تنبيهات
تنبيهات
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام الأتَمَّان الأكْملان على من لا نبي بعده، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصَحْبِه.
أما بعد: فهذه تنبيهات بين يَدَيْ هذا الكتاب -إن شاء الله تعالى-:
- أولًا: لا بد من تقرير أمرٍ هامٍّ، وهو أن التحاكم إلى ما أنزل الله
-عَزَّ وَجَلَّ- فَرْضُ عَيْنٍ على كل مسلم ومسلمة في أمرهم كله؛ فقد فرض الله
-تبارك وتعالى- الحكم بشريعته والتحاكم إليها، وأَوْجَب ذلك على عباده، وجَعَله من جملة الغايَة من إنزال الكتاب، فقال -سبحانه وتعالى-: [ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ] {البقرة:213}.وقال -تعالى شأنه-: [ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ] {النساء:105}.
وبَيَّنَ -سبحانه جل شأنه- اختصاصَهُ وتَفَرُّدَهُ بالحكم، فقال: [ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ] {الأنعام:57}، وقال -سبحانه وتعالى-: [ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ] {يوسف:40}.
وجاءتْ الآياتُ القرآنيةُ مُؤَكِّدةً على أن الحكمَ بما أنزل الله، والاحتكام إليه دون غيره من صفات المؤمنين، وأن التحاكم إلى غير ما أنزل الله -وهو حُكْم الطاغوت والجاهلية- من صفات المنافقين، قال -سبحانه جل قدره-: [ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ] {النور:47-51}. وقال -تبارك وتعالى-: [ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ] { النساء:59-62}.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ – عن الآيات الكريمة التي في هذا المقام: «ذَمَّ – الله عَزَّ وَجَلَّ – الْمُدَّعِينَ الْإِيمَانَ بِالْكُتُبِ كُلِّهَا؛ وَهُمْ يَتْرُكُونَ التَّحَاكُمَ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَيَتَحَاكَمُونَ إلَى بَعْضِ الطَّوَاغِيتِ الْمُعَظَّمَةِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، كَمَا يُصِيبُ ذَلِكَ كَثِيرًا مِمَّنْ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ، وَيَنْتَحِلُهُ فِي تَحَاكُمِهِمْ إلَى مَقَالَاتِ الصَّابِئَةِ الْفَلَاسِفَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ، أَوْ إلَى سِيَاسَةِ بَعْضِ الْمُلُوكِ الْخَارِجِينَ عَنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ مِنْ مُلُوكِ التُّرْكِ وَغَيْرِهِمْ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: تَعَالَوْا إلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ؛ أَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ إعْرَاضًا، وَإِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ فِي عُقُولِهِمْ وَدِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ بِالشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ، أَوْ فِي نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ عُقُوبَةً عَلَى نِفَاقِهِمْ؛ قَالُوا: إنَّمَا أَرَدْنَا أَنْ نُحْسِنَ بِتَحْقِيقِ الْعِلْمِ بِالذَّوْقِ، وَنُوَفِّقَ بَيْنَ «الدَّلَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ» وَ «الْقَوَاطِعِ الْعَقْلِيَّةِ» الَّتِي هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ ظُنُونٌ وَشُبُهَاتٌ، أَوْ «الذَّوْقِيَّةُ» الَّتِي هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ أَوْهَامُ وَخَيَالَاتُ، [ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ] {النساء:63} إلَى قَوْلِهِ: [ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ] {النساء:65}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ] {النور:47-48} إلَى قَوْلِهِ: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ] الْآيَةَ {النور:51}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ] {البقرة:91}». اهـ([1])
ويقول – رَحِمَهُ اللهُ – أيضًا: «وَمَعْلُومٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّهُ يَجِبُ تَحْكِيمُ الرَّسُولِ فِي كُلِّ مَا شَجَرَ بَيْنَ النَّاسِ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، فِي أُصُولِ دِينِهِمْ وَفُرُوعِهِ، وَعَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ إذَا حَكَمَ بِشَيْءِ أَلَّا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا حَكَمَ، وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، قَالَ تَعَالَى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ] {النساء:60-61}، وَقَوْلُهُ: [ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ] وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، وَهِيَ السُّنَّةُ، قَالَ تَعَالَى: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ] {البقرة:231}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ] {النساء:113}». اهـ([2])
وقال -تبارك وتعالى ذِكْره-: [ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ] {المائدة:49}.
وقد أَوْجَبَ الله تعالى التحاكُم إلى شَرعِهِ مع الإذعان والتسليم لشريعته، قال تعالى: [ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ] {النساء:65}.
يقول أبو محمد ابن حزم – رَحِمَهُ اللهُ -: «فسَمَّى الله تعالى تحكيمَ النبيِّ
-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إيمانًا، وأخبر الله تعالى أنه لا إيمان إلا ذلك، مع أنه لا يُوجَدُ في الصَّدْر حَرَجٌ مما قَضَى، فصَحَّ يقينًا: أن الإيمان عَمَلٌ وعَقْدٌ وقَوْلٌ؛ لأن التحكيم عَمَلٌ، ولا يكون إلا مع القول، ومع عدم الحرج في الصدر، وهو عَقْد». اهـ([3])
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ -: «وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: [ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ] {النساء:65} فَكَلُّ مَنْ خَرَجَ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَشَرِيعَتِهِ؛ فَقَدْ أَقْسَمَ اللَّهُ بِنَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ حَتَّى يَرْضَى بِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي جَمِيعِ مَا يَشْجُرُ بَيْنَهُمْ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَحَتَّى لَا يَبْقَى فِي قُلُوبِهِمْ حَرَجٌ مِنْ حُكْمِهِ، وَدَلَائِلُ الْقُرْآنِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ كَثِيرَةٌ، وَبِذَلِكَ جَاءَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَسُنَّةُ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ». اهـ([4])
ويقول القاضي الشوكاني – رَحِمَهُ اللهُ – عند تفسيره لقوله تعالى: [ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ …]:
«وفي هذا الوعيدِ الشديدِ ما تَقْشَعِرُّ له الجلودُ، وتَرْجُفُ له الأفئدةُ؛ فإنه أولًا: أَقْسَم – سبحانه – بنفسه مؤكِّدًا لهذا القَسَم بحرف النفي بأنهم لا يؤمنون، فَنَفَى عنهم الإيمانَ الذي هو رأسُ مالِ صالحي عباد الله؛ حتى تَحْصُلَ لهم غايةٌ، هي تحكيم رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-.
ثم لم يَكْتَفِ – سبحانه – بذلك حتى قال: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ] فَضَمَّ إلى التحكيم أمرًا آخر، وهو عَدَمُ وجود حَرَجٍ، أي: حَرَج في صدورهم، فلا يكون مجردُ التحكيم والإذعان كافيًا؛ حتى يكون من صَمِيمِ القلب عن رضا، واطمئنانٍ، وانْثِلاجِ قَلْبٍ، وطِيبِ نَفْسٍ.
ثم لم يكْتَف بهذا كله؛ بل ضمّ إليه قولَهُ: [ﯭ] أي يُذْعِنُوا، وينقادوا ظاهرًا وباطنًا.
ثم لم يَكْتَفِ بذلك؛ بل ضمّ إليه المصدر المؤكَّد، فقال: [ﯮ].
فلا يَثْبُتُ الإيمان لعبد حتى يقعَ منه هذا التحكيمُ، ولا يَجِدَ الحرجَ في صَدْرِه بما قَضَى عليه، ويُسَلّمَ لحكم الله وشرعِهِ تسليمًا لا يخالطه ردٌّ، ولا تَشُوبُهُ مخالفةٌ». اهـ([5])
وقد توعد الله -تبارك وتعالى- مَنْ لم يَحْكُمْ بِشَرْعِهِ؛ فقال تعالى: [ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ] {المائدة:44-45}، وقال تعالى: [ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ] {المائدة:47}، وقال تعـالى: [ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ] {النور:63}.
- ثانيًا: واعلم -رحمني الله وإياك- أن حُكم الله -تبارك وتعالى- هو أَحْسَنُ الأحكام وأقْوَمُها وأَنْفَعُها للفرد والمجتمع في الحال والمآل: قال
-تعـالى شأنه: [ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ] {المائدة:50}، وقال -تعالى قدره-: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ] {الشورى:52}
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ -: «وَإِذَا خَرَجَ وُلَاةُ الْأُمُورِ عَنْ هَذَا؛ فَقَدْ حَكَمُوا بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَوَقَعَ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ، قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَا حَكَمَ قَوْمٌ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ؛ إلَّا وَقَعَ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ»([6])، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ تَغْيِيرِ الدُّوَلِ، كَمَا قَدْ جَرَى مِثْلُ هَذَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فِي زَمَانِنَا وَغَيْرِ زَمَانِنَا، وَمَنْ أَرَادَ اللَّهُ سَعَادَتَهُ؛ جَعَلَهُ يَعْتَبِرُ بِمَا أَصَابَ غَيْرَهُ، فَيَسْلُكُ مَسْلَكَ مَنْ أَيَّدَهُ اللَّهُ وَنَصَرَهُ، وَيَجْتَنِبُ مَسْلَكَ مَنْ خَذَلَهُ اللَّهُ وَأَهَانَهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: [ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ] {الحج:40-41}.
فَقَدْ وَعَدَ اللَّهُ بِنَصْرِ مَنْ يَنْصُرُهُ، وَنَصْرُهُ هُوَ نَصْرُ كِتَابِهِ وَدِينِهِ وَرَسُولِهِ؛ لَا نَصْرَ مَنْ يَحْكُمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَيَتَكَلَّمُ بِمَا لَا يَعْلَمُ». اهـ([7])
وقال الإمام ابن القيم – رَحِمَهُ اللهُ -: «إن قوله: [ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ] {النساء:59}، نَكِرَةٌ في سياق الشرط، تَعُمُّ كُلَّ ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين: دِقِّهِ وجُلِّهِ، وجَلِيِّهِ وخَفِيِّهِ.
ولو لم يكن في كتاب الله ورسوله بيانُ حُكْمِ ما تنازعوا فيه، ولم يَكُن كافيًا؛ لم يَأْمُرْ بالرد إليه؛ إذْ من الممتنع أن يأمر تعالى بالردّ عند التنازع إلى من لا يُوجَد عنده فَصْلُ النزاع، ومنها أنه جعل هذا الرَّدَّ من موجِبات الإيمان ولوازمِهِ، فإذا انتفى هذا الرَّدُّ؛ انتفى الإيمان؛ ضرورةَ انتفاءِ الملْزُومِ لانتفاءِ لازِمِهِ، ولا سيما التلازُمُ بين هذين الأمرين؛ فإنه من الطرفين، وكل منهما ينتفي بانتفاء الآخر، ثم أخبرهم أن هذا الردَّ خير لهم، وأن عاقبته أَحْسَنُ عاقبةً». اهـ([8])
ويَحْكِي الإمام ابن القيم – رَحِمَهُ اللهُ – شيئًا من عواقب تَنْحِيَةِ حُكْمِ الله
– تعالى – فقال:
«لما أَعْرَضَ النَّاسُ عَن تحكيم الْكتاب وَالسّنة والمحاكَمَةِ إِلَيْهِمَا، واعتقدوا عَدَمَ الِاكْتِفَاء بهما، وَعدلُوا إِلَى الآراء وَالْقِيَاس وَالِاسْتِحْسَان وأقوال الشُّيُوخ؛ عَرَضَ لَهُم من ذَلِك فَسَادٌ فِي فِطَرِهِمْ، وظُلْمَةٌ فِي قُلُوبهم، وكَدَرٌ فِي أفهامهم، ومَحْقٌ فِي عُقُولهمْ، وعَمَّتْهُم هَذِه الْأُمُور، وغَلَبَتْ عَلَيْهِم حَتَّى رُبِّي فِيهَا الصَّغِيرُ، وهَرِمَ عَلَيْهَا الْكَبِيرُ، فَلم يَرَوْهَا مُنْكَرًا؛ فجاءتْهم دولةٌ أُخْرَى قَامَت فِيهَا الْبدعُ مقَامَ السّنَن، وَالنَّفسُ مقَامَ الْعَقْل، والهَوى مقَامَ الرُّشْد، والضلالُ مقَامَ الْهُدَى، وَالْمُنْكَرُ مقَامَ الْمَعْرُوف، وَالْجَهْلُ مقَامَ الْعِلْم، والرِّيَاءُ مقَامَ الْإِخْلَاص، وَالْبَاطِلُ مقَامَ الْحَقِّ، وَالْكَذِبُ مقَامَ الصِّدْق، والمُدَاهَنَةُ مقَامَ النَّصِيحَة، وَالظُّلمُ مقَامَ الْعدْل؛ فَصَارَت الدولةُ وَالْغَلَبَة لهَذِهِ الْأُمُور، وَأَهْلُهَا هُم الْمشَارُ إِلَيْهِم، وَكَانَت قبل ذَلِك لأضدادها، وَكَانَ أَهلُهَا هُم الْمشَارُ إِلَيْهِم، فَإِذا رَأَيْتَ دَوْلَةَ هَذِه الْأُمُورِ قد أَقْبَلَتْ، وراياتِها قد نُصِبَتْ، وجيوشَها قد رُكِبَتْ؛ فبَطْنُ الأَرْضِ -وَالله- خيرٌ من ظَهْرهَا، وقُلَلُ الْجبَال خيرٌ من السُّهُول، ومخَالطَةُ الْوَحْش أَسْلَمُ من مُخَالطَة النَّاس». اهـ([9])
- ثالثًا: وقوعُ المرء المسلم في شيء من المكفراتِ لا يَلْزَمُ منه كُفْرُهُ بعينه، وذلك أن تكفير المسلم المعيَّن مشروط بإقامة الحجة، وبيان المحجة، وإزالة الشبهة التي يَكْفُر مخالفها، وهذا إنما يكون عند تنزيل الحكم العام على المعين؛ ففَرْق بين القول والقائل، والفعل والفاعل، وليس كل من قال أو فعل الكفر كافرا، بل لا بد من التفرقة بين الحكم المطلق والحكم على المعيَّن.
قال الإمام ابن عبد البر – رَحِمَهُ اللهُ -: «ومِن جهة النظر الصحيح الذي لا مَدْفع له: أن كُلَّ مَن ثَبَتَ له عَقْدُ الإسلام في وقتٍ بإجماع من المسلمين، ثم أَذْنَبَ ذنبًا، أو تَأَوَّلَ تأويلًا؛ فاختلفوا بَعْدُ في خروجه من الإسلام؛ لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معنىً يوجِبُ حُجَّةً، ولا يَخْرُجُ من الإسلام المتفق عليه إلا باتفاقٍ آخر، أو سنةٍ ثابتةٍ لا مُعَارِضَ لها». اهـ ([10])
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ -: «وليس لأحد أن يُكَفِّر أحدًا من المسلمين -وإن أخطأ وغَلِطَ- حتى تقام عليه الحجةُ، وتُبيَّنَ له المَحَجَّةُ، ومن ثَبَتَ إسلامُهُ بيقينٍ؛ لم يَزُلْ ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة». اهـ([11])
وعليه؛ فما قرره أهل العلم مِن الكفر الأكبر في القول الفلاني أو الفعل الفلاني؛ لا يلزم منه كُفْرُ كُلِّ من وقع فيه؛ إذْ لا بد من إقامة الحجة، وإزالة الشبهة قبل تنزيل الحكم بالكفر على المعيَّن من المسلمين.
4.رابعًا: كُفْرُ الحاكم بالرِّدة أو بالكُفْر الأصلي لا يَلْزَم منه جوازُ الخروج عليه ومناجَزَتُهُ ولا بد، وذلك أنه يشترط لجواز الخروج على الحاكم بعد كُفْره الأكبر، وإقامة الحجة عليه، وإزالة الشبهة التي عنده: القدرةُ على إزالته، والقدرةُ على تَنْصِيب حاكمٍ مُسْلِمٍ مكانه -وإن كان فيه ظُلْم-وألاّ يترتب على هذا الخروج مفسدةٌ على المسلمين أَعْظَمُ من مفسدة بقائِهِ وإن كان كافرا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ –: «فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مُسْتَضْعَفٌ، أو في وقت هو فيه مُسْتَضْعَفٌ؛ فَلْيَعْمَلْ بآية الصبر والصفح عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة؛ فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر، الذين يَطْعَنُون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يُعْطُوا الجزيةَ عن يدٍ وهم صاغرون». اهـ([12])
وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – رَحِمَهُ اللهُ –: «إلا إذا رأى المسلمون كفرًا بواحًا عندهم من الله فيه برهان؛ فلا بأس أن يَخْرُجوا على هذا السلطان لإزالته إذا كان عندهم قدرة، أما إذا لم يَكُنْ عندهم قدرةٌ؛ فلا يخرجوا، أو كان الخروج يُسَبِّبُ شرًا أكثر: فليس لهم الخروج؛ رعايةً للمصالح العامة.
والقاعدة الشرعية المجْمَع عليها أنه: (لا يجوز إزالة الشر بما هو أَشَرُّ منه)؛ بل يجب درء الشر بما يُزِيلُه، أو يُخَفِّفُه، أما درء الشر بِشَرِّ أكثر؛ فلا يجوز بإجماع المسلمين، فإذا كانت هذه الطائفة – التي تريد إزالة هذا السلطان الذي فَعَلَ كفرًا بواحًا – عندها قدرة تزيله بها، وتضع مكانه إمامًا صالحًا طيبًا، أو أقل شرا منه، من دون أن يترتب على هذا فسادٌ كبير على المسلمين، وشرٌّ أعظم من شَرِّ هذا السلطان؛ فلا بأس، أما إذا كان الخروج يترتب عليه فسادٌ كبير، واختلالُ الأمن، وظُلْمُ الناس، واغتيالُ من لا يستحقّ الاغتيال… إلى غير هذا من الفساد العظيم؛ فهذا لا يجوز». اهـ([13])
وقال شيخنا محمد صالح بن عثيمين – رَحِمَهُ اللهُ – عن الخروج على الحاكم الكافر: «إن كنا قادرين على إزالته؛ فحينئذ نَخْرُجُ، وإذا كنا غير قادرين؛ فلا نَخْرُجُ؛ لأن جميع الواجبات الشرعية مشروطة بالقدرة والاستطاعة، ثم إذا خرجنا؛ فقد يترتب على خروجنا مفسدةٌ أكبرُ وأعظمُ مما لو بَقِيَ هذا الرجل على ما هو عليه؛ لأننا لو خَرَجْنَا، ثم ظَهَرَتْ العِزَّةُ له؛ صِرْنَا أَذِلَّةً أكْثَرَ، وتمادى في طُغيانه وكُفره أكثر». اهـ([14])
✍ قلت: وفي أكثر الحالات في زماننا: يظن الخارجون أن عندهم قدرة على إزالة من وقع في الكفر البواح، وهم –للأسف- غير معروفين بالعلم الشرعي والحكمة، والنظر إلى العاقبة من جميع الجهات، فما أن يفتحوا باب الفوضى إلا وتدخَّل أعداء الإسلام من الداخل والخارج، وأوقدوا نار الفتنة، وتبادلوا الأدوار، فهناك من يُظهر أنه صديق، ويسعى لصالح الإسلام، وهو في الحقيقة عدوٌّ لَدُود، فيرتمي الخارجون في أحضان من يظنونه صديقًا، فيُسْلمهم إلى الهاوية، ثم يأتي آخر بوجه آخر، وهكذا حتى يُهلكوا الحرث والنسْل، ثم تنتهي الأمور إلى الذل والهوان وخضوع البلاد لأعدائها، ونهْب ثرواتها، وتشملها قوانين دولية هدفها حرب الإسلام وأهله، ونشْرها في البلاد، وإبادة العلماء المصلحين… إلخ!! فالذي أراه في الغالب -نظرا لهذه الأحوال والتجارب التي مَرَّتْ بالأمة- أن الصبر على من وقع في الكفر الأكبر هو الأولى، والاشتغال بالدعوة، وتقليل الشر، وعدم الوقوع في مصيدة وشباك الألاعيب الدولية، وكم وقع من الحكام قديما في مكفِّرات كبرى – كالقول بخلق القرآن – وأئمة السلف صابرون، ولم يسْتنهضوا الناس للخروج عليهم، بل استمروا في العلم والتعليم، والرحلة للحديث والفقه وغيرهما من العلوم الشرعية النافعة حتى أزال الله ظالما، وأتى بخير منه، وفي التاريخ المعاصر عِبَرٌ لنا يكفينا في العراق والشام واليمن وغير ذلك من الدول، ففرق بين التأصيل النظري والواقع العملي الـمُرِّ، والله أعلم.
- خامسًا: لا يلزم من ترِجيحي عَدَمَ إطلاقِ القول بكُفْر كُلِّ مَنْ حَكَم بغير ما أنزل الله، أو ترجيحي التفصيلَ في ذلك: وأن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كُفْرًا أكبر، وقد يكون كُفْرًا أو ظلمًا أو فِسْقًا لا يُخْرج صاحِبَهُ من الملة بالكلِّية؛ فلا يلزم من ذلك التهاونُ في الحكم بغير ما أنزل الله؛ فإنه من الكبائر والموبقات المذمومة، والمُتَوَعَّد عليها بالعقاب الشديد ودخولِ النار، كما لا يلزم من ذلك الرضا بما هو عليه من المنكرات، أو محبته محبة مطلقة كمحبة الأبرار الصالحين؛ فالمسلم يُحَبُّ ويُبْغَض، ويُمْدَحُ ويُذَمُّ بحسَب ما فيه من خير وشر، وطاعة ومعصية، وبِرٍّ وفجور… إلخ.
فالواجب على المسلم حاكمًا كان أو محكومًا أن يحذر غاية الحذر من المحرمات الموجبة للفسْق والظلم، وإن لم تبْلُغ بصاحبها إلى درجة الكفر الأكبر، وبقدْر إيمان القلب وصلاحه يكون الحَذَرُ من ذلك، كما لا يلزم من ترجيحي القولَ بالتفصيل عدمُ إنكاري المنكرات التي يقع فيها الحكام، أو يسهِّلون لانتشارها في بلادهم، لكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مراتب، وبضوابط قرَّرها أهلُ السنة سلفًا وخلفًا في كتبهم، والله أعلم.
🕮 🕮 🕮
(فصـــــــل)













