :” ليس العلو قُرْبَ الإسناد ، ولكن العلوَّ جودةُ الإسناد ” اهـ أي وإن كان نازلاً في العدد ، ورعاية هذا العلو إذا تعارض مع الصوري – إذا تعارضا – أولى ، والله أعلم [262](2).
وقال أبوطاهر السِّلفي :” الأصل الأخذ عن العلماء، فنـزولهم أولى من العلو عن الجهلة، على مذهب المحققين من النقلة، والنازل حينئذٍ هو العالي في المعنى عند النظر والتحقيق ” اهـ من “التدريب” [263](3) .
وقال ابن الصلاح :” ليس هذا من قبيل العلو المتعارف إطلاقه بين أهل الحديث، وإنما هو علو من حيث المعنى ” [264](4) .
وهذا رسم يُلَخِّص لك أقسام العلو:
العلو
مسافة
صفة
نسبي
تقدم وفاة
إلى إمام في السند
إلى إمام في مصنَّفه
الموافقة
البدل
المساواة
المصافحة
مطلق
إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
تقدم سماع
●المسألة الثالثة : حُكْم العلو في الإسناد :
ذهب الحاكم وغيره إلى أن طلب العلو في الإسناد مستحب، واحتج له بحديث أنس في قصة ضمام بن ثعلبة، عندما أتى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وقال: أتانا رسولك، فزعم أن الله كتب علينا خمس صلوات في اليوم والليلة ، آلله أمرك بهذا ؟ قال : ” نعم . . . ” الحديث .
فقالوا : لوكان طلب العلو غير مستحب ؛ لأنكر النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – سؤاله عن ذلك ، ولأَمَرَهُ بالاقتصار على ما أخبر به رسوله عنه [265](1) .
إلا أن العلائي قد نازع في ذلك، فقال : ” وفي الاستدلال بما ذكروه نظر لايخفى : أما حديث ضمام: فقد اختلف العلماء فيه، هل كان أسلم قبل مجيئه أم لا ؟ فإن قلنا: إنه لم يكن أسلم – كما اختاره أبوداوود – فلا ريب في أن هذا ليس طلبًا للعلو، بل كان شاكًّا في قول الرسول الذي جاءه، فرحل إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – حتى استثبت الأمر، وشاهد من أحواله ما حصل له العلم القطعي بصدقه ، ولهذا قال في كلامه:” فزعم لنا أنك . . . ” إلى آخره، فإن الزعم يكون في مظنه الكذب، أو القول الذي لايُوثَق به ، وإن قلنا: كان قد أسلم؛ فلم يكن مجيئه أيضًا في طلب العلو في إسناد، بل ليرتقي من الظن إلى اليقين؛ لأن الرسول الذي أتاهم لم يُفِدْ خبره إلا الظن، ولقاء النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – أفاد اليقين ” [266](1) .
قلت : وفي بعض هذا الجواب نظر [267](2)، والله أعلم .
قال السخاوي :” ولكن قد اسْتُدِلَّ له – أي لاستحباب العلو – بقول النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – لتميم الداري في حديث الجساسة :” يا تميم، حدِّث الناس بما حَدَّثْتَني ” اهـ [268](3).
وكذا استدل الحاكم على ماقرره بما جاء عن الصحابة والتابعين في الرحلة في طلب الإسناد العالي .
كما جاء عن أبي أيوب، أنه خرج إلى عقبة بن عامر، يسأله عن حديث سمعه من رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – ولم يبق أحد سمعه من رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – غيره وغير عقبة ،وفيه أنه رحل إلى عقبة بمصر، فقال له : ” حديث سمعته من رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -لم يبق أحد سمعه من رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – في ستر المؤمن، فحَدَثَّهُ الحديث .
قال الحاكم :” بعد إخراجه فهذا أبو أيوب الأنصاري على تَقَدُّم صحبته، وكثرة سماعه من رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – رحل إلى صحابي من أقرانه في حديث واحد، لو اقتصر على سماعه من بعض أصحابه؛ لأمكنه .
وكما جاء عن سعيد بن المسيب أنه قال : ” إني كنت لأسافر مسيرة الأيام والليالي في الحديث الواحد ” [269](4).
إلا أن العلائي أجاب عن هذه الآثار: بأنها لادليل فيها أيضا؛ لجواز أن تكون تلك الأحاديث لم تصل إلى من رحل بسببها من جهة صحيحة، فكانت الرحلة لتحصيلها لا للعلو فيها . . . ” اهـ .
وعلى كل حال: فلا ريب في اتفاق أئمة الحديث قديمًا وحديثًا على أفضيلة طلب العلو؛ أو الرحلة إلى من عنده الإسناد العالي، كما ذكر ذلك العلائي نفسه، وكذا ابن طاهر [270](5)، والله أعلم .
●المسألة الرابعة : أقوال بعض الأئمة في مدح الإسناد العالي :
قال الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – : ” طلب الإسناد العالي سُنَّةٌ عمن سلف؛ لأن أصحاب عبدالله كانوا يرحلون من الكوفة إلى المدينة، فيتعلمون من عمر، ويسمعون منه ” .
وقال محمد بن أسلم الطوسي : ” قرب الإسناد قربة إلى الله ” .
وقال ابن المديني : ” النـزول شؤم ” [271](1).
وقيل ليحيى بن معين : في مرض موته ما تشتهي ؟ فقال : ” بيت خالٍ ، وإسنادٌ عالٍ ” [272](2).
وقال أيضًا : الحديث بنـزول كالقُرحة في الوجه .[273](3)
●المسألة الخامسة : هل العلو ممدوح مطلقًا ؟
اعلم أن العلو منه ما هو ممدوح، ومنه ما هو مذموم ، فيُمْدَح الإسناد العالي إذا كان صحيحا .
أما طلب علو إسناد فيه كذابون وما أشبه ذلك؛ فلا يُفْرَح بهذا العلو ، ولذا عاب العلماء طالب ذلك، فقال الإمام الذهبي – رحمه الله تعالى – : ” متى رأيتَ المحدث يفرح بعوالي هؤلاء يعني فاعلم أنه عامِّيٌ بَعْدُ “[274](4) وجاء عن أحمد أنه أنكر على الذين يهتمون بالأحاديث العالية مع ضعفها، وقال يحيى بن معين : ” حديث النزول عن ثَبْتٍ ؛ خير من العلو عن غير ثَبْت ” [275](5)، وقد قال شعبة ومسعر : “إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون ” [276](6).
وحَمَل العلماء هذه الكلمة على أنها ذم لجهلة المحدثين، الذين يشتغلون بالعلو والغرائب، والفوائد مع سقوط أسانيدها، فإذا كان الأمر كذلك؛ فإن الرحلة في طلب هذه الأمور تصدُّ حقًّا عن ذكر الله وعن الصلاة، إذْ أن السفر قطعة من العذاب، والإنسان إذا سافر ترك كثيرًا من النوافل، وربما ضيع من يعول، أو ترك ما هو أولى من ذلك .
قال زكريا الأنصاري في ” فتح الباقي ” [277](1) : ” وحيثُ ذُمَّ النزول ، كقول ابن المديني وغيره ، إنه شؤْم ، وقول ابن معين : إنه قُرحة في الوجه ؛ فهو مالم يُجْبَر بصفة مرجِّحة ، فإن جُبِر بها : كزيادة الثقة في رجاله على العالي ، أو كونهم أحفظ ، او أضبط ، أو أفقه ، أو كونه متصلاً بالسماع ، وفي العالي حضورًا ، وإجازة ً ، أو مناولة، أو ( تساهل ) في بعض رواته في الحمل ؛ فالنزول حينئذٍ ليس بمذموم ولامفضول ، بل فاضل ، كما صرح به السلفي وغيره ، قالوا : والنازل حينئذٍ هو العالي في المعنى عند النظر والتحقيق ” اهـ .
●المسألة السادسة : الأسباب التي جعلت العلماء يمدحون العلو :
هناك أسباب جعلت العلماء يمدحون العلو، منها :
1- أنه يدل على الرحلة، وهذا يدل على علو الهمَّة عند التلميذ، لأن دنيئ الهمة لايرحل ، وعلو الهمة تدل على أن التلميذ عنده عناية بهذا العلم ، لأن الإنسان إذا اعتنى بالشئ عَلَتْ همته فيه ، وجالس أهله ، وذاكرهم ، وهذه العناية تنبئ عن الإتقان ، لأن من اعتنى بشئ أتقنه .
2- لأنه أقرب إلى الصحة وقِلَّة الخطأ، فما من راوٍ من رجال الإسناد إلا والخطأ جائز عليه، فكلما كثرت الوسائط، وطال السند؛ كثرت مظان تجويز الخطأ ، وكلما قلَّتْ قلَّتْ ، قاله الحافظ [278](2).
3- قد يدل ذلك على معرفة الراوي بالعالي والنازل، فتحمله هذه المعرفة على الرحلة لهذا النوع من الحديث دون غيره، فيكثر ذلك في حديثه ، ومعرفة الراوي بالفن ترفع من شأنه .
قال الناظم – رحمه الله – :
……………………. وضِدُّه ذاك الذي قَدْ نَزَلاَ
أشار الناظم في الشطر الأول من هذا البيت إلى الإسناد العالي، وقد تكلمتُ عنه، وعن أقسامه، وما يتصل بذلك ، وفي هذا الجز من البيت أشار إلى الإسناد النازل .
وقوله ” وضده ” أي ضد ما قلَّتْ رجاله .
وقوله ” ذاك الذي قد نزلا ” أي هو المعروف عندهم بالنازل .
وتحت هذا الجزء من البيت مسائل :
●المسألة الأولى : تعريف الإسناد النازل :
أفاد ما قاله الناظم بأنه الإسناد الذي كثرتْ رجاله، وقد سبق في الإسناد العالي أن هذا غير جامع، فارجع إليه .
●المسألة الثانية : الإسناد النازل مرغوب عنه عند جمهور أهل العلم ، قال علي ابن المديني – رحمه الله – : ” النـزول شؤم ”
وقال ابن معين – رحمه الله – ” النزول في الإسناد قرحة في الوجه ” [279](1).
وذهب بعض أهل النظر إلى تفضيل النازل على العالي، وعللوا ذلك بأن الإسناد كل مازاد عدد رجاله زاد الاجتهاد فيه بالنظر في رجاله وزادت بذلك المشقة، فيزداد الثواب فيه .
قال ابن الصلاح : ” وهذا مذهب ضعيف الحجة ” [280](2).
وقال الحافظ في “النـزهة” [281](3): ” فذلك ترجيح بأمر أجنبي عما يتعلق بالتصحيح والتضعيف ” اهـ.
نعم ، قد تكون في النـزول مزية ليست في العلو؛ كأن يكون رجاله أوثق من رجال العالي، أو أحفظ، أو أفقه، أو الاتصال فيه أظهر؛ فلا تردُّدَ في أن النـزول حينئذٍ أولى وأجل ، ولا يَفْرح بالعلو مع ضعفه ، ويُعْرِض على النازل – وهو بهذا القدر – إلا جاهل ، والله أعلم .
●المسألة الثالثة : أقسام النـزول :
هي عكس أقسام العلو السابقة ، فكل ما حَكَمْنا بعلوه؛ حَكَمْنا على مقابله بالنـزول ، والله أعلم.
( خاتمة ) : لقد أطلتُ الكلام في كثير من مسائل العلو والنـزول؛ ليفهم طالب العلم اصطلاحات العلماء إذا ذُكِرَتْ في مواضع من الكتب ، وإلا ففي هذا الزمان لا يكاد يذكر ذلك، وإن ذكر عند البعض؛فليس له قيمة علمية تتعلق بالتصحيح والتضعيف، بل بعض صور العلو قد فُقِدَ منذ عدة قرون: كالمساواة، والمصافحة ، والله أعلم .
( تنبيه ) : الحكم على الإسناد بأنه عال أو نازل إنما هو أمر نسبي إضافي، فيقال : هذا إسناد عال، أي بالنسبة إلى إسناد آخر ليس كذلك ، وكذا يقال في الإسناد النازل، لأنه ليس عندنا حد للقلة أو الكثرة التي يصير بها الإسناد عاليا ، أو ضده ، والله أعلم .
( تنبيه آخر ): مسألة العلو والنـزول تختلف من زمان إلى آخر ، فرب حديث يكون عاليا في زمن ما ، بعدد ما من الرجال، وفي زمن آخر يكون نازلا، كأن يروي الحافظ ابن حجر حديثا بينه وبين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عشرة ، فهذا إسناد عال، وذلك لتأخُّر زمان ابن حجر ، ولو روى البخاري هذا الحديث من طريق سبعة أو ثمانية لكان نازلا ، وذلك لتقدم زمانه ، والله أعلم .
قال الناظم – رحمه الله – :
| 15-وما أَضَفْتَه إلى الأصحابِ مِنْ | قَوْلٍ وفِعْلٍ فَهْوَ موقوفٌ زُكِنْ |
عَرَّف الناظم في هذا البيت الحديث الموقوف .
وقوله: ” الأصحاب” جمع صاحب، والمقصود أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – والمراد به جنس الأصحاب، وإلا فلايشترط في تسمية الحديث موقوفًا أن يرويه عن جميع الصحابة، أو عن جماعة منهم، بل يكفى في ذلك أن يُروى عن واحد منهم فقط ، كما لايخفى .
وقوله ” زُكِنْ ” أي عُلِم، وهو تكملة للبيت فقط .
والواو في قوله ” قول وفعل ” للتقسيم، وهي فيه أجود من ” أو ” .
وتحت هذا البيت مسائل :
●المسألة الأولى : الاعتراض على الناظم في ذكره الموقوف في هذا الموضع :
اعترض على الناظم بأنه كان ينبغي له ذكر الموقوف عند ذكره الحديث المرفوع والمقطوع فإنَّ ضمَّ الشئ إلى ماكان من جنسه أولى،كما هو صنيع غير واحد من أهل العلم , والله أعلم .
●المسألة الثانية : تعريف الحديث الموقوف :
عَرَّف الناظم الحديث الموقوف بأنه: ” ما أضيف إلى الصحابة – رضي الله عنهم – من قولهم، أو فعلهم” والمراد بقولهم مالم يكن له حكم الرفع، ولم يذكر الناظم تقريرهم؛ ولعل ذلك لأننا لانستطيع أن ننسب إلى الصحابي تقريرًا لغيره، بحجة أن الشئ الفلاني قد فُعل بحضرته، وسكت عنه، وذلك: لأن سكوته على قول أو فعل له عدة احتمالات، قد تقدم الكلام عليها في الحديث المرفوع، وأذكرها هنا أيضا ، وخلاصتها :
1-يحتمل أن يكون ذاهلاً عن هذا الفعل، وإن كان ذلك بحضرته .
2-عدم القدرة على الإنكار على فاعل المنكر، وإنْ بَيَّنَ الصحابي الصواب في وقت آخر، كما حدث من أنس – رضي الله عنه – مع الحجاج في تأخيره صلاة الجمعة عن وقتها .
3- أن يكون غير عالم بحكم ما فُعل في حضرته.
4-أن يترك الإنكار على صاحب الفعل الذي فُعل أمامه خشية أن يؤول إلى مفسدة أكبر، كما قال ابن مسعود في صلاة عثمان بمنى أربعًا،وقد تابعه عليها: الخلاف شر .
5- أن يرى عدم تعيُّن الإنكار عليه، إما لأنها مسألة اجتهادية، يسوغ فيها الخلاف، ولكل من القولين حظ من النظر والأدلة ، وإما أنه يرى أن غيره قد قام بذلك، فيسكت لاعن رضى بالفعل .
ومع وجود هذه الاحتمالات أو بعضها؛ فلايليق بنا إطلاق نسبة قول أو فعل إلى الصحابي ، لكونه جرى بحضرته؛ إلا إذا علمنا انتفاء هذه الاحتمالات في حق الصحابي، وظهرت لنا قرينة تدل أن سكوته أونحوه إقرار منه للغير، فلابأس بنسبة ذلك إليه [282](1)، والله أعلم .
وقد عَرَّف بعضهم الحديث الموقوف، وأدخل فيه التقرير، وهذا محمول على مايصح أنه قد أقره، وذلك بالشرط المتقدم، وعلى ذلك: فلابأس أن يقال:” هو ما أضيف إلى الصحابي قولا أو فعلاًّ أو تقريرًا .
●المسألة الثالثة : اختلفوا في تعريف الصحابي على أقوال، وأشهرها :
القول الأول : أنه من طالت مجالسته، أو صحبته للنبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – بخلاف مَنْ وَفَدَ عليه وانصرف ، حكاه أبوالمظفر السمعاني عن الأصوليين [283](2).
القول الثاني: هو من رأى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – مؤمنًا به ،ومات على ذلك،[284](3) ويرد عليه: أن بعض الصحابة لم يتمكن من الرؤية؛ لِعُذْرٍ ،كالأعمى ،كابن مكتوم ونحوه، فهو صحابي بلا خلاف، ولا رؤية له .
ولذا فالأصح أن يقال :” هو من لقي النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – مؤمنًا به، ومات على الإسلام، وهو ما رجحه الحافظ في “النـزهة ” [285](4) ، وانتقد غيره .
لأن قوله : ” لقي ” يدخل فيه الأعمى والبصير ” .
وهل يدخل في ذلك من رآه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – في المنام ؟
الجواب : لا ، ولعله يرد أيضًا على من قال في التعريف: ” من رآه ” فإنه عام، إذ لوقلنا بصحبة من كان كذلك، لاستمرت معنا الصحبة إلى قيام الساعة، ولم يقل بذلك أحد [286](5)، والله أعلم .
وكذا لايدخل من رآه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وهو ميت قبل أن يُدْفن، ولايعد صحابيًا على الصحيح [287](6)، والله أعلم .
وقوله ” مؤمنًا ” أخرج من رآه كافرًا، وكذا أخرج الصغير غير المميز، الذي له شرف الرؤية فقط، لكن روايته مرسلة، وليست مسندة كرواية الصحابي، وذلك أن قوله: ” مؤمنًا به ” يدل على قَصْد الإيمان ، ولايُتصَوَّر ذلك من غير المميز ، وإن حُكم له بأنه من جملة المؤمنين باعتبار دين الأبوين والفطرة التي فطرهم الله عليها [288](1).
وقوله: ” به ” يخرج من لقيه مؤمنًا – حسب زعمه – بغيره من الأنبياء لابه .
وقوله: ” ومات على الإسلام ” أخرج من رآه مؤمنًا، ثم ارتد ومات على الكفر – والعياذ بالله – .
ويدخل فيه من تخلل إسلامَهُ رِدَّةٌ إلا أن الله ختم له بالإسلام [289](2).
●المسألة الرابعة : فوائد كتابة الموقوف:
لكتابة الموقوف عدة فوائد، منها :
1- أن قول الصحابي أو فِعْلَه من جملة فهم السلف، ونحن نفهم الكتاب والسنة بفهمهم ، ومعرفة أن هذا القول قال به أحد الصحابة: يجعله مما يسوغ القول به، إذا اختلفوا ،وإذا اجمعوا فلانخرج من قولهم ، كما فصل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – .
وقد ذكر الخطيب نحو ذلك في أقوال التابعين ، فأقوال الصحابة كذلك من باب أولى .
2- أن قول الصحابي إذا لم يخالَف من صحابي آخر، ولم يعارض قولُه آية أو حديثًا؛ فهو حجة عند بعضهم، كما ذكر ذلك ابن القيم في “إعلام الموقعين” ، وقد قال صالح بن كيسان: ” اجتمعت أنا والزهري ونحن نطلب العلم، فكنا نكتب السنة، فكتبنا ما جاء عن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – قال : ثم قال الزهري: نكتب ما جاء عن أصحابه؛ فإنه سنة، قال : فقلت أنا : لا ، ليس بسنة ،لانكتبه ، قال : فكتب ولم أكتب، فأنجح وضَيَّعْتُ ” انظر تخريجه في “موقف ابن تيمية والأشاعرة” [290](3).
3- قد يُعْرَف به علة الحديث المرفوع ، وذلك عند جمع الطرق ، ويكون الراجح قول من رواه موقوفًا.
4- قد يكون له حكم الرفع، وقد مر الكلام على قول الصحابي متى يكون له حكم الرفع .
6- الاستشهاد به مع المرفوع المضعَّف ، وقد ذكر الشافعي في “الرسالة” الاستشهاد به مع المرسل، بشرط ألا يكون الموقوف والمرفوع من مخرج واحد .
●( تنبيهات ) :
الأول: قد يُسْتَعمل الموقوف في غير قول الصحابي أو فعله، لكن يكون مقيَّدًا فيقال وقفه فلان على الزهري أو على الشعبي ، ونحوهما ، أو موقوف على الزهري ونحوه .
الثاني : فقهاء خراسان يُسَمُّون الموقوف أثرًا ، والمرفوع خبرًا ، وعند المحدثين كل هذا يسمى أثرًا، كما سمى الطحاوي كتابه :” شرح معاني الآثار ” ، وفيه المرفوع وغيره [291](1)، والله أعلم .
الثالث : لايُشْترط الاتصال أو عدمه في الحديث الموقوف، كما لايُشْترط عدالة الراوي وضبطه، ونحو ذلك ، إنما هذا يُحتاج إليه إذا كنا بصدد الحكم بصحته أو ضعفه ، ولأن هذا من مباحث المتن لا الإسناد ، والله أعلم .
الحديث المرسل
قال الناظم – رحمه الله – :
16- ومُرْسَل منه الصحابيُّ سقطْ . . . . . . . . . . . . . .
عَرَّف الناظم ـ رحمه الله ـ في هذا الجزء من البيت الحديث المرسل .
وتحت هذا الجزء من البيت عدة مسائل :
المسألة الأولى : قال العلائي – رحمه الله -: ” أما المرسل : فأصله من قولهم : أرسلتُ كذا ، إذا أطلقته ، ولم تمنعه ، كما في قوله تعالى : ( ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين ) فكأن المرسِل أطلق الإسناد ولم يقيده براوٍ معروف . . . ويحتمل أن يكون من قولهم : جاء القوم أرسالاً ، أي قِطَعًّا متفرقين . . . فكأن تصور من هذا اللفظ الاقتطاع ، فقيل للحديث الذي قطع إسناده ، وبقي غير متصل : مرسل ، أي كل طائفة منهم لم تلق الأخرى ولا لحقتْها ، ويُحتمل أن يكون أصله من الاسترسال ، وهو الطمأنينة إلى الإنسان ، والثقة به فيما يحدثه ، فكأن المرسِل للحديث اطمأن إلى من أرسل عنه ، ووثِق به لمن يوصله إليه ، وهذا اللائق بقول المحتج بالمرسَل . . . ويجوز أيضًا أن يكون المُرسَل من قولهم : ناقة مرسال ، أي سريعة السير . . . فكأن المرسِل للحديث أسْرَعَ فيه عجلاً ، فحذف بعض إسناده ، والكل محتمل ” اهـ [292](1) .
●المسألة الثانية : تعريف الحديث المرسل : وفيه أقوال :
القول الأول :وهو ما عرفه الناظم بأنه:” هو الحديث الذي سقط من إسناده الصحابي” وقد سبق الناظمَ إلى هذا التعريف عيرُ واحد [293](2) .
إلا أن هذا التعريف مُنْتَقَدُ، ووجْه ذلك : أننا إذا تأكدنا أن الساقط هو الصحابي فقط؛ فلا شك أن الحديث مقبول؛ لأن الصحابة كلهم عدول – ومعلوم أن المرسل من قسم الضعيف – فما يضرنا سقوط الصحابي، ولكن نحن نخاف أن يكون قد سقط مع الصحابي تابعي آخر، وقد وُجِدَ أن التابعي يروي عن تابعي آخر أو أكثر عن الصحابي :
أما ادعاء أن المرسَل هو ما سقط منه صحابي فقط: فهذا يحتاج إلى برهان .
لكن قد يقال: إن عبارة الناظم ليس فيها اشتراط سقوط صحابي فقط، بل ذَكَر أن المرسل ما سقط منه صحابي، وهذا يشمل ما سقط منه صحابي فقط، وما سقط منه صحابي مع ضميمة غيره من التابعين، ومع ذلك فهي عبارة غير دقيقة، ولا تَسْلَم مِنْ نظر، والله أعلم .
القول الثاني : الحديث المرسل:” هو ما سقط منه رجل في أي موضع كان” وعلى هذا فهو والمنقطع سواء، وهذا القول وإن قال به جمهور الفقهاء، والأصوليين، وجماعة من المحدثين؛[294](1) إلا أن المشتهر عند المتأخرين خلافه، تمييزًّا للأنواع، وابتعادًا عن تداخلها .
القول الثالث :” هو ما أضافه التابعي الكبير إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – ” فيخرج بذلك ما أضافه صغار التابعين فمن دونهم .
قال الحافظ ابن حجر : ولم أر تقييده بالكبير صريحًا عن أحد، لكن نقله ابن عبدالبر عن قوم ، وذكَر أن الشافعي قيد المرسل الذي يُقبل إذا اعتضد بكبار التابعين ، ولايلزم من ذلك أنه لايُسمي ما رواه التابعي الصغير مرسلاً اهـ [295](2) .
القول الرابع :” هو ما أضافه التابعي إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – . . . . ”
وقولهم ما أضافه التابعي : أي ما أسنده أو عزاه إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – من قول، أو فعل، أو تقرير، أو وصف خِلقي .
القول الخامس :” هو ما أضافه التابعي إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – مما سمعه من غيره . . . ” وهذا القيد من أجل إخراج من سمع من النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – حال كفره، ولم يسلم إلا بعد موت النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – فإن هذا لا تصح له صحبة، وحديثه لا يكون من قبيل المرسَل، بل هو من قبيل المتصل، ويُمثِّلون لذلك بالتنوخي رسول هرقل، وحديثه في “مسند الإمام أحمد” .
وخلاصته : أن هرقل أرسل رسوله التنوخي إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – فأدركه وهو في تبوك، فسمع منه بعض الأشياء وهو كافر، وعَرَضَ عليه رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – الإسلام فأبى، ثم ذهب إلى هرقل، فقال بعضهم إنه قد أسلم، وفي هذا خلاف عند العلماء، ومن حكم له بالإسلام عدَّه تابعيًّا؛ لأنه لم يلق الرسول – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – مؤمنًا به، وحكم لروايته بالاتصال ،لأنه شافه النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – .
قلت : لكن هذه القصة لا تصح من جهة الإسناد، وعلى هذا فلا يُحتاج إلى هذا القيد، إلا إذا كان لذلك أشباه ونظائر؛ فأمر آخر، ولعل عُذْرَ من أعرض عن هذا القيد – وإن كان يرى صحة القصة – نُدْرة وقوع ذلك، والنادر لا يُحتاج إلى الاحتراز منه، والله أعلم .
والمختار – تغليبًا للأكثر – قول من قال : ” هو ما أضافه التابعي إلى رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – قولاً ، أو فعلاً ، أو تقريرًا ، أو صفة ” .
وقد صرح الخطيب بأن أكثر ما يُوصَف بالإرسال من حيث الاستعمال : ما رواه التابعي عن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – ” اهـ [296](1).
ويليه في الشهرة في الاستعمال ، قول من قال : ” هو ما انقطع إسناده ” ، والله أعلم .
●المسألة الثالثة : هل يُحْتَج بالحديث المرسل ؟
الجواب : لا يُحتج بالحديث المرسل، وقد قال الإمام مسلم في “مقدمة صحيحه” حاكيًا قول خصمه، مُقرًّا له :” والمرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة “اهـ [297](2).
وقد يقال: كلام مسلم في غير المرسل الاصطلاحي المشهور؛ لأن سياق كلامه في العنعنة، ليس في موضع النـزاع، والله أعلم .
وفي الاحتجاج بالمرسل خلاف، لكن رده هو مذهب جمهور المحدثين، وجماعة الفقهاء، وجماهير أهل الأصول والنظر، حكاه النووي عنهم [298](3).
وذهب آخرون إلى الاحتجاج به، حتى إن بعضهم بالغ وقَدَّمه على الحديث المسند، وقال: من أسْنَدَ فَقَدْ أحالك، ومن أرسل فَقَدْ كفاك، وهذا الكلام مردود، ولو فُتِح هذا الباب لانهار علم الحديث من أساسه،وسقطت جهود المحدثين ،وقد جمع الحافظ في النكت[299](4) مذاهب العلماء في ذلك، فقال :
وأما حكم المرسل فاختلفوا في الاحتجاج به على أقوال :
أحدها : الرد مطلقًا، حتى لمراسيل الصحابة .
ثانيها: القبول المطلق في جميع الأعصار والأمصار، كما قدمنا حكايته وَرَدَّه .
ثالثها : قبول مراسيل الصحابة – رضي الله عنهم – فقط وردّ ما عداها، وهو الذي عليه أئمة الحديث .
رابعها : قبول مراسيل الصحابة وكبار التابعين، ويقال: إنه مذهب أكثر المتقدمين .
خامسها : كالرابع، لكن من غير قيد بالكبار، وهو قول مالك وأصحابه، وإحدى الروايتين عن أحمد .
سادسها : كالخامس، لكن بشرط أن يعتضد، ونَقَلَه الخطيبُ عن أكثر الفقهاء .
سابعها: إن كان الذي أرسل من أئمة النقل المرجوع إليهم في التعديل والترجيح؛ قُبِلَ مرسله، وإلا فلا .
ثامنها : قبول مراسيل الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وبقية القرون الفاضلة دون غيرهم .
تاسعها :كالثامن، بزيادة من كان من أئمة النقل أيضًا .
عاشرها : يقبل مراسيل من عُرِفَ منه النظر في أحوال شيوخه، والتحري في الرواية عنهم، دون من لم يُعْرَف منه ذلك .
حادي عَشْرِها: لا يُقْبَل المرسل إلا إذا وافقه الإجماع؛ فحينئذ يحصل الاستغناء عن السند، ويُقْبَل المرسل، قاله ابن حزم في “الأحكام” .
ثاني عَشْرِها: إن كان المرسِل موافقاً في الجرح والتعديل؛ قُبِلَ مُرْسَله وإن كان مخالفًا في شروطها؛ لم يُقْبَل ، قاله ابن برهان ، وهو غريب .
قلت : لم يظهر لي مراده من هذا المذهب بجلاء ، فالله أعلم .
ثالث عشْرِها: إن كان المرسِل عُرِف من عادته، أو صريح عبارته: أنه لا يرسل إلا عن ثقة؛ قُبِلَ، وإلا فلا اهـ .
قلت : وأقوى هذه المذاهب مذهب من أطلق رد المرسل المجرَّد، ويليه من قَبِلَه إذا كان التابعي من أئمة الحديث، الذين يميزون صحيح الحديث من سقيمه، وثقات الرجال من ضعفائهم، واشترط أن لا يروى إلا عن ثقة، وأما مراسيل الصحابة فحجة، وهي خارجة عن المرسَل الاصطلاحي، الذي نحن بصدده، والله أعلم .
( تنبيه ) : استدل القائلون بقبول المرسل بأمور، أهمها :
1-الإجماع على قبول المرسل، حتى جاء الشافعي فردَّه [300](1).
والجواب: أن دعوى الإجماع غير مسلَّم بها , فإن ابن عباس – رضي الله عنه- كان يقول: فلما رَكِبَ الناسُ الصعب والذلول؛ لم نكن نأخذ إلا ما نعرف عن رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – فإذا كان الصحابة لايأخذون ممن لايعرفون حاله – وإن عُرِفتْ عينه – فمن باب أولى رد رواية من لايُعْرف له عين ولا أثر ، والله أعلم .
وقال ابن سيرين: كانوا لا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة؛قالوا: سموا لنا رجالكم، فيُنْظَر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، ويُنْظَر إلى أهل البدعة فيُرَدُّ حديثهم، وهذا في عصر بقية الصحابة والتابعين، فلو كانوا يقبلون المراسيل؛ لما فتشوا في الأسانيد ، والله أعلم [301](1) .
2-قولهم : إن عصر التابعين عصر قد فَشَتْ فيه العدالة، وهم من خير القرون، والكذابون قلة في ذلك الزمان، فالأصل قبول مراسيلهم .
والجواب : إن عصر التابعين وإن كان كذلك؛ إلا أن الاحتياط في قبول السنة يقتضي التفتيش عن الإسناد , لاسيما وقد ظهر في أواخر عصر الصحابة، وكذا في عصر التابعين ألوان من البدع والأهواء.
وهذا ابن سيرين وغيره لم يروا ما ذكره المحتجون بالمرسل دليلاً لترك النظر في الأسانيد، وابن سيرين أحد التابعين، فدل ذلك على عدم الاعتماد على هذا الدليل .
أضف إلى ذلك: أن سبب الرد لرواية الراوي لا يقتصر على الكذب، فالتابعون وإن قلَّ فيهم الكذب – بالنسبة لمن بعدهم من العصور – فالوهم والخطأ موجود في الصالحين الأتقياء، والراوي لا يُحتج بخبره إلا أن ثبتتْ عدالته، وصح ضبطه، والله أعلم .
3-قولهم : لو كان التابعي أخذ الحديث عمن ليس بثقة؛ لما استجاز لنفسه أن يقول: قال رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – .
والجواب : أن هذا ليس بلازم؛ فالحديث يُروى على وجوه ،منها التَّعَبُّد والعمل به، ومنها الاستدلال عليه بغيره، ومنها التحذير منه، فقد يروي التابعي الحديث لا للعمل به، إنما يرويه لسبب آخر، وعلى ذلك فلا يلزمه أن يتحرى في شيخه .
سلَّمنا أن التابعي قَصَدَ التحري؛ فليس كل تابعي يصلح لذلك، فمنهم الناقد البصير، ومنهم الغافل، الذي ليس له رواية بأحوال الرواة، ومنهم المضعَّف مِنْ قِبَلِ حِفظه .
سلمنا أن التابعي ناقد بصير؛ فهل التزم الرواية عن الثقات منذ بدأ في التحديث، أم أنه ما التزم هذا الأمر مؤخَّراً ، والجواب أن الثاني هو مقتضى العادة .
سلمنا أنه ما أرسل إلا عن ثقة يعرفه؛ فغايته أنه توثيق للمبهم، وهو لا يعتمد عليه – على الراجح – كما هو مذهب الجمهور ، والله تعالى أعلم .
وقد أطال النفس الحافظ العلائي –رحمه الله– في رد أدلة من احتج بالمرسل فانظر “جامع التحصيل” [302](2).
●المسألة الرابعة : سبب رَدِّ الحديث المرسل :
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – وإنما ذُكِرَ في قسم المردود للجهل بحال المحذوف، لأنه يُحتمل أن يكون صحابيًّا، ويحتمل أن يكون تابعيًّا ، وعلى الثاني: يُحتمل أن يكون ضعيفًا ، ويحتمل أن يكون ثقة، وعلى الثاني: يُحتمل أن يكون حمل عن صحابي، ويحتمل أن يكون حمل عن تابعي آخر ، وعلى الثاني: فيعود الاحتمال السابق، ويتعدد إما بالتجويز العقلي؛ فإلى ما لانهاية له، وإما بالاستقراء إلى ستة أو سبعة : وهو أكثر ما وُجِدَ من رواية بعض التابعين عن بعض ” [303](1) اهـ . وإن كان في قوله ” . . . . إلى مالا نهاية نظر ، لأن عدد التابعين محصور، فكيف لايُحصر ما بين التابعي والصحابي من التابعين [304](2)؟!
●المسألة الخامسة : حُكْم مراسيل الصحابة :
وصورة ذلك: أن يروي الصحابي الحديث عن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – مع أنه لم يسمعه منه، فذهب بعضهم[305](3) إلى أنه لايُحتج ، لا لأن الصحابة ليسوا بعدول ، ولكن لاحتمال أن الصحابي لم يأخذه عن صحابي آخر، بل يُحتمل أنه أخذه عن تابعي عن صحابي آخر ، أما أخذه عن تابعي عن صحابي فنادر جدا ، وقد ذكر الحافظ (3) أن ماكان من هذا القبيل قد تُتُبِّعَ وليس فيه شئ عن تابعي ضعيف في باب الأحكام ، والله أعلم .
والراجح قبول مرسل الصحابي ؛ لأن الأصل أنه إن نزل نزل إلى صحابي آخر لا إلى تابعي ، فالنادر لايُلتفت إليه إلا بقرينة ، لاسيما وقد سبق عن الحافظ ما سبق وانظر ما قاله ابن الوزير في ذلك [306](4).
( تنبيه ) : الصحابي الذي يُقْبَل مرسَله: هو من لقي النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – مميزا لما يقوله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – سواء كان كبيرا أم صغيرًا ، أما الذين أُدْخِلوا في الصحابة من باب شرف الرؤية، ولم يكونوا مميزين لِّما رأَوُا النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – أو رآهم النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – فروايتهم من مراسيل التابعين [307](1)، وقد سبق الكلام على حكم ذلك ، والله أعلم.
( تنبيه آخر ): إذا قالوا:” فلان صحابي صغير” فليس المراد بذلك أنه من الذين لم يكونوا مميزين حال لقائهم بالنبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – إلا أن تظهر قرينة لذلك ، والله أعلم .
●المسألة السادسة : إذا عُرِفَ من عادة التابعي أنه لايُرْسِل إلا عن ثقة، فهل يُقْبَل مرسَله أم لا ؟
في هذا خلاف بين أهل العلم :
القول الأول: ذهب الجمهور – كما حكاه الحافظ ابن حجر عنهم – إلى الوقف للاحتمال [308](2)، وذلك يرجع لأمور :
1- أن عدم التصريح بالواسطة يَجعل في النفس رِيبة؛ لأنه قد يكون ثقة عنده ، ضعيفًا عند غيره ، وإذا كنا قد رددنا توثيق المبهم؛فهذا من جنسه.
2- نخشى من كثرة الوسائط بين التابعي وبين رسول الله – الله عليه وعلى آله وسلم – فإذا كان التابعي يشترط في شيخه أن يكون ثقة ؛ بقي شيخ شيخه ، وهكذا،مع أنه لم ينص على أن يشترط ذلك فيهم أيضا، بل قد وجدنا من يشترط ذلك إذا أراد أن يروي عن ضعيف نزل إلى ثقة،فأخذ عنه عن ذلك الضعيف .
3- ويضاف إلى ذلك: أنه قد يكون ما التزم التابعي هذا الشرط إلامؤخرًا ، وقد سبق له روايات مرسلة، لم يتوافر فيها هذا الشرط ، ولم يتميز لنا هذا من ذاك ، والأصل الاحتياط في عزو الحديث إلى الرسول – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – ولذا وضع الأئمة شروطًا كثيرة لصيانة الحديث النبوي من إلحاق ما ليس منه به ، والله أعلم .
فمع هذه الاحتمالات لا يَتأَتَّى لنا أن ننسب حديثا إلى الرسول – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وأن نأخذ منه أحكامًا في الحلال والحرام ، ونبيح الدماء، والأعراض، والفروج، والأموال بشئ لانعرف من الذي رواه .
القول الثاني : وذهب آخرون إلى قبوله إذا كان المرسِل قد عُرف من عادته أو صريح عبارته أنه لا يرسل إلا عن ثقة .
واختار هذا القول العلائي، وقال: هذا أعدل المذاهب[309](1) بل بالغ ابن عبدالبر فنقل اتفاقهم على ذلك[310](2) .
( قلت ) ويَرِدُ عليه ما سبق من أمور في القول الأول، والله أعلم .
●المسألة السابعة: أطلق جماعة من المحدثين، وكذا أكثر الأصوليين والفقهاء المرسل على الذي انقطع إسناده على أي وجه كان .
ووجَّه ذلك الحافظ ابن حجر، فذكر اختلاف العلماء في المنقطع والمرسل، وهل هما متغايران أم لا …. ثم قال:” فأكثر المحدثين على التغاير، لكنه عند إطلاق الاسم، وأما عند استعمال الفعل المشتق ؛ فيستعملون الإرسال فقط، فيقولون: أرسله فلان سواء كان ذلك مرسلاً، أو منقطعًا، ومِنْ ثمَّ أطلق غير واحد ممن لم يلاحظ مواضع استعمالهم على كثير من المحدثين أنهم لا يغايرون بين المرسَل والمنقطع، وليس كذلك لما حررناه وقلَّ مَنْ نبَّه على هذه النكتة في ذلك،[311](3) والله أعلم . اهـ .
قلت : كلام الحاكم في “المعرفة” يدل على خلاف ما قال الحافظ عن المحدثين واستعمالهم لذلك [312](4) ، والله أعلم .
●المسألة الثامنة الأسباب الحاملة على الإرسال :
1- أن يكون المرسِل قد سمع الحديث عن جماعة،ثبتتْ عدالتهم، وصح عنده الحديث من روايتهم ، فيرسله اعتمادًا على ثقة شيوخه، كما في إبراهيم النخعي عن ابن مسعود [313](5).
2- أن يكون المرسِل قد نسي من حدثه به،لكنه عرف المتن، فذكره مرسلاً؛ لأن أصل طريقته أنه لا يحمل إلا عن ثقة [314](6).
3- أن لا يقصد بروايته لهذا الحديث التحديثَ، إنما يذكر الحديث على وجه المذاكرة، أو المناظرة ، وعلى جهة الفتوى، أو الوعظ والذِّكرى، فيعتني بالمتن؛ لأنه المقصود في تلك الحالة دون السند ،ولا سيما إن كان السامع عارفًا بمن طُوِي ذكره لشهرته [315](1).
4- قد يكون الحامل على الإرسال ضعف شيخ المرسِل ، أو ضعف أحد رجال السند الذين هم فوقه ،قاله بمعناه الحافظ في ” النكت ” [316](2).
5- الظروف المحيطة بالراوي، فقد تجعله لايسمي بعض الرواة في السند خشية أن يلحقه بذلك أذى، أو يُرَدَّ الحديث إذا سماه؛ لسوء ظن السامعين به، وذُكر عن الحسن البصري بسند لا يصح أنه لما كان يقول : قال رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – سألوه: لم لا تُسْند؟ فقال : أنا في زمان بني أمية، فكل ما سمعتم حديثًا قلت فيه: قال رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – فقد سمعته من علي ـ رضي الله عنه ـ ومع ذلك فينظر في سماع الحسن من علي [317](3) .
5- قد يَشُكُّ الرواي في الحديث: أهو مسند، أم مرسل – وإن كان مسندًا عنده – فيرسله، كما عرف بذلك مالك وغيره من الأئمة ، والله أعلم .
6- ما ذكره الإمام مسلم عن إرسال الأئمة: أنهم كانت لهم تارات يرسلون فيها الحديث إرسالاً، ولا يذْكرون من سمعوه منه، وتارة ينشطون فيسندون الخبر على هيئة ما سمعوه، فيخبرون بالنـزول فيه إن نزلوا، وبالصعود إن صعدوا [318](4).
●المسألة التاسعة : متى يُقْبَل الحديث المرسل :
ذكر الشافعي – رحمه الله – شروطً لقبول المرسل، منها ما يتعلق بالمرسِل، ومنها ما يتعلق بالمرسَل .
وخلاصة ذلك: أن ما يتعلق بالمرسِل ثلاثة شروط 1- أن يكون ثقة 2- أن يكون من كبار التابعين 3- أن لا يروي إلا عن مقبول الرواية .
وأما ما يتعلق بالمرسَل فواحد من أربعة 1- أن يُرَوى مسندًا صحيحًا من وجه آخر 2- أو يروى مرسلاً من وجه آخر، أرسله من أخذ العلم عن غير مشايخ الأول 3- أو يوافقه قول صحابي 4- أو يوافقه فتوى عامة أهل العلم .[319](1) اهـ
مناقشة وتوضيح لبعض ما جاء في كلام الشافعي ـ رحمه الله ـ وذلك من وجوه :
(أ)اشتراطه أن يكون التابعي المرسِل ممن لا يروي إلا عن مقبول الرواية :
إذا كان المراد منه ما أظهره من شيوخه فيما أسنده، لا ما أسقط من شيوخه فيما أرسله؛ فيكون المراد أنه غلَّب احتمال ثقة من أُسقط؛ لثقة من أُظهر في الأسانيد الأخرى، وعلى ذلك فلا إشكال .
وإذا كان مراده أن المرسِل فيما أرسله يروي عن مقبول الرواية؛ ففي هذا إشكال: وهو أننا في مقام الاعتضاد بالمرسل، لا الاعتماد عليه، وإذا تأكدنا أنه لم يُسْقِطْ إلا ثقة؛ فلا إشكال في الاحتجاج به دون حاجة إلى عاضد، كما قال العلائي – رحمه الله – [320](2) والله تعالى أعلم .
(ب)اشتراطه كون التابعي ثقة؛ من باب التفصيل، وإلا فهو داخل في اشتراط أن يكون التابعي لا يروي إلا عن مقبول الرواية، فإنه يُسْتَبعد أن يكون الضعيف ممن لا يروي إلا عن ثقة، فإن هذا الحال لا يُعْرف إلا في مشاهير الثقات، وليس كل ثقة كذلك، فضلاً عن الضعيف ، والله أعلم .
(ج) اشتراطه اختلاف مشايخ المرسِلَيْن: يرد عليه أنه يستبعد – فيما أعلم – أن اثنين من كبار التابعين، رويا عن كبار الصحابة؛ ومع ذلك لم يلتقيا في شيخ واحد من التابعين، ويُخْشى بهذا الشرط إهدار لاستشهاد بمرسل لمرسل آخر؛ لاستبعاد أو تعذُّر وقوع ذلك ، والله أعلم .
وكذلك: فإن اشتراطه كون التابعي المرسِل لايروي إلا عن ثقة؛ يَضْمن لنا كثيرًا مما أراده من هذا الشرط ؛ لأن الحديث إذا اختلف مخرجه؛ فيقوى احتمال قوته ، وكذا إذا كان كل من المرسِلَيْن لايروي إلا عن ثقة؛ فإن ذلك يُقَوِّي احتمال قوة الحديث، لأنهما إذا رويا عن رجل واحد ثقة؛ فالحديث حيثما دار دار على ثقة ، ولذا فهذا الشرط قد حصل كله أو كثير منه في الشرط الأول ، والله أعلم .
د – اشتراطه أن يكون المرسِل من كبار التابعين ، قد خالفه في ذلك كثير من علماء الشافعية، وأطلقوا القول بقبول المرسل في الشواهد دون تقييد بالكبار، بل قوَّوا بعض المراسيل بمراسيل متوسطي وصغار التابعين .
وقد فصَّلت الكلام في هذه الوجوه في كتابي ” إتحاف النبيل ” [321](1) ، وأزيد هنا فأقول.
وقول الشافعي – رحمه الله – : فإنه شَرِكَه فيه الحفاظ المأمونون، فأسندوه إلى رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – بمثل معنى ماروى؛ كانت هذه دلالة على صحة مَنْ قَبِل عنه وحفظه” اهـ .
قد يَرِدُ عليه: أن تقوية المرسَل؛ لايشترط فيها إذا قوَّاه مُسند أن يكون المسند من طريق الحفاظ ، بل يكون ذلك بكل من تقوم به الحجة، ولو كان من رجال الحسن فإنه يصلح لذلك .
قلت : قد صرح العلائي في ” جامع التحصيل ” بأن مراد الشافعي عموم من تقوم به الحجة ، فقال : ” مراده ما إذا كان طريق المسند مما تقوم به الحجة “[322](2) اهـ .
ومما يؤيد أن الشافعي لايريد الحصر في تقوية المرسل بالمسند الذي يرويه الحفاظ، بل المراد مطلق المقبول : أن الشافعي قوَّى المرسل بالمرسل، وبالموقوف، فكيف لايقويه برواية من هم دون الحفاظ من رجال الصحيح والحسن ، والله أعلم .
( تنبيه ) : المسند إذا كان فيه ضعف خفيف ينجبر، فإنه يتقوى بالمرسل ؛ لأن في كل منهما ضعفًا خفيفًا، فيقوى الظن باجتماعهما ، وانظر ” النكت ” للحافظ [323](3) .
( تنبيه آخر ) : إذا جاء الحديث من طريقين، إحداها مرسل فيه ضعف خفيف ، والآخر من طريق مسند فيه ضعف خفيف، فهل يتقوى كل منهما بالآخر ؟
الجواب : لا أستبعد ذلك: إذا سَلِمَ الحديث من نكارة في السند أو المتن ، أو اتحاد المخرج ، فكل منهما – والحالة هذه – يفيد ظنًّا خفيفًا بالثبوت، وحالة الاجتماع تختلف عن حالة الانفراد ، والمرسل في هذه الحالة يكون كمسند فيه ضعف خفيف في موضعين .
وقد صحح شيخنا الألباني – رحمه الله – بعض الأحاديث بنحو ذلك ” انظر الصحيحة ” [324](4) ويُنْظَر في صنيع العلماء في هذا الموضع، فالأمر يحتاج إلى مزيد بحث ، والله أعلم .
●المسألة العاشرة : مراتب المرسل :
قال السخاوي – رحمه الله – :
( خاتمة ) المرسل مراتب :
1- أعلاها: ما أرسله صحابي ثبت سماعه.
2- ثم صحابي له رؤية فقط، ولم يثبت سماعه .
3- ثم المخضرم .
4- ثم المتقن : كسعيد بن المسيب .
5- ويليها من يتحرى في شيوخه: كالشعبي ومجاهد .
6- ودونها في المراسيل: من يأخذ عن كل أحد .[325](1) اهـ .
وعندي أن الذي يتحرى في شيوخه مُقَدَّم على مطلق المخضرم ، وكذا تقديم ابن المسيب لما علم من أنه لم يرسل إلا عن ثقة – في الجملة – لا لمجرد الإتقان، وإلا فمن يتحرى في الشيوخ مقدم على المتقن في نفسه ، إذا لم يُعُلَم عنه التحري في شيوخه ، فضلاً عمن عُلم عنه أنه يروي عن كل أحد .
وهناك مرسلات أخرى : كمن يغلب على الظن أن مرسله معضل ، كما في ” الموقظة ” [326](2) وهذه المرتبة أعلى من السادسة ، والله أعلم .
●المسألة الحادية عشر : أسباب تفاوت المراسيل :
وهي راجعة لأربعة أمور، ذكرها الحافظ ابن رجب – رحمه الله – :
1- أن من عُرِف بروايته عن الضعفاء ؛ ضُعِّف مرسله بخلاف غيره.
2- أن من عُرِف له إسناد صحيح إلى من أرسل عنه؛ فإرساله خير ممن لم يُعْرف له ذلك ، وهذا معنى قوله –يعني يحيى بن سعيد القطان– مجاهد عن علي، ليس به بأس، قد أسند عن ابن أبي ليلى عن علي .
3- أن من قَوِي حفظه ، يحفظ كل ما يسمعه ويثبت في قلبه ، ويكون فيه مالا يجوز الاعتماد عليه ، بخلاف من لم يكن له قوة الحفظ، وقد أنكر مرة يحيى بن معين عَلَى عَلِيِّ ابن عاصم حديثًا، وقال : ليس هو من حديثك، إنما ذُوكِرْتَ به ، فوقع في قلبك، أو ظننت أنك سمعته ، فلم تسمعه ، وليس هو من حديثك . . .
4- أن الحافظ إذا روى عن ثقة لايكاد يترك اسمه ، بل يسميه ، فإذا ترك اسم الراوي؛ دل إبهامه على أنه غير مرضي ، وقد كان يفعل ذلك الثوري وغيره كثيرًا ، يُكَنُّون عن الضعيف، ولايُسَمُّونه، بل يقولون:” عن رجل ” وهذا معنى قول القطان: لو كان فيه إسناد؛ صاح به ، يعني لوكان أخذه عن ثقة؛ لسماه، وأعلن باسمه، اهـ من ” شرح العلل ” [327](3).
قلت : وكلامه الأخير على مذهب من يُسمي الإبهام – إرسالاً – وقد سبق أن الراجح: أن السند يكون متصلاً فيه مبهم ، والله أعلم .
( تنبيه ) : كلام ابن رجب في أسباب تفاوت المراسيل ليس مقتصرًا على المرسل الذي هو رواية التابعي عن رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – إنما هو عام في كل ما انقطع سنده ، والله أعلم .
●المسألة الثانية عشرة : هل يجوز تعمد الإرسال ؟
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله تعالى – : “فإن قيل هل يجوز تعمد الإرسال، أو يُمْنَع ؟
قلنا : لا يخلوا المرسَل أن يكون شيخ مَنْ أرسل الذي حدَّث به – أي الشيخ الذي لم يذكر في السند -.
أ- عدلاً عنده وعند غيره.
ب- أو غير عدل عنده وعند غيره.
ج – أو عدلاً عنده لاعند غيره .
د – أو غير عدلٍ عنده ، عدلاً عند غيره.
هذه أربعة أقسام :
الأول: جائز بلا خلاف ، والثاني : ممنوع بلاخلاف ، وكل من الثالث والرابع يحتمل الجواز وعدمه ، ( وتردده ) بينهما بحسب الأسباب الحاملة عليه وبعدمه ، والله سبحانه أعلم”[328](1) .
قلت : الأول جائز بلا خلاف ، لكن فيه مفسدة: وهي إعلال الحديث الصحيح بالإرسال، مع أن حقيقته أنه متصل ، فإذا علم المرسِل أن الحديث لايُعْرَف من غير هذا الطريق، وأن غيره سيتركه لإرساله ، وأرسله مع ذلك؛ فلا يحوز له ذلك ، لما يترتب عليه من إضاعة جزء من السنة ، أما إذا علم أن الحديث مشهور من غير طريقه؛ فجائز ، والله أعلم . اهـ .
قال الناظم – رحمه الله – :
…………………….. وقُلْ غريبٌ ما رَوَى راوٍ فَقَطْ
عرَّف الناظم الغريب بما روى راو فقط .
والكلام عن الغريب في عدة مسائل:
●المسألة الأولى: الاعتراض على الناظم: يعترض على الناظم تأخيره الحديث الغريب، وعدم ضمِّه إلى قسيميه المشهور والعزيز، إذ ضم الشيء إلى نظائره أولى وأحسن.
●المسألة الثانية: تعريف الحديث الغريب:
للعلماء في تعريف الحديث الغريب قولان، وهما:
القول الأول: عرفه ابن منده بقوله: الغريب كحديث الزهري وأشباهه ممن يُجْمَع حديثه، إذا انفرد عنهم بالحديث رجل سُمِّي غريبًا [329](1).
ومعنى قوله: ” يُجمع حديثه” أي: أن حديثه يُشتهى عالياً ونازلاً، ومسنداً ومرسلاً، وذلك لثقته، وعلو إسناده ونحو ذلك، فهو كثير الحديث ، والشيوخ ، والتلاميذ .
وهذا معناه: أن الراوي المشهور الذي يتنافس الناس في أخذ حديثه، وتتوافر الدواعي إلى التزاحم في الأخذ عنه، فمن انفرد عنه برواية عُدَّ غريبًا، وتلخص من هذا أن ابن منده يشترط في الغريب شرطين:
1- أن الراوي ينفرد بالرواية.
2- أن يكون شيخه الذي انفرد بروايته عنه ممن يُجْمَع حديثه.
ويرد على هذا التعريف: أن الغريب لا ينحصر في هذه الصورة، وأيضاً: فعندما ينفرد راو عن شيخ مكثر؛ ففي الغالب تكون روايته شاذة، أو منكرة، ولا شك أن الغريب منه الصحيح، والحسن، والضعيف، فلا نحصره في قسم الضعيف فقط.
القول الثاني: ما قاله ابن الصلاح: “بأنه الحديث الذي يتفرد به بعض الرواة، يوصَف بالغريب، وكذلك الحديث الذي يتفرد فيه بعضهم بأمر لا يذْكُره فيه غيره، إما في متنه، وإما في إسناده” [330](2) وبعبارة أخرى : سواء انفرد هذا الراوي بالحديث كله ، أو ببعضه سندًا ، أو متنًا .
فقد أطلق ابن الصلاح في تعريف الغريب، وراعى أمر التفرد، ولم يراع وَصْف شيخ المنفرد بكونه ممن يُجمع حديثه، وبنحو ذلك عَرَّفه الحافظ ابن حجر، فقال في تعريف الغريب: “وهو: ما يتفرد بروايته شخص واحد، في أي موضع وقع التفرد به من السند[331](1) ويقال أيضًا :” هو الحديث الذي يكون في أقل طبقة من طبقاته راو واحد”.
قد يقول قائل: يَرِدُ على هذا التعريف تَفَرُّدُ بعض البلدان ببعض الأحاديث.
والجواب: أن هذا ليس بوارد على تعريف الغريب اصطلاحًا، وقد قال ابن الصلاح بعد كلامه على الغريب: “وليس كل ما يُعَدُّ من أنواع الأفراد معدوداً من أنواع الغريب، كما في الأفراد المضافة إلى البلاد” [332](2) اهـ.
●المسألة الثالثة : أقسام الحديث الغريب:
ينقسم الغريب من حيث الغرابة في السند والمتن إلى ثلاثة أقسام:
1- غريب سندًا ومتنًا، وهو: ما انفرد برواية متنه راوٍ واحد، وهذا ما يسميه بعضهم: بالفرد المطلق، وهذا القسم أكثر ما يُعَبَّر عنه بالفرد .
2- غريب سندًا لامتنًا، وهو: كالحديث الذي متنه معروف عن جماعة من الصحابة، إذا انفرد واحد بروايته عن صحابي آخر، كان غريبًا من ذلك الوجه، مع أن متنه غير غريب، ومن ذلك: غرائب الشيوخ في أسانيد المتون الصحيحة، وهو الذي يقول فيه الترمذي: غريب من هذا الوجه،قاله ابن الصلاح [333](3) : ” وهو الذي يسميه بعضهم بالفرد النسبي، وأكثر ما يُطْلَق اسم الغريب على هذا القسم، قاله الحافظ في “النـزهة” [334](4).
3 – غريب متنًا لا سندًا، وهذا القسم يقول فيه ابن الصلاح:” إنه لا يوجد إلا إذا اشتهر الحديث الفرد،فرواه عمن تفرد به جماعة كثيرة، فإنه يصير غريبًا مشهورًا، وغريبًا متنًا غير غريب إسنادًا، لكن بالنظر إلى أحد طرفي الإسناد: فإن إسناده مُتَّصِفٌ بالغرابة في الطرف الأول، مُتَّصِفٌ بالشهرة في طرفه الآخر، كحديث:” إنما الأعمال بالنيات ” ونظائره ” [335](5) اهـ.
قال العراقي:” استبعد المصنف – يعني ابن الصلاح – وجود حديث غريب متنًا لا إسنادًا؛ إلا بالنسبة إلى طرفي الإسناد، وأثبت أبو الفتح اليعمري هذا القسم مطلقًا من غير حَمْلٍ له على ما ذكره المصنف . اهـ [336](6) .
وما قاله ابن الصلاح أظهر ، ولعله لذلك قال العراقي في ” شرح الألفية ” [337](1) : ” القسم الثاني – يعني الغريب متنًا لا سندًا – هو الذي أطلقه أبوالفتح ، ولم يذكر له مثالاً ” اهـ .
إلا أنه يُحمل كلام أبي الفتح اليعمري على ما قاله العراقي في ” التقييد ” [338](2) حيث قال : ” ويُحتمل أنه يريد بكونه غريب المتن لا الإسناد : أن يَكون ذلك الإسناد مشهورًا جادَّةً لعدة من الأحاديث ، بأن يكونوا مشهورين برواية بعضهم عن بعض ، ويكون المتن غريبًا لانفرادهم به ، والله أعلم . اهـ
ومع كون ما احتمله العراقي محتملاً ؛ إلا أن الأظهر الأشهر كلام ابن الصلاح : ” والشهرة على كلام العراقي لاتكون شهرة اصطلاحية ، والله أعلم .
بل قال زكريا الأنصاري في ” فتح الباقي ” [339](3) : ” ولم يمثل – يعني اليعمري – الثاني لعدم وجوده ” اهـ .
4- غريب بعض السند فقط.
5 – غريب بعض المتن فقط، زاده ابن سيد الناس في شرحه على الترمذي، انظر” فتح المغيث” [340](4)
والغريب من حيث الصحة والضعف ينقسم إلى أقسام :
ينقسم الحديث الغريب من حيث الصحة وعدمها إلى ثلاثة أقسام:
غريب صحيح ، كالأفراد المخرجة في ” الصحيحين ” .
غريب حسن .
غريب ضعيف، وهذا الغالب على الغرائب.
ولما كان غالبها الضعف والنكارة ؛ كانت غير مرغوب فيها عند الأئمة، وأما جهلة المحدثين، فإنهم يفرحون بالغريب، وإن كان مُطَّرحَّا ،[341](5) والله أعلم.
●المسألة الرابعة : هل هناك فَرْقٌ بين الغريب والفرد؟
قال الحافظ ابن حجر:”ويقل إطلاق الفردية عليه – أي على الغريب – لأن الغريب والفرد مترادفان لغة واصطلاحًا؛ إلا أن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقِلَّته، فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق، والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي، وهذا من حيث اطلاق الاسم عليهما، وأما من حيث استعمالهم الفعل المشتق؛ فلا يُفَرِّقون، فيقولون في المطلق والنسبي: تفرد به فلان، أو أغرب به فلان….” [342](1) اهـ.
●المسألة الخامسة: أقوال بعض العلماء في ذم الغريب:
قال مالك: “شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس”.
وقال ابن المبارك: ” العلم الذي يجيئك من هاهنا ومن هاهنا ” .
وقال عبد الرزاق: ” كنا نرى أن غريب الحديث خير، فإذا هو شر”.
وقال أحمد بن حنبل: “لا تكتبوا هذه الغرائب، فإنها مناكير، وغالبها عن الضعفاء”.
وقال: ” شَرُّ الحديث الغرائب: التي لا يُعْمَل بها، ولا يعتمد عليها” .
وقال إبراهيم بن أبي عبلة: ” مَنْ حَمَلَ شاذ العلماء حَمَلَ شرًّا كثيرًا “.
وقال إبراهيم: “كانوا يكرهون غريب الكلام وغريب الحديث”.
وقال يعقوب بن إبراهيم القاضي: ” من اتبع غريب الأحاديث كذب، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب الدين بالكلام تزندق”.
وقال أبو نعيم: ” كان عندنا رجل يصلي كل يوم خمسمائة ركعة، سقط حديثه في الغرائب”.
وقال زهير بن معاوية: “ينبغي للرجل أن يتوقى رواية غريب الحديث، فإني أعرف رجلاً كان يصلي في اليوم مائتي ركعة، ما أفسده عند الناس إلا رواية غريب الحديث….”.
وقال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة: “من تتبع الغريب كَذَبَ” وفي رواية: “كُذِّبَ” وهذا لأن الشخص إذا عُرِفَ بتتبع الغرائب؛ فإنه يكذب لروايته عن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – ما لم يقله، وإذا عَرَفَ الناس عنه ذلك كَذَّبوه، ويستنكرون روايته الحديث على غير المشهور عندهم، ويقولون له: هذا الحديث يرويه فلان بن فلان، فمن أين لك هذا الحديث عن غيره؟ وعلى هذا فأنت سارق لهذا الحديث، فَيُتَهَم الشخص لذلك، وكم من رجل كان مستورًا لكن تَتَبُّعَ الغرائب فضحه وكشفه، كما سبق كلام أبي نعيم وزهير بن معاوية، والله أعلم.
فالأئمة لا يفرحون بالغريب؛ لأنه لا يُنْتَفَع به في الغالب، بل ربما أضر بصاحبه، والعلم كما يقول ابن المبارك: “العلم هو: الذي يجيئك من ههنا ومن ههنا” قال ابن رجب: “يعني المشهور” [343](2).
ومما يشبه هذا في الذم: حال كثير من الشباب الذين تعجبهم الفتوى الغريبة المهجورة والشاذة، فتراهم مولعين بذلك، إما لسوء فهم، أو سوء قصد، أو كليهما، كمن يحب الشهرة والتصدر بمثل هذه الفتاوى.
والفتاوى الشاذة إن لم تضر صاحبها؛ فإنها لا تنفعه، وربما كانت سببًا في طرده من البلاد، أو تعرضه للقتل من جهلة الناس، أو ممن له ولاية، كما حدث لوكيع بن الجراح – رحمه الله تعالى – عندما دخل مكة ، وحدَّث عن ابن أبي خالد عن البهي أن أبا بكر الصديق جاء إلى النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – بعد وفاته، فأكبَّ عليه، فقبَّله، وقال: بأبي وأمي ما أطيب حياتك ومماتك، ثم قال البهي: وكان تُرِكَ يومًا وليلة حتى ربا بطنه، وانثنت خنصراه، فلما حَدَّث وكيع بهذا الحديث؛ اجتمعت قريش، وأرادوا صلب وكيع، ونصبوا خشبة لصلبه، فجاء سفيان بن عيينة – وكان بينه وبين وكيع يومئذ تباعد – فقال لهم: الله الله ، هذا فقيه أهل العراق، وابن فقيههم، وهذا حديث معروف، قال سفيان: ولم أكن سمعته إلا أني أردت تخليص وكيع.
وقال الذهبي مُعَلَّقًا على هذه القصة:” فهذه زَلَّة عالم، فما لوكيع ورواية هذا الخبر المنكر المنقطع الإسناد، كادت نفسه أن تذهب غلطًا، والقائمون عليه معذورون، بل مأجورون، فإنهم تخيلوا من إشاعة هذا الخبر المردود غَضًّا ما لمنصب النبوة….. ” إلخ [344](1).
فالشاهد من هذا: أن الأحاديث الغريبة, والفتاوى الشاذة المهجورة قد يكون ثمنها التضحية بالنفس، فعثرة القدم أهون من عثرة القلم، فإذا عثر قلمك، وأحل الحرام، أو حرم الحلال، أو أثبت شيئًا بحديث منكر؛ فعثرة القدم أهون من ذلك، لأنك قد تُتَّهم ويزهد الناس في علمك، فكن على حذر، والزم طريق القوم تَسْلَمْ، والله المستعان.
( فائدة ): قد يقول قائل: نحن نرى الأئمة عندهم غرائب وفوائد، ولا توجد عند غيرهم، فكيف يذمونها وهي موجودة عندهم؟
فأقول: نعم، يوجد عندهم غرائب وفوائد، لكن الأئمة لم يقصدوها بالتتبع، ولم تكن رحلاتهم من أجلها، فهم يرحلون لأجل جمع الأحاديث التي يتدينون بها، وينتفعون بها، والتي تحتاج الأمة إليها في دينها ودنياها، فيقع لهم في رحلاتهم غرائب وفوائد من الشيوخ الذين رحلوا إليهم، ففرق بين من يزهد في الأحاديث الثابتة المشهورة لاشتغاله بجمع الغرائب، وبين من يحرص على المشهور،فيقع له الغريب مع المشهور ، والله أعلم.
●المسألة السابعة: هناك نوع آخر يسمى “غريب الحديث” وفيه مبحثان :













