كتب للقراءة

إتحاف الحصيف بتحذير مشاهير العلماء من فوضى التبديع والتصنيف

إتحاف الحصيف بتحذير مشاهير العلماء من فوضى التبديع والتصنيف

الثالث والعشرون: صاحب الفضيلة الشيخ
صالح بن سعد السحيمي -حفظه الله-

صاحب الفضيلة الشيخ صالح بن سعد السحيمي -حفظه الله-

* تنبيه: لم أُورِد هنا كلام الشيخ صالح السحيمي -حفظه الله- لكونه من كبار علماء عصرنا -وإن كان له نصيب جيد ومشاركة نافعة في العلم والتعليم، ولا أزكِّيه على الله تعالى- ولكن لأنه كان مع هؤلاء الغلاة -وأرجو أن يكون قد كفَّ عن مناصرة الشيخ ربيع في كثير من أحكامه الجائرة على المخالفين له من مشاهير دعاة أهل السنة في العالم-، ولأنه -حفظه الله- كان يهاب مخالفته، وقد اجتمعت به مع غيره في عدة مجالس في المدينة النبوية -على ساكنها أفضل الصلاة وأتمّ وأزكى السلام- وتناقشنا في أمور كثيرة من الخلاف الذي كان بيني وبين الشيخ ربيع، ووضَّحْتُ لهم بجلاء موقفي مما يُثِيره الشيخ ربيع عليَّ من ادعاءات ومزاعم لا أصل لها، ومع ذلك صَدَرَت منه بعد ذلك أحكام جائرة فيَّ وفي غيري، مما حملني على الرد عليه وعلى غيره في رسالتي: «القول الجليّ في الردّ على الجابري والسحيمي والمدخلي» أعني الشيخ عبيدًا الجابري والشيخ محمد بن هادي المدخلي -حفظه الله- والشيخ صالحًا السحيمي -حفظه الله- ولعلَّه لما زاد بلاء الشيخ ربيع ومقلِّديه في الساحة الدعوية: شرقًا وغربًا، وظهرت الآثار السيئة لهذا الحزب ومنهجه، حتى وصلوا إلى ما لم يكنْ في حُسْبان الشيخ السحيمي، كتبديع الشيخ ربيع للشيخ فالح الحربي وغيره ممن يبدِّعهم الشيخ ربيع وممن يشقُّ على الشيخ السحيمي تبديعهم، وإن كانوا في حَلَبة الغلو جميعًا؛ راسل الشيخ ربيعًا ناصحًا له، وردَّ على هذا الفكر بما تراه هنا، ولا يلزم من هذا أنه -عمليًّا- قد ابتعد بالكلية عن جميع الأحكام الجائرة الظالمة في كل أو بعض من طعن فيهم الشيخ ربيع وحزبه الغالي، إلا أن يُرَى ذلك واضحًا جليًّا منه، وعلى سبيل المثال: فهل لازال الشيخ صالح السحيمي يُبدِّعني، ويُفتِي بهَجْري كما فعل من قبل؟ ولماذا يفعل ذلك، وما دليله؟ أم أنه تاب إلى الله من ذلك الظلم لي ولغيري ممن هم أفضل مني، ممن يبدِّعهم الشيخ ربيع ظُلْمًا وعدوانًا؟!!

وما ذكرْتُ نفسي مثالًا انتصارًا لنفسي، أو مدْحًا لها، ولكن لأن كثيرا ممن يعلن إنكاره على الغلاة وشيخهم طريقتَهم يهاب أن يقول عني: إنه من أهل السنة، ولا أرى القول بتبديعه؛ مجاملةً أو خوفًا من الشيخ ربيع وزبانيته!! وأنا لا أبالي بما يحكمون به عليَّ، المهم: نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، فالعاقل يخاف على نفسه من نفسه، أما ظلم الآخرين فقد يكون حسنةً له لم يعملها، أو كفارةً لسيئاته!!

لكن مع ذلك فقد ترك الشيخ السحيمي -حفظه الله- -على الأقلّ- بعض ذلك الغلو، وهذا في ذاته خير كثير، وحنانَيْكَ بعض الشرِّ أهون من بعض!!

كما قَصَدْتُ أيضًا من إيرادي كلامَ الشيخ السحيمي -حفظه الله- هنا: أن أقول للغلاة: لقد كنتم تحتجُّون عليَّ بكلام الشيخ صالح فيَّ من قبل -ولم ألتفت إلى ذلك أصلًا؛ لما كان موقفه على خلاف الدليل- لكن نقول لكم: إذا كان موقفه حجة عندكم؛ فها نحن نقلب الأمر عليكم؛ فها هو كلام الشيخ صالح ضد منهجكم وطريقتكم؛ فإن كان الشيخ حجة عندكم؛ فماذا أنتم قائلون في تحذيره من منهجكم ومنهج شيخكم؟ وإن لم يكن حجة عندكم؛ فلماذا تحتجون به علينا أصلًا؟ وكل هذا يُظْهِر تناقض الغلاة، وأنهم يتَّبعون أهواءهم -إلا من رحم الله- وأنهم يَزِنُون الأمر بميزان غير شرعي، ويكيلون بمكاييل متعددة مضطربة!!! وأنهم يقيمون الولاء والبراء على مدى القُرْب أو البُعْد من الشيخ ربيع وأفراخه في البلاد، لا على القُرْب أو البُعْد من السنة، وإن أظهروا غير ذلك!!

أَضِف إلى ذلك: أنني بنقلي هذا الكلام عن الشيخ صالح -حفظه الله- أقَرِّر عمليًّا المنهج الحق -وهو ما نسير عليه ولله الحمد، وشنَّع علينا بسببه الغلاة، وعدُّوه تمييعا وإضاعة للدعوة- وهو قبول الحق ممن جاء به، وإن اختلفنا معه في كثير أو قليل، حتى لو كان لا زال يقول بإخراجي من دائرة السنة؛ فإني أشكر تراجعه في اشياء أخرى عن الغلو، والله أعلم.

والشيخ صالح -حفظه الله- وإن خالفته في عدد من المواقف والأحكام؛ إلا أنني أرى فيه خيرًا وتديُّنًا ومروءةً وفهمًا وإنصافًا، بل وأرى فيه كثيرًا من صُوَر الاعتدال، ولعل ذلك يظهر أكثر وأكثر عنه في الأيام المقبلة -إن شاء الله تعالى- لكن لما كان الحقُّ أحقَّ أن يُنْطَق به؛ خالفته والشيخ ربيعًا وحزبهم الغالي فيما خالفتهم فيه، راجيًا بذلك الذبَّ عن الحق، والانتصار لمنهج السلف الذي شوَّهَهُ الغلاة هؤلاء أيما تشويه، وأشمتوا به وبأهله المخالفين، كما اعترف بذلك الشيخ صالح السحيمي نَفْسُه هنا، والله وليُّ التوفيق والسداد!!

1-نصيحة وتحذير الشيخ صالح -حفظه الله- من منهج الغلو في التبديع:

⏪ خلاصة كلام الشيخ صالح السحيمي -حفظه الله – في هذه النصيحة:

أولًا: أوصيكم بتقوى الله .

ثانيًا: الكلام كُلٌّ يجيدهُ، لكن التركيز على النصوص الشرعية، التي فيها الهداية من كتاب الله ومن سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو الذي له أكثر تأثير في القلوب.

ثالثًا: تنبيه على أن الشباب اشتغلوا كثيرا بالقيل والقال؛ حتى قَسَتْ قلوبهم، وبَعُدُوا عن الله -تبارك وتعالى- ويا ليتهم تكلموا في المبتدعة، ولكن في إخوانهم!!

رابعًا: التحذير من فتنة التصنيف والأحكام الجائرة بغير حق!!

خامسًا: مَنْ ظُلِم ورَدَّ؛ فلْيَكُن الردُّ في حدودِ الكتابِ والسنةِ دونَ الانتصار للنفس، ودونَ تَشَفٍّ، ودون زيادة في الردود لما لا يحتمله المقام.

وهذا هو منهج علمائنا الكبار، مثل: الشيخ العَّبَاد، ومحمد أمان الجامي([250])، والشيخ عبد العزيز آل الشيخ، واللحيدان، والفوزان، وقبلهم العلماء الأجلاء الكبار، هذه أساليبهم؛ لأن الهدف هو هداية الناس.

سادسًا: إذا كان الهدف هو هداية الناس؛ فلتبتعد عن التجريحِ الذي يَصِلُ إلى حَدِّ المبالغة.

سابعًا: أوصيكم باستعمال أساليب النبوة في دعوة الناس: رحمة ولين.

ثامنًا: نحن ابتلينا بطائفتين – ولنكن صُرَحَاء -:

1- طائفة متخاذلة متنازلة مميعة، تتنازل عن الحق؛ لتكسب رضا الآخرين، تلتمس رضا الناس بسخط الله، يتنازلون لدرجة إباحة ما حرم الله!!. أباحوا الغناء… أباحوا الربا… دخلوا في وسط المبتدعة…

2- وعلى النقيض منهم طائفة أخرى تُصَنِّفُ لأَتْفَه الأسباب!! وتُلزِمُ بما لا يَلْزَم، ويُبَدِّعُون من لم يستحقُّ التبديع، ولا يرجعونَ إلى العلماء الربانيين في ذلك.

تاسعًا: تذكرة وعبرة..

خرجتُ من المسجد النبوي في شهرِ رجب الماضي، لا، عفوا في رمضان… فَلَحِقَ بي شابٌّ وأنا ذاهب إلى السيارة، بُعَيدَ وفاة الشيخ محمد الوصابي قال: يا شيخ! يجوز لنا الترحم على محمد الوصابي؟([251])!!

الشيخ: –و الله أنا انْفَعَلْت!- قلت: نترحم عليك أنت قريبا -إن شاء
الله-!!

قال: أنا أريد الفائدة!!.

قلتُ: لا، إذا كنت تريد الفائدة؛ ما كنت طرحتَ مثل هذا السؤال!.

لكنك رأيتَ مِثْلَ فلان وفلان!! يَنْهَوْن عن الترحم عليه!!.

و لقد صرح كثير من الشباب المتهورين بأنه لا يجوز الترحم عليه!!

اللهم اغفر له وارحمه.

وبعده جاءني رجل آخر، فقال: هل يجوز الترحم على أبو زيد محمد حمزة! الرجل ستين سنة جهاد في العقيدة، وهو ينشر العقيدة الصحيحة في السودان([252]).

عاشرًا: الإنسان إذا صَدَرَ منه كلام، إدا اعْتَذَر لا يُقْبَلُ منه عذره([253])؟!!

الحادي عشر: بعض الشباب يريد أن يُقنِعَ بعض المشايخ بمثل هذه الأفكار: اسْمَعْ لفلان، لا تَسْمَعْ لفلان، تَرَحَّمْ على فلان، لا تَتَرَحَّمْ على فلان، احْضُرْ لفلان، لا تَحْضُرْ لفلان، هذه مصائب!!

الثاني عشر: والله الحزبيون يقولون عنا: «النار تأكل بعضَها إذا لم تَجِدْ ما تَأْكُلُه».

الثالث عشر: الإخوان([254]) الذين بَغَوْا علينا: ينبغي أَخْذُهم بالحِلم واللين والتلطف، لعل الله أن يجمع الشمل، ويجمع القلوب.. من هَدْيِ النبي -صلى الله عليه وسلم-: أن تُحسِنَ إلى من أساء إليك، اصْبِرْ وتَصَبَّر عليه الأيامَ والليالِيَ، لَعَلَّ الله أن يُصْلِح القلوب». اهـ

قلتُ: هذه الأوصاف والأحوال كلها -هي وكثيرٌ غيرها وأشد منها- التي خالفنا فيها الغلاة؛ فأي الفريقين منا ومنهم أَهْدَى سبيلا يا شيخ صالح؟!!

2- نصيحة الشيخ -حفظه الله- للشباب الذين نصبوا أنفسهم أئمة للجرح والتعديل:

وفيها يقول الشيخ -حفظه الله-: غلاة التبديع شَغَلَهم الكلام في الناس، فهم لا للإسلامِ نَصَروا، ولا للكفارِ كَسَرُوا، ولا للأمة أفادوا!!

وقال -حفظه الله: «… إن التَّقوى هي أساسُ صلاحِ طالبِ العلمِ، وعُنوانُ استفادتِه لعِلمهِ الذي تعلَّمه؛ لأنَّ مِن أعظم أسبابِ تحقيق طلب العلمِ الشِّرعيِّ الصَّحيحِ المستمدِّ من الكتاب والسُّنَّة هي تقوى الله؛ [ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ] {البقرة:282}.

والبعضُ مِن المُنتَسِبين إلى العِلم -ونخشَى أن نكونَ كلُّنا واقعين في ذلك: هو إضاعة الأوقاتِ فيما لا فائدةَ فيه، من القيلِ والقالِ، والكلامِ الفارِغ الذي يُبعدُ عن الله، ويُقَسِّي القلبَ-.

وتجد الكثيرَ من النَّاس هذا هو شُغله الشَّاغِل، ولا يُصلِّي لله ركعةً أو ثلاثًا آخر اللَّيل؛ لأنَّ لديه صوارفَ صرفتهُ عن طاعةِ الله، وهو لا يدري أنَّه في دارِ سفرٍ، وفي دارِ مَعبَر، وفي دارٍ ممرٍّ.

فـ «صَلِّ صلاةَ مُودِّع»، و «كُن في هذه الدُّنيا كأنَّك غريبٌ، أو عابِرُ سبيل»، و«إذا أمسيتَ فلا تنتظرِ الصَّباحَ، وإذا أصبحتَ فلا تنتظرِ المساءَ»

اشغلْ وقتَك بتقوى اللهِ، اعمُرْ وقتَك بتقوى الله؛ من الصلاةِ والصَّوم والعلمِ وتِلاوةِ القُرآن، واشتغِل بِعُيوبِ نفسِك عن عيوبِ غيرِك.

نرى بعضَ طلبةِ العلمِ -مِن ضعفِ تقواهُم- لا هَمَّ إلا الكلام في النَّاس، ونصبوا أنفسَهم -على ضحالةِ عِلمهم- أئمَّةً في الجرحِ والتَّعديل، وملؤوا زُبالاتِ «الإنترنت» من هذا البابِ، وهم لا للإسلامِ نصَرُوا، ولا للكُفَّارِ كسَروا، ولا للأمَّة أفادُوا.

يحدِّثكم أحدُهم وكأنَّه يحيى بنُ معين، أو أحمدُ بن حنبل! وهو ربَّما لا يعرفُ كيف يتوضَّأ، ولا يُحسن وُضوءَه، وهذا ما نُعاني منه في هذه الأيام!

هذا لا يتَّفق مع «اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ» -أبدًا-.

أَعْطِ القوسَ بارِيَهَا، وتواضَعْ للهِ؛ فإنَّ مَن تواضعَ لله رفعَه.

ودعُوا المسائلَ الكبارَ للعلماءِ الرَّبَّانيِّين، المتخصِّصين، البارِزين، الذين لهم باعٌ طويلٌ في خِدمةِ السُّنَّة والعقيدة، وفي خدمةِ الإسلامِ.

فالذي ينبغي للمُسلمين -عامَّة- وطلبة العلم -خاصَّة- أن تكونَ تقوى الله ديدَنَهم -سرًّا وجِهارًا، وليلًا ونهارًا-، إذا أرادُوا الوُصولَ إلى السَّلامةِ، وإذا أرادوا الوُصولَ إلى مرضاةِ الله، وإذا أرادُوا العلمَ الشَّرعيَّ الصَّحيح المستمدَّ من الكتابِ والسُّنَّة.

«فاتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ».

– إذا أردتَ أن تُطلقَ كلمةً؛ تذكَّر هذا الحديثَ.

– إذا أردتَ أ ن تقولَ كلمةً؛ اقرأ هذا الحديثَ.

– إذا أردتَ أن تمدَّ يدكَ إلى شيءٍ؛ تذكَّر هذا الحديثَ.

– إذا أردتَ أن تخطوَ إلى شيءٍ برِجلِك؛ تذكَّر هذا الحديثَ.

– إذا أردتَ أن تُجرِّح أو تُعدِّل؛ تذكَّر هذا الحديثَ.

– إذا أردتَ أن تكونَ طالبَ علمٍ بحقٍّ -وإلا فلستَ كذلك-؛ فتذكَّر هذا الحديثَ -دائمًا-؛ اجعلهُ نُصب عينَيك في كلِّ تصرُّفٍ تتصرَّفُه.

فاتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ.

ليكنْ مُنطلقُك إلى أيِّ أمرٍ -مِن فعلٍ أو تركٍ- هو مِن هذا الحديثِ: «اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ».

ليحرِّكْ لسانك: «اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ».

ليحرِّكْ سمعَك وبصرَك وجوارحَك: «اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ».

هذا هو الطريقُ السَّويُّ للسلامةِ، وبغيرِ ذلك ليس هنالك إلا النَّدامة». اهـ

3- نصيحة مهمة للشيخ -حفظه الله- حول الجرح والتعديل وردود السلفيين بعضهم لبعض:

قال -حفظه الله-: «كثير من الشباب الآن اشتغلوا بالقيل والقال، والكلام الفارغ الذي أضاع أوقاتهم، حتى قَسَتْ قلوبُهم، وبَعُدوا عن الله -تبارك وتعالى- تمضي عليه الأيام والليالي ما قرأ آية من كتاب الله، ولا حديثا من أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا همّ له إلاّ الكلام في إخوانه، ويا ليتهم، ليته الكلام في المبتدعة الذين أبيح الكلام فيهم في حدودٍ أيضًا، وإنما هو الكلام في إخوانه، وتصنيف لهم، وأحكام عليهم جائرة، وقد يصل إلى حَدِّ التبديع والتكفير، والهجر بغير حق، هذا والله يا إخوتاه، ما نشكوا منه في الساحة الدعوية السلفية الآن، والمطلوب منّا ألاّ نوقد النّار، حتى ولو سمعنا من البعض مثل هذه الأساليب، لا نقابلها بردة فعل تُفْضي إلى تفاقم المسألة، وتضخيمها , نتحمل قدر ما نستطيع، وإذا رددنا يكون الردّ في حدود الكتاب والسنة، دون انتصار للنفس، ودون تَشَفٍّ، ودون زيادة بردود فيما لا يحتمله المقام، ودون مبالغة.

أوصي نفسي وطلبة العلم بهذا، هذا هو الذي ربّانا عليه علماؤنا أهل السنة والجماعة، مثل الشيخ ابن باز والعثيمين والألباني، والشيخ حماد، والشيخ عبد المحسن البدر، والشيخ محمد أمان الجامي، والشيخ عبد العزيز آل الشيخ سماحة المفتي، والشيخ صالح الفوزان، والشيخ صالح اللحيدان، وقبلهم العلماء الكبار الأجلاء هذه أساليبهم؛ لأن الهدف هي الهداية، هداية الناس، وإذا كان الهدف الهداية؛ فلتبتعد عن التجريح الذي يصل إلى حد المبالغة..(ثم ذكر -حفظه الله- كلام الإمام أحمد في أهل خراسان، وأنه عَذَرَهُم بالضَّعْف في كونهم لا يَقْوَوْن على الردّ على الجهمية هناك؛ لتمكنهم هنالك، ثم ذكر المآسي التي عاشها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه -رضوان الله عليهم أجمعين- وكيف عُذِّبُوا. قال: ثم يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- (مع الأخذ بالأسباب): «اللهم اهْدِ قومي؛ فإنهم لا يَعْلَمون».

…ثم قال -حفظه الله: –فأوصيكم ونفسي بمثل هذه الأساليب الطيبة المباركة، أساليب النبوة [ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ] {آل عمران:159}، [ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ …] {النحل:125}». اهـ

قلتُ: فها هو الشيخ صالح السحيمي -حفظه الله- يذكر الأحوال التي عُرِفت واشتهرت عن هؤلاء الغلاة في المشارق والمغارب، ويحذِّر منها، بل يصرح بأن ما عليه الغلاة هؤلاء بخلاف ما تعلَّمه هو من المشايخ الكبار، وذكر أسماءهم -وقد نقلتُ كلامهم ولله الحمد في ذلك في هذا الكتاب- فهذه شهادة من الشيخ صالح السحيمي -حفظه الله- تؤيد كتابي هذا، الذي موضوعه وهدفه: بيان أن منهج الكبار أو مشاهير العلماء في هذا العصر على خلاف ما عليه الشيخ ربيع -وفقه الله- في هذه القضايا التي خالفناهم فيها، وعلى خلاف ما عليه من يقلده من الشباب وغيرهم، فماذا يقول الغلاة في الشيخ السحيمي؟! وليس بغريب أن يقولوا فيه الأقوال الفاجرة، لكن ما هو جوابهم على هذا السؤال: كيف كنتم بالأمس القريب ترفعونه إلى عنان السماء، واليوم تردونه إلى أسفل السافلين؟ فهل أنتم بذلك التناقض عن هوًى تُؤتمنون على هذا الدين؟ وهل مَدْحُكم الشخصَ أو ذَمُّكم إياه له قيمُةُ تُذْكر ما دمتم كذلك؟!

⏪ ويقول الشيخ -حفظه الله-: الذين يَلْزِمون الناسَ بتبديع فلان وعلان أَجْهَل من البقر، وليسوا طلاب علم!!

«السائل: يا شيخ! الشباب أكثروا علينا في مسألة تبديع الشيخ فالح يا شيخ؟

الشيخ: قُلْ لهم: يطلبون العلم، ويَتْركون بُنَيَّاتِ الطريق، بَسْ، هذا الجواب.

س: يلزمونا يا شيخ بالتبديع؟

الشيخ: قل لهم يطلبون العلم، ويَتْركون بُنَيَّات الطريق.

س: فهل يعني أَنَّا نُصَدِّقهم بذلك؟

الشيخ: لا، مستحيل، قل لهم: هذا يدل على أنهم ليسوا طلبة علم، الانشغال بهذه الأشياء يدل على أنهم ليسوا طلبة علم، دعوا الخلافات التي بين فالح وغيره، واشتغلوا بطلب العلم.

س: طيب، هل يصح -يا شيخ- قولهم: أنه مبتدع -يا شيخ-؛ الشيخ فالح؟

الشيخ: لا، لا يجوز هذا الكلام.

س: طيب -يا شيخ- هم يهجروننا -يا شيخ- بسبب ذلك؛ إن لم نبدع الشيخ؛ يهجروننا؟

الشيخ: إذا هجروكم؛ سَلِّموا عليهم، وأنتم مأجورون، وهم مأزورون.

س: طيب، ما نصيحتكم لهؤلاء -يا شيخ-؟

الشيخ: نصيحتي لهؤلاء أنهم يطلبون… عشان تهجروا فلان.. يا أخي! بلد ما فيه لا علماء ولا طلبة علم كبار، وشغالين: اهجر فلان! واترك فلان! هؤلاء جهلة؛ أَجْهَلُ من البقر! […] يتقون الله، ويتوبون إليه، والله يا أخي! إني ما وجدت أشد فتنة من أهل المغرب عمومًا -ولا سيما الجزائر وليبيا([255])-؛ ولذلك شغالين: تبديع، تفسيق، تكفير، هجران!! من أنتم حتى تهجروا، ولَّا تبدِّعوا، ولَّا تُفسِّقوا، ولَّا تكفِّروا؟! قُلْ لهم: من أنتم؟! قُلْ لهم: اطلبوا العلم -أولًا-، ودَعُوا عنكم بُنَيَّاِت الطريق! قُلْ لهم: يطلبوا العلم، مَن أنتم؟!! أنتم ابن معين، ولَّا… ولَّا الإمام أحمد، ولَّا من؟!! هذي مصيبة! المشكلة -الآن- التَّطَفُّل! لماذا تَهْجُر؟! ما عِلْمُكَ الذي عندك حتى تَهْجُر؟!! لا يجوز أن يُهْجَر هذا الشيخُ من أجل الخلاف الذي بينه وبين الشيخِ الآخر.

س: طيب -يا شيخ- يقولون: أن الشيخ فلان قال فيه الشيخ النجمي.. تكلم فيه الشيخ النجمي…؟

الشيخ: هذا الكلام كله يُتْرك، قُلْ لهم: اطلبوا العلم، […] المشايخ كلهم نُقَدِّرهم، ونحاول معالجة الأمور التي جَرَتْ. هذه فتن مثل التي جَرَتْ -والعياذ بالله- من قديم الزمان، هذه فتن -ترى-، حتى الكتاب الذي أصدره الشيخ فالح في الشيخ ربيع، أو كتاب الشيخ ربيع للشيخ فالح؛ تلاميذهم يَكْتُبون لهم وهم يُقِرون، أعني لا تلتفتوا إليها، اشتغلوا بالعلم، والذي يريد أن يشغلكم بها؛ قولوا: والله نحن نريد طلب العلم، ما نريد الانشغال بفلان ولا علان، هذا خلاف بين السلفيين أنفسهم، وفتن جارية، وإلزامات؛ يجب أن يُتقى الله فيها.

س: يعني -يا شيخ- كلاهما من أهل السنة؟

الشيخ: إن شاء الله». اهـ

قلتُ: فهذا الحال الذي ضاق به الشيخ صالح ذْرعا؛ حتى وصف أهله بأنهم أجهل من البقر!! أليس هذا الحال ثمرة البذرة التي استنْبتها الشيخ ربيع وأعوانه في الساحة الدعوية، وكان الشيخ صالح نفسه معهم على ما هم عليه فترة من الزمن؟ ثم أليس هذا الحال هو الذي أنكرناه على الشيخ ربيع، وأدركنا عاقبته المتوقعة مبكّرا؛ ولذلك قال فينا ما قال؟!

5- الشيخ -حفظه الله- ينصح طُلاب العلم بكتاب (الإبانة عن كيفية التعامل مع الخلاف بين أهل السنة والجماعة)، للشيخ محمد الإمام -حفظه الله- الذي قَدَّمَ له الشيخ ربيع بنفسه، ثم بعد مُدَّة حَذَّر منه، كما ينصح الطلاب برسالة (ومرة أخرى: رِفْقًا أَهْلَ السنة بأهلِ السنة) للشيخ العَبَّاد -حفظه الله-:

ومعلوم أن الشيخ ربيعًا وأتباعه يطعنون ويحذرون من قراءة ونشر هذين الكتابين بخلاف ما نحن عليه!!

⏪ يقول الشيخ السحيمي – حفظه الله -: «وبالمناسبة: فإني أحثُّ طلبةَ العلم على قِراءة كتابٍ عظيم أُلِّف في هذه الأيَّام، لأخينا الشَّيخ محمَّدِ بنِ عبدِ الله الإمام، وهو بعنوان: (الإبانة في التَّعامل مع الخلاف بين أهل السُّنَّة) -أو كذا، حول هذا العنوان-؛ فإنَّه كتابٌ نفيسٌ، لا أرى أنَّه كُتب مثلُه في هذا العصرِ -أقول: في هذا العصر-؛ فإنَّه كتابٌ نفيس، تُثنَى عليه الخناصرُ، يُحْرَصُ عليه، وَضَعَ النِّقاطَ على الحُروف؛ فأورد فيه عن شيخِ الإسلام -وحدَه- مائةَ نصٍّ في أحكامِ التَّعامُل مع المُخالِف مِن أهلِ السُّنَّة، وأكثر من أربعمئةِ نصٍّ عن بقيَّة العلماء -القُدامى والمحدَثين-.

وهناك مقالٌ جديد لشيخِنا الشَّيخِ عبدِ المُحسن العبَّاد البدر -نُشر قبل يومَين- بعنوان: «ومرةً أُخرى: رِفقًا -أهلَ السُّنَّةِ- بأهلِ السُّنَّة»؛ هذه المقولة هي تهمُّ طلبةَ العلمِ بشكلٍ خاصٍّ، ولا تلتفتُوا إلى ما يعلِّق به أربابُ الشَّبكات الهزيلةِ، التي تنتقدُ مثلَ هذا المقالِ -لعُلوٍّ وكبرياءٍ في أنفسِهم، وجهلٍ بحقيقةِ ما يتكلَّمون به-، قد اتَّخذوا ألقابًا معيَّنةً.

هذا المقالُ مقالٌ عظيمٌ، ينبغي أن نترسَّم خُطاهُ، وأن نَسيرَ على نهجِه، وقد أثنى فيه شيخُنا -حفظهُ الله- على كتابِ الشَّيخ محمَّدٍ الإمام -آنفِ الذِّكر-.

فاستفيدوا من كِتاباتِ العُلماء والمشايخ، ودَعُوا عنكم بُنيَّاتِ الطريق». اهـ

قلتُ: ومعلوم أن كتاب شيخنا عبد المحسن العباد -حفظه الله- الأول والثاني في نصيحة أهل السنة بالرفق في التعامل مع أهل السنة من عنوانه إلى خاتمته يَرُدّ على فِكْر الشيخ ربيع، وموافق لما كتبتُه في الردّ على الشيخ ربيع -وإن لم يطَّلع الشيخ العباد على كثير مما كتبتُه وسجَّلْته في الرد على الشيخ ربيع-،وما كتبه أخونا الشيخ محمد الإمام -حسبما حَكَى لي عدد من طلاب العلم- هو عين كلامي الذي ردَدْتُ به منذ سنوات قبل «الإبانة» على الشيخ ربيع، فالحمد لله الذي هدانا للحق الذي عليه علماء الأمة سلفًا وخلفًا، وبَصَّرنا به، وثبَّتَنا عليه، مع تلك الهجمة الشرسة الفاجرة، والسيل الجارف الهائج، حتى أفاق ورجع كثير من مشايخ الغلاة أنفسهم إلى سبيل النجاة!!

6- ومما قال الشيخ صالح-وفقه الله-: المبتدع هو من أَسَّسَ منهجه على بدعة مُكَفِّرَهُ، كالجهمية، وليس الذي وقع في بدعة عارضة؛ فهذا يستفاد منه!

⏪ يقول – حفظه الله -: «وأمَّا الأشخاص فهم على ثلاثة أقسام…:

قسمٌ مَرَقُوا مِن الدِّين: هؤلاء لا كرامةَ لهم؛ وإنَّما تُرَاعِي أنتَ المصلحة والمفسدة فيما يتعلَّق بالتَّصريح بأسمائهم؛ لئلا تُوقَفَ دعوتُك، لا أقصد أنكَّ تتنازل عن دعوتك، أو تتنازل عن بيان عَوَاره، لا؛ ولكن: انظر إلى ما تقول، أحيانًا يكون في التَّلميح والتَّلويح وعدم التَّصريح فائدة عظيمة في كشفه للنَّاس والتَّحذير منه، ولا سيَّما إن كان ذا سلطان.

وأمَّا القسم الثَّاني: فهم المبتدِعة، الذين ظهرت بِدَعُهم، وسلكوا مناهج أهل البدع، وهؤلاء نعم يُردُّ عليهم؛ ولكن بِمراعاة المصالِح والمفاسد
-أيضًا-، فإن ألَّفتَ كتابًا، أو رددتَ على شريطٍ لِمثلِ هؤلاء؛ فبيِّن أخطاءهم، وبيِّن الشُّبَه ورُدَّها بالحججِ القاطعة والبراهين السَّاطعة مِن كتاب الله وسُنَّة رسوله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وآثار السَّلف الصَّالح.

ولكن -أيضًا- تُراعي عدم السَّب، عدم السَّفاهة، عدم النُّزول إلى ما يفعلونه هم، يعني تردُّ الحقَّ بدليله: (قال في الكتابِ الفلاني كذا، والصَّواب كذا، ورَدُّ الشُّبهة كذا وكذا)؛ وهذا -كلُّه- لا بدَّ أن نرجع فيه إلى العُلماء الكبار.

القسم الثَّالث: أشخاصٌ امتُحِنوا مِن قِبل بعضِ المُتعالِمين، نحن لا ندَّعي للنَّاس العِصمة؛ لكنْ هُناك علماء ومشايخ وطلبة عِلم أُوذوا في الله مِن قِبَلِ بعض أدعياء السَّلفيَّة([256])؛ فهؤلاء لا نشاركُ في إيذائِهم؛ حتى لا نقعَ فيما وقعوا فيه مِن تفريق كلمة أهل السُّنَّة بغيرِ حقٍّ، وإن وُجد عند أحدٍ منهم خطأ؛ يُنبَّه، وإن الذي ينبِّهه وينصحه هم العُلماء الكبار.

القِسم الأخير: أناسٌ جهلة وقعُوا في أمورٍ لا يُدرِكونَها، هؤلاء يحتاجون -فقط- إلى توعيةٍ وبيان الحقِّ بدليلهِ لهم، والأخذ بأيديهم إلى الجادَّة.

هناك صنفٌ آخر: شخصٌ عنده زلَّات معيَّنة، وقع فيها مشايخ كبار -مثل الإمام النَّووي، وابن حجر، وكذلك غيرهم-، وقعوا في بعضِ المخالفات -بل وفي بعض البِدع-؛ فما موقفنا تجاههم؟

هل نسلكُ مسلكَ الحدَّاديين؛ في رفضِ كتُبهم، وسبِّهم، والنَّيل منهم، وهم قد خدموا السُّنَّة وخدموا العِلم-؟!

الجواب: لا، ليس الأمر كذلك؛ وإنَّما علينا أن نأخذَ ما بيَّنه العُلماءُ من التَّنبيه على زلَّاتِهم وأخطائِهم، ولا نداهنُهم عليها -مع احتِرامهم، وعدم تَجرِئة صِغار الطُّلاب عليهم-؛ يعني: نُنبِّه على الخطأ.

يعني -مثلًا-: لو وجدنا -مثلًا- عند النَّووي تأويل في الصِّفات؛ في هذه الحال نُبيِّن هذا، ولا نتردَّد في بيانِه، نقول: هذا خطأ من النَّووي ؛ لكن لعل من الخير، ولعله قدَّم للسُّنة ما قدَّم مِمَّا يُمكن أن نرجو الله أن ينفعهُ الله به، وأن تنغمرَ تلك الأخطاءُ في خِضَمِّ ما قدَّم من خدمة([257]).

ومثلُه ابنُ حجر وكثيرٌ من العُلماء، وكذلك مَن أخطأ مِمَّن هُم على هذه الشَّاكلة.

أمَّا المبتدِعُ الذي -كما قلتُ، وأؤكِّدُ عليه- كشَّر عن أنيابِه، يدعو إلى البدعةِ، يدعو إلى الانضمامِ إلى الأحزاب الفاسدة -التي تُوالي وتُعادي في سبيل مبادئ حزبيَّة ضيِّقة-، وتتنازل عن العقيدة، وتُحذِّر، وتُعادي أهلَ السُّنَّة؛ هؤلاء لا كرامة لهم.

لكنْ: عالجوا الأمرَ بِحسبِ الظُّروفِ التي تعيشونَها.

يعني: قد يتطلَّبُ الأمرُ أن تُواجِهُوا..

وقد يتطلَّبُ الأمرُ أن تُلمِّحوا..

وقد يتطلَّبُ الأمرُ أن تُلوِّحوا..

المهم: أن تجعلوا لكل طريقٍ أو لكلِّ قومٍ ما يُناسبُه من أسس الدَّعوة إلى الله -سبحانهُ وتَعالى- بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة بحسب ما يقتضيه المقام.

أَخْتِم فأقول، وأؤكِّد على مسألة: وهي ما قد تُدعَون إليه مِن تشويهِ بعضِ أجلَّة العُلماء، الذين لَهم قدمٌ راسخةٌ، وطلبة العلم؛ فانتَبِهوا لِمثلِ هذا المسلك؛ فإنَّه مسلكٌ خطير؛ لأنَّه قد بلغني أن هناكَ مَن أحرقَ أو دُعِي إلى إِحراقِ بعض كتب المشايخ في المدينةِ النَّبويَّة، وهذا أَمْرٌ الذي أَمَرَكُم به لا يفقه -مهما كان، ومهما تَسَمَّى-، إن دعوته هذه دعوة فاسدة، والذي يأمرُكم بِمِثل هذه الأوامر؛ أنا – وجهة نظري- أن لا تقبلوه مستقبلًا؛ لئلَّا يفرِّق صفَّكم، ويوقعكم في مثل هذه المزالق الخطيرة.

وارجعوا.. كما قلتُ وأؤكِّد بالرجوع إلى العُلماء الربَّانيِّين؛ [ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ] {النساء:83}، وقول الله -سبحانهُ وتَعالى-: [ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ] {التوبة:122}.

وفِّقني اللهُ وإيَّاكم للعلم النَّافع والعمل الصَّالِح.

وصلَّى الله وسلَّم وبارَك على نبيِّنا محمَّد، وعلى آلِه وصحبِه أجمعين.

وأستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه». اهـ

سُجل هذا في اتِّصال هاتفي مع طلبة العلم في تونس الخضراء، في ليلةِ الأربعاء، الموافق للسَّابع عشر مِن شهر الله المحرَّم سنة ثلاثٍ وثلاثين وأربع مائةٍ وألف للهجرة النبويَّة.

https://archive.org/details/sheikhshimikalima

7- رَدُّ الشيخ -حفظه الله- على من يناصر العلمانيين ضد الجماعات الإسلامية بدعوى أنهم يعادون أصحاب البدع والمنكرات!!

* السائل: هناك بعض القبائل التي تُناصر حزبًا للغالي، بحجة أن هذا الحزب لديه كوادر جيدة، وهو قادر على قيادة البلاد، وبحجج أخرى أنهم يُعادون «الإخوان المسلمين»، أي يقصد هذا الحزب الغالي، ما رأيكم في هذا العمل، وما هي نصيحتكم لهذه القبائل؟

* الشيخ السحيمي: الإسلام ليس فيه قاعدة «الغاية تبرر الوسيلة»، فإذا وجدنا أُناسًا يُعادون أناسًا بيننا وبينهم خلاف نواليهم لمجرد كونهم يُعادونهم؟ وإن اختلفنا نحن مع «الإخوان المسلمين»، فليست القضية في الليبرالية عداوتهم للإخوان المسلمين، أو عدم عداوتهم، وإلا فمعروف أن كثيرًا من الأحزاب التي تسمِّي نفسها إسلامية في النهاية تتحالف مع الليبرالية وغيرها، لكن ليس المنطلق هو عداوتك للإخوان أو غير الإخوان، المنطلق في بُعْدِك يا عبد الله عن الارتماء في أحضان الليبرالية والعلمانية، لا يجوز بحال من الأحوال، بِغَضِّ النظر عن الأسباب التي حملتك على ذلك، فكونهم يُعادون الإخوان أو يُصافون الإخوان؛ هذا لا يُقَدِّم ولا يُؤَخِّر، فالليبرالية والعلمانية طاغوت، لا علاقة لهم، لا علاقة لموقفنا من الإخوان، أو موقفهم من الإخوان، وإلا إنني أعرف أنه في نهاية المطاف قد يتحالفون هم مع الإخوان، كما حصل فيما يُسَمَّى بالربيع العربي، لكن مع هذا كله أقول: ليس المنطلق هو عداوتهم للإخوان أو غير الإخوان، المنطلق عداوتهم للإسلام، هذا هو المنطلق، فكون تلك القبائل تُفَضِّل وتُرَشِّح بعض الليبراليين والعلمانيين لكونهم يُعادون الإخوان المسلمين؛ هذا مبدأ غير صحيح، نحن لا نتفق مع الإخوان المسلمين، لكن المنطلق ليس كونهم يُعادون الليبرالية، بالعكس، نحن نُعادي الليبرالية أكثر منهم، نحن نُعادي الليبرالية والعلمانية والتفرْنُج والتغرُّب أكثر من الإخوان وغير الإخوان، ولذلك ليس هذا هو المنطلق، المنطلق: هو أن من أراد أن يقيم حكم الله: ابتداءً من العقيدة، ونشْر التوحيد، وتأسيس الدولة؛ عليهم البُعْد عن الفواحش والمعاصي ما ظهر منها وما بطن، وتحكيم شرع الله: قولًا وعملًا واعتقادًا، من يقوم بذلك؛ فنحن معه، ومن لم يقم بذلك -سواء ليبراليين وغيرهم -والليبراليين عداوتهم أشد.

فهذا الأمر لا يُبَرِّر لتلك القبائل أن تؤيد الليبراليين، بِغَضِّ النظر عما عندهم من كوادر، أو ما عندهم من أشخاص يقودون الدولة، فهم في النهاية سيقودون للارتماء في أحضان الغرب والإفرنج، هذه نهاية المطاف، لذلك أقول: احذروا، ومعلوم أن القبائل العربية في ليبيا وغير ليبيا، خصوصًا العربية وغير العربية، نعلم أن عندها شيء من الالتزام بالدين، فكثير منهم عنده -ولله الحمد- تديُّن وقُرب من الله .

⏪ فأقول: إياكم ثم إياكم أن تستسلموا لأولئك الليبراليين تحت أي ذريعة، وتحت أي مطلب، وتحت أي هدف، حتى لو كان بينك معاداة وبين بعض الأحزاب الإسلامية؛ لا يبرر لك أن ترتمي في أحضان الليبراليين أو العلمانيين، إنما قُلْ للجميع: من دعا إلى التوحيد، وأسَّس دولته على التوحيد، وإقامة شرع الله؛ فنحن معه قلبًا وقالبًا، وأهلًا وسهلًا به، ومن لم يَحْكُم على هذا المبدأ؛ فتبًّا له ولسائر من يتحالفوا.

قلتُ: هذا جواب سديد من الشيخ -جزاه الله خيرًا- وفيه ردٌّ على طريقة الغلاة الذين يناصرون الليبراليين والعلمانيين ونحوهم على السلفيين، الذين يرميهم الغلاة -زورا وبهتانا- بأنهم من «الإخوان المسلمين» فالشيخ هنا أصاب الصواب بالتحذير من الليبرالية والعلمانية وإن عادَوْا الإخوان حقا؛ فكيف بمن ليس من جماعة «الإخوان» أصلا، لكن يتعاون معهم فيما وافق الحق بحسب نظرة علماء السنة، ويناصحهم فيما جانبوا فيه الصواب؟!

8- تعليق الشيخ -حفظه الله- على قاعدة: (من لم يُبَدِّع المبتدعَ؛ فهو مبتدع) والتفصيل في ذلك.

⏪ يقول الشيخ صالح السحيمي -حفظه الله-: «هذه القاعدة من لم يبدع المبتدع؛ فهو مبتدع -بهذا الإطلاق- قاعدة فاسدة، ليست صحيحة، وإنما لا بد لها من عدة قيود.

فإذا توافرت تلك القيود، فعندها نقول: من لم يُبَدِّع المبتدع؛ فهو مبتدع.

القيد الأول: أن يكون هذا الأمر الذي بُدِّع به الشخص أمرًا بدعيًّا بالفعل، لم يدل عليه دليل، لا من كتاب الله ولا من سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ بل هو أمر مخترع في الدين، كبِدَعِ التصوف، وبِدَعِ التأويل، وبِدَعِ التحريف والتعطيل، وبدعة الجهمية والمعطلة، والمعتزلة، والأشعرية، والماتريدية، وما إلى ذلك من البدع التي حَدَثَتْ في الدين.

وضابط البدعة … تستطيع أن تقول: كل ما أُحْدِث في الدين على أنه دِينٌ يُتَقَرب به إلى الله؛ فهو بدعة.

وقد عرفها الإمام الشاطبي بقوله: «البدعة: هي طريقة مخترعة في الدين، تُضَاهي الشرعية، ويُقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى».

فما انطبق عليه هذا التعريف؛ فهو بدعة.

إذًا لا بد أن نعلم القيد الأول، لا نطبق هذا الأمر حتى نعلم أن هذا الأمر الذي اتصف به الشخص أمر بدعي، لم يأت عليه دليل لا من كتاب ولا من سنّة، ولم يثبت عن أحد من سلف الأمة.

القيد الثاني: أن تنطبق هذه البدعة على ذلكم الشخص الذي وُصِفَ بأنه مبتدع، يعني أن يكون معروفًا بمقارفة وممارسة هذه البدعة.

القيد الثالث: أن لا يكون لديه عذر، كجهل أو إكراه، أو نحو ذلك.

القيد الرابع: أن تكون البدعة دَيْدَنًا له.

أما من وقع في شيء من الأخطاء اليسيرة؛ فلا يبدَّع بإطلاق، وإنما يكون عمله هذا بدعة، ونحن ما عرفنا أحدًا بدَّع العلماء الذين صدرت منهم بعض المخالفات مثل النووي وابن حجر، ما عرفنا من يبدعهم بإطلاق، وعندهم طوام في هذا الباب؛ بل لو طبقنا هذه القاعدة؛ ما سَلِمَ حتى بعض التابعين، مثل قتادة وغيره -رحمهم الله.-

لكن كما قلت: لابد من هذه الضوابط: أن يكون وَصَلَ إلى الحد الذي يُبَدَّع فيه، كأن يكون داعية إلى تلك البدعة، وأن يكون منهجه منهج المبتدعة.

أما من وقع في زلة أو خطأ أو نحو ذلك، فيقال: إن هذا العمل بدعة، لكن لا يوصف الشخص بشكل عام بأنه مبتدع.

القيد الخامس: أن يكون الذي يراد أن تُطَبَّق عليه([258]) هذه القاعدة: «من لم يبدع المبتدع؛ فهو مبتدع» وأن يكون عالمًا بأن هذا العمل بدعة، وأن ذلك المبتدع تنطبق عليه القيود السابقة.

أما أن تأتي إلى شخص، فتمتحنه بصاحب بدعة، وهو لا يعرفه، أو لا يعرف بأن هذا الأمر بدعة.

وتقول: ما موقفك من فلان مثلًا؟ فإن بدَّعه ووافقك؛ فهو سُنِّيٌّ عندك، وإن لم يُبَدِّعْه -وإن كان لا يعرفه، ولم يعرف مقولاته، وربما كان جاهلا بذلك-؛ فأنت توقعه فيها؛ فعندها لا تُبَدِّعْهُ!!

لا تمتحن الناس بالأشخاص؛ فإن بعض الناس لا يعرفون بعض الأشخاص، فلو أن شخصًا لا يعرف مثلًا عقيدة الجهمية أو المعتزلة، ولم يصدر عنه شيء في ذلك، ونحن نعلم الردود الكثيرة من علماء السنة على تلك الفئات، لكنْ شخصٌ على فطرته أو أَسْلَمَ لِتَوِّهِ([259])، فهل يجوز أن تمتحنه بهؤلاء؟

الجواب: لا، [ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ] {البقرة:286}.

وهذا لا يدري، بل إنك ربما تشوش على الآخرين؛ عندما تكون في مكان لا رواج فيه لتلك البدع، والناس على فِطَرِهم.

عَلِّمْهُم الدين الصحيح المستمد من الكتاب والسنة، ولا تُدْخِلْهم في تلك المتاهات؛ فإنك بهذا قد تضرهم، وقد توقعهم في الحيرة، فإذا تمكنوا وعرفوا منهج السلف؛ عند ذلك بيّن لهم أحوال أولئك المبتدعة.

والضابط السادس: أن لا يترتب على ذلك فتنة وخَطر على المسلمين؛ فإن تأخير بعض الأمور قد يجوز لمصلحة معينة، تُراعَى فيها المصالح والمفاسد.

* وأُنَبِّه -حتى لا يُفْهَم عني خطأ- على مسألة:

أنا لا أعني أن توازِنَ إذا أردت أن ترد على مبتدع: لا بد من الموازنات بين حسناته وسيئاته، أبدا هذا منهج فاسد، لم يَقُلْ به أحد إلا الحزبيون الضالون([260])، لكن أقول: إذا كان يترتب على إزالة المنكر منكر أكبر منه؛ فإنه يُجتهد في الإزالة بالطرق الأخرى، ولذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يغير هيئة الكعبة، مع أنها بُنيت على غير قواعد إبراهيم؛ بل قال -صلى الله عليه وسلم- لعائشة، أُمِّنا أُمِّ المؤمنين -رضي الله عنها وأرضاها، ولعن الله من أبغضها وقلاها- قال -عليه الصلاة والسلام-: «لولا أن قومك حدثاء عهد بكُفْر؛ لهدمت الكعبة، ولبنيتُها على قواعد إبراهيم».

فلا تمتحن الناس بمثل هذه القاعدة بغير هذه الضوابط، فإذا توافرت هذه الضوابط، ورأيناه يذوب مع أهل البدع، ويدافع عنهم بعد علمه بخطورتها وبحكمها الشرعي؛ عند ذلك يُبَدَّع ولا كرامة.

قال -حفظه الله- وهذا شرط سابع: وهو أن تكون قد بَذَلْتَ له النصح والتوجيه؛ حتى لا يبقى للنصح مجال، ويُصِرَّ على مماثلة أهل البدع، ومصانعتهم، والدفاع عنهم بعد علمه، وإقامة الحجة عليه، ومواصلة نصحه، فإذا أَصَرَّ على ذلك، بعد هذا كله؛ نقول: إنه مبتدع؛ لأنه لم يبدّع أصحاب البدعة.

أرجو أن تُستوعب هذه الضوابط استيعابًا جيدًا، وأن لا تُؤَوَّلَ أو تُصْرَفَ عن المقصود منها». اهـ.

قلتُ: فهذه الضوابط التي ذكرها الشيخ -حفظه الله- حق لا مِرية فيه، وجزاه الله خيرًا على هذا البيان الناصع، وهذا عين مواقفنا وكلامنا منذ بداية التصدي للغلاة -وقد كان الشيخ صالح في ذلك الوقت معهم بقوة – لكن أين الغلاة منها مجتمعةً؟ بل أين هم من قَيْدٍ واحد منها؟ فالحمد لله الذي نصر الحق وأظهره وأيَّده، ونسأله المزيد من صفاء البصيرة والثبات على الحق!!

9- الشيخ -حفظه الله- يُبَيِّن الفرق بين المبتدع وبين من وقع في البدع:

* يقول السائل: كيف نُفَرِّق بين كلام ابن حجر، وأننا نأخذ بكتبه ولا نأخذ بكتب غيره، وما الفرق بين ابن حجر وغيره؟ وماذا نفعل -الفعل الصحيح- تجاه ابن حجر – تعالى- وغيره؟

* الشيخ: نعم، أنا عندما تكلمت عن «فتح الباري» وكُتُبِ ابن حجر لا أعني الاقتصار عليها، فـ«فتح الباري» لاشك أن فيه بعض التأويلات اليسيرة، التي لا يُوَافَقُ عليها ابن حجر وهو ليس أشعريًّا من كل وجه، بل يمكن أن نقول: عنده بعض أشعرية، وعنده بعض تأويلات، وقد نبَّه عليها أهل العلم، مثل شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز -حفظه الله- وعَلَّق على الجزأين الأوَّلَيْن، ونسأل الله أن يوفقه للتعليق على بقية الأجزاء، والعلماء قديمًا وحديثًا بيَّنُوا أن في «الفتح» مسائل قليلة جدًّا، إذا ما قورنت بما أجاد فيه من خدمة السنة والدفاع عنها، وكذا النووي في شرحه لـ«صحيح مسلم» عنده بعض تأويلات، بل أكثر من ابن حجر، وموقفنا: هو أن نقرأ هذه الكتب، ونفيد ونستفيد منها في العلوم النافعة، ونَحْذَر مما فيها من تأويلات، والفرق بينه وبين غيره، يعني لعَلَّ السائل يريد: ما الفرق بينه وبين غيره ممن يمكن أن يُوصف بأنه مبتدع.

المبتدعة على قسمين: قسمٌ أسَّسُوا منهجهم على البدعة -جملة وتفصيلًا- كالفِرَق الكثيرة، مثل: الجهمية، والمعتزلة، والرافضة، والباطنية، مع أن بعضهم قد يصل إلى حدِّ الكفر، كالرافضة، والباطنية، والكرَّامية([261])، وكثير من الجماعات التي ظهرت في هذا العصر أيضًا، التي تدعو إلى التقريب بين جميع الفِرَق، أو بين جميع الأديان، فهذه لا تقِلُّ أيضًا خطورة عن تلك، فهذا الذي يمكن أن يُسَمَّى مبتدعًا، وجماعته جماعة بدعيَّة، وفرقته فرقة بدعيَّة.

وأما مَن وقع في بعض البدع دون أن تكون منهجًا له، دون أن تكون ديدنًا له، مثل بعض الأخطاء والزلات عند ابن حجر والنووي وغيرهما مثل: ابن الجوزي، وابن عقيل، والخطابي، وأبي يعلى، كلهم وقعوا في هذه الأمور، يعني تحت تأثير بعض سيوفهم -غفر الله لنا ولهم- ولكن يُحَذَّر ويُنَبَّه على ما وقعوا فيه من أخطاء، ويُستفاد من كتبهم التي نفع الله بها على مر العصور والأزمان.

فهذا إذا كان السائل يعني الفرق بين ابن حجر وبين غيره ممن وقعوا في بعض البدع؛ فنفرِّق بين من أَسَّسَ منهجه على بدعة -جملة وتفصيلًا- وبين من وقع في البدعة عَرَضًا، أو بسبب تأثيرات بعض السيوف فقط([262]).

أما إذا كان يقصد: لماذا مَثَّلْتُ بابن حجر دون غيره من العلماء؛ أقول: فعلتُ ذلك؛ لأن ثَمَّةَ طائفة مبتدعة ظهرت قبل نحو أربع سنوات، اختارت لها منهجًا معيَّنًا، واسمحوا لي أن أصرِّح باسم تلك الطائفة «طائفة الحداديين» أبناء رجل يُقال له: محمود الحداد، عمل هنا في الرياض مأمور كمبيوتر لمدة ثمان سنوات، وكان يُجاور شيخنا الشيخ حمود السويدي -رحمة الله عليه- ولم يستفد من علمه يومًا ما ولا كلمة، وعنده المشايخ والعلماء وكبار العلماء في الرياض، حتى لقد سألناه أوَّل ما جاءنا في المدينة قبل نحو خمس سنوات، ورأينا منه وحشة تجاه العلماء، سألناه، قلنا له: يا محمود، أنت سَكَنْتَ في الرياض هذه المدة الطويلة، وبينك وبين الشيخ حمود -رحمة الله عليه- قرابة عشرين مترا، فهل طَرَقْتَ باب الشيخ يومًا من الأيام، واستفدت منه؟ قال: لا، فهل درست على الشيخ ابن باز، قال: لا، فهل على الشيخ الفوزان، أو الشيخ الغديان، أو الشيخ صالح اللحيدان، يعني عرضنا عليه مشايخنا، قال: أبدا، ما دَرَسْتُ على شيخ قط، قلنا: لماذا يا رجل؟ قال: لا أريد أن أضيع وقتي، ما شاء الله، ثم تحصَّل على المخطوطات وبعض الكتب، وبدأ يخرجها باسمه واسم أم عبد الله، واختلق منهجًا جديدًا في التبديع… لم يُسبق إليه، حتى إنه يقول في بعض أشرطته وبعض كتبه، يعني: لعل الله يوفق إخواننا أهل السنة مثل فلان وفلان، وسمَّى اثنين من تلاميذه فقط، وكأنه لا يوجد من أهل السنة إلا هو وتلاميذه وأم عبد الله، وهو يتجرأ في التبديع، يبدِّع دون رويَّة، ودون قاعدة، ويأخذ بعض أقوال السلف، ويضرب بعضها ببعض، ويأخذ أقوالًا للسلف حَمَلوها على الجهمية والمعتزلة، ويَحْمِلُها على بعض العلماء في هذه البلاد وفي غير هذه البلاد، ودائما من علامتهم هو وأتباعه: الهجران لكل من يخالفهم، والدعوة إلى المباهلة فورًا، بمجرد أن تختلف معه، ويرى أنك لَسْتَ من أتباعه ولا على منهجه؛ يقول لك: هيا إلى المباهلة، حتى مُسْتَعِدٌّ يقولها لكثير من أهل العلم([263]).

قال: على كلٍّ -ولله الحمد- أرجو الله، تكون نِحْلَته بدأت تضمحل، وإن كان يوجد لها بقايا في بعض الأماكن، فهذه فتن، وقد كثرت الجماعات، وكثرت الفِرَق، ونسأل الله أن يجمع كلمة المسلمين على الحق، وعلى توحيد الله -تبارك وتعالى- وليس ذلك على الله بعزيز.

10- نصيحة الشيخ -حفظه الله- لمن يقع في أعراض العلماء والدعاة السلفيين:

أحسن الله لنا ولكم في الدنيا والآخرة، وغفر الله لنا ولكم وللسامعين والمسلمين أجمعين، يقول السائل الكريم: جئتُ للعمرة من أندونيسيا -والحمد لله- وفقني الله للجلوس معكم في هذا المجلس المبارك، وسؤالي: بعض الشباب عندنا، الذين ينتسبون إلى العلم يتكلمون في بعض المشائخ، خاصة الشيخ فلان وفلان، ما نصيحتكم فيهم.

* الشيخ: نصيحتي أن يطلبوا العلم، وأن يتركوا بُنَيَّات الطريق، أيًّا كان المشايخ المتكلَّم عليهم، فعليهم أن يلزموا الطريق، وأن يشتغلوا بالعلم، وأن يشتغلوا بالعبادة، وتَذَكَّر يا عبد الله، وقُلْ لهم: أن يتذكَّروا الجنة والنار، والثواب والعقاب، ويتذكروا قول الله -تبارك وتعالى-: [ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ] {ق:18}، وقول الله -سبحانه وتعالى-: [ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ] {الإسراء:36}، وقول الله -تبارك وتعالى-: [ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {الأحزاب:70}، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ؛ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن المرء ليتكلم بالكلمة لا يُلْقِي لها بالا؛ تَهْوِي به في جهنم سبعين خريفا» وقوله -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ -رضي الله عنه-: «أَمْسِكْ عليك هذا» قال: أَوَنحن مؤاخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟ قال: «ثَكَلَتْكَ أُمُّكَ يا معاذ، وهل يَكُبُّ الناسَ على وجوههم إلا حصائدُ ألسنتهم» وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من يَضْمَنُ لي ما بين لحييه وما بين رجليه؛ أَضْمَنْ له الجنة» فإياك أن تدخل في هذه الفتنة التي وقع فيها كثير من الناس، الذين لا يرقبون في مؤمن إلًّا ولا ذمَّة، والذين يَلَغُون في أعراض العلماء الربَّانيين، ومنهم من شابَتْ ناصيته وهو يدعو إلى الله على بصيرة، فانتبه يا عبد الله، إلى أمثال هؤلاء، وأَبْعِدْ عنهم، واطلب العلم، واشتغل بما ينفعك في أمر دينك ودنياك، وأَبْلِغْهُم مني السلام، وقل لهم: عليهم أن يتقوا الله -تبارك وتعالى-، فكم من خير حَرَمُوا منه كثيرًا من الناس، وكم من دورة علمية أُجْهِضت بسبب ولوغهم في أعراض إخوانهم، وكم من عِرْضٍ أَكَلُوه، وكم من بريء تكلموا فيه، وكم من شخص آذَوْه، وعند الله تجتمع الخصوم، فانتبه لهذا يا عبد الله، واترك ما يدور في الساحة من الهراء، ولاسيما بعض المناطحات والمطاحنات التي تحصل بين الإخوة السلفيين؛ فإن العصمة للرسل -عليهم الصلاة والسلام- وإياك أن تخوض فيها، وسبق أن بيَّنَّا ضوابط للمخطئ كيف نتعامل معه، وحتى من أخطأ منهم، وقد سمعتم الآن الخطأ الذي وقع فيه بعض الصحابة، كلمات عظيمة جدًّا جدًّا، خطيرة، لو كانت في أيامنا هذه؛ لطار بها المتسرعون في كل مكان، وحذَّروا من إخوانهم، وآذوهم بسبب هذه الكلمات، وهذه الكلمة أعظم مما قد يُنسب إلى بعض الإخوة الذين يُحَذَّروا منهم؛ فعلينا أن ننتبه.

ووالله، في قصة عائشة لنا عبرة، عبرة لمن اعتبر، وفيها دروس عظيمة للمؤمن المتجرد من الهوى، ومن التعَصُّب، ومن حبِّ النَّفْس، ومن حبِّ الذات، ومن مرض الانتقام، ومن مرض الإسقاط، انتبه يا عبد الله، انتبه، لا تَخُضْ في ذلك، وابْتَعِدْ عن الذين لا تُحْيى مجالسهم إلا بالولوغ في أعراض إخوانهم المشايخ أو طلاب العلم، بعضهم ما سَلِمَ منهم حتى كبار المشايخ، وقد سمعت أحدهم يغمز شيخنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين، وشيخنا الشيخ عبد المحسن العباد البدر، في مواقعه الخطيرة، يقول: إنهم لا يعرفون المنهج الحق، يعني يُسأل عن المنهج غيرهم([264])، ومن الذي يَعْرِفُ المنهج إن لم يَعْرِفْ هؤلاء المنهج؟! فالأمر جِدُّ خطير، احفظ لسانك قبل أن يكون يوم ما فيه درهم ولا دينار، قبل أن تكون من المفلسين، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟» قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ، وَلَا مَتَاعَ، قَالَ: «الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَنْ يَأْتِي بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُقْعَدُ، فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ، قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ؛ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» فإياكم ونَقَلَةَ الأخبار المتسرعين، وإياكم أن تصدِّقوا من يَفْتِنون بين طلبة العلم بدعوى أنهم ثقات، وإياكم أن تَلَغُوا في أعراض المسلمين، ولاسيما العلماء، يقول الله : [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ] {الحجرات:12}، فإذا أردت أن تتكلم بكلمة في أخيك؛ فَتَذَكَّر الموت، تَذَكَّر الجنة، تَذَكَّر النار، تَذَكَّر الحساب، تَذَكَّر العقاب، تَذَكَّر الصراط، تَذَكَّر العبور على الصراط، الذي تَكْتَنِفُه كلاليب عن اليمين وعن الشمال، تختطف المجرمين، وتوقعهم في النار، تَذَكَّر أنك مسؤول عن كل كلمة تنطق بها أو تقولها، تَذَكَّر أن لحوم العلماء مسمومة، وأن سنة الله في مُنْتَقِصِهم معلومة، البعض من الناس في البلاد التي فيها أقليات مثل أوروبا وأمريكا لا همَّ لهم إلا الولوغ في أعراض طلبة العلم، ويُصنِّفونهم كما يشاءون، ويصفونهم بأوصاف غير صحيحة، بل ويلزمونهم بإلزامات غير صحيحة، ويترتب على هذا من الفتن ما الله به عليم، وقد يكون الذي تولَّى كِبَرَ ذلك كلمة قالها شخص، فانتشرت كانتشار النار في الهشيم؛ فاحذر يا عبد الله، احذر من هذا الأمر، واعلم أن لديك مَلَكَيْن عن اليمين وعن الشمال يكتبان ما تقول من خير أو شر، والله يعلم ذلك، لكن كل هذا لإقامة الحجة على بني آدم، فاتق الله، وصُنْ لسانك.

* وللتنبيه أقول: لا يَفْهَم أحد مني بناءً على هذا النُّصح من الولوغ في أعراض طلبة العلم والعلماء والمشايخ؛ لأن أحيانًا الكلام قد يُؤَوَّل، وقد يُحْمَل على غير مراد صاحبه -والعياذ بالله- لا يَفْهَم أحد مني أنني أنهى عن الردّ على المبتدعة الذين أُصِّلُوا في البدعة، والذين نشأوا في البدعة، والذين ضاعوا بين الأحزاب والجماعات المختلفة المتناحرة، الذين هم [ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ] {المؤمنون:53} لا والله يا عبد الله، لا أقصد هؤلاء، بل هؤلاء يجب الرد عليهم بـ قال الله وقال رسوله وبكلام السلف الصالح، ودَمْغ أباطيلهم بالحجج القاطعة من كتاب الله -تبارك وتعالى- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- مع البُعد عن التفحش في القول والسب والشتم، إذا كنا نُهينا عن سَبِّ المشركين إذا خُشِي من ذلك أن يُسب الله ورسوله؛ فكيف بِسَبِّ من وقع من المسلمين في بعض المخالفات، نعم نَرُدُّ عليه، الرَّدُ يجب، ولكن قبل الرد النصيحةُ؛ لأن الهدف هو إعادة الناس إلى الجادة، وإلى الحق، وإلى الصواب، ليس الهدف الإسقاط، الهدف إعادة الناس إلى الصراط المستقيم، فإن أَصَرَّ على مخالفته، وإن أَصَرَّ على بدعته، وعلى الاستمرار مع أهل البدع؛ فيجب الردّ عليه بالردود الشرعية المَبْنِيَّة على كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- لكن يا عبد الله، احْذَرْ من البتر -بتر الكلام- واحْذَرْ من الإلزام، ونحن شُفْنا فلان يمشي مع فلان، إذًا هو مبتدع، الرسول كان يزور القبائل الكافرة المشركة، فلان رأيناه يماشي فلانا، فلان رأيناه قد زار فلان، وقد تكون الزيارة لأمر أعظم مما تتصور أنت، انتبه، إذا كان يماشيهم، ويشاركهم في طقوسهم، ويذُبُّ عنهم، ويُكَثِّر سوادهم؛ لا والله، يُرَدّ عليه ولا كرامة، لكن إياك أنت أن تلزم أخاك بما لا يَلْزَمُه، وإياك أن تَبْتر كلامَهُ، وإياك أن تقوِّله ما لم يَقُلْ، إياك أن تفتري عليه، إياك أن تصدِّق المذاييع البُزُر([265])، إياك أن تصدِّق سَرَعَان الناس، عليك بالتثبُّت، [ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ] {الحجرات:6}، [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ] {النساء:94}، تبتغون الشهرة، خالِفْ تُعْرَفْ، إذا كنت تجد أي مَحْمَلٍ تَحْمِلُ عليه كلام أخيك؛ فاحْمِلْهُ عليه، كما قال عمر
-رضي الله عنه-، عليك أن تلتمس لأخيك عُذرا، ما دُمْتَ تجد لكلامه محملا، فاتقوا الله -تبارك وتعالى- واحفظوا ألسنتكم من الولوغ في أعراض المسلمين، واحذروا من الوقوع في أعراض طلبة العلم والعلماء الربانيين، الذين يَنْفُون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، احْفَظْ لسانك، إنما المرء بأَصْغَرَيْه: قَلْبِهِ، ولسانِهِ، طَهِّر قلبك للمؤمنين، واحْفَظْ لسانك من الولوغ في أعراضهم، واجعل تقوى الله نُصْبَ عينيك، إذا أردت أن تتكلم بكلام، أو طُلِب منك أن تتكلم بكلام، أو قال لك أحد كلاما في إخوانك المسلمين، ولاسيما طلبة العلم والعلماء الربانيين، وأرجو من الإخوة أن ينشروا هذا السؤال وجوابه، بصيغته التي تكلَّمْتُ بها، بدون زيادة أو نقصان، السؤال مع كامل الجواب، أرجو أن يُنْشر ذلك عاجلًا غير آجل؛ لنصيحة إخواننا وأبنائنا وشبابنا، الذين ابْتُلُوا بمثل هذه التسرُّعَات، وفَّق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم وبارك وأَنْعَم على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قلتُ: وهذا جواب سديد، ويدل على أن الشيخ -سلَّمَهُ اللهُ- قد ظهر له كثير من أعمال وأحوال وأقوال الغلاة السيئة، البعيدة عن منهج السلف، والمشوِّهة لنقائه وصفائه، فجزاه الله خيرًا.

لكن أنصح الشيخ -سلَّمَهُ اللهُ- أن لا يقع فيما وقع فيه الغلاةُ اليوم: وهو إنزال النصوص والآثار التي تحث على التآلف والتراحم وحسن الظن بين المسلمين على أصحابهم فقط، فهذه أحكام إسلامية للمسلمين جميعا، لا لبقايا الغلاة الذين يتناحرون فيما بينهم، فينصحهم الناصح بالصبر على بعضهم، وبحُسْن الظن فيما بينهم، ويُذكرهم بحقوق المسلم على المسلم… إلخ، وكأن هذه النصوص لا تتنزل عندهم إلا على من بقي من أصحابهم -بعد أن تركهم أكثر من كان معهم-والـمـَحَكُّ الذي يظهر فيه حقيقة من يُعِذِّر من الغُلُو: أن تسأله عن دعاة السنة الذين كشفوا زيغهم، هل يُتَعامَلُ معهم بهذه النصوص أيضًا؟ فإذا قالوا لك: لا، هؤلاء قد فرغنا منهم؛ فاعلم أنهم لا زالوا في غيِّهم وغلوهم يترددون، فسَلِ الله العافية!!

* «يقول السائل: ما توجيهُ فضيلتُكم لمَن اشتغلوا بالكلام في طُلاب العِلم والعُلماء، وتتَّبعوا زلَّاتِهم وأخطاءَهم دون الرُّجوع إلى كبار العُلماء؟

والسؤال الثاني -يشبهه، ندمجه في الأول- يقول السائل: ما توجيهُكم لمَن أخذ العِلم عن صغار طلبة العِلم -خاصَّة-، خاصَّة في النوازِل، وتصدَّر هؤلاء الطُّلاب للفتوى والخوضِ في مسائل النوازل؟

* الجواب: هذا ما أَشَرتُ أنا إليه في كلمتي، وأضيف أو أؤكد على ذلك بالقول:

على المسلمين عامَّة، وطلبة العِلم خاصَّة أن يتقوا الله -تبارَك وتَعالى-، وأن يَحْذَروا الوُلوغ في أعراض العُلماء وطلبةِ العِلم الذين هُم على المنهج الحقِّ، وأن يخافوا الله ، وأن يراقِبوه، وأن يَعلموا أنهم مُحاسَبون عن كلِّ كلمةٍ تَصْدُر منهم، وكما قلتُ: يجب أن يجعلوا نُصْبَ أعينهم قولَ الله : [ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ] {الإسراء:36}، وقولَ الله -تبارَك وتَعالى-: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ] {ق:16-18}، وقولَ النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «أَمْسِكْ عليكَ هذا» وأشار إلى لسانِ نفسه، وقولَه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «إن المرء ليتكلَّم بالكلمةِ لا يُلقي بها على بال، تقعُ بِه في جهنم سبعين خريفًا»، ونحو ذلك من الآيات والأحاديث التي تُخيف.

فإياك أن تُطلق لسانَك في العُلماء وطلبة العِلم الذين يسيرون على نَهجِهم، ولا تَسْمَعْ ولا تُصْغِ لكل مَن يأتيكم ولا همَّ له إلا الوُلوغ في أعراضِ أهل العِلم بِاسمِ النَّصيحة والدعوة، وهو أَبْعَدُ ما يكون عن ذلك؛ بل ما حلَّ في بلدٍ إلا وفرَّق شبابَه إلى قسمَين أو أكثر من ذلك!!

احْذَرُوا مِنْ مِثْلِ هذا، وتجنبوا بُنيات الطريق، واحرصوا على ما ينفعكم، واعلموا أنَّ (لحومَ العُلماء مسمومة، وسُنة الله في مُنتقصهم معلومة)، وعلى كل مسلم أن يعرف قدر نفسِه (رحم الله امرءًا عرف قَدر نفسه)، ولا يتجرَّأ في مثلِ هذه الأمر؛ لئلا تَزِلَّ قدمٌ بعد ثُبوتِها، وحتى لو وجد زلَّة عند بعض أهل العِلم أو خطأ؛ أن يرجعَ فيه إلى العُلماء الكبار الرَّاسخين في العلم، فيسألَهم بتجرُّد، لا يشوِّه، ولا يزيد وينقص، لا يطرح مسألة ثم يُنزِّلها على فلان وعِلان من المشايخ.

لأن البعضَ من الجُهَّال -الآن- مِن المُتعالِمين دَأَبُوا على طريقة: يَصُوغ سؤالًا، ويَطْرَحُه على أحد المشايخ الكبار، وهو يقصدُ به سوءًا، مقصده سيئٌ من البداية، ثم يَعْمِدُ ويُنزِّله في هذه المواقعِ الهَزيلة، التي مُلئت بالغثاء، وبالكلام الفارغ، وبقلة الحياء، وينزِّله على فلان، أو على الشَّيخ فلان، أو على طالب العِلم فلان -مِمَّن هو فوق فلان هذا الذي أفتاه، أو أذِن له، أو سهَّل له الوُلوغَ في عِرض هذا العالِم أو هذا الشيخ، أو طالب العِلم الفُلاني-.

هذه أمورٌ خطيرة جدًّا!

حتى بلغنا أنه عندكم: دعا بعضُ الناس إلى إحراق كتبِ بعضِ أهل العِلم الفُضلاء، الذين تسنَّموا مناصبَ عاليةً في العِلم والتعلُّم والفِقه في دِين الله ، هذا -إن سمعتم له- هذا جهل!!

الذي يدعوكم إلى هذا؛ لا تَدْعُوه مرَّةً أخرى ليأتي عندكم، طالما أن همَّه الكلام في العُلماء الربَّانيين، وفي طلبة العِلم السائرين على نهجِهم.

فالقضيَّة ليست قضيَّة أن فلانًا يأتي ويتكلَّم ويجعجع الساعة والساعتَين! العلم: (قال الله.. قال رسوله)، أما الجعجعة والإلزامات الخطيرة التي بدأنا نراها من بعضِ المنتسِبين إلى العِلم؛ هذا أمر في غاية الخطورة؛ إما أن عنده إلزامات لا تَلزمُ ذلك المدَّعَى عليه، أو يكون في ذلك بترٌ لكلامِه، أو تحريفٌ لكلامه، أو تحميل لكلامِه ما لا يحتمل، أو إلزامُه بما لا يَلْزَم، أو تشبيهه ببعض المنحرِفين عن الجادة ببعض المبتدِعة، أو دخولًا في نيَّته، وظنًّا سيئًا به، أو نحو ذلك.

انتبهوا!

هناك مشايخ ابتُلوا بالوُلوغ في أعراضهم من قِبَل بعض المُتزبِّبِين، وبعض الجهلةِ والسفهاء، وقد يَتبعهم كثيرٌ من الرعاع؛ فيَضِلُّون بذلك، وتتفرق كلمتُهم، ويَأْثَمون في مشاركتهم هذا الجاهلَ أو هذا السَّفيهَ، من الولوغ في أعراض طلبة العلم، أو العُلماء الربَّانيِّين.

فلنحذر من هذا! منهج السَّلف واضح.

أنا لا أعني بهذا -حتى لا يفهم أحدٌ خطأ-؛ لا أعني أننا لا نرد على المبتدعة!

الرد على المبتدِعة متعيِّن؛ لكن: يقوم به أهلُه، أهلُ العلم، يقومُ به الرَّاسِخون في العلم، أمَّا أن يأتي أشخاص يُبدِّعون مشايخ وطلبةَ علمٍ يسيرون على نَهجِهم، بغير فقه وبغير علمٍ وبغير هدًى ولا كتاب منير؛ فهذه إحدى الكُبَر.

فَلْنَخَفِ الله ، ولْنَتَّقِ الله، ولْنَخْشَ الله فيما نقول، ولْنَضْبِطْ ألسنتَنا حتى لا نقعَ فيما وقع فيه أولئك، ولْنَجْتَهِد في جمعِ الكلمة، فإذا أخطأ أحدُنا نناصحُه -فيما بيننا وبينه-، ولا نُشْهِّر به.

فرقٌ بين أن يصدر خطأٌ أو أخطاء مِن شخصٍ على منهج أهل السُّنَّة، أو أن يقعَ في البدع ويتبنَّى البدع ويدعو إليها، ويتبنَّاها!

لكن أعود وأقول: الذي يقدِّر ذلك هم العُلماء.

نحن لسنا من دُعاة الموازنات الذين يقولون: قبل أن تَرُدَّ على المبتدع؛ عليكَ أن تمدحَه وتُثني عليه وتُبين حتى..؛ لا؛ ليس هذا هو المراد([266]).

وإنما المراد: أننا لا نتكلَّم بغير علم، ولا نسمعُ ولا نُصْغي لأولئك المُتسرِّعين الذين يُصْدِرون أحكامًا جائرةً على بعض المشايخ وعلى طلبة العلم؛ فإنَّ ذلك مِن أسوأِ ما يكون، وهذا سيؤدي بالتَّالي إلى فُرقة -أيضًا- بينكم، تتحوَّلون إلى شِيَعٍ وأحزاب، وهذا لا نريده لهذه النَّبتة التي بَدَأَتْ تُؤْتِي أكلَها -إن شاء الله- في هذا البلد الطيِّب.

فلننتبِه لهذا! ولنحذر مِن مثل هذه التسرُّعات!

والذي يريدُ أن يتكلم في هذه المتاهات؛ نقول: يا أخي! عندك عِلْمٌ تزوِّدنا به؛ فأهلًا وسهلًا.

أما إن كنتَ ستأتي لتفرِّق أهل السُّنَّة والسَّلفيِّين فيما بينهم، وتزرع الشِّقاق؛ ارجع مِن حيثُ أتيتَ!». اهـ

11 – وقال -أيضًا-حفظه الله-موجِّهًا طلبة العلم إلى عدم التسرُّع في الحكم على الآخرين: «وإياك والتسرُّعَ في الأحكام على الآخرين! وإياك أن تتسرع بمجرد أن تجدَ خطأ على أخيك!

البعض من الناس يتسرعون في الحكم على إخوانِهم، وهم أصحاب منهجٍ واحد! فيُلزِمون بما لا يلزَم، ويَضعون النصوص في غير موضِعها، ويستدلون بالنصوص على غير ما تدلُّ عليه، ويُحَمِّلون أقوال إخوانهم ما لا تَحْتَمِل، وعنده من التعالم والاستعلاء والغِلظة في القول -وما إلى ذلك-؛ ما لا يُمكن تصوره؛ فإيَّاكم وهذا المسلك!

[ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ] {النحل:125}.

وأُحَذِّركم مِن لَيِّ أعناق أقوالِ العلماء، وحملِها على ما لم يريدوا الحمْل عليه.

يأتي أحدُهم إلى عالِم فاضل، وشيخٍ جليل، ثم يطرح مسألةً علمية -في ظاهرها-، ويقولون: يا شيخ! ما رأيكم فيمن يقول كذا وكذا؟ والشيخ -وفقه اللهُ- يجيب إجابةً مُسددة وجميلة وقوية وفي مكانها، ثم يأتي عبر بعض المواقع، عبر بعض زبالات الإنترنت؛ فيضع عنوانًا لهذا الجواب -ظلمًا وعدوانًا-: (سماحة الشيخ فلان يَرُدُّ على فلان)!! وقد يكون من يَزْعُم أنه يُرَدُّ عليه عالمًا من العلماء، أو طالب علم يسير على منهج العلماء.

فهذا في غاية الخطورة -أيضًا-، وهذا تحريف لِلكلِم عن مواضعه.

والمواقع تمتلئ بمثل هذا الغثاء الكثير، فاحذروا منه، احذروا منه كلَّ الحذر! احذروا منه كلَّ الحذر!

كل المواقع التي تسلك هذا المسلك؛ قاطِعوها، وابتعدوا عنها.

كل المواقع التي لا هَمَّ لها إلا النشر للصغار، صغار العقول، والخفافيش الذين شوَّهوا سُمعة طلبةِ العلم، وهم يُغِيرون مع هذا وهذا، على نحو المثل القائل -وهو مثل بدوي-: (فلان يَعْدُو مع الذئب، ويَصِيح مع الراعي)!!

كثير من الناس يسلكون هذا المسلك، وتجده مُتقلِّبًا لا قرار له، اليوم مع فلان، وغدًا مع فلان!

وإيَّاكم أن تُعلِّقوا الأحكامَ، أو أن تكون دعوتُكم متعلقةً بالذَّوات؛ فإنَّ هذا لونٌ من ألوانِ الحزبية المَقيتة، التي نُحذِّر منها، وقد نقع فيها مِن حيث لا ندري.

احذروا من ذلك، واسلكوا مَسلك السَّلف الصالح، سِيروا على نَهج مشايخنا في الدَّعوة إلى الله -جلَّ وعلَا-؛ مِن أمثال: الشيخ شيخنا ابن باز، وشيخنا العثيمين، وشيخنا الأمين، وشيخنا الألباني -يرحمهم الله-، وشيخنا الشيخ حماد، وشيخنا الشيخ عمر بن محمد فلاتة، وشيخنا الشيخ محمد أمان.. وغيرهم ممن انتقل إلى ربِّه -نسأل الله أن يرحمَه-.

وكذلك مشايخنا المعاصِرون: سماحة شيخنا المفتي الشيخ عبد العزيز ابن عبد الله آل الشيخ، وسماحة شيخنا الشيخ صالح الفوزان، وسماحة شيخنا الشيخ صالح اللحيدان، وسماحة شيخنا الشيخ عبد الله الغديان، ومعالي الشيخ صالح بن عبد الله -لعله يريد ابن عبد العزيز- آل الشيخ، وفضيلة شيخنا الشيخ عبد المحسن العباد البدر، وفضيلة شيخنا الشيخ علي ابن ناصر الفقيهي، وفضيلة شيخنا الشيخ ربيع بن هادي المدخلي([267])، وفضيلة شيخنا الشيخ زيد بن هادي المدخلي، وفضيلة شيخنا الشيخ النجمي – وغيرهم ممن لم أذكره -على سبيل الاختصار، وبحسب ما سمح به الوقت-.

أما نحن الصِّغار -أو بعضنا-؛ فإيَّاكم أن تجعلوهم -هُم- المرجعَ فيما تَصدرون عنه؛ إلا مَن سلك مَسلك هؤلاء العُلماء -الذين أشرتُ إليهم، أو ذكرتُ بعضهم-، مَن سلك مسلَكهم؛ نأخذ عنه، ومَن حاد عن سبيلهم؛ فلنبتعدْ عنه، ومَن أراد الشُّهرة بما ينشر مِن الإلزامات والتَّتبُّع، وتشويه سُمعة إخوانِه… وما إلى ذلك؛ فهذا أمرٌ في غاية الخطورة؛ فابتعدوا عنه.

وفَّق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح.

وصلَّى الله وسلَّم وبارَك على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه أجمعين اهـ.

ونَصَحَ – حفظه الله – بالتثبُّت مما قد يُنقل إليك من أخيك، وعدم التسرُّع في إصدار الأحكامِ عليه، وعدم الحُكم على الأشخاص إلا بعد التثبُّت، إلا أن ترى شيئًا مثل الشمس أو أشد وضوحًا؛ اشْتَدَّ على مثل هذا أو دَعْكَ.

والتثبُّت خصوصًا عند كثرة الشائعات -كما هو في هذا العصر- لا بد لطالب العِلم أن يتثبَّت عما يسمع، [ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ] {الحجرات:6}، ويقول النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «إيَّاكم والظنَّ؛ فإن الظنَّ أَكْذَبُ الحديث».

ولذلك من ألوان التثبت: أن تحمل أخاك على المَحمل الحسَن -متى ما وجدتَ إلى ذلك سبيلًا-, ثم إن وجدتَ خطأ صريحًا، أو مخالفةً؛ تنصحه، وتنبِّهه -انطلاقًا من محبَّة الخير له-، ويكون ذلك برحمةٍ، بشفقةٍ؛ كما قال الله عن نبيِّه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: [ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ] {آل عمران:159}.

ولذلك: فلا بُد من التثبُّت، وعدم الاستعجال في الحُكم على الأشياء؛ لأن بعض صغار طلبة العِلم أصبحوا يُفتون، حتى في بعض المشايخ الفضلاء، يُبدِّعون ويفسِّقون ويُضلِّلون -كما يشاؤون-، ويُصدرون أحكامًا جزافية -إما بناءً على فتوى شابٍّ لم ينضج في العلم، أو بناءً على فتاوى أخرى، لعلها حصلتْ من البعضِ نتيجةً لتهويل بعض الشباب لبعض القضايا-؛ فيسيئون إلى إخوة حريصين في العلم، ومشايخ أفاضل منهم مَن هو يُدرِّس في مسجد رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، ثم يأتي البعضُ لينالَ منه، أو يطلب عدم السَّماع له، أو لا تأخذوا العِلم عنه، وهذا الذي يُحذِّر ربما أنه لم يبلغ عُشر مِعشاره في العلم، أو ربما كان تلميذًا له يومًا مِن الأيام، لكنَّ هذا التلميذَ تزبَّب قبل أن يَتَحَصْرَمَ.

فانتبهوا لهذا؛ فإنه أمرٌ خطير، لا سيما أنتم الآن -ولله الحمد والمنة-، مَّن الله عليكم بالاجتماع والأُلفة، فلا تُمزِّقوا هذه الأُلفة بالظُّنون.

وهذا لا أعني به أن يظلَّ المسلم ذيلًا للمُبتدعة، أو أن ينضمَّ إليهم، أو أن يُمالئهم، أو أن يتعاونَ معهم؛ لكن أنا أقصد ذلكم الأسلوب الرخيص الذي يُنتهجُ هذه الأيام من بعض الأشخاصِ من أجل تشويه بعض المشايخ، وبعض العُلماء، وبعض الأفاضل، وبعض طلبة العِلم دون رويَّة، ودون تثبُّتٍ، ودون أي دليل يمكن أن ينهض لِما يدَّعون.

فلننتبِهْ لهذا، ولنكن على بصيرة من أمرنا قبل أن تتفرَّق الكلمة بسبب هذه التصرُّفات الهوجاءِ، والتي ربَّما تَسرَّع فيها البعض من التَّبديع والتفسيق والتكفير كما يَحْلُو له، وكما يُريد.

احذروا من هذا، وارجعوا إلى المشايخ والعُلماء الربَّانيِّين، الذين يَقْضُون بالحقِّ وبه يَعْدِلون، وإيَّاكم والتسرُّع، وإيَّاكم والعجلة، وإيَّاكم والأحكام الجُزافيَّة، وإياكم وتفرق الكلمة من أجل الاختلاف على بعض الأشخاص، أو من أجل فتاوى أشخاص صغار، أو أشباه الصِّغار في النيل من بعض العُلماء، أو في النيل من بعض المشايخ وطلبة العلم.

فانتبهوا لهذا!». اهـ

قلتُ: فهذا الحال الذي يصفه الشيخ -حفظه الله- بل يئنُّ منه ويئطُّ؛ نسأل الشيخ نفسه: هذا الحال موجود في طلبة مَنْ مِنَ المشايخ؟ أليسوا هم طلاب الشيخ ربيع ومقلِّديه، والذين يَصْدُرون عن فتاويه بالتبديع والهَجْر لكثير من مشاهير طلاب العلم من أهل السنة في العالم شرقا وغربا، والذين نفع الله بهم في المشارق والمغارب، وتخَرَّج على أيديهم الألوف المؤلفة من طلاب العلم، وحَفَظة القرآن والمتون، والقُراء المجازون بل والمجيزون، والخُطَباء، والوُعَّاظ، والعُبَّاد، والزُّهاد، والقائمون بالفتوى للعوام في العواصم والمدن والقرى والبوادي، والذين مَنَّ الله بمؤلفات في عدة جوانب، قد انتفع بها الكثير من طلاب علوم السنة في عموم البلاد؟!! فلابد من التصريح يا شيخ صالح بالحق؛ حتى لا يلتبس الأمر على طلاب العلم، ولابد من تحديد المصدر الحقيقي للفتن والتمزُّق في صفوف أهل السنة في كل البلاد، فلابد من وَضْع اليد على موضع الداء، لِيُعْرف ما هو الدواء، وإلا فالكلام كله تخيلات وأوهام، تنماع في سوق المجاملات أو الخوف من المواجهة مع من هو سليط اللسان، وكل واحد من الفِرَق المتناحرة يفسِّره حسب هواه!!

وإذا أراد الشيخ صالح -حفظه الله- أن يصفِّي نفسه من منهج الغلاة حقًّا؛ فليصرح بأسماء من يبدعهم الشيخ ربيع -من المشاهير والدعاة في العالم الإسلامي، ويأمر بهجرهم فردًا فردًا، من السابقين واللاحقين، وهل يوافقه على ذلك أم لا؟ وإذا كان يوافقه على تبديعهم وإخراجهم من دائرة أهل السنة؟ فهل جالس هؤلاء، وناصحهم، وأزال شبهاتهم أم لا؟ وهل عرف أنهم وقعوا في البدع الكبرى أم لا؟ وهل عرف أنهم من نشأتهم في هذه البدع، أم أنهم أهل سنة، لكن زلَّتْ أقدامهم في مواضع، إما عن جهل أو تأويل، أم لا؟… إلى غير ذلك من الضوابط التي ذكرها -حفظه الله- في التبديع قبل قليل، فهل سلك نفسُه المسلكَ الذي أصّلَه معهم، أم جامل الشيخ ربيعا في تبديعهم، أو أراد أن يدفع شرَّه عن نفسه؛ بوضع شره على غيره؟ وهل هذا يجوز منه أم لا؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي على ضوء الجواب منه عنها، يعلم الناس: هل ترك الشيخ صالح السحيمي -حفظه الله- منهج الغلاة حقا، وما لم يصرح بذلك، وإنما يبقى فقط على نصح الطلاب بالأخذ عن الشيخ فلان وفلان والشيخ ربيع، ويذم الغلو عموما، ثم كل طالب يفسِّره على فهمه؛ فهذا كله لا يعالج داءً، ولا يجْلب صفاءً ونقاءً!!!

فلا زال الحال أحد أمرين: إما أن يكون الشيخ صالح خائفًا من صَوْلة الشيخ ربيع ضدّه -وهو رجل سليط اللسان-، أو لازال الغبش والضبابية تحيط به، وإن كان على ما هو عليه الآن -ولله الحمد- أحسن حالًا بكثير عما كان قبل ذلك بسنوات، والله المستعان!!!

وكون الشيخ ربيع أحسن في جوانب؛ فلا يلزم من ذلك عدم بيان ما أساء فيه وإن كان حَسَن القَصْد في بعض المواضع، وقد صرحت كثيرا -مع ردودي الواضحة الجلية عليه- بأنه من أهل السنة، بل من جملة علماء السنة -بقدر ما عنده من العلم والنفع- مع كونه قال فيَّ ما قال!!، والله أعلم.

12- ولما استفحل الأمر، وشعر الشيخ بالخطر الحقيقي من هذا المنهج الدخيل على السلفية، أَلَّفَ رسالة حَذَّر فيها كثيرا من هذا المنهج الخسّاف، والمسلك المزري، والطريق الملتوي، وسماها (تنبيه ذوي الأفهام على رأب الصدع والوئام على منهج السلف الكرام) وقدم لها فضيلة الشيخ صالح الفوزان -حفظهما الله تعالى-…

وإليكم رابط الكتاب:

http://t.co/5KSnvrNuk8

ولكن غلاة التجريح والتبديع -كالعادة- انزعجوا كثيرا من هذه الرسالة، وطعنوا فيها، بل وبعضهم طعن في الشيخ السحيمي نفسه!! وهل بعد هذا كله لازال الشيخ صالح يقول: خذوا عن المشايخ الكبار -وذلك في مسائل الخلاف هذه- ومنهم الشيخ ربيع المدخلي؟ فمَن هم الذين حذَّروا من رسالته؟ هل حذَّر من رسالتك يا شيخ صالح الذين ظلمهم الشيخ ربيع وزبانيته وجلَّادوه؟ أم حذَّر منها هؤلاء الجلَّادون الخسَّافون؟

وما لم يصَرِّح الشيخ بجلاء عن موقفه من الأسماء والصفات والأعيان الذين شاع تبديع الشيخ ربيع لهم، وأَمْرُه بهجرهم؛ فإنه يُخشى عليه أن يكون ممن يريد أن يمسك العصا من الوسط، والمقام مقام وضوح وصراحة، وليس مقام غَمْغَمة ومداراة ومجاملة، ونذكّره بالمثل البدَوي الذي قاله قبل قليل، بل نحذِّره منه، وهو: «يَسْرَحُ مع الذئب، ويبكي مع الراعي»!!!، والله أعلم.

وإليكم رد الشيخ الفوزان -حفظه الله- على من طَعَن ويَطْعَن وحَذَّر ويُحَذِّر من رسالة الشيخ السحيمي -حفظهما الله-.

مع رابط آخر للكتاب.

http://www.alwaraqat.net/showthread.php?32162-%CA%E4%C8%ED%E5-%D0%E6%ED-%C7%E1%C3%DD%E5%C7%E3-%DA%E1%EC-%D1%C3%C8-%C7%E1%D5%CF%DA-%E6%C7%E1%E6%C6%C7%E3-%DA%E1%EC-%E3%E4%E5%CC-%C7%E1%D3%E1%DD-%C7%E1%DF%D1%C7%E3

وإليكم الآن بعض العناوين الرئيسية لرسالة الشيخ مع أرقام الصفحات:

1- وجوب التثبت والتريث، وعدم التسرع في إصدار الأحكام على الأشخاص 14

2- من الأحكام الجائرة في هذا المنهج الجديد 16

3- تتبع زلات العلماء بالإفراط أو التفريط 22

4- التعالم، وتصدُّر الأصاغر والمغمورين، وتقديس الأشخاص 28

5- الرجوع إلى العلماء الربانيين 34

6- البُعْد عن البغي والهوى، والتزام الإنصاف مع المخالف 43

7- مراعاة المصالح والمفاسد 46

8- فهم الكلام المنقول كما أراد قائله، والتثبت من صدق الناقل 49

9- عدم الاغترار بكثرة الأتباع 51

10- وجوب حُسْن الظن بأخيك المسلم 52

11- قَبول الحق ممن جاء به 53

12- وجوب توجيه طلاب العلم إلى الاشتغال بالعلم والتعلم 57

13- كلام بعض أفاضل المشايخ المعاصرين عن الضوابط التي تنهي الخلاف 58

14- الخطأ يُنكَر مطلقا، وأما الرد على المخطئ فيختلف باختلاف حاله 83

15- تقديم السلف للمصلحة الشرعية في هجر المبتدع 87

16- التنبيه على خطأ إنزال بعض أقوال السلف في أهل البدع على كلِّ مبتدع 88

قلتُ: وهذه العناوين -ولله الحمد- تمثِّل موقفي في التصدِّي لفتنة الشيخ ربيع -سلَّمَهُ اللهُ- وحزبه الغالي الجافي خلال أكثر من عشرين سنة، ومؤلفاتي في الرد على هذا الحزب وشيخه تدلُّ على ذلك، فمن هم الأوْلى بطريقة العلماء الكبار: أنا وإخواني، أو الشيخ ربيع ومقلدوه، والله المستعان؟!

j j j

(وبعد أن انتهيْتُ من ذكر أقوال عدد كبير من مشاهير العلماء المعاصرين، الذين أدركوا ظهور فتنة الغلاة في التبديع؛ فها أنذا أذكر كلام بعض كبار العلماء في هذا العصر، الذين ماتوا قبل ظهور هذه الفتنة، إلا أن في كلامهم وطريقتهم التي سلكوها ما يدل على أن منهجهم بخلاف منهج هؤلاء الغلاة).

j j j