أولاً: موقف سماحة الإمام الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
من منهج الغلاة في التعامل مع المخالف
موقف الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (رحمه الله) من منهج الغلاة في التعامل مع المخالف
لقد حَذَّر سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز من المنهج الذي سلكه الشيخ ربيع ومُقَلِّدوه في الغلو والإجحاف في التبديع والتجريح، وذلك في كثير من رسائله وفتاواه -وإن لم يُصَرِّح باسم فلان أو فلان في كثير من المواضع، والذي يَهُمُّنا هنا: هو بيانُ حُكْمه على الأقوال والأفعال المشهورة عنهم، وهي التي نخالفهم فيها، ولا يستطيع أحدهم أن ينكر صدور هذه الأفعال منهم ومن حزبهم-… وأن سماحته قد خالفهم في الحُكْم على كثير ممن جرّحوه من الدعاة والعلماء. وكل هذا ستعرفونه -إن شاء الله- من خلال عَرْض هذه المقالات والفتاوى التي أتيتكم بها -ولله الحمد والمنة- ففي بعضها ذِكْرٌ للشيخ ربيع، وفي بعضها تلميحات وإشارات لمنهج الشيخ ربيع الذي يسلكه مع مخالفيه هذه الأيام ولا يستطيع الشيخ ربيع وحزبه أن ينكروا أن هذه الأحوال التي يحذر منها سماحته وغيره من علماء الأمة أنها أحوالهم، وأنها صادرة عنهم!!
وإليكم بعضَ هذه النقولات:
1– فهذا خطاب سماحة الشيخ ابن باز إلى الشيخ فالح بن نافع الحربي ينهاه فيه عن الغلو في التحذير من جماعة التبليغ، والشيخ فالح على نَفْس منهج الشيخ ربيع -سلَّمَهُ اللهُ- في هذا وغيره، بل هو من كبار أتباعه، وإن كانا قد نثر كل منهما -فيما بعد- جرابَهُ المليءَ بالتجريح والسبّ للآخر، ونحن لا نفرح بهذا؛ لأن الشرَّ حيثما كان، وضد من كان لا نفرح به، طالما أنه مما يُغضب الله -جلَّ شأنه- ونعوذ بالله أن نفرح بما يُغْضِب الله تعالى، فَلَسْنا على طريقة الحزبيين أو العوام الجهلة، الذين لسان حالهم يقول: عَدُوُّ عَدُوِّي صَدِيقي!! لا سيما ونحن نلزم أنفسنا أن يكون خلافنا مع حزب الغلاة هؤلاء خلافًا عِلْمِيًّا، ننتصر فيه للحق، فلا نتبع في الردِّ أهواءنا، بل نراجع أنفسنا -بفضل الله تعالى- في كلِّ كلمة نقولها في الردِّ عليهم: هل لهم فيها مَخْرَجٌ شرعي أم لا؟ وأسأل الله العون والتوفيق في تحقيق ذلك عمليًّا، ولا أكون من المُتَشَبِّعين بما لم يُعْطَوْا!!!
وهذا خطاب سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز للشيخ فالح الحربي عن أهل الدعوة والتبليغ، بتاريخ: 12/8/1406هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم فضيلة الشيخ فالح بن نافع الحربي -أمدّه الله البصيرة، وشرح صدره لما يرضى رب العالمين- آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد.
فقد وصلني كتابك المؤرخ 26/2/1406هـ، وفهمتُ ما تضمّنه من النَّيْلِ من جماعة التبليغ، واستنكارك لما كتبتُ بشأنهم، وما كتبه قبلي شيخنا العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعودية في زمانه
-قدّس الله روحه، ونَوَّر ضريحه- من الثناء عليهم.
ولقد ساءني كثيرًا تنقُّصُك وحطُّك من قدره بقولك: «ابن إبراهيم»، وأن الأشخاص الذين أَشَرْتَ إليهم يخالفونه في الرأي فيهم.
ولقد عجبتُ مما ذكرتَ؛ فأين يقع علم هؤلاء ورأيهم من علم شيخنا، وبصيرته، وبُعد نظره، وسعة اطلاعه، وتأنّيه، وحكمته؟
ونحن بحمد الله على بصيرة من ديننا، ونوازن بين المصالح والمضار، ونُرجح ما تطمئن إليه قلوبنا، وقد تأكّدنا من أخبارهم ما يطمئننا إلى الوقوف بجانبهم، مع مناصحتهم فيما يحصل من بعضهم من النقص الذي هو من لوازم البشر كلهم إلا من شاء الله.
ولو أنّ إخواننا من المشايخ وطلبة العلم الذين أشرتَ إليهم خالطوهم وشاركوهم في الدعوة إلى الله، ووجّهوهم، وكَمَّلُوا ما يحصل منهم من النقص، وأرشدوهم فيما يخطئون فيه؛ لحَصَلَ بذلك خير كثير، ونَفْع عظيم للإسلام والمسلمين.
أما النُّفرة منهم، والتخلّي عنهم، والتحذير من مخالطتهم؛ فهذا غلط كبير، وضررُه أكبر من نفعه.
فاتَّهِم الرَّأْيَ يا أخي، واضْرَعْ إلى ربك أن يشرح صدرك لما هو الأحب إليه والأنفع لعباده، وأن يهديك لما اخْتُلِفَ فيه من الحق بإذنه، وأسأل الله أن يُرِيَنَا وإياكم الحَقَّ حقًا؛ ويَمُنّ علينا باتباعه، والباطل باطلًا؛ ويَمُنّ علينا باجتنابه، ولا يجعله ملتبْسًا علينا فَنَضِلَّ، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس العام
⏪ قلتُ: فهذا موقف سماحته من جماعة «التبليغ» -على ما عندها من مآخذ- بل هو موقف سماحة شيخه الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ والجماعة في الجملة أحسنت في بعض الجوانب: فكم من عِرْبيد أو سِكِّير أو كافر هداه الله على أيديهم، وتَحَسَّن حاله في الصلاة، وتَرَكَ شُرْب الخمر، أو دَخَلَ في الإسلام، وترك الدين الذي كان عليه، ولا يلزم من ذلك أن يَصِلَ إلى المستوى المطلوب تمامًا، وإلا هدمناه؛ لكن دخوله في الإسلام خير – وإن وقع في بدعة أخرى: كبرى أو صغرى-، فهو أخف شرًّا من البقاء على الكفر والموت عليه، وكما يقال: حنانَيْك بعض الشرّ أَهْوَن من بعض، وفي الحديث: «وإنما بُعثتم ميسِّرين، ولم تُبْعَثُوا معسِّرين»، و«الرفق ما خالط شيئًا إلا زانه، وما فارق شيئًا إلا شانه»!!
فهذا موقف هذين الإمامين؛ فهل هذا هو موقف الشيخ ربيع -سلَّمَهُ اللهُ- وحزبه حزب الغُلاة المسرفين في الأحكام في هذه الجماعة، بل في مشاهير علماء التوحيد والسنة الصافية في جميع الأقطار، الذين بينهم وبين هذه الجماعة خلافات كثيرة؟!
فكيف يَدَّعِي الغُلاة وشيخهم هذا أنهم يسيرون على منهج كبار أهل العلم في المسائل التي خالفناهم فيها -ومنها أحكامهم على من خالفهم- وإن كانوا في الأصل دعاةَ من أهل سنة؟!
وقد يجيب الغلاة هؤلاء عن استدلالي بكلام سماحته في التحذير من طريقتهم؛ بأن سماحته يقصد أهل السنة لا أهل البدعة!!
والجواب: كلام سماحته عن نفسه وعن سماحة شيخه إنما هو في جماعة «التبليغ»، فما هو حكمكم أنتم عليها؟!
وليس كلامه عامًّا أو مجملًا يحتاج منكم إلى تأويل وبيان، بل هو صريح لا يحتاج إلى تفسير وتوضيح، وقد سمَّى الجماعة باسمها، بل أشار إلى النقص الذي عندها، والنفع الذي تحقق بها، وأرشد إلى خروح الدعاة الذين يعرفون الحق معهم لنصحهم وتوجيههم، فهل أنتم ترون ما يرى هذان الإمامان؟ وما حكمكم عليهما، وقد بدَّعتم عشرات الدعاة الذين يرون خروح بعض الناس معهم؛ دفعا لأعظم المفسدتين بارتكاب أدناهما؟!
إن هذا الخطاب الموجَّه من سماحته لرأس من رؤوسكم -وإن اختلفتم معه بعد ذلك- قاصم لظهر هذا الحزب المسرف مهما حاول المغترون بهم التملُّص منه!!
فإن قالوا: الشيخ ربيع قد اختلف مؤخرا مع الشيخ فالح !!
فالجواب: هذا الخطاب كان في وقت اجتماعهما على هذا الانحراف، ولا زال الشيخ ربيع -سلَّمَهُ اللهُ- لم يُظْهِر تراجعه عما هو عليه من الأحكام التي قد تصل إلى التكفير -تصريحا أو تلميحًا- لهذه الجماعة، وكذلك لا زال على أحكامه التعسُّفية على كل من يخالفه -وإن كان في شيء يسير- في هذه الجماعة وغيرها!!
وفي النهاية: فلولا تغرير هذا الحزب -شيخه ومقلديه- على طلاب العلم وخداعهم إياهم ما احتجْت إلى ذكْر هذا الخطاب؛ لأن موقف سماحته من جماعة التبليغ وغيرها من كثير من الجماعات التي لا يخفى حالها على أحد ظاهر مشهور، وما بقي من صفحات الكتاب فيه ما يقطع دابر هذا الخداع والتغرير-إن شاء الله تعالى-.
(صورة للخطاب المذكور)
2- وها هو سماحة الشيخ ابن باز يُبَيِّن ضوابط نَقْد الجماعات الإسلامية بالرفق والحكمة -وهما شِبْهُ مَنْزُوعَيْن، بل منزوعان من حياة الغلاة مع مخالفيهم- أما التنابزُ بالألقاب؛ فإنه يَذُمُّ ذلك ويحَذِّر منه، وهو صنيع هذا الحزب وشيخه، ويرى سماحته أن الجميع في الأصل من العاملين في الدعوة أهلُ سنة، على تفاوتٍ بينهم يَكْثُر أو يَقِلّ، وأن منهج الغلاة -في الجملة- مِمَّا يُمَزِّقُ الصف، ويُفَرِّقُ الجماعة!! وهذا ظاهر من جوابه على سؤالٍ وُجِّه إلى سماحته :
السؤال:
نلاحظ أن هناك ظاهرة خطيرة، بدأَتْ تنتشر بين العلماء وطلاب العلم، وهي: الطعن في الجماعات الإسلامية المنتشرة في أقطار العالم الإسلامي، والتفريق بين مناهج الدعاة، فنجد هذا يوصَف بأنه ينتهج منهج الجماعة الفلانية، وهذا ينتهج منهج الأخرى، والجرح والتعديل والطعن مُسْتَعِرٌ في أوساط طلاب العلم، فما هو رأي فضيلتكم في هذه الظاهرة؟ ألا ترون أن لها تأثيرًا على الولاء والبراء، وتأثيرًا على وحدة المسلمين والدعوة المنشودة؟!
الجواب:
قد كتبنا في هذا غير مرة، وبَيَّنَا أن الواجب على طلبة العلم والدعاة إلى الله التعاون على البر والتقوى، بدلًا من الشتم والعيب والقدْح، فيكون التعاون على البر والتقوى والتناصح، حتى يزول ما هناك من انتقادات، وحتى يكْثُر الخير.
فـالإخوان المسلمون، وجماعة التبليغ، والجماعات الأخرى على اختلاف أسمائها، يجب أن يكون هدفها اتباع الشريعة، والتمسك بما جاء به المصطفى -عليه الصلاة والسلام-، وأن تبتعد عن كل أهداف سوى ذلك، وبهذا تتقارب القلوب، وتجتمع الجهود، ويقل النزاع، وتصفو القلوب.
أما الأهداف الأخرى فهي التي تفرق القلوب، وتفرق الجماعات: من أهداف سياسية، أو أهداف مالية، أو أهداف أخرى خلاف ما شرعه الله، فمن كان عنده نَقْدٌ لأي جماعة؛ فيَنْصَح لها، ويكْتُب لها ولرئيسها، ويوضح ما ينتقده عليها بالأدلة، بالرفق والحكمة، وهكذا تكون المناصحة، والحرص على جلب الخير ودرء الشر، وعلى تأليف القلوب، وعلى كثرة الخير وقلة الشر.
أما التنابز بالألقاب، وذَمُّ هذا وذَمُّ هذا؛ فهو يُمَزِّق الصف، ويُفَرِّق الجماعة، ويزيد الطين بِلَّةً، ويزيد الشر شرًّا.
فنصيحتي لجميع الجماعات المنتسبة إلى الإسلام، ونصيحتي للإخوان الذين قد يوالون هذه ويعادون الأخرى، أو يسبون الأخرى، أو يكرهون الأخرى: التناصح، وعدم إظهار الشناعة والسب الذي يفرق الناس، إلا إذا كان هناك جماعة معروفة بدعوتها إلى الباطل، وإنكارها الحق؛ فهذه تُنَابَذُ، ويُنبَّه عليها، ويُحذَّر منها، أما من كانت تدعو إلى الإسلام، وتريد الإسلام، وتنشر الإسلام، وقصدها تقريب الناس إلى الخير، وإبعادهم من الشر؛ فإن الواجب تشجيعها على ما عندها من الخير، وتنبيهها على ما عندها من الشر، وتحذيرها منه، حتى يَكْثُر الخير، ويَقِلَّ الشر». اهـ([1])
⏪ قلتُ: وَجْه استشهادي بهذه النصيحة: أن سماحة الشيخ الأصل عنده التناصح بين كل من يسعى إلى نَشْر الخير من أهل الإسلام؛ إذا سَلَكَ مسلكًا مخالفًا للحق الذي يقصده، فكم من رجل يقصد الخير ولكنه يقع في الشر، ومن هنا تأتي الحاجة إلى النصيحة والبيان، لا المتابعة أو السكوت على الخطأ، أو التعصُّب لقائله، وأما الخير فالواجب التعاون عليه.
والسؤال الآن: هل هذه طريقة الشيخ ربيع المدخلي وحزبه؟! أم أن طريقتهم: التحذير المُطْلَق من المخالف -حتى وإن كانت مخالفته تحتمل وَجْهًا حسنا، فضلًا عن كونها ليست مخالفة أصلا، إلا في نظر هؤلاء الغلاة- والإهدار لكل ما عند المرء أو الطائفة من خير؟!
فإن قيل: هناك آثار عن السلف بإطلاق التحذير ممن وقع في بدعة!!
فالجواب: قد سبق في الكتب والأشرطة السابقة الجواب على هذا كله، وتمَّ بيان المواضع التي يُحْمَل عليها كلام السلف -ولله الحمد-، ونحن هنا في مقام بيان الفرق بين طريقة الشيخ ربيع -سلَّمَهُ اللهُ- ومن كان على شاكلته، وبين طريقة كبار العلماء الكبار المعاصرين فقط، ولَسْنا في مقام الردّ على الشبهات والإيرادات إلا ما لابدَّ منه في هذا البحث.
3- نصيحة في التعامل مع المبتدعة – لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز :
سُئل سماحته : بم تنصحوننا في كيفية التعامل مع المبتدعة الذين نراهم، ونتكلم معهم، ونتعامل معهم كل يوم؟
ج: الواجب هجرهم على بدعتهم، إذا أظهروا البدعة، فالواجب هجرهم بعد النصيحة والتوجيه، فإن المسلم ينصح أخاه، ويُحَذِّره مما حرم الله عليه من البدع والمعاصي الظاهرة، فإن تاب؛ وإلا استحق أن يُهْجَرَ ولا يُعَامَلَ، لعله يتوب، لعله يندم، لعله يرجع إلى الصواب، إلا إذا كان الهجر يترتب عليه ما لا تُحْمَد عقباه؛ فإنه يتركه إذا كان تَرْكُه أصلح في الدين، وأكثر للخير، وأقرب إلى النجاح؛ فإنه لا يهجره، بل يداوم على نصحه وتحذيره من الباطل، ولا يهجره؛ قد يهديه الله بسبب ذلك، فالمؤمن كالطبيب: إذا رأى العلاج نافعا فَعَلَه، وإذا رآه ليس بنافع تركه، فالهجر من باب العلاج، فإن كان الهجر يُؤَثِّر خيرًا وينفع؛ هَجَرَ، وكان ذلك من باب العلاج، لعله يتوب، ولعله يرجع عن الخطأ إذا رأى من إخوانه أنهم يهجرونه، أما إن كان الهجر يسبب مزيدا من الشر، وكثرة أهل الشر وتعاونهم؛ فإنه لا يُهْجَر، ولكن يديم النصحَ له، والتوجيهَ وإظهارَ الكراهة لما عَمِلَ، ويبين له عدم موافقته على باطله، ولكن يستمر في النصيحة والتوجيه». اهـ([2])
⏪ قلتُ: فهل هذه التفاصيل ومراعاة المصالح والمفاسد في الهجر وعدمه مما يُقيم لها الشيخ ربيع -سلَّمَهُ اللهُ- وحزبه وَزْنًا، أم أنهم يحذرون من الرجل، ويدّعون أن عنده بدعًا وضلالات -وليس الأمر كذلك إلا في تصوُّرهم الفاسد- ويهجرونه عشرات السنين، ومخالفهم لا يُقيم لموقفهم هذا وَزْنًا، بل يردّ عليهم، ويَكْشِف باطلهم وانحرافهم؛ لأنه أكثر تمسُّكا بالحق منهم في أغلب الحالات، وتنتشر دعوتُه بين الناس، وهؤلاء الغلاة تتفرَّق صفوفهم يومًا بعد يوم، ثم يقيمون الفتن والصراعات بينهم وبين شخص آخر بزعم أنه لا يبدِّع فلانا الذي بدعوه، ثم تتشظى دعوتهم من حين لآخر، وبسبب هذه الادعاءات الكاذبة على شخص، ثم على آخر وهكذا؟!
وهل حصل في يوم من الأيام أنهم هجروا شخصًا، ثم قالوا لأنفسهم: لا فائدة من الهَجْر، بل الشر ازداد بالهجر، ورجعوا إليه وناصحوه، أم أنهم يزدادون كل يوم ظلمًا وإسرافًا ووشايةً وتحريشًا عليه بالكذب والزور، متناسين تمامًا مواقف الرجل بعكس ما ينسبونه إليه، لكن واقعهم وحالهم كما قال القائل الفاجر: «الغاية تبرر الوسيلة» وهل نحن عاملناهم بهذه المعاملة يومًا من الأيام، أو عقدنا الولاء والبراء على مواقفنا معهم؟ إنما نحن ندفع عن أنفسنا البهتان، واضطُرِرْنا إلى كشْف حقيقتهم من أجل دفع بهتانهم، وإلا فما نحن فيه من الحِرْص على تحصيل العلم، والدعوة إلى الله، وكشْف شبهات المناوئين للدعوة شُغْل كافٍ لنا عن الالتفات إلى غيره!!!
4- حُكْم السلام على المبتدع -لسماحة الشيخ ابن باز :
السؤال: ما حكم إلقاء السلام على المبتدع؟
الجواب:
هذا فيه تفصيل: إذا رَجَا دخولَهُ في الحق، وإجابتَهُ إلى الحق، وتَرْكَهُ البدعةَ؛ رَدَّ عليه السلام، أو بدأه بالسلام، ونصحه، ودعاه إلى الخير، كما يرد السلام على الكافر إذا سَلَّم، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: «إذا سَلَّم عليكم أهل الكتاب؛ فقولوا: وعليكم».
أهل الكتاب هم اليهود والنصارى، إذا سَلَّم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم.
وقال: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام».
دل على أنهم لا يُبْدَؤون، لكن يُرَدُّ عليهم إذا سَلَّمُوا.
فالمبتدع حاله أدنى من الكافر إذا كان ليس بكافر، ولكن قد يجب هجره؛ لأنه مسلم يحتاج إلى تأديب وتوجيه، فَيُهْجَر ليتأدب، فإذا رأى العالم، أو الأمير، أو أعيان الناس هَجْرَ المبتدع لعله يتوب؛ فهذا حق مطلوب، فقد هجر النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون كعب بن مالك وصاحبيه لما تخلفوا عن غزوة تبوك بغير عذر، هجرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون حتى تاب الله عليهم؛ فتابوا.
أما إذا كان يرجو من مكالمته ونصيحته أنه يهتدي، وأنه يَدَعُ بدعته؛ فإنه يُكَلِّمه ويَنْصَحُه ويُوَجِّهُه إلى الخير، ويُبَيِّن له سوء عمله، وبطلانَ بدعته، لعله يستجيب إلى الحق، ويهديه الله على يديه، فهذا أمر مطلوب، كما يُدْعَى الكافر للدخول في الإسلام، ويُدْعَى العاصي إلى التوبة.
فهكذا المبتدع يُدْعَى ويُوَجَّه إلى الخير، قد يكون جاهلًا لُبِّسَ عليه الأمر، فيُنْصَح ويُوَجَّه، ويُبَيَّن له بطلانُ ما تَمَسَّكَ به، فإن اهتدى؛ وإلا وجب هجره، إذا رجا الهاجر أن هذا الهجر ينفعه ويفيده ويردعه؛ وإلا فليستمر معه إذا كان لا يرى الهجر مفيدًا، ويرى أن الاستمرار في الدعوة أَفْيَدُ؛ يستمر في دعوته إلى السنة، وتَرْك البدعة في الأوقات المناسبة، لعله يستجيب حتى يَسْلَمَ الناسُ من شره». اهـ([3])
5- متى تجوز مقاطعة المبتدع؟ – لسماحة الشيخ ابن باز
السؤال: رسالة وصلت إلى البرنامج من الجمهورية العربية اليمنية، باعِثُها أحدُ الإخوة من هناك،… أخونا يسأل سؤالًا ويقول: متى تجوز مقاطعة المبتدع؟ ومتى يجوز البغض في الله، وهل تؤثر المقاطعة في هذا العصر؟
الجواب: المؤمن ينظر في هذه المقامات بنظر الإيمان، ونظر الشرع، ونظر التجرد من الهوى، فإذا كان هجره للمبتدع وبُعْدُه عنه لا يترتب عليه شَرٌّ أَعْظَمُ؛ فإن هَجْره حق، وأَقَلُّ أحواله أن يكون سُنَّة، وهكذا هَجْرُ من أَعْلَن المعاصي وأظهرها، أَقَلُّ أحواله أنه سُنَّة، فإن كان عدمُ الهجر أصلَحَ؛ لأنه يرى أن دعوة هؤلاء المبتدعين وإرشادهم إلى السنة وتعليمهم ما أوجب الله عليهم أن ذلك يؤثر فيهم، وأنه يفيدهم؛ فلا يُعَجِّل في الهجر، ومع ذلك يُبْغِضهم في الله كما يبغض الكافر في الله، يُبْغض العصاةَ في الله على قدر معاصيهم وعلى قدر البدعة.
بُغْضُ الكافر أَشَدُّ، وبُغْضُ المبتدع على قدر بدعته إذا كانت غير مُكَفِّرة على قَدْرها، وبُغْض العاصي على قدر معصيته، ويحبه في الله على قَدْر إسلامه([4]).
أما الهجر ففيه تفصيل، يقول ابن عبد القوي في قصيدته المشهورة:
| وهجرانُ من أَبْدَى المعاصِيَ سُنَّةٌ | وقد قيل إن يُرْدَعْ فأوجَبُ وآكَدُ | |
| وقيل على الإطلاق ما دام مُعْلِنا | ولاقِـهْ بوجْـهٍ مُكْفَهِرٍّ مُرَبَّدٍ |
وقيل: (على الإطلاق)، يعني يجب الهجر مطلقًا.
فالحاصل: أن الأرجح والأولى النظر في المصلحة، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- هجر قومًا وترك آخرين لم يهجرهم؛ مراعاةً للمصلحة الشرعية الإسلامية، فهجر كعب بن مالك وصاحبيه لما تخلفوا عن غزوة تبوك بغير عذر، هجرهم خمسين ليلة حتى تابوا؛ فتاب الله عليهم، ولم يهجر عبد الله بن أُبَيِّ بن سلول وجماعة من المتهمين بالنفاق لأسباب شرعية اقتضت ذلك.
فالمؤمن ينظر في الأصلح، وهذا لا ينافي بغض الكافر في الله، وبغض المبتدع في الله، وبغض العاصي في الله، ومحبة المسلم في الله، ومحبة العاصي على قدر إسلامه، ومحبة المبتدع الذي لم يَكْفُر ببدعته على قدر ما معه من الإسلام، لا ينافي ذلك([5]).
أما هجرهم فيُنْظَر في المصلحة: فإذا كان هجرهم يُرْجَى فيه الخير لهم، يُرْجَى فيه أن يتوبوا إلى الله من البدعة ومن المعصية؛ فإن السنة الهجر، وقد أوجب ذلك جمع من أهل العلم، قالوا: يجب.
وإن كان هجرهم وتركه سواء، لا يترتب عليه لا شر ولا خير، فهَجْرهم أَوْلَى أيضًا؛ إظهارًا للأمر المشروع، وإبانة لما يجب من إظهار إنكار المنكر، فهجرهم في هذه الحال أَوْلَى وأَسْلَم، وحتى يَعْلَم الناس خطأهم وغلطهم.
والحالة الثالثة: أن يكون هجرهم يترتب عليه مفسدة وشر أكبر؛ فإنه لا يهجرهم في هذه الحال، إذا كان هذا المبتدع إذا هُجِرَ زاد شره على الناس، وانطلق في الدعوة إلى البدعة، وزادت بِدَعُهُ وشروره، واستغل الهجر في دعوة الناس إلى الباطل؛ فإنه لا يُهْجَر، بل يُنَاقَشُ، ويُحَذَّرُ الناسُ منه، ولا يكون الناس عنه بعيدين حتى يراقبوا عمله، وحتى يمنعوه من التوسع في بدعته، وحتى يُحَذِّروا الناس منه، وحتى يكرروا عليه الدعوة، لعل الله يهديه؛ حتى يَسْلَم الناس من شره.
وهكذا العاصي المعلن إذا كان تَرْكُه وهَجْرُه قد يفضي إلى انتشار شره، وتوسُّع شره، وتسلطِهِ على الناس؛ فإنه لا يُهْجَر، بل يناقش دائمًا، ويُنْكَر عليه دائمًا، ويُحَذَّر الناس من شره دائمًا؛ حتى يَسْلَم الناس من شره، وحتى لا تقع الفتن بمعصيته، نسأل الله السلامة. اهـ([6])
⏪ قلتُ: فتأمل ما ذكر عن حب العاصي والمبتدع بدعة غير مُكَفِّرة على قدر ما فيه من إسلام وخير… فهل منهج الشيخ ربيع -سلَّمَهُ اللهُ- كذلك؟! أم هو منهج إهدار وإسْقَاط، ومعاملة للمسلم العاصي والواقع في بدعة -في ظنهم الفاسد فقط- بغاية البغض، وكأنهم يعاملون كافرًا، بل لا يعاملون الكفار بهذه المعاملة؟!
فالكافر المُعْلن كُفْرَه وفجورَه وحربَه على الله تعالى وأولياءِه من الدعاة وطلاب العلم ومن ناصرهم من العوامّ، في نظر هؤلاء أخفّ ضررًا وشرًّا من عالم عابد زاهد، يدعو إلى السنة منذ عشرات السنين؛ وجريمته أنه لم يوافق هؤلاء الغُلاة في تبديع وهجر فلان -الذي بَدَّعُوه ظلمًا أيضًا-!!
وهؤلاء الغلاة يبالغون في نَخْل وغَرْبلة كتب وأشرطة دعاة التوحيد والسنة؛ ليظفروا بأي كلمة مخالفة -ونحن وهم وغيرنا بشر غير معصومين- ثم يشنِّعُون على هذا الداعية الذي وَهَنَ عَظْمُه، واحْدَوْدَبَ ظَهْره، وضَعُفَ سمعه وبصره وهو يدعو إلى السنة، ويُحَذِّر من البدعة، لكن جريمته أنه خالف شيخهم وإمامهم ربيعا – مع أن المخالف له في الغالب هو المصيب- فاشتغلوا بالتحذير منه، ولم يتكلَّم كثير منهم على ضلالات غلاة الصوفية الخرافيين، ومكايد المنظمات الماسونية، وخطط العلمانية التي تنخر في ثوابت الإسلام، ويزعمون أن هؤلاء أمرهم معروف ومكشوف، وهذا منهم يدلُّ على جهل أو هوى!!
⏪ قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «فمن ناقش المؤمنين على الذنوب، وهو لا يناقش الكفار والمنافقين على كفرهم ونفاقهم، بل وربما يمدحهم ويعظمهم؛ دَلَّ على أنه من أعظم الناس جهلا وظلما، إن لم يَنْتَهِ به جَهْلُهُ وظلمُهُ إلى الكفر والنفاق»([7]).
فأسألُ بصراحة قائلًا: هؤلاء الغلاة يبحثون عن أخطاء مَنْ مِنَ الصِّنْفَيْن: المسلم أو الكافر؟!
ألا فليراجعوا أنفسهم قبل مفارقة أرواحهم أجسادهم؛ وإلا فمصيرهم مظلم مشؤوم؛ عياذًا بالله من ذلك!!
وأيضًا فالشيخ ربيع -وفَّقه الله- وحزبه يَرَوْنَ أن اجتماع الحب والبُغْض في شخص واحد من جهتَيْن مختلفَتَيْن يرَوْن هذا من منهج أهل البدع، ومن منهج الموازنات، وها هو سماحة الشيخ ابن باز يقرِّر ذلك، بل هذا إجماع أهل السنة، كما قرَّره شيخ الإسلام ابن تيمية وقد ذكرته لهم ولغيرهم في مواضع كثيرة من ردِّي على هذا الحزب الغالي، فماذا هم قائلون؟! هل يقولون: حتى ابن باز مبتدع يقول بالموازنات؟ أو فتح الباب لأهل البدع ضد أهل السنة بذلك -كما قال شيخهم- في شيخ الإسلام ابن تيمية عندما ذكرت له كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أم يتراجعون عن قولهم هذا الباطل، أم يُمَجمجون ولا يُظْهِرُون، أم يَسْكتون في الظاهر ويهمسون فيما بينهم؟! كل هذا وارد، والموفق من وفقه الله!!
6- نصيحة عامة لجميع المختلفين فيما بينهم لسماحة الشيخ عن كيفية التعامل مع أخطاء الشيوخ: (ربيع المدخلي، وفالح الحربي، وسفر الحوالي، وسلمان العودة، ومحمد أمان الجامي، وناصر العمر… وغيرهم):
⏪ يقول : «الواجب على طلبة العلم، وعلى أهل العلم مع إخوانهم العلماء، الواجب عليهم حُسْنُ الظن، وطِيبُ الكلام، والبُعْدُ عن سيء الكلام، والدعاة إلى الله -جل وعلا- حَقُّهم عظيم على المجتمع، والعلماء حَقُّهم عظيم على المجتمع.
فالواجب: أن يساعَدُوا على مهمتهم بالكلام الطيب، والأسلوب الحسن، والظن الصالح الطيب، لا بالعنف والشدة، ولا بتتبع الأخطاء وإشاعتها؛ للتنفير من فلان، وللتنفير من فلان.
يجب أن يكون طالب العلم ويكون السائل يقصد الخير، ويقصد الفائدة، ويسأل عن ما يَهُمُّه، وإذا وقع خطأ أو إشكال؛ سأل عنه بالرفق والحكمة والنية الصالحة؛ حتى يزول الإشكال.
فكل إنسان يخطئ ويصيب، ما فيه أحد معصوم إلا الرسل -عليهم الصلاة والسلام-.
وإخوتنا الدعاة إلى الله في هذه البلاد- في هذه المملكة- حقهم على المجتمع أن يساعَدُوا على الخير، وأن يُحْسَنَ بهم الظن، وإذا وقع الخطأ؛ يُبَيَّنُ الخطأ بالأسلوب الحسن والمفاهمة بقصد الفائدة، ليس بقصد التشهير والعَيْب.
وبعض الناس يكتب نشرات في بعض الدعاة، نشرات خبيثة رديئة، لا ينبغي أن يكتبها طالب علم؛ لأنه أخطأ في كلمة، أو ظن أنه أخطأ في كلمة؛ فلا ينبغي هذا الأسلوب، طالب العلم الحريص على الخير يسأل عما أُشْكِلَ عليه بالأسلوب الحسن.
والدعاة ليسوا معصومين، سواء كانوا مدرسين، أو خطباء، أو في محاضرة، أو في ندوة.
ومن ذلك ما وقع في هذه الأيام ومن قبل أيام من بعض الدعاة،
مثل الشيخ محمد أمان الجامي، والشيخ سلمان العودة، والشيخ سفر الحوالي، والشيخ فالح بن نافع الحربي، والشيخ ربيع بن هادي، وغيرهم من الدعاة المعروفين بالعقيدة الطيبة، وحسن السيرة، ومعروفين أنهم من أهل السنة والجماعة.
فلا ينبغي إيذاء الواحد منهم في شيء، وإن ظن طالب العلم أن أحدهم أخطأ، أو ظهر له أنه أخطأ؛ فلا ينبغي أن يُشَهِّر بذلك، أو يُسيء به الظن، بل يدعو له بالتوفيق، ويدعو له بالهداية،.[كلمات غير واضحة] ويسأل فيما أُشْكِلَ؛ حتى يزول الإشكال بالدليل المُعَوَّلِ عليه، قال الله وقال رسوله». اهـ
⏪ قلتُ: فها هو سماحته يحكم على الدعاة المذكورين جميعا بأنهم من أهل السنة، والعقيدة الطيبة، والسيرة الحسنة، وينصح بتصحيح الأخطاء عند الجميع -لأنهم غير معصومين- بالرفق والأسلوب الحسن، وهذا عين كلامنا: أن هؤلاء المذكورين في البيان كلَّهم من أهل السنة، ونحن على قبول الحق من كل أحد، وردّ الخطأ على كل أحد، والنصح له بتركه الباطلَ، لكن بأسلوب حسن، وعدم التشهير به، وحُبِّه بقدر ما عنده من خير، وما أصلح الله على يديه في الأمة، وبُغْض ما هو عليه من المخالفة للحق، مع نصحه والتحذير من اتباعه عليها، وأن الهَجْر فيه تفصيل، فمن أسْعَدُ الطائفتين بمنهج سماحته: هل نحن، أم الشيخ ربيع -سلَّمَهُ اللهُ- وحزبه الذين ملؤوا الدنيا ضجيجًا وسبًّا ولعْنًا وتصريحًا بأسماء من خالفهم، ودعوة لهجرهم بإطلاق، وأنهم لا يُستفاد منهم في قليل أو كثير، بل تبديع من لم يُبَدِّعهم، وهَجْر من لم يَهْجُرهم… إلخ.؟!
وتأمل حكم سماحته في المذكورين جميعًا في هذا البيان، الذي صرح فيه بكون المذكورين من أهل السنة، ومن ذوي العقيدة الصحيحة، والسيرة الطيبة، ويُستفاد منهم، ويناصحون بالتي هي أحسن، فما حكم سماحته بعد هذا التصريح بضد ما عليه الغلاة عند هؤلاء الغلاة وشيخهم؟ وهل يتراجعون عن أحكامهم بالتبديع والهجر، التي ملؤوا بها مواقع التواصل وصفحات الكتب والأشرطة، أو يتناقضون، أو يسكتون ولا ينطقون، وتدور أعينهم كالذي يُغْشَى عليه من الموت أو الفضيحة؟!
وهل بعد هذا كله وما سيأتي -إن شاء الله- يقول الغلاة: شيخنا ربيع على منهج العلماء الكبار في الجرح والتعديل والتبديع والتضليل والهَجْر، وأنهم موافقون له في أحكامه على هؤلاء؟!
وعلى كل حال: فيلزمهم أن يَقْبَلُوا هذا من سماحة الشيخ، أو يُبَدِّعُوه، أو يتراجعوا عن موقفهم ممن سماهم سماحته ومن هم على شاكلتهم من أهل العلم المخالفين لهم، ولا ينفعهم السكوت والهمس فيما بينهم بأن الحزبيين حول سماحة الشيخ لَبَّسُوا عليه؛ فهذه طامة أخرى لو كانوا يفقهون، واتهام منهم لسماحته بعدم معرفته لمنهج أهل السنة ولمن حوله من الناس؛ لكن الغلاة لا يخجلون، المهم أن يجيبوا بأي جواب: حقا كان أو باطلا؛ حتى لا يتركهم أو ينفضَّ عنهم الأتباع والجهلة بحقيقتهم!!
7- بيان من سماحة الشيخ ابن باز حول منهج تجريح ونقد العلماء والدعاة:
⏪ يقول : «وقد شاع في هذا العصر أن كثيرا من المنتسبين إلى العلم والدعوة إلى الخير يقعون في أعراض كثير من إخوانهم الدعاة المشهورين، ويتكلمون في أعراض طلبة العلم والدعاة والمحاضرين، يفعلون ذلك سِرًّا في مجالسهم. وربما سجلوه في أشرطة تُنْشَر على الناس، وقد يفعلونه علانية في محاضرات عامة في المساجد، وهذا المسلك مخالف لما أمر الله به ورسوله من جهات عديدة منها:
– أولًا: أنه تَعَدٍّ على حقوق الناس من المسلمين، بل من خاصة الناس من طلبة العلم والدعاة، الذين بذلوا وُسْعَهم في توعية الناس وإرشادهم، وتصحيح عقائدهم ومناهجهم، واجتهدوا في تنظيم الدروس والمحاضرات، وتأليف الكتب النافعة.
– ثانيًا: أنه تفريق لوحدة المسلمين، وتمزيق لِصَفِّهم، وهم أَحْوَجُ ما يكونون إلى الوحدة والبعد عن الشتات والفُرْقة، وكثرة القيل والقال فيما بينهم، خاصة وأن الدعاة الذين نِيلَ منهم هم من أهل السنة والجماعة، المعروفين بمحاربة البدع والخرافات، والوقوف في وجه الداعية إليها، وكشف خططهم وألاعيبهم، ولا نرى مصلحة في مثل هذا العمل إلا للأعداء المتربصين من أهل الكفر والنفاق، أو من أهل البدع والضلال.
– ثالثًا: أن هذا العمل فيه مظاهرة ومعاونة للمغرضين من العلمانيين والمستغربين وغيرهم من الملاحدة، الذين اشتهر عنهم الوقيعةُ في الدعاة، والكذبُ عليهم، والتحريضُ ضدهم فيما كتبوه وسَجَّلوه، وليس من حق الأُخُوَّة الإسلامية أن يعين هؤلاء المتعَجِّلون أعداءَهُم على إخوانهم من طلبة العلم والدعاة وغيرهم.
– رابعًا: إن في ذلك إفسادا لقلوب العامة والخاصة، ونشرا وترويجا للأكاذيب والإشاعات الباطلة، وسببا في كثرة الغيبة والنميمة، وفتح أبواب الشر على مصاريعها لضعاف النفوس الذين يَدْأَبُون على بَثِّ الشُّبَه، وإثارة الفتن، ويُحَرِّصون على إيذاء المؤمنين بغير ما اكتسبوا.
– خامسًا: أن كثيرا من الكلام الذي قيل لا حقيقه له، وإنما هو من التوهمات التي زَيَّنها الشيطان لأصحابها وأغراهم بها، وقد قال الله تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ] {الحجرات:12}.
والمؤمن ينبغي أن يَحْمِلَ كلامَ أخيه المسلم على أحسن المحامل، وقد قال بعض السلف: لا تظن بكلمة خَرَجَتْ من أخيك سوءًا وأنت تجد لها في الخير مَحْمَلًا.
– سادسًا: وما وجد من اجتهاد لبعض العلماء وطلبة العلم فيما يسوغ فيه الاجتهاد؛ فإن صاحبه لا يُؤَاخَذُ به، ولا يُثَرَّبُ عليه إذا كان أهلا للاجتهاد، فإذا خالفه غيره في ذلك؛ كان الأجدر أن يجادله بالتي هي أحسن؛ حِرْصًا على الوصول إلى الحق من أقرب طريق، ودَفْعًا لوساوس الشيطان وتحريشه بين المؤمنين، فإن لم يتيسر ذلك، ورأى أحد أنه لا بد من بيان المخالفة؛ فيكون ذلك بأحسن عبارة، وألطف إشارة، ودون تهجم أو تجريح، أو شطط في القول قد يدعو إلى رَدِّ الحق، أو الإعراض عنه، ودون تَعَرُّضٍ للأشخاص، أو اتهامٍ للنيات، أو زيادةٍ في الكلام لا مُسَوِّغَ لها، وقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول في مثل هذه الأمور: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا».
فالذي أنصح به هؤلاء الأُخْوَة، الذين وقعوا في أعراض الدعاة، ونالوا منهم: أن يتوبوا إلى الله تعالى مما كتبته أيديهم، أو تلفظَتْ به ألسنتهم مما كان سببا في إفساد قلوب بعض الشباب، وشَحْنِهم بالأحقاد والضغائن، وشُغْلِهِم عن طلب العلم النافع، وعن الدعوة إلى الله بالقيل والقال، والكلام عن فلان وفلان، والبحثِ عما يعتبرونه أخطاء للآخرين، وتَصَيُّدِها، وتَكَلُّفِ ذلك.
كما أنصحهم أن يُكَفِّرُوا عما فعلوا بكتابة أو غيرها، مما يبرئون فيه أنفسهم من مثل هذا الفعل، ويزيلون ما علق بأذهان من يستمع إليه من قولهم، وأن يُقْبِلوا على الأعمال المثمرة التي تُقَرِّب إلى الله، وتكون نافعة للعباد، وأن يَحْذَروا من التعجل في إطلاق التكفير أو التفسيق أو التبديع لغيرهم بغير بينة ولا برهان، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما»([8]) متفق على صحته.
ومن المشروع لدعاة الحق وطلبة العلم إذا أُشْكِل عليهم أَمْرٌ من كلام أهل العلم أو غيرهم: أن يَرْجعوا فيه إلى العلماء المعتبرين، ويسألوهم عنه؛ ليبينوا لهم جَلِيَّةَ الأمر، ويُوقفوهم على حقيقته، ويُزيلوا ما في أنفسهم من التردد والشُّبْهة؛ عملًا بقول الله في سورة النساء: [ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ] {النساء:83}.
والله المسئول أن يُصْلِحَ أحوال المسلمين جميعا، ويَجْمَعَ قلوبهم وأعمالهم على التقوى، وأن يُوَفِّق جميعَ علماء المسلمين، وجميعَ دعاة الحق لكل ما يرضيه وينفع عباده، ويَجْمَعَ كلمتهم على الهُدَى، ويُعِيذَهم من أسباب الفُرْقة والاختلاف، ويَنْصُر بهم الحق، ويَخْذُلَ بهم الباطل؛ إنه وَلِيُّ ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين». اهـ([9])
⏪ قلتُ: وكما يقال: لا عِطْر بعد عروس، ولا مجال للتعليق منى بعد هذا الكلام الصريح، ولكن الغلاة قد يقولون: إن سماحته لم يُسَمِّ الشيخ ربيعا -سلَّمَهُ اللهُ- ومن كان على شاكلته من مشايخنا!!
والجواب: ليس من السنة ذكر أسماء من أخطأ في كل موضع يُنْكر عليه قولُه أو فعلُه -كما لا يخفى على طلاب العلم- لحديث: «ما بال أقوام…»، لكن السؤال الذي يحتاج إلى جواب، هو: هذه الأمور التي استنكرها سماحته أعمال من؟ هل صدرتْ منا نحن، أو من شيخكم والمفتونين منكم ومن غيركم؟ والواقع خير دليل على تكذيب من حاول أن يزوِّر الحقائق!! فما بقي لكم أيها الغلاة: إلا التوبة الصادقة الصريحة بجميع شروطها الظاهرة والباطنة، وإلا فما بقي لكشف حقيقتكم أكبر وأكثر، والله المستعان!!
8- وسُئِل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز : هل يجوز ذِكْر أسماء الدعاة إذا أخطؤوا بالرد عليهم بأشرطة؟؟
* فأجاب سماحته:
«إذا وُجِدَ خَطَأٌ؛ يُبَيَّن الخطأ بالدليل مع الدعاء لصاحب الشريط: (كوفقه الله، وسَدَّد خُطاه)، فيقال: هذه الكلمة مثلًا: منكرة، فيبين وَجْهَ الدليل، ودليلُها كذا، ودليلُها كذا، ولعله غَفَلَ عن هذا الشيء، ولعله.[كلمة غير واضحة]، يسأل العلماء في ذلك؛ حتى يُبَيِّن صاحبُ الشريط خطأَهُ.[كلمات غير واضحة]، يَعْرِضُها على أهل العلم قبل أن يَسْأَل، يَسْأَل أهل العلم، ويتفاهم مع صاحب الشريط..
وإذا وجد خطأً ظاهرًا بالدليل، وهو من أهل العلم؛ يُبَيِّنه بالدليل بالأسلوب الحسن، وبالكلام الطيب، لا بالعنف والشدة، ولا بالتشهير الذي معناه: أن فلانًا ما يَصْلُح أن يُؤْخَذَ منه العلم، لا، بل يُبَيَّن له خطؤه، مع بيان أنه من أهل العلم، ويؤخذ ما بيَّنه للناس من الأحكام الشرعية إلا ما قام الدليل على أنه أخطأ فيه، فقد أخطأ مالك، وأحمد، وأبو حنيفة، والشافعي، والثوري، وغيرهم؛ ولهم أخطاء معلومة، وما مُنِعَ الناسُ أن يأخذوا منهم عِلْمَهم الذي أصابوا فيه، وما من عالم إلا وله أشياء غَلِطَ فيها، ورجع فيها إلى الصواب، أو ما فهم من الدليل فيها ما فَهِمه الغير…». اهـ
⏪ قلتُ: فهل الشيخ ربيع -وفقه الله- وحزبه الذين أشعلوا الدنيا سبًّا، وشتمًا، واستهزاءً، وتَعْييرًا، وهَجْرًا، وتحذيرًا، كل ذلك ادِّعاءً وافتراءً على البريء من الدعاة، وحملهم على ذلك: أنهم وقفوا على شيء ظنُّوه خطأ، وهو صواب، أو هو خطأ لكنه في أمر اجتهادي، اختلف فيه العلماء، وأخذ مخالفهم بقول بعضهم، ولم يخالف في أمر مُجْمَع عليه، ولو فرضنا أنه خالف في أمرٍ عَقَديٍّ من الأصول، لكنه وقع في ذلك لشُبْهَة عَرَضَتْ له؛ فشَوَّشَت عليه الطريق إلى الفهم الصحيح -كما حصل لكثير من علماء السلف في جزئية ما- فهل الشيخ ربيع وحزبه الغلاة يتعاملون مع مخالفهم بالمنهج الذي ذكره سماحة الشيخ ؟!
وهل يُقال بعد ذلك: نحن -أي الغلاة الشيخ ربيع وأتباعه- نسير على خط العلماء، والعلماء الكبار يُقِرُّوننا على أقوالنا؟!
أما يَسْتَحْيي المرء من التَّشَبُّع والانتحال وإلصاق نفسه أو إقحامها فيمن بينه وبينهم مفاوز؟!!
9 – موقف سماحة الشيخ ابن باز من التعاون مع المخالف في الحق وإن كان على بدعة:
* سئل : لقد قامت في السودان جبهة إسلامية بين مختلف الاتجاهات الحركية والصوفية والسلفية، وقامت بعمل سياسي، ومجابهة واسعة مع الشيوعية والتغريبيين عمومًا.
هل يمكن أن نعرف رأيكم في مثل هذا العمل، الذي يضم تيارات مِثْلَ هذه؟.
* الجواب: لا ريب أن التعاون بين المسلمين في محاربة المذاهب الهدامة، والدعوات المضللة، والنشاط التنصيري والشيوعي والإباحي من أهم الواجبات، ومن أعظم الجهاد في سبيل الله، لقول الله : [ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ] {المائدة:2}، وقوله سبحانه: [ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ] {النحل:125}.
وقال : [ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ] {فصلت:33}.
وفي «الصحيحين» عن سهل بن سعد – رضي الله عنه – أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – إلى اليهود في خيبر، وأمره أن يَدْعُوَهم إلى الإسلام، وأن يُخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، وقال له -صلى الله عليه وسلم-: «فوالله، لأن يَهْدي الله بك رجلا واحدا؛ خير لك من حُمر النَّعَم»، وفي «صحيح مسلم» عن أبي مسعود الأنصاري عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «من دل على خير؛ فله مثلُ أَجْر فاعله»، وفي «صحيحه» أيضًا عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي- صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «من دعا إلى هُدًى؛ كان له من الأجر مِثْلُ أجور مَنْ تَبِعَهُ، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة؛ كان عليه من الإثم مثل آثام مَنْ تَبِعَهُ، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا»، وروى الإمام أحمد والنسائي وصححه الحاكم عن أنس – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم».
والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
فنسأل الله أن يوفق الجبهة لما فيه نَصْرُ الحق وظهوره على ما سواه، وقَمْعِ الباطل، وخِذْلان الدعاة إليه.
ونصيحتي للجبهة أن تُنَقِّي صفوفها من كل ما يخالف شرع الله المطهر، وأن تتناصح وتتواصى بالاستقامة على شرع الله، والثبات عليه، ورَدِّ ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، كما قال الله سبحانه: [ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ] {النساء:59}، وقال سبحانه: [ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ] {الشورى:10} الآية. وقال : [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ] {العصر:1-3}.
يبين سبحانه في هذه السورة العظيمة: أن أسباب الربح والسعادة والسلامة من الخسران: هي هذه الأمور الأربعة المذكورة في هذه السورة، وهي: الإيمان الصادق بالله ورسوله، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.
فنسأل الله أن يمنح أعضاء الجبهة التخلُّقَ بهذه الأخلاق، والاستقامة عليها؛ حتى يفوزوا بالنصر المبين، والربح العظيم، والعاقبة الحميدة». اهـ([10])
⏪ قلتُ: فهذا موقف سماحته من جبهة مُكوَّنة ممن ينتمي إلى الإسلام وعموم الانتماء إلى السنة فقط، وبدون تفاصيل- على اختلاف أفهامهم، بل على اختلاف عقائدهم والانتماء إلى الإسلام، وادعاءُ الإسلام والسنة هو الجامعُ الوحيد للجماعات الدعوية والصوفية، ومع ذلك أيَّد سماحته اجتماعهم ضد الشيوعية، التي لا تُبْقي ولا تذر، والتي إن تمكَّنتْ من البلاد، أكلت الأخضر واليابس، فأين هذا من موقف الشيخ ربيع -سلَّمَهُ اللهُ- ومقلديه في تفريق جماعة أهل السنة السلفيين؛ من أجل قضايا لا وجود لها في الواقع، وإذا كان لها وجود؛ فهي مسائل اجتهادية، يسَع المختلفين فيها الخلافُ، ولا ينعقد عليها ولاء وبراء؟! وقد أشعل نارها الشيخ ربيع وحزبه في جميع البلاد، ولا يستهدفون إلا دعاة أهل السنة، ويرون ذلك مقدما على التحذير من غلاة الرافضة؛ بل اليهود والنصارى والوثنيين!!!
فهل بعد هذا -أيها الغلاة- لا زلتم مخدوعين ومخادعين لمن وراءكم، زاعمين أن شيخكم الذي بذر فيكم بذور القواعد الضالة المضلة المفرِّقة لصفِّ أهل الحق: يسير على منهج العلماء الكبار وأنهم يُؤيدونه في كلامه على مخالفيه؟!
ألا تخجلون من دعواكم الكاذبة؟ أنصحكم أن تخرجوا قليلًا من ظلمات منهجه الذي تسيرون عليه، وقد هيمن على عقولكم؛ لتروْا بصيص النور عند غيركم؛ فلعلّ الله -جل وعلا- يكتب له ولكم خاتمة حسنة، والله الموفق.
10- سماحة الشيخ يُحَذِّرُ مِنْ تَجَنِّي مَن سلك مسلك الغلوّ بالقذف واللمز والتبديع والتنقُّص على بعض دعاة السنة، بسبب الخلاف في بعض المسائل التي يسوغ فيها الخلاف:
* السؤال: كثيرًا ما يحصل الخلاف بين طلبة العلم أصحابِ المعتقد الواحد في بعض المسائل التي يسوغ الخلاف فيها، سواء العلمية أو الدعوية، فيؤدي هذا الخلاف ببعض المخالفين إلى التَّجَنِّي على المخالف بالكلام والقدح واللمز والتنقص والتبديع، فما هو منهج السلف في التعامل مع الخلاف؟
الجواب:
هذا لا يجوز، والواجب على العلماء وطلبة العلم في هذه المسائل -وإن اختلفوا- أن تكون ألسنتهم لينة وبريئة من اللمز والغمز، وأن يكونوا متناصحين، كل واحد يعذر أخاه، فقد يكون اجتهد في هذا، وهذا له أجران، وهذا له أجر مع النية الصالحة؛ إذا كان المقام يسوغ فيه الاجتهاد، وليس فيه نَصٌّ واضح، أما إذا كان فيه نَصُّ واضح؛ فالنصّ يَقْطَع النزاع، الله يقول: [ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ] {النساء:59}، أما إذا كان ليس فيه شيء، مثلما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث القضاء: «إذا حكم الحاكم، فاجتهد، فأصاب؛ فله أجران، وإن حكم، فاجتهد، وأخطأ؛ فله أجر»، والواجب عدم التنابز بالألقاب، وعدم إعلان السب لأخيه، ولكن يتناصحون فيما بينهم، يجتمعون ويتناصحون، يَزُور هذا هذا، أو يَزُور هذا هذا، أو يتوسط هذا لهذا، حتى تزول الوحشة، وحتى تحصل الفائدة بالمذاكرة في العلم، وأخذ الدليل على هذا أو هذا، فكل الأئمة اختلفوا: الشافعي وأحمد وأبو حنيفة ومالك، وقبلهم التابعون، وقبلهم الصحابة مع المحبة فيما بينهم، فلا يجوز في هذا اللمز والغمز، وتعاطي أسباب الشحناء والعداوة، فهذا منكر». اهـ([11])
⏪ قلتُ: أهكذا -يا مسلمون- منهج الغلاة وشيخهم ومؤسِّس حزبهم والمنظِّر له؟ والمسائل التي يدَّعون أن فيها أدلة؛ فلا يلزم من وجود الدليل عدم الاختلاف في فهمه والمراد منه، إذا كان السلف قد اختلفوا في ذلك، وإذا كان السلف أجمعوا على فهمه بوجه ما؛ فلا يجوز خَرْق الإجماع الثابت، ومن وقع في ذلك؛ يُنْكَر عليه بحسب قدر مخالفته، والظروف التي تمرّ بها الدعوة زمانًا ومكانًا، لكن إسقاط وإهدار كل ما عنده من صواب من أجل هذا الخطأ -إنْ سلمنا بوقوعه في خطأ-؛ خلاف منهج الأئمة سلفًا وخلفًا، فأين الغُلاة المُتمسِّحُون بكبار الأئمة من الأخلاق والآداب والمكارم التوجيهات التي تحتويها هذه الرسالة منهم؟!
11- كلمة سماحة الشيخ ابن باز : في سلامة الصدر على الدعاة، وتَحْذِيره من الطعن فيهم:
وهي محاضرة للشيخ عائض القرني -حفظه الله- بعنوان «لقاء الأحبة» أَلْقَى سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز كلمة بعنوان (سلامة الصدر) بعد كلمة الشيخ سلمان العودة -حفظه الله- بنفس الموضوع، بمشاركة الشيخ ناصر الزهراني، والشيخ عوض القرني، والشاعر عبدالرحمن العشماوي-حفظ الله الجميع-
وها هي كلمة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز :
بسم الله، والحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله.
أما بعد:
فلا شك أن ما قاله أخونا الفاضل الشيخ: سلمان العودة فيما يجب على المسلمين من الدعوة إلى الله، والتعليم والإرشاد والنصح لله ولعباده، يرجع الأمر أنه أمر لازم، والناس في أشد الحاجة إليه، العالم في أشد الحاجة إلى التعليم والتوجيه؛ لأن علماء السنة قَلُّوا، واشتدتْ الغُربة، كما قال النبي
-صلى الله عليه وسلم-: «إن الله لا يَقْبِضُ العلم انتزاعًا ينتزعه من صدوركم، ولكن يَقْبِضُ العلم بِقَبْضِ العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا؛ اتخذ الناس رءوسًا جهالًا، فسئلوا، فَأَفْتَوْا بغير عِلْم؛ فَضَلُّوا وأَضَلُّوا». فالواجب على أهل العلم أن يعتنوا بالدعوة إلى الله، وأن يكونوا على بصيرة مما يقولون، على كل واحد أن يهتم بالعلم، وأن يقول عن علم، قال تعالى: [ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ] {يوسف:108}.
كل واحد مسئول، فَلْيَتَّقِ الله، ولْيَقُلْ عن علم أينما كان: في بلاده وفي غير بلاده، في السيارة، وفي الطائرة، والقطار، والسفينة، والباخرة، وفي كل مكان، يتقي الله، ويدعو إليه، ويُرْشد الناس إلى الخير.
وعليه أن يكون سليم القلب من الغِلِّ على إخوانه، وإن سمع شيئًا؛ فلْيتق الله، ولْيصفح ولْيعفو؛ لأن هذا أقرب للتقوى، وأقرب لجمع القلوب، وأقرب إلى الصلاح بين الجميع والتعاون، ولِيكونَ قلبه سليمًا من كل ما يخالف شرع الله؛ من اتباع هوىً، ومن غِلٍّ على مسلم، ومن حسد لآخر، ومن دعوة إلى غير الله ، ويكون قلبه سليمًا من كل إرادة تخالف شرع الله، ومن كل عمل يخالف شرع الله، ومن كل قول يخالف شرع الله، ومن كل هدف يخالف شرع الله، أن يكون هدفه وجهوده وأعماله وأقواله كلها في تحقيق ما شرعه الله، وفي الدعوة إليه، وفي التحذير من خلافه؛ هذا هو طريق النجاة والسلامة، وبذلك نُرْضِي الله، ونَنْفَعُ المسلمين، وتكثر أحبابه وإخوانه وينتفعون به.
نسأل الله للجميع التوفيق والهداية، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه». اهـ.
⏪ قلتُ: فها أنت تجد سماحته يشارك في محاضرة فيها من الدعاة الذين أطلق الغلاة فيهم التبديع والسبّ المقذع -وإن كان عندهم أخطاء؛ فكلنا كذلك، والغلاة وقعوا في أشد منهم في بعض المواضع، وليس هذا سبيل العلاج- فهل سماحة الشيخ مميِّع، أو مُبتدع، أو لا يفقه الواقع، أو لا يقرأ ردودهم على من يُبَدِّعون من الدعاة، أو حوله بطانة حزبية يُلَبِّسون الأمور عليه، وهو يثق بهم([12])، أو أنه فتح بعمله هذا الطريق لأهل البدع، وطرَّق لهم على أهل السنة، أو خَذَل بذلك أهل السنة، أو هو بذلك يُلَبِّس علينا وعلى المسلمين، أو بطانته حزبية يُلَبِّسون عليه، ويمدحون هؤلاء المبتدعة عنده، وهو يثق فيهم ويصدِّقهم… إلخ؟!!
كل هذا تسمعه من بعض الغلاة مجتمعًا أو مُجَزَّءًا ومُفَرَّقًا، كل هذه الاتهامات للكبار من أجل ألا يعترفوا بخطأ منهجهم، فالطعن في العلماء الكبار أسهل عندهم من الاعتراف بأن طريقتهم التي سلكوها أفسدت القاصي والداني، وأنهم تائبون منها، بل للأسف -مع هذا كله- أنهم لازالوا يزعمون أن طريقتهم العفنة هذه هي طريقة كبار العلماء، فهل من وقف على كل هذه النصوص يُسَلِّم لهم بكلامهم، أم أنهم لا يفهمون، أم مكابرون؟!! وآه لو شارك أحد من علماء السنة -الذين يتجرأ عليهم الغلاة- في محاضرة أو لقاء دعويّ، أو مؤتمر إسلامي… إلخ، مع عالم يطعنون فيه؛ فحَدِّث ولا حرج!!
12- نصيحة سماحة الشيخ ابن باز لمن يوزع الأشرطة ضد الشيخ سلمان العودة -حفظه الله- في بيت الله الحرام..
* السؤال: ما نصيحتكم لمن يوزع الشرائط ضد الشيخ سلمان العودة في بيت الله الحرام، علمًا أنه موجود الآن في المسجد؟
* فأجاب سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز:
«هذا لا يجوز، هذا لا يجوز، يجب التعاونُ في باب الخير، وتَرْكُ الشر مع الشيخ سلمان العودة، ومع الشيخ سفر، ومع الشيخ عبد الوهاب الطِّرِيري، ومع الشيخ ربيع، ومع الشيخ محمد أمان، وجميع الدعاة، وجميع العلماء، يجب التعاون معهم في الخير والإعانة في الخير، والدعاء لهم بالتوفيق والتسديد، وإنْ ذُكِرَ شيء في محاضرة أو شريط للشيخ سلمان، أو الشيخ سفر، أو الشيخ ربيع، أو الشيخ محمد أمان، أو الشيخ الفوزان، أو لي، أو غيري؛ يَسْألهم عما أُشْكل عليه بالكلام الطيب، والأسلوب الحسن، وليس بالشدة وسوء الظن، يسألهم عما أُشْكِل عليه، وهم يلزمهم أن يوضحوا، ويبينوا بالأدلة ما لديهم، والحق ضالة المؤمن، متى وجدها أخذها.
والله سبحانه يقول في كتابه العظيم -وهو المرجع-: [ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ] {النساء:59}… ثم قال كلامًا غير واضح في الشريط] فالقرآن فيه الكفاية، والسنة فيها؛ ولهذا أمر الله بالرد إليهما؛ ففيهما الكفاية والهداية: [ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ] {الشورى:10}.
فلا يجوز التعصب لا لزيد ولا لعمرو، يجب على طلبة العلم وعلى العلماء وعلى العامة المؤمنين الإنصاف لأهل الحق، وألا يُنَفِّروا من فلان ولا من فلان، عليهم أن يُنَفِّروا مما حرم الله، ينفّروا من المعاصي، عليهم أن يُنَفِّروا من المعاصي، ويُحذِّروا منها: من الزنا، ومن عقوق الوالدين، ومن الربا، ومن الغِيبة، ومن النميمة، ومن ترك الصلاة، ومن ترك صلاة الجماعة، إلى غيرها من المعاصي.
[….بعض الكلمات غير مكتوبة لعدم وضوح الصوت].أما العلماء والدعاة فيُشَجَّع الناس على سماع الأشرطة والمحاضرة والندوات، وإذا أُشْكِلَ عليه؛ يسأل صاحبَ الشريط، صاحبَ الندوة، صاحبَ الخطبة، صاحبَ المحاضرة، ويَسْأل غيره من العلماء عما أُشْكِل عليه: ويش([13]) معنى هذا الكلام؟، ويش معنى كلام فلان؟ ويش معنى كلام سلمان، ويش معنى كلام فلان، مثلًا محمد أمان، ويش معنى كلام ربيع؟ ويش معنى كلام ابن باز؟، ويش معنى كلام صالح الفوزان؟ يسأل ما أُشْكِل.
ولكن بقصد طيب، وليس بقصد المراء والجدال، يكون يقصد طيب، يقصد العلم، ويقصد الفائدة.. بالأسلوب الحسن.. ولعله يهديه الله إذا أراد الخير». اهـ
⏪ قلتُ: قد سبق وجْه الاستدلال بنحو هذه النصيحة، بما يغني عن إعادته هنا.
13- علاقة سماحة الشيخ بأقرانه ومعاصريه:
لقد عُرف سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز بمحبة أهل العلم وتوقيرهم، وكان إذا تقابل مع أحدٍ منهم قابله بالترحيب والحفاوة والإكرام، كما كان يحترم اجتهاداتهم وفتاواهم، وإذا خالفهم في بعض المسائل؛ فإنه يبيِّن رأيه المُدَعَّم بالأدلة، مُتَجَنِّبًا في ذلك تجهيل الآخر، أو تسفيه قوله، بل تراه يدعو لهم بالتوفيق لإصابة الحق. ([14])
ويمكن أن نلخص ملامح علاقة سماحة الشيخ بأقرانه من أهل العلم في النقاط التالية:
- احترام سماحته لهم، والثناء عليهم، وتقديرهم، وإكرامهم، وإنزالهم منازلهم التي تليق بهم -أي وإن اختلف معهم في بعض المواضع-.
- حِفْظُ أعراضهم، وصيانةُ سمعتهم، والغيرةُ على مقاماتهم، والإنكار على كل من ينال منهم بإطلاق -أي وإن كانت هناك مواضع لا يرضاها، أو يناصحهم فيها-
- تأييدهم ونصرتهم على الحق، وتشجيعهم على ما هم عليه من الخير والذِّكْر الحسن.
- مشاورتهم ومباحثتهم في المسائل العلمية والمباحث الشرعية، وطلب رأيهم في الحوادث الواقعة أو المستَجَدَّات.
- الاستفادة من أهل العلم في إحالة بعض المسائل عليهم؛ لبحثها، أو كتابة تقرير عنها، أو مراجعتها وتدقيقها.
- دعوتهم إلى الاجتهاد في الطلب، ومراجعة المسائل، وطلب الترجيح، ومعرفة الأدلة، والنظر في الثابت منها.
- مُكاتبتهم ومهاتفتهم بهدف النصح والتوجيه بلطف وأدب؛ وذلك: إذا سمع منهم، أو قرأ لهم، أو بلغه عنهم ما يخالف الشرع، أو يتعارض مع الدليل.
- ترغيبهم في التعليم، والتدريس، والكتابة، وهذا من أكثر ما يستهلك به وقته مع إخوانه وأحبابه وطلابه من أهل العلم.
- الاستعانة بهم في الإصلاح، والنصيحة، والرد على الأخطاء، ومنع المنكرات، وتكليف بعضهم بشيء من ذلك مكاتبةً أو مناولةً.
- حثُّهم على الصبر، والمصابرة، والمرابطة، واحتساب الأجر، والاستعانة بالله، والتفاؤل بما عند الله من الخير، وانتظار الفرج».([15])
⏪ قلتُ: هذه طريقة سماحته التي اشتهر بها عند القاصي والداني، فما دام العالم من أهل السنة، ويسعى في نصرة السنة؛ فإنه يحظى عنده بالإكرام والتبجيل، مع مناصحته إن بلغه عنه شيء بخلاف ذلك، وذلك بألطف عبارة، فالذين يقولون: إن طريقة الشيخ ربيع -وفقه الله- هي طريقة سماحته هل أصابوا في ذلك؟ حقا: إن المتشبِّع بما لم يُعْط كلابسِ ثوبَيْ زورٍ!!
- حُسْن تعامله حتى مع المخالفين:
كما يظهر جليًّا للناظر في سيرته ومواقفه أن الشيخ له منهج متميز مع المخالفين من أهل السنة -وإن خالفوا في كثير أو قليل-، وهذا المنهج ينطبق عليه نصوصُ الشرع الآمرة بالصفح، وأخذ العفو، ودفع السيئة بالحسنة، ومقابلة الإساءة بالإحسان، والبعد عن كل ما ينافي العدل والإنصاف، والجدال والمناصحة بالتي هي أحسن.
ومن منهجه أن لا يُحَمِّل كلامهم ما لا يحتمل، ولا يَتَقوَّل عليهم ما لم يقولوه متدخِّلا في نياتهم بسوء ظن وحقد وحسد، ولا يَذْكرهم بسوء، بل يحترمهم ويقدِّرهم، ويتناسى أخطاءهم، ويَقْبَل العذر منهم، ويُظْهر الفرح بزيارتهم، ويُظهر لهم المحبة والحفاوة، وإذا دعاه المخالف لوليمة أو مناسبة؛ أجاب، ويعود مريضَهم، ويتصل ليواسيهم، أو يُعَزِّيهم إن مات لهم قريب، وإذا مات المخالف له دعا له، وزار أهله وعزاهم -إن أمكن ذلك- كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية مع أهل القاضي ابن مخلوف، الذي بالغ في الإساءة إلى شيخ الإسلام فلله دَرُّه: كم وَأَدَ من عداوة، وكم استمال من قلب، وكم أَطْفَأَ من نار حقد وكيد ومكر، وكم نفع الله به وبطريقته في المشارق والمغارب – رحمة واسعة، ووفقنا لسلوك منهج الحق وأخلاقه-.
أما هؤلاء الغلاة فلا يفعلون مثل هذا إلا مع من يحكمون له بأنه من أهل السنة -وما أقلُّهم عندهم!!!- ومن دونهم من أهل السنة من العلماء والدعاة وطلاب العلم فمبتدعة ضلَّال، يتقربون إلى الله بأذيتهم، حتى سلك بعضهم مسلك الوشاية ورفع التقارير الكاذبة المفتراة على من خالفهم، ظانين أنهم بذلك ينصرون السنة ويهدمون البدعة، فنعوذ بالله ممن يرى بسوء قصده وفهمه سيئاته حسنات!!
1- علاقة سماحته بالشيخ محمد الغزالي ([16]):
لقد كانت علاقة سماحة الشيخ ابن باز بالشيخ محمد الغزالي علاقة طيبة.
ولما قدم الشيخ محمد الغزالي إلى الرياض لاستلام جائزته المقدمة له من «لجنة جائزة الملك فيصل العالمية»؛ زار سماحَة الشيخ في منزله، وكانت في ذلك الوقت ضجة حول كتاب الشيخ الغزالي «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث»، وقد قُرِئ ذلك الكتاب على سماحة الشيخ، فلما زاره الشيخ الغزالي؛ احتفى به، وأكرمه، ولاطَفَه، وسأله عن الدعوة في الجزائر، وعن حاجتهم، وأخبر بأنه على أتم الاستعداد لدعمهم، وكان الشيخ الغزالي آنذاك رئيسًا لجامعة الأمير عبد القادر في مدينة قسنطينة بالجزائر، وأعطاه بعض الملحوظات على كتابه بكل لُطْف، فسُرَّ بها الشيخ الغزالي .([17])
وأيضًا فقد كان الشيخ محمد الغزالي يُجِلُّ سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ، ويعرف له مكانته ورسوخه في العلم، فعندما سُئل في حوار مع «جريدة الرياض» عن الشيخ عبد العزيز بن باز، قال: «إنني أعتبر الشيخ عبد العزيز بن باز من خيرة علماء العصر ومجاهديه وزهّاده، فهو رجل سَخّر كُلَّ دنياه لخدمة الإسلام، وعاش عمره يغرس بذور الإيمان، ويراعي هموم المسلمين ومشكلاتهم في العالم كلّه، بتعضيد ومؤازرة خادم الحرمين الشريفين».([18])
ودار حديث بين الشيخ الغزالي وبين أحد المشايخ الحاضرين -وهو الشيخ خير الدين وانلي- من سوريا، واشتدّ النقاش، ولما سمع سماحته كلامهما؛ التفت إلى الشيخ الغزالي وقال: ماذا عندكم؟ قال: كذا وكذا، فخاطبهما جميعًا بأن هذه المسائل ينبغي أن توضع في إطارها، وأن نحرص كل الحرص على جمع كلمتنا، والبعد عن الخلاف، فنحن أمام أمور كبار تتعلّق بأصول المسائل، وسكَّن من غضبهما، وانتهى الجدال.
ولما همّ الشيخ الغزالي بالخروج؛ أَلْقَى نظرة على سماحة الشيخ وقال: نحن بخير ما دام فينا هذا الرجل.([19])
⏪ قلتُ: هذا كله مع الشيخ محمد الغزالي مع توَسّعه في ردّ كثير من الأحاديث الصحيحة لمخالفتها عقله، وقبوله كثيرًا من الأحاديث الضعيفة؛ لظَنِّه أنها توافق آية، فهو -لا سيما بأَخَرَةٍ- لا يكاد يقيم لقواعد المحدثين في الرواية وَزْنًا في كثير من الحالات، ومع هذا تخبُّطه في مسائل الأسماء والصفات، دَعْ عنك ما له من فتاوى في إباحة الغناء وغيره، وشدَّة نَفَسِهِ على أهل السنة الصافية، ومع هذا وغيره؛ فهذه معاملة سماحة الشيخ له، أما الغلاة هؤلاء فإنهم ينسفون دعاة التوحيد والسنة الصافية المخالفين لهم نسْفا، فلا تَغْتَرّ يا طالب العلم بزعمهم أنهم يسيرون على منهج العلماء الكبار، وأن الشيخ ربيعًا -وفقه الله- هو والعلماء الكبار على خطٍّ واحد!!
| وَكُلٌّ يَدَّعِي وَصْلًا بِلَيْلَى | وَلَيْلَى لَا تُقِرُّ لَهُمْ بِذَاكَا |
2- علاقة سماحته بالشيخ أبي الحسن الندوي :
ومن العلماء الذين لهم حفاوة عند سماحته فضيلة الشيخ أبي الحسن الندوي حيث كان سماحة الشيخ عبد العزيز يُجِلُّه، ويُلَقِّبُه في بعض مكاتباته بـسماحة الشيخ العلامة، الناصح العالِمِ.([20])
⏪ وقال الشيخ أبو الحسن الندوي : «كان من أعز إخواننا، وأكرم زملائنا في دروب الدعوة إلى الله… وكلما لقيتُـه وجدتُ فيه روحا جياشة، ومعنوية عظيمة لإعلاء كلمة الله في مشارق الأرض ومغاربها، ونحن فَقَدْنا بوفاته أَعْظَمَ شخصية دينية في عيني».
كل هذا الثناء من سماحته على الشيخ أبي الحسن الندوي وهو مُؤَسِّس جماعة التبليغ في الهند، وقال عنه الشيخ حماد الأنصاري : «وهو نقشبندي، حنفي متعصِّب، فصيح اللسان…»([21]).
وكان الشيخ كثيرًا ما يقول لبعض العلماء: لا نودّ أن نختلف في أيّ مسألة، ونودّ أن تكون كلمتنا وفتوانا واحدة، ولكنه إذا خُولِف في أي مسألة؛ اتّسع صدره كثيرًا للمخالف.
وقد امتلأت رسائله وكتاباته وفتاويه بالنصح للعلماء وطلبة العلم بأن تتّسع الصدور للخلاف، وأن يجمعوا الكلمة، وينبذوا الخلاف، والناظر في «مجموع فتاوى ومقالات الشيخ»، والذي طُبِعَ في ثلاثين مجلدًا؛ يجد لذلك شواهد كثيرة جدًّا.([22])
14 – جَمْعُ سماحته بين القوة في الحق واستعمال الرفق واللين:
كانت القوة في الحق من أَجَلِّ خصال سماحة الشيخ ابن باز فهو «من أشد الناس غيرةً على حقائق الوحي، واستمرارها سليمةً من كل شائبة، وفي طَبْعِهِ النفورُ من كل شذوذ عن هذا السَّنَن، فإذا سمع أي شيء من ذلك؛ لم يلبث أن ينهض للتعقيب عليه بما يبين وجه الحق، ولكن لا يتجاوز في أي كلام له نطاق الحكمة والموعظة الحسنة، مع أتم المراعاة لمشاعر الجانب المخالف.
فهو لا يعرف المهادنة لأي شذوذ عن مهيع الحق، ولكن في أسلوب التبليغ يُقَدِّم اللين واليسر والبعد عن كل تنفير».([23])
هذا هو الأصل الأصيل عند سماحة الشيخ ابن باز : القوة في الحق، مع الأخذ بالرفق في بيانه والدعوة إليه، يفعل ذلك حتى مع الأخطاء الكبيرة إذا صَدَرَتْ عن جَهْلٍ أو خطأ؛ لأن الغاية بيان الحق، وتأليف القلوب عليه، وترغيبها في قبوله والانقياد له.([24])
وللشيخ مواقف كثيرة يستعمل فيها اللين مع من زل في مسائل العقيدة وأصول الدين، أو وقع في بدعة، ونحو ذلك، يخاطبه بخطاب مِلْؤُه الرفقُ والرغبةُ في الهداية والنصيحة، وذلك من كان الأصل فيهم الانتماء إلى أهل السنة والجماعة،([25]) وأشير هنا الى بعض منها:
3- رفقه بمن نَسَبَ مذهب التأويل في الأسماء والصفات إلى السلف
-رضي الله عنهم- وهذه زلة خطيرة كما لا يخفى!!:
فقد قال : «وقد اخطأ – عفا الله عنا وعنه([26]) – في نسبته إلى السلف». اهـ([27])
4- رِفْقُ سماحته بمن رخَّص في عمل المولد:
فقد قال : «فالكاتب([28]) – هداه الله إلى الصواب- خاض في هذه الأمور بغير علم… هداه الله». اهـ([29])
5- رفقه بالبوطي([30]) وقد تكلم في مسائل في التبرك:
فخاطبه بقوله: «فضيلتكم».
وقال له فيما أصاب فيه: «اطلعت على الفصل الذي أشرتم إليه في رسالتكم، وقرأتُهُ بتدبر؛ فوجدته فصلًا مفيدًا نافعًا -ضاعف الله مثوبتكم، وزادني وإياكم من العلم والهدى-». اهـ([31])
هذا كله من سماحته مع الدكتور البوطي والدكتور أشعري صوفي، وديدنه الطعْن في السلفيين، بل يقول -ساخرًا منهم-: «السَّفليين» و«السَّخَفيين» كما ذكره عنه شيخنا الألباني ([32]).
فتأملوا أخلاق العلماء الهُداة يا معشر الغلاة، وعارٌ عليكم تمسحكم بهم في هذه الأخلاق، وأنتم على النقيض منها!! بل أنتم تطعنون الطعنات الحاقدة الخاسئة في أقوام عُرفوا بالدعوة إلى التوحيد والسنة قبل أن يولد كثير منكم أيها المقلدة، فأين أنتم وأين الرفق والأدب في الرد على مخالفكم ممن هم أولى بالسنة منكم ومن كباركم!! وقد سمعت واحدًا من الغلاة المشاهير يبدِّع شخصًا من أهل السنة؛ لأنه كتب لرجل صوفي -أو من رؤوسهم- ويقول له في رسالته: «فضيلتكم»، أو «إلى الشيخ الفاضل»!! -مع أن السُّني قد يفعل ذلك تأليفًا لقَلْب المخاطب، أو حكايةً لحال الرجل عند الناس، كما في: «إلى هرقل عظيم الروم»- فهل هذا ومشايخه وأشباهه على منهج سماحته وإخوانه من علماء الأمة؟!
- رفقه بالشيخ جاد الحق في مقال له يدعو المسلمين إلى علاقات المودة والمحبة والأخوة مع غيرهم من أتباع الديانات الأخرى:
فقال : «ولقد كَدَّرَني كثيرا ما تضمنته هذه الجمل من المعاني المخالفة للآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ورأيتُ من النصح لسماحتكم التنبيه على ذلك؛ فإنه لا يخفى على سماحتكم أن الله -سبحانه- قد أوجب على المؤمنين بُغْضَ الكفار، ومعاداتِهِم، وعدمَ مودتهم وموالاتهم».اهـ([33])!!
15 – تفريق سماحته في الرد والإنكار على المخطئين بين من كان في الأصل على أصول أهل السنة؛ فَيُرْفَقُ به، وبين من لم يكن كذلك!!
فقد قال : «فالواجب على الداعي إلى الله، أن يُرَغِّب الناس في العلم، في حضور دعوة علماء السنة، ويدعوهم إلى القبول منهم، ويَحْذَرَ التنفير من أهل العلم المعروفين بالعقيدة الصحيحة، والدعوة إلى الله ، وكل واحد له أخطاء، ما أحد يَسْلَم، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كل ابن آدم خطاء، وخير الخطَّائين التوابون»([34])، وهكذا قول العلماء، قال مالك : ما منا إلا رادٌّ ومردود عليه، إلا صاحب هذا القبر، يعني الرسول
-صلى الله عليه وسلم-، فكل عالم له أخطاء، فالواجب أن يُنَبَّهَ على أخطائه بالأسلوب الحسن، ولكن ما يُنَفَّر منه وهو من أهل السنة، بل يُوَجَّه إلى الخير، ويُعَلَّم الخير، ويُنْصَح بالرفق في دعوته إلى الله ويُنَبَّهَ على خطئه، ويُدْعَى الناس إلى أن يطلبوا منه العلم، ويتفقهوا عليه؛ مادام من أهل السنة والجماعة، فالخطأ لا يوجب التنفير منه، ولكن ينبه على الخطأ الذي وقع منه، فكل إنسان له أخطاء، ولكن الاعتبار بما غلب عليه، وبما عُرِفَ عنه من العقيدة الطيبة، فالواجب على الدعاة إلى الله أن يتصبروا، وأن يَرْفُقُوا، وأن لا يَعْجَلُوا في أمورهم، وأن يتَحَرَّوْا الحق، وأن يحذروا التنفير من أهل العلم، وأن يحذروا أسباب الشحناء والعداوة، بل عليهم أن يَحْرِصوا على كل أسباب الاجتماع بين أهل العلم وأهل السنة والجماعة في دعوتهم إلى الله، وترغيبهم للناس في الخير؛ حتى يُكَثِّروا الدعاة إلى الله، وحتى ينتشروا، وحتى يَرْغَبَ الناس في الدعوة والأخذ عنهم، فإذا سمعوا هذا يُنَفِّر من هذا، وهذا يُنَفِّر من هذا؛ ضاعت الدعوة، وساءت الظنون!!([35])
فالواجب على علماء السنة التعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والرفق فيما بينهم، والحرص على إزالة أسباب الفرقة والاختلاف، والتفاهم في الأخطاء والغلط، كل واحد يخطئ، لا بد من التفاهم بين الجميع بالمكاتبة أو بالاجتماع أو بالهاتف، حتى تزول الفرقة، حتى تزول الوحشة، وحتى يجتمع الجميع على الحق والدعوة إليه: في مساجدهم، وفي بيوتهم، وفي مجتمعاتهم، فالواجب التعاون على البر والتقوى، والتناسي عما قد يقع من زلة وهفوة، من ذا الذي يَسْلَم؟! المهم أن تكون الدعوة سلفية، على طريق الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم، وأتباعهم بإحسان- مُعْتَمدا على كتاب الله وسنة رسوله -عليه الصلاة والسلام- لا على الأهواء، ولكن على كتاب الله وسنة رسوله، ولا على التقليد لفلان وفلان، يقول الله -جل وعلا-: [ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ] {النساء:59} ويقول -سبحانه-: [ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ] {الشورى:10} هذا هو الواجب على الجميع، ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا حكم الحاكم فاجتهد، فأصاب؛ فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، فأخطأ؛ فله أجر» فالداعي إلى الله والعالم المُوَجِّه إلى الخير، إذا أخطأ له أجر الاجتهاد، وإذا أصاب له أجران، ما دام على الطريقة السلفية، طريقة أهل السنة، مادام مُوَحِّدًا قاصدا للخير، فقد يغلط، فإن أصاب؛ فله أجران، وإن أخطأ؛ فله أجر، المهم أن تكون أصوله مستقيمة، وأن يكون على الطريق السوي على طريق سلف الأمة، تابعا لأصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولأئمة الإسلام، يريد تَفْهِيم الناس الخير، يريد تَوَجُّهَهُم إلى طاعة الله ورسوله، يريد كَفَّهُم عن محارم الله، يريد كَفَّهُم عن البدع التي انتشرت بين الناس، وليس بشرط أن يكون معصوما، العصمة للرسل فيما يُبَلِّغُون عن الله، لكن يجتهد ويحرص على طلب الحق بالأدلة الشرعية، ومَنْ صَدَقَ في ذلك وأَخْلَصَ لله؛ وفقه الله وأعانه، فَمَنْ عَلِمَ اللهُ مِنْ قَلْبِهِ الصدقَ والإخلاصَ، وأنه يريد الحق؛ فالله -سبحانه- يعينه ويسدده، فالواجب على كل داعية وعلى كل عالم أن يخلص لله، وأن يكون هدفه الحق، قصده الحق، قصده توجيه الناس إلى الخير، ليس له قَصْد آخر: من رياء، أو سمعة، أو طلب حَمْدِ الناس، أو غير هذا، إنما يقصد بدعوته إلى الله وتعليم الناس يقصد وجه الله، يقصد إخراجهم من الظلمات إلى النور، يريد إخراجهم من أسباب الهلاك، إلى أسباب السعادة، يريد إبلاغ رسالة الله ودعوة الله، فمن صَدَقَ مع الله، وأخلص لله؛ وفقه الله، وأعانه، وبارك في جهوده، وهَدَى به الأمة، وجَعَلَ له لسان صِدْقٍ في العالمين بسبب صِدْقِهِ وإخلاصه.
فأوصيكم -أيها الأخوة- مرة أخرى، أوصيكم بتقوى الله، وأوصيكم بالتعاون على البر والتقوى، وأوصيكم بطيب الكلام، والحرص على طيب الكلام، على الأسلوب الحسن، وعلى الرفق في الدعوة، وحُسْن الظن بإخوانكم أهل السنة، وعدم نَشْر ما يُشَوِّه سمعتهم من أغلاط، بل عالجوها بالطرق القيمة، بالمحادثة بينكم، بالاتصال الهاتفي، بالزيارة، بالمكاتبة الطيبة؛ حتى تزول الوحشة، وحتى يتضح الحق، وحتى يزول الخطأ، والهدف هو طاعة الله ورسوله، الهدف هو الدعوة إلى سبيل الله، الهدف هو هداية الناس، وإخراجهم من الظلمات إلى النور…». اهـ([36])
⏪ قلتُ: هذا كلام واضح في بيان منهج سماحته في سلوك مسلك الرفق ما أمكن، ولكن الغلاة يتعلقون بكل شيء يُسْلِم لهم منهجهم المنحرف، القائم على النقض والهدم:
فربما قال قائلهم: كلام سماحته فيمن هو صحيح العقيدة، ومن هو من أهل السنة، لكن الدعاة الذين تكلَّم فيهم مشايخنا ليسوا كذلك!!
فالجواب: إن كلام الشيخ بمجموعه واضح جدًّا، فقد صرَّح بأسماء عدد من هؤلاء الدعاة، الذين تخرجونهم أنتم من أهل السنة، بل تخرجون من لم يخرجهم من أهل السنة، وسماحته يصفهم بأنهم من أهل السنة، وعقيدتهم صحيحة، وسيرتهم حسنة، وأنتم ترونهم بأعيانهم وشحمهم ولحمهم رؤوس أهل البدع، وتُطلقون التحذير من كُتُبهم -لا فيما وقع فيه الخطأ منهم فقط- بل عقدتم الولاء والبراء على مواقفكم هذه، فيالله: كم أشعلتم الفتن في القرى والبوادي والمساجد والعواصم في هَجْر من لم يُبَدِّع هؤلاء الدعاة بأعيانهم، ويُخرجهم من دائرة أهل السنة والجماعة، ويُلحقهم بأهل البدع الكبرى بأصولها الفاسدة لمخالفتهم الحق في بعض المسائل!!
فكيف تُنْزِلون كلامه المُجْمَل هنا على أصحاب الصفاء والنقاء -في نظركم فقط- فما أقلَّهم إذًا؟!
ثم: هل أهل الصفاء من الأخطاء سيجرِّحهم أحد؟! كيف وقد صرَّح سماحته: أن الجميع خطَّاء، لكن العلاج لا يكون بالتشهير والتنفير!! فمَنْ هم الذين يشَهِّرون وينَفِّرون؟ وممن يُنفِّرون؟ وبمن يُشهِّرون؟ اللهم ارزقنا الفقه والفهم والصدق وسلامة القلوب!!
16 – ويرى سماحته أن الأصل في الرد على المخالفين أن يكون على الأوصاف، أي إنكار الأخطاء، لا التشهير بالأشخاص المخطئين، ما لم يَفْحُشْ خَطَرُ المخالف:
فقد سئل : «صَدَرَ عن سماحتكم بيانٌ قبل أسابيع حول أسلوب النقد بين الدعاة، فتأوله بعض الناس بتأويلات مختلفة، فما قول سماحتكم في ذلك؟
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فهذا البيان الذي أشار إليه السائل أردنا فيه نصيحة إخواني العلماء والدعاة بأن يكون نَقْدُهُم لإخوانهم فيما يَصْدُر من مقالات، أو ندوات، أو محاضرات: أن يكون نَقْدًا بَنَّاءً، بعيدا عن التجريح وتسمية الأشخاص؛ لأن هذا قد يسبب شحناء وعداوة بين الجميع.
وكان من عادة النبي -صلى الله عليه وسلم- وطريقته إذا بَلَغَه عن بعض أصحابه شيء لا يوافِقُ الشرع، نَبَّهَ على ذلك بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا» ثم يبين الأمر الشرعي -عليه الصلاة والسلام-.
ومن ذلك: أنه بلغه أن بعض الناس قال: أما أنا فأصلي ولا أنام، وقال الآخر: أما أنا فأصوم ولا أُفْطِر، وقال آخر: أما أنا فلا أتزوج النساء؛ فخطب الناس -صلى الله عليه وسلم- وحَمِدَ الله، وأثنى عليه، ثم قال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أُصَلِّي وأنام، وأَصُوم وأُفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي؛ فليس مني».([37])
فمقصودي: هو ما قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- أي: أن التنبيه يكون بمثل هذا الكلام، بعض الناس قال كذا، وبعض الناس يقول كذا، والمشروع كذا، والواجب كذا، فيكون الانتقاد من غير تجريح لأحد معين، ولكن من باب بيان الأمر الشرعي، حتى تبقى المودة والمحبة بين الإخوان وبين الدعاة وبين العلماء.
ولَسْتُ أقصد بذلك أناسا معينين، وإنما قَصَدْتُ العموم، جميعَ الدعاة والعلماء في الداخل والخارج.
فنصيحتي للجميع: أن يكون التخاطُبُ فيما يتعلق بالنصيحة والنقد عن طريق الإبهام، لا عن طريق التعيين؛ إذ المقصود التنبيه على الخطأ والغلط، وما ينبغي من بيان الصواب والحق، من دون حاجة إلى تجريح فلان وفلان. وفق الله الجميع». اهـ([38])
⏪ قلتُ: وقد فرح كثير من الغلاة بهذا البيان، وقالوا: الشيخ ما يقصدنا ولا يقصد مشايخنا ببيانه الأول!!
وهذا من عجيب إصرارهم على خطئهم: أليس الشيخ سَمَّى عددًا من الدعاة الذين تُفْحِشُون فيهم القول؟ وشهد لهم بأنهم من أهل السنة والعقيدة الطيبة والسيرة الحسنة؟ وهل أنتم ترَوْنَ ذلك؟ ثم أليس سماحة الشيخ يتكلَّم عن الطريقة الممقوتة عند سماحته وعند العلماء من السلف والخلف، وهي الإصرار على تعيين الأسماء مطلقًا عند الكلام؟ فهذه أفعال وأحوال ينكرها سماحته، فمن الذي يقوم بها، وينفخ في كير فتنتها غيركم؟ ثم إن سماحته من شأنه -كما هو الأصل في أهل السنة- الكلام عن المقالات والأفعال دون تعيين إلا فيما لابدَّ منه، ثم ننظر نحن بعد ذلك في هذه الأقوال والأفعال والأحوال المستنكرة عند سماحته، فمَن الذي يحمل لواءها اليوم؟ أو توَرَّط فيها قولًا وفعلًا وحالًا، من أجل أن يتنزل عليه كلام سماحته وكلام غيره من العلماء!!
فإلى متى هذه المراوغة، وعَقْد العزم على البحث عن أَدْنَى «قَشَّة» للتعلُّق بها -مع أنها لا تغني من الحقّ شيئًا- كما يفعل الغريق الباحث عن أي «قشَّة» للنجاة، وهي تَذْهَب معه إلى أعماق الماء ولا تُنْقذه!!
وهذا شأن من يعتقد ثم يستدل، فإذا ضُيِّق عليه؛ فزع إلى كُسَيْرٍ وعُوَيْرٍ وثالثٍ ما فيه خير!! كمن يستدل بقول سماحته : «ولَسْتُ أقصد بذلك أناسًا معيَّنين، وإنما قصدتُ العموم…» وهذا من كريم خُلُق سماحته؛ فإنه يُعَمِّم، لكن سياق الكلام أن سماحته يستنكر أفعالًا وأحوالًا، فهذه الأفعال والأحوال من الذي ابْتُلي بها وتورَّط فيها؟ وإذا لم يقصدكم الشيخ؛ لكن صرَّح بذمّ الأحوال التي لا تُعرف إلا عندكم وعند أشباهكم، فلا تَنْسِبوا ما أنتم عليه من الغلوّ والظلم لمشايخ كبار، لأن ذمهم لها واضح، ولله الحمد!!
وما يزداد المرء بكثرة جداله ولجاجته وتأويلاته الباردة العاطلة المتناقضة إلا سقوطًا من أعين الناس، والله هو العليم بذات القوب!!!
17 – وكان ينظر إلى الشخص أو الهيئة أو المؤسسة من مجموع جوانبها، وليس من جهة واحدة كما يفعل هؤلاء الغلاة وشيخهم والنافخ في كير فتنتهم:
ومن أمثلة ذلك:
6- قصة سماحته مع الشيخ عبد الفتاح القاضي ([39]):
وقد التقيت بصاحب الفضيلة الشيخ عبد العزيز القاري -رحمة الله عليه- قبل عدة سنوات، التقيت به في المدينة النبوية -على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم-، وقد كان في ذلك الوقت إماما وخطيبا لمسجد قباء – فيما أظن -، وهو أستاذ في الجامعة، وأستاذ في القراءات وفي علوم القرآن.
الشاهد: أنه قال لي: أنا أحكي لك قصة حصلت في حضوري، ومع سماحة الشيخ ابن باز لتعرف منهج الرجل، ومنهج هؤلاء -يشير إلى الغلاة الذين كنت أردّ عليهم بقوة آنذاك- والخلاصة فيها أنه قال: قيل للشيخ ابن باز: يا سماحة الشيخ، كيف تكون عندنا جامعة إسلامية في المدينة، وليس فيها كلية القرآن الكريم وعلومه -وذلك في أوائل ما تأسَّسَت الجامعة؟
فَبَيَّن سماحة الشيخ ابن باز أن هذه لَفْتَةٌ جيدة، لكن من هم الذين يعتنون بعلوم القرآن، من أجل أن نستقدمهم، ونستضيفهم في الجامعة؛ ليؤسسوا لنا هذه الكلية؟
فقالوا: علم القراءات علم مشهور به أهل مصر.
قال: ومن الذي يُحْسِنُ هذا الباب من أجل أن نكتب إليه نطلبه؟
فقالوا: الشيخ عبد الفتاح القاضي -والشيخ عبد الفتاح القاضي هذا هو شيخ للشيخ عبد العزيز القاري أيضًا- فإنه قال لي: أنا دَرَسْتُ عليه.
فحددوا موعدا لِلَّجْنَة من أساتذة الجامعة الإسلامية بحضور سماحة الشيخ، فاجتمعوا ليتشاوروا في الأمر، وليكتب سماحته رسالة للشيخ عبد الفتاح القاضي، يطلبونه يَقْدُمُ مع فريق معه يعرفه هو من جامعة الأزهر، متخصصين في علوم القرآن الكريم، من أجل أن يؤسسوا كلية القرآن الكريم في الجامعة الإسلامية، ويضعوا لها منهجها، ويتولوا تدريس ذاك المنهج لطلاب الجامعة -إن شاء الله تعالى-
قال: فحددنا موعدًا، واجتمعنا على الموعد الذي حدده سماحة الشيخ -رحمة الله عليه- من أجل أن نجلس معه، ويعطينا رسالة للشيخ عبد الفتاح القاضي، ونحدد موعد السفر، ونأخذ التذاكر للذهاب إلى مصر.
قال: وبينما نحن في الاجتماع؛ جاءنا رجل من هؤلاء المتأثرين بفكر الغلو والكلام فيمن وقع في قليل أو كثير من البدع بشدة وتجريح، فقال: يا شيخ، أنا سمعت أنك سترسل وفدًا ورسالة لاستقدام عبد الفتاح القاضي المصري من أجل إنشاء كلية القرآن الكريم هنا في الجامعة!! قال: نعم، قال: طيب، هذا كُتَيِّب لعبد الفتاح القاضي، يترجم لنفسه، يتكلم فيه عن نفسه وعقيدته، هل تأذن لي أن اقرأ عليك ماذا قاله عن نفسه؟ من أجل أن لا يُقال: إن فلانًا افترى عليه، أو أن فلانًا كذب عليه،… إلى غير ذلك؟! بل سأقرأ لك ما قال هو عن نفسه، قال الشيخ له: تَفَضَّل، قال: هذه رسالة له وفي آخر هذه الرسالة قال عبد الفتاح القاضي: كتبه عبد الفتاح القاضي: الدمنهوري مولدًا، الأزهري منشأً، الأشعري عقيدةً، النقشبندي طريقةً!
ثم قال له: يا شيخ، هل تأمن على أبناء المسلمين يتعلمون القرآن عند رجل هذا حاله، وهو يتكلم عن نفسه بهذا؟ الأشعري عقيدة، النقشبندي طريقة؟ يعني الرجل أشعري صوفي!
فالشيخ أطرق قليلا، ثم قال له: نحن لا نريده في العقيدة، إنما نريده فقط في تدريس علوم القرآن والقراءات… إلى غير ذلك، نحن نريده في علم خاص، ولا يضرنا أن نختلف معه في العقيدة.
قال: يا شيخ، يا شيخ، الرجل كذا، الرجل كذا…المهم أكثر على الشيخ من الاعتراض؛ ليُثْنِيَ الشيخ عن رأيه، فالشيخ كان من عادته إذا أكثر عليه أحد بالكلام الذي لا يرتضيه -والشيخ رحمة الله عليه رجل خلوق وليِّن وسمح وسهل- فلا يقول للواحد إذا أكثر عليه من الكلام: اسْكُتْ، أو ينهره، فلم يكن فظًّا غليظا في العبارة، إنما كان يقول: سَبِّحْ سَبِّحْ، يعني اشتغل بالتسبيح؛ فإنه أَحْسن لك مما أنت مشتغل به، أو كبِّر أو هلِّلْ، هذه كانت عبارته ، فقال له: سَبِّحْ سَبِّحْ أو نحو ذلك بمعنى اسكت، ومعلوم أن الشيخ إذا قال هذا؛ فمعناه ترك هذا الكلام، فخرج الرجل، وجلس القوم لتجهيز الرسالة، وأعطاهم سماحة الشيخ الرسالة وقال لهم: اذهبوا إلى الشيخ عبد الفتاح القاضي، فذهب رئيس الوفد والوفد معه إلى مصر، والتقوا بالشيخ عبد الفتاح القاضي، والشيخ عبد الفتاح القاضي لما رآهم ومعهم الشيخ عبد العزيز القارئ -وهو تلميذ له- قال: أكرمنا غاية الإكرام، وأبدى لنا حفاوة لا تكاد تكون إلا من رجل محب، فعندما تغدينا، وانتهينا من الغداء؛ قام رئيس الوفد وسلَّم الرسالة من سماحة الشيخ ابن باز للشيخ عبد الفتاح القاضي -رحم الله الجميع-.
قال الشيخ عبد العزيز القاري : فلاحَظْتُ الشيخ عبد الفتاح القاضي وهو يقرأ الرسالة وأنا أنظر فيه، وأنظر لمحات الرسالة وآثارها في وجهه، وهو تعلوه ظلمة، قال: فقرأ الرسالة وإذا بحفاوة الرجل وبشاشته وتهلل وجهه أمامنا انقلب عتمة وظلمة واسودادًا وهو يقرأ الرسالة، فأنا وقع في نفسي وأنا أتابع وجه الشيخ بدقة، فوقع في نفسي أن الشيخ سيكون له رد لا يعجبنا، فقرأ الرسالة وبعدما قرأ الرسالة؛ التفت إلينا، وقال باللهجة المصرية: «يعني بعد هذا العمر الطويل -وأمسك بلحيته- وبعد ما بَلَغْتُ هذا السِنَّ؛ أَرُوحُ عند الوهابية وِلَادِ الكَلْب دُولا»!!!
قال: فلما سمعنا هذا الكلام منه؛ أُسْقِطَ في يدي، وعلمتُ أن هذا الرجل لا يَصْلُح لنا ولا نَصْلُح له، وأن ذاك الرجل الذي جاءنا في المدينة، واستنكر علينا كيف نأتي بهذا الشخص إلى جامعتنا؛ أنه كان مُصيبًا في رأيه -هكذا يقول الشيخ عبد العزيز القاري -، قال: فعند ذلك قُمْنا، وأَخَذْنا ملفاتنا وأوراقنا، واستأذنَّا، ومَشِينا، المهم بالطريقة التي يتواصل بها الناس في ذلك الوقت تواصلوا مع سماحة الشيخ، وقالوا: يا شيخ -حفظك الله- هذا الشيخ لا يصلح لنا، فننظر شيخًا آخر غيره -ومعلوم أنهم مدحوه جدًّا في البداية، والآن قالوا: نبحث عن غيره يقوم بهذه المهمة، فقال سماحته: لا لا، ما نريد إلا إياه، انتظروا عندكم مكانكم، وأنا أتصل بشيخ الأزهر؛ كي يقنعه بهذا الشيء، أي بالمجيء إلينا.
فالشاهد: إصرار سماحة الشيخ على استقدام الشيخ عبد الفتاح بعد أن سمع كلمة «الوهابية ولاد الكلب»، تتصور أن رجلا يقول على سماحته هذا الكلام، ويسبُّه وعلماء بلده، ومع ذلك لا زال يطالب فيه؟ لكن سماحته يعرف المصلحة المرجوة من وجود هذا الشيخ ونَفْعه، ولا ينظر إلى الخلافات الأخرى التي عنده، لأنه ينظر للرجل من حيث الجملة، ولا ينظر للرجل من جهة واحدة.
عند ذلك اتصل سماحة الشيخ بشيخ الأزهر، وقال له: نحن نريد الشيخ عبد الفتاح القاضي يأتي عندنا، ويؤسس كلية القرآن الكريم في الجامعة الإسلامية بالمدينة، وينفع الله به، وهذا العلم ليس موجودا عندنا، وأنتم المشهورون بهذا العلم، لكن الشيخ رفض دعوتنا إياه، ونريد منكم أن تكلموا الشيخ عبد الفتاح، وتقنعوه بذلك.
فشيخ الأزهر اتصل بالشيخ عبد الفتاح القاضي، فماذا قال له؟ كَلَّمَه باللهجة المصرية المعروفة: «وادْ -أي يا ولد- يا عبد الفتاح([40])، أنت يجيك وفد من عند سيدنا النبي وتردهم؟ ما تخاف على نفسك؟! أي كيف يأتيك وفد من مدينة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وتردّهم، ولا تلبِّي دعوتهم؟! قال: فما أن سمع هذه الكلمة ممن اتصل به؛ إلا قال: خلاص يا مولانا، ولم يأت له بدليل ولا برهان، إنما قال له خلاص يا سيدنا إن شاء الله يا فضيلة الإمام أنا بروح، المهم جاء الشيخ عبد الفتاح القاضي إلى المدينة، وأسَّس الكلية هو والفريق الذي معه، ونشروا هذا العلم المبارك بين أبناء المسلمين من أنحاء العالم، وإلى الآن هذا العلم في كلية القرآن الكريم حسنة من حسنات سماحة الشيخ بسبب الفقه الصحيح للمقاصد، والنظرة الشاملة للشخص من جميع الجهات.
وهناك زيادة في هذه الحكاية كلمني بها الشيخ عبد الله بن الشيخ الأمين الشنقيطي صاحب «أضواء البيان» -حفظه الله- ورحم الله والده الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، والشيخ عبد الله حي إلى الآن، وكان الشيخ عبد الله الشنقيطي -حفظه الله- يقود السيارة بالشيخ عبد الفتاح القاضي إلى الجامعة، قال: وكنت أذهب به لسماحة الشيخ ابن باز، وقال: إذا كان هناك موعد للشيخ عبد الفتاح من سماحة الشيخ ابن باز؛ نذهب للشيخ ابن باز، فنجده منتظرا لنا على الباب الخارجي لمكتب سماحته، وليس قاعدًا في المكتب أو داخل المجلس، لا، بل نجده منتظرًا لنا على الباب العام لمكتبه، فكان سماحة الشيخ ابن باز يجِلُّه ويحترمه ويُولِيهِ اهتماما.
الشاهد من هذا: قال الشيخ عبد الفتاح القاضي للشيخ عبد الله الشنقيطي -حفظه الله- يومًا: يا شيخ عبد الله، هل تعلم أحدًا على وجه الأرض مثل سماحة الشيخ ابن باز؟ فالشيخ عبد الفتاح أُعْجِب بطريقة سماحة الشيخ ابن باز في التعامل، ولا أدري الآن هل قال لي فضيلة الشيخ عبد الله الشنقيطي -حفظه الله-، ولم يفاتح سماحةُ الشيخ ابن باز الشيخَ عبد الفتاح القاضي في المسائل العقدية، أم لا، لكن المتوقع أن سماحة الشيخ مع إجلاله للشيخ عبد الفتاح؛ فإنه سيفاتحه بلطف ورفق وإجلال في المسائل الخلافية، لكن هل استفاد من ذلك الشيخ عبد الفتاح، وغيَّر قوله أم لا؟ وسواء كان هذا أو ذاك؛ فحُسْن معاملة سماحته له جعله يقول للشيخ عبد الله الشنقيطي يومًا: يا شيخ عبد الله، هل تعلم أحدًا على وجه الأرض مثل سماحة الشيخ ابن باز؟ فقال: أنا لا أعلم، فقال له الشيخ عبد الفتاح: إذا لم يكن ابن باز وليًّا لله؛ فليس لله في الأرض وليّ!!
فانظر هذه المعاملة من سماحته، انظر هذه الأخلاق، انظر هذه السماحة حقا، انظر هذا الفهم الصحيح الرائق الصافي، ولا تَنْسَ أن الثمرة من استقدام الشيخ عبد الفتاح والفريق الذي معه قد تحقَّقَت دون مفسدة -ولله الحمد- وانظر تعامل هؤلاء الغلاة مع أهل السنة الصافية، لكنهم لا يوافقون شيخهم على أحكامه الظالمة الجائرة، فتراهم يتعاملون مع رجلٍ من أهل السنة الصافية، فلا هو نقشبندي، ولا هو أشعري، ولا شيء من هذا كله، رجل سنة رائقة صافية، لكن اختلف معهم في تبديع فلان، أو اختلف معهم في تخطئة فلان، أو اختلف معهم في هجر فلان،… إلخ، فإذا بهم ينسفون ما عنده من خير ودعوة ونفع للإسلام والمسلمين، ويحذِّرون كلَّ من بَلَغَهُ كلامهم من جميع صور الاستفادة من هذا الشخص، فأين هؤلاء الخسَّافون من منهج العلماء الربانيين؟ وأين الثرى وأين الثريا؟!
7- شفاعته في نجم الدين أربكان ([41]):
⏪ يقول الشيخ (عبد الله بن قعود) :
ذات مرّة اتصل بي الشيخ عبد العزيز (يعني ابن باز ) بعد صلاة العصر، وقال: يا شيخ عبد الله، أريد أن تأتيني الآن! فاتجهت إليه وأنا أُفكِّر: ماذا يريد الشيخ في هذا الوقت، الذي هو وقت راحته في العادة، ولما وصَلْتُ داره؛ وجدته في انتظاري، يترقب مجيئي إليه، وبيده ظَرْفٌ مُغْلَق، فرحب بي، ثم سارَّني قائلًا: يا شيخ عبد الله، تذْكرتُك إلى باكستان جاهزة، وأريد أن تسلِّم هذا الخطاب لأخينا ضياء الحق بنفسك!
وحكى لي قصة الظرف باختصار؛ فحاولت أن أعتذر لبعض الأشغال الخاصة؛ فلم يترك لي الشيخ مجالًا، وقال: استعن بالله، وستجد الإخوة في انتظارك هناك!
قال: فجهزت نفسي، وسافرت إلى هناك، ولما وصلت مطار إسلام آباد، وجدت جمعًا من الإخوة في استقبالي، وسِرْنا إلى حيث كان الرئيس ضياء الحق ، ووجدنا ضياء الحق عند مدخل المبنى؛ فاستقبلنا، ورحب بنا ترحيبا قويًا، ثم جلسنا، وسلمته الخطاب، فنظر فيه، ثم قال: إن شاء الله.. إن شاء الله!
ولمَّا هممنا بالانصراف، قال: بلّغ سلامنا للشيخ ابن باز، وإن شاء الله يسمع ما يسره (أو كلامًا نحو هذا). قال: وكان الشيخ قد قال لي: هذا الخطاب فيه شفاعة خاصّة في أخينا نجم الدين أربكان، لعلّ الله ييسر له الخروج من السجن.. وكان نجم الدين أربكان – وفقه الله – قد سُجن حينها بأمر من الرئيس التركي الجنرال (كنعان إيفرين).
قلنا _ القائل أحد طلاب الشيخ ابن قعود -: يا شيخ عبد الله! وما علاقة ضياء الحق بالموضوع؟ لماذا اختاره الشيخ، ووجه له الرسالة؟! قال: سألت الشيخ – يعني ابن باز – فقال: له به علاقة صداقة قديمة! لعلّ الله ينفع به، لعلّ الله ينفع به!
ثم سألنا الشيخ ابنَ قعود جميعًا بصوت متقارب: هل كان لهذه الشفاعة أثر؟ قال الشيخ: نعم، لم نلبث حتى سمعنا خبر إطلاق سراح نجم الدين أربكان، وما إن خرج حتى بدأ في تأسيس حزبه الإسلامي باسم جديد!
منقول من كتاب [العنبر والعود في سيرة العلامة ابن قعود لخالد بن عبد الرحمن بن حمد الشايع].
فهذا الرئيس أربكان المؤسس الأول لفكر جماعة «الإخوان المسلمين» في تركيا، ومع ذلك شفع فيه سماحة الشيخ ولو كان أحد هؤلاء الغلاة؛ لأكثر من الدعاء أن يسلِّط الله عليه العلمانيين في تركيا، بل ربما دعا عليه بالقتل!! فأين الثرى وأين الثريا؟
ولاشك أن الموازنة إذا كانت بين رجل ينتمي للعمل الإسلامي -على ما فيه من تقصير وتفريط وولاء وبراء ضيِّقين، ومع ذلك فإنه يحرص على إحياء كثير من الثوابت وأركان الدين، ويحافظ على الفضيلة والهوية الإسلامية… إلخ، فإنه لا مقارنة بينه وبين علمانيّ حاقد على الإسلام، يتعاون مع جميع أهل البدع -لاسيما الروافض- ضد أهل التوحيد، ويدعو إلى التفسُّخ والرذيلة، ويرتمي بالبلاد في أحضان الغرب… إلخ، وهذا كله في نظر العقلاء الذين ينظرون للأمر من جميع جوانبه، ومراعاة جميع القرائن، ودفع المفسدة الكبرى بارتكاب الصغرى، أما الغلاة فلهم عقول غير عقول العقلاء سلفًا وخلفًا، والله المستعان!!
⏪ قلتُ: ومن أراد المزيد؛ فلينظر إلى هذا الكتاب (منهج سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز في الرد على المخالفين) – نايف بن ممدوح بن عبد العزيز آل سعود، تقديم عبد المحسن بن حمد العباد البدر، د. صالح بن فوزان الفوزان، دار المودة، مصر، دار التأصيل، مصر، ط 3، 1429 هـ / 2008 م، 141 صفحة.
وهذا رابط تحميل الكتاب:
http://www.moswarat.com/books_view_1218.html
j j j













