كتب للقراءة

أطواق النجاة في بيان حال من حكم بغير ما أنزل الله

أطواق النجاة في بيان حال من حكم بغير ما أنزل الله

1 – الاستبدال

وصورة الاستبدال: أن يَحْكُمَ بغير ما أنزل الله مُجَرَّدًا عما تقدم من اعتقادات قلبية كالاستحلال ونحوه، وإن لم يكن الحاكم به هو الذي اخترعه.

بمعنى أنه يُبْدِل حكم الله تعالى بحكم غيره، ولا يكون مُسْتَحِلًّا، ولا مُجيزا، ولا جاحدًا، ولا مُكَذِّبًا، ولا مُفَضِّلًا، ولا مُسَاوِيًا، ولا يَنْسُب الحكمَ الذي جاء به لله -عَزَّ وَجَلَّ- أو لرسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ- أو لإجماع المسلمين.

والفَرْقُ بين التبديل والاستبدال:

أن المُبَدِّل يَزْعُم أن ما جاء به من حكم جائر وظالم إنما هو حكم الله تعالى، أما المستبدل فلا يزعم ذلك، إنما يحكم بغير حكم الله فقط، أو يُنَحِّي شرع الله عن الاحتكام إليه، ويستبدله بشرع جاهلي، سواء كان عبارة عن القوانين الوضعية، أو سواليف وسُلوم البادية.

وحُكْمُها: الكفر الأصغر على الصحيح ما لم يصحب ذلك اعتقاد مكفِّر، وما دام صاحبه يصرح بأن الحق في شرع الله، وما دونه فصاحبه مُعرّض للوعيد، حتى وإن قال ذلك بلسانه دون قلبه، فلا حكم إلا على ما يظهره اللسان في هذا الموضع.

دليل ذلك أمران:

  1. إجماعُهم على عدم تكفير الحاكم الجائر.

قال ابن عبد البر – رَحِمَهُ اللهُ -: «وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تَعَمَّدَ ذلك عالمًا به». اهـ([115])

والجائر هو المُسْتَبْدِل؛ إذْ لا فرق بينهما؛ حيث إنه ما أصبح جائرًا إلا بعدما اسْتَبْدَلَ حكمَ الله بحكم غيره في واقعة أو أكثر.

  1. عدم وجود الدليل الذي يوجب الكُفْر الأكبر، بحيث نَرُدُّ به الإجماع المتقدم، ونُخْرِجُ به هذا المسلمَ من إسلامه الذي دَخَلَهُ بيقين، والأصلُ: أنه لا تكفير إلا بدليل، وما ثَبَتَ بيقين فلا يُزَال إلا بيقين، كما تقدم.

(تنبيهات):

1 – من كَفَّر بالاستبدال المجرَّد؛ لَزِمَهُ التَّكْفِيرُ بمجرد تَرْكِ الحكم بما أنزل الله في واقعة أو أكثر؛ لأنه لا يُتَصَوَّر أن يكون المرء كبير قومه أو حاكمًا على قومه، وتاركًا لحكم الله -عَزَّ وَجَلَّ-، ثم يجلس بين قومه دون أن يَحْكُم فيهم بشيء؛ فأصبح حُكْمُ الاستبدال كَحُكْم الترك – تمامًا – بلا فَرْقٍ، ولا تكفير به إلا بالاعتقاد.

والتكفير بالترك المجرد؛ لم يَقُلْ به أحد من أهل السنة، بل يتعارض مع أثر عبد الله بن شقيق العقيلي – رَحِمَهُ اللهُ -: «كان أصحاب محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ- لا يَرَوْنَ شيئًا من الأعمال تَرْكُهُ كُفْرٌ غير الصلاة»([116]).

فلم يذكر في التروك المكفرة ترك الحكم بغير ما أنزل الله –جل وعلا-.

2 – من كفَّر بالاستبدال؛ لَزِمَهُ التكفيرُ بكلِّ صورةٍ من صُوَرِ الحُكْم بغير ما أنزل الله، وهذا ما أجمع أهل السنة على خلافه، وبرهان ذلك:

أنهم اتفقوا على أن مِنْ صُوَر الحكم بغير ما أنزل الله – ويلزم منه ترك الحكم بما أنزل الله – ما لا يكون كفرًا أكبر.

قال ابن عبد البر – رَحِمَهُ اللهُ -: «وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تَعَمَّدَ ذلك عالمًا به». اهـ([117])

وكل من حكم بغير ما أنزل الله -دون اعتقاد أمرٍ مُكَفِّر- فقد استبدل حُكْم الله بحكم غيره، أو ترك الحكم بحكم الله.

  1. – من كَفَّر بالاستبدال؛ لَزِمَهُ تكفيرُ مَن أجمع أهل السنة على عدم كفرهم؛ وهم أصحاب الذنوب؛ لأن العاصي قد اسْتَبْدَلَ حُكْمَ الله بحكم غيره (الهوى أو الشيطان).

وقال ابن حزم – رَحِمَهُ اللهُ -: «فإن الله -عَزَّ وَجَلَّ- قال: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] {المائدة:44}، وقال تعالى: [ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ] {المائدة:45}، وقال تعالى: [ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ] {المائدة:47}؛ فلْيُلزَم المعتزلةَ أن يُصَرِّحُوا بِكُفْرِ كلِّ عاصٍ وظالمٍ وفاسقٍ؛ لأن كلَّ عاملٍ بالمعصية؛ فلم يَحْكُم بما أنزل الله». اهـ([118]) أي أنه استباح المعصية من الجهة العملية.

🕮 🕮 🕮