(بابٌ: ضابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)
ولما كان الغلاة يتأولون لغلُوِّهم وأحكامهم الطائشة على الأبرياء الفضلاء، ويَعُدّون ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فتأمَّل تفاصيل الأمر والنهي فيما قال العلماء ـ رحمهم الله ـ:
* فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «وعَلى هَذَا إذا كَانَ الشَّخْصُ أو الطائفةُ جامِعَيْن بَين مَعْرُوف ومُنْكَر، بِحَيْثُ لَا يُفَرِّقون بَينهمَا، بل إما أن يفعلوهما جَمِيعًا أوْ يتركوهما جَمِيعًا؛ لم يَجُزْ أن يُؤْمَروا بِمَعْرُوف، وَلَا أن يُنْهَوا عَن مُنكر، بل يُنْظَر: فَإِن كَانَ الْمَعْرُوف أكثر؛ أُمِرَ بِهِ، وإن استلزم مَا هُوَ دونه من الْمُنكر، وَلم يُنْه عَن مُنكر يسْتَلْزم تَفْوِيتَ مَعْرُوفٍ أَعْظَمَ مِنْهُ، بل يكون النَّهْيُ حِينَئِذٍ من بَاب الصَّدِّ عَن سَبِيل الله، وَالسَّعْي فِي زَوَالِ طَاعَته وَطَاعَة رَسُوله -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- وَزَوَال فِعْلِ الْحَسَنَات، وإن كَانَ الْمُنكَرُ أَغْلَبَ؛ نُهِيَ عَنهُ، وإن اسْتَلْزَم فَوَاتَ مَا هُوَ دونه من الْمَعْرُوف، وَيكون الأَمْرُ بذلك الْمَعْرُوفِ المُسْتَلْزِمِ للْمُنكر الزَّائِدِ عَلَيْهِ أَمْرا بمُنْكَرٍ، وسَعْيًا فِي مَعْصِيّة الله وَرَسُوله
وان تكافأ الْمَعْرُوفُ وَالْمُنكَرُ المتلازِمانِ؛ لم يُؤْمَرْ بهما، وَلم يُنْهَ عَنْهُمَا، فَتَارَة يَصْلُح الأَمْر، وَتارَةً يَصْلُح النَّهْيُ، وَتارَة لَا يَصْلُح لَا أَمْر وَلَا نَهْي، حَيْثُ كَانَ الْمُنكر وَالْمَعْرُوف متلازِمَيْنِ، وَذَلِكَ فِي الأمور الْمعينَة الْوَاقِعَة، وأما من جِهَة النَّوْع؛ فَيُؤْمَر بِالْمَعْرُوفِ مُطلقًا، وَينْهَى عَن الْمُنكر مُطلقًا، وَفِي الْفَاعِل الْوَاحِد والطائفة الْوَاحِدَة يُؤمر بمعروفها، وَينْهَى عَن مُنْكَرِها، ويُحْمَدُ مَحْمُودُها، ويُذَمُّ مَذْمُومُها، بِحَيْثُ لَا يتَضَمَّن الأَمْرُ بِمَعْرُوفٍ فَوَاتَ مَعْرُوفٍ أكْبَرَ مِنْهُ، أوْ حُصُولَ مُنْكَرٍ فَوْقه، وَلَا يتَضَمَّن النَّهْي عَن الْمُنكر حُصُولَ مَا هُوَ أَنْكَرُ مِنْهُ، أوْ فَوَاتَ مَعْرُوف أَرْجَحُ مِنْهُ.
وإذا اشْتبهَ الْأَمر؛ اسْتَثْبَتَ الْمُؤمن حَتَّى يتَبَيَّن لَهُ الْحق؛ فَلَا يُقْدِم على الطَّاعَة إلا بِعلم وَنِيَّة، واذا تَركهَا؛ كَانَ عَاصِيا، فَتَرْكُ الأمر الْوَاجِب مَعْصِيّةٌ، وَفِعْلُ مَا نُهِىَ عَنهُ من الأمر مَعْصِيّةٌ، وَهَذَا بَاب وَاسع، وَلَا حول وَلَا قُوَّة الا بِاللَّه». اهـ([121])
وقال أيضاً -رحمه الله-: «فَلَا بُدَّ مِنْ الْعِلْمِ بِالْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا، وَلَا بُدَّ مِنْ الْعِلْمِ بِحَالِ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ، وَمِنْ الصَّلَاحِ: أَنْ يَأْتِيَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَهُوَ أَقْرَبُ الطُّرُقِ إلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ.
وَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ الرِّفْقِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إلَّا زَانَهُ؛ وَلَا كَانَ الْعُنْفُ فِي شَيْءٍ إلَّا شَانَهُ» وَقَالَ: «إنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ، وَيُعْطِي عَلَيْهِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ».
وَلَا بُدَّ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ حَلِيمًا صَبُورًا عَلَى الْأَذَى؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ أَذًى؛ فَإِنْ لَمْ يَحْلُمْ وَيَصْبِرْ؛ كَانَ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ، كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: [ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ] {لقمان:17} وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ الرُّسُلَ – وَهُمْ أَئِمَّةُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ – بِالصَّبْرِ، كَقَوْلِهِ لِخَاتَمِ الرُّسُلِ؛ بَلْ ذَلِكَ مَقْرُونٌ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَا أُرْسِلَ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ: [ﮬ ﮭ] {المدثر} بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ [ﭻ ] {العلق} الَّتِي بِهَا نُبِّئَ، فَقَالَ: [ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ] { المدثر: 1-7} فَافْتَتَحَ آيَاتِ الْإِرْسَالِ إلَى الْخَلْقِ بِالْأَمْرِ بِالنِّذَارَةِ، وَخَتَمَهَا بِالْأَمْرِ بِالصَّبْرِ، وَنَفْسُ الْإِنْذَارِ أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ يَجِبُ بَعْدَ ذَلِكَ الصَّبْرُ، وَقَالَ: [ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ] {الطور:48}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ] {المزمل:10}، [ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ] {الأحقاف:35}، [ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ] {القلم:48}، [ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ] {النحل:127}، [ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ] {هود:115}. فَلَا بُدَّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ: الْعِلْمُ؛ وَالرِّفْقُ؛ وَالصَّبْرُ؛ الْعِلْمُ قَبْلَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ؛ وَالرِّفْقُ مَعَهُ، وَالصَّبْرُ بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الثَّلَاثَةِ مُسْتَصْحَبًا فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ؛ وَهَذَا كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ -وَرَوَوْهُ مَرْفُوعًا-؛ ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي «الْمُعْتَمَدِ»: «لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ إلَّا مَنْ كَانَ فَقِيهًا فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ؛ فَقِيهًا فِيمَا يَنْهَى عَنْهُ؛ رَفِيقًا فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ؛ رَفِيقًا فِيمَا يَنْهَى عَنْهُ؛ حَلِيمًا فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ حَلِيمًا فِيمَا يَنْهَى عَنْهُ». اهـ([122])
* وقال أبو العباس القرطبي ـ رحمه الله ـ: «ولوجوبه ـ أي الأمر بالمعروف ـ شرطان:
أحدهما: العلمُ بكون ذلك الفعلِ مُنْكَرًا أو معروفًا.
والثاني: القدرةُ على التغيير.
فإذا كان ذلك؛ تعيَّن التغييرُ باليد، إنْ كان ذلك المُنْكَرُ مما يَحْتَاجُ في تغييره إليها، مثلُ: كَسْرِ أواني الخمر، وآلاتِ اللهو: كالمزاميرِ، والأوتارِ، والكُبَرِ، وكمنعِ الظالمِ من الضَّرْبِ والقتلِ، وغيرِ ذلك، فإنْ لم يَقْدِرْ بنفسه؛ اسْتَعان بغيره، فإنْ خاف من ذلك ثَوَرَانَ فتنةٍ، وإشهارَ سلاح؛ تعيَّن رفعُ ذلك إلى الإمام، فإنْ لم يَقْدِرْ على ذلك؛ غيَّر بالقولِ المُرْتَجَى نفعُهُ، مِن لِينٍ أو إغلاظٍ؛ حسَبَ ما يكونُ أَنْفَعَ، وقد يُبْلَغُ بالرِّفْقِ والسياسة إلى ما لا يُبْلَغ بالسيف والرياسة.
فإنْ خاف من القول القَتْلَ أو الأذى؛ غيَّر بقلبه، ومعناه: أن يَكْرَهَ ذلك الفعلَ بقلبه، ويَعْزِمَ على أنْ لو قدَرَ على التغيير لغيَّر». اهـ([123])
وطريقة العلماء توضح لنا هذا الأمر بجلاء، وقبل ذلك ما جاء من كلام الله -جل شأنه وتقدس- وكلام نبيه –صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فالله –عز وجل يقول: [ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ] {الأنعام:108}، فهذه الآية استدل جماعة من العلماء بها على قاعدة عظيمة في الدين، وهي قاعدة سَدّ الذرائع، وهي أنه إذا كان تغيير المنكر يترتب عليه مُنْكَرٌ أكبر منه؛ فلا يُنهى عن هذا المنكر بطريقة تُفْضِي إلى ذلك، بل يكون من المنكَر النهيُ عن المنكر في هذه الحالة.
* قال الرازي ـ رحمه الله ـ: «الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ شَتْمَ الْأَصْنَامِ مِنْ أُصُولِ الطَّاعَاتِ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَنْهَى عَنْهَا؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا الشَّتْمَ، وَإِنْ كَانَ طَاعَةً؛ إِلَّا أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ عَلَى وَجْهٍ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ مُنْكَرٍ عَظِيمٍ؛ وَجَبَ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، وَالْأَمْرُ هَاهُنَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّتْمَ كَانَ يَسْتَلْزِمُ إِقْدَامَهُمْ عَلَى شَتْمِ اللَّهِ وَشَتْمِ رَسُولِهِ، وَعَلَى فَتْحِ بَابِ السَّفَاهَةِ، وعلى تنفيرهم عَنْ قَبُولِ الدِّينِ، وَإِدْخَالِ الْغَيْظِ وَالْغَضَبِ فِي قُلُوبِهِمْ، فَلِكَوْنِهِ مُسْتَلْزِمًا لِهَذِهِ الْمُنْكَرَاتِ؛ وَقَعَ النَّهْيُ عَنْهُ». اهـ([124])
وقال أيضاً -رحمه الله-: «الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَالُوا: هَذِهِ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْآمِرَ بِالْمَعْرُوفِ قَدْ يُقَبَّحُ إِذَا أَدَّى إِلَى ارْتِكَابِ مُنْكَرٍ، وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ يُقَبَّحُ إِذَا أَدَّى إِلَى زِيَادَةِ مُنْكَرٍ، وَغَلَبَةُ الظَّنِّ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَفِيهِ تَأْدِيبٌ لِمَنْ يَدْعُو إِلَى الدِّينِ؛ لِئَلَّا يَتَشَاغَلَ بِمَا لَا فَائِدَةَ لَهُ فِي الْمَطْلُوبِ؛ لِأَنَّ وَصْفَ الْأَوْثَانِ بِأَنَّهَا جَمَادَاتٌ لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ يَكْفِي فِي الْقَدْحِ فِي إِلَهِيَّتِهَا، فَلَا حَاجَةَ مَعَ ذَلِكَ إِلَى شَتْمِهَا». اهـ([125])
* وقال أبو عبد الله القرطبي ـ رحمه الله ـ: «في هذه الآية أيضا ضَرْبٌ من الموادَعَة، ودليلٌ على وجوب الحُكْم بِسَدِّ الذرائع، وفيها دليلٌ على أن المُحِقَّ قد يَكُفُّ عن حَقٍّ له إذا أَدَّى إلى ضرر يكون في الدين». اهـ([126])
وقال أيضاً -رحمه الله- في «تفسيره»: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متعين متى رُجِيَ القبول، أو رُجِيَ رَدُّ الظالم، ولو بعُنْفٍ، ما لم يَخَفْ الآمِرُ ضرراً يَلْحَقُهُ في خاصته، أو فتنةً يُدْخِلُها على المسلمين، إما بِشَقِّ عَصًا، وإما بضرر يَلْحَقُ طائفةً من الناس». اهـ([127])
* وقال الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ: «هَذَا فَصْلٌ عَظِيمُ النَّفْعِ جِدًّا، وَقَعَ بِسَبَبِ الْجَهْلِ بِهِ غَلَطٌ عَظِيمٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ؛ أَوْجَبَ مِنْ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ وَتَكْلِيفِ مَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ، مَا يُعْلَمُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ الْبَاهِرَةَ الَّتِي فِي أَعْلَى رُتَبِ الْمَصَالِحِ لَا تَأْتِي بِهِ؛ فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ مَبْنَاهَا وَأَسَاسُهَا عَلَى الْحِكَمِ وَمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَهِيَ عَدْلٌ كُلُّهَا، وَرَحْمَةٌ كُلُّهَا، وَمَصَالِحُ كُلُّهَا، وَحِكْمَةٌ كُلُّهَا؛ فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ خَرَجَتْ عَنْ الْعَدْلِ إلَى الْجَوْرِ، وَعَنْ الرَّحْمَةِ إلَى ضِدِّهَا، وَعَنْ الْمَصْلَحَةِ إلَى الْمَفْسَدَةِ، وَعَنْ الْحِكْمَةِ إلَى الْعَبثِ؛ فَلَيْسَتْ مِنْ الشَّرِيعَةِ، وَإِنْ أُدْخِلَتْ فِيهَا بِالتَّأْوِيلِ؛ فَالشَّرِيعَةُ عَدْلُ اللَّهِ بَيْنَ عِبَادِهِ، وَرَحْمَتُهُ بَيْنَ خَلْقِهِ، وَظِلُّهُ فِي أَرْضِهِ، وَحِكْمَتُهُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ وَعَلَى صِدْقِ رَسُولِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَتَمَّ دَلَالَةً وَأَصْدَقَهَا، وَهِيَ نُورُهُ الَّذِي بِهِ أَبْصَرَ الْمُبْصِرُونَ، وَهُدَاهُ الَّذِي بِهِ اهْتَدَى الْمُهْتَدُونَ، وَشِفَاؤُهُ التَّامُّ الَّذِي بِهِ دَوَاءُ كُلِّ عَلِيلٍ، وَطَرِيقُهُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي مَنْ اسْتَقَامَ عَلَيْهِ فَقَدْ اسْتَقَامَ عَلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ.
فَهِيَ قُرَّةُ الْعُيُونِ، وَحَيَاةُ الْقُلُوبِ، وَلَذَّةُ الْأَرْوَاحِ؛ فَهِيَ بِهَا الْحَيَاةُ وَالْغِذَاءُ وَالدَّوَاءُ وَالنُّورُ وَالشِّفَاءُ وَالْعِصْمَةُ، وَكُلُّ خَيْرٍ فِي الْوُجُودِ فَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْهَا، وَحَاصِلٌ بِهَا، وَكُلُّ نَقْصٍ فِي الْوُجُودِ فَسَبَبُهُ مِنْ إضَاعَتِهَا، وَلَوْلَا رُسُومٌ قَدْ بَقِيَتْ؛ لَخَرِبَتْ الدُّنْيَا، وَطُوِيَ الْعَالَمُ، وَهِيَ الْعِصْمَةُ لِلنَّاسِ، وَقِوَامُ الْعَالَمِ، وَبِهَا يُمْسِك اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- خَرَابَ الدُّنْيَا وَطَيَّ الْعَالَمِ؛ رَفَعَ إلَيْهِ مَا بَقِيَ مِنْ رُسُومِهَا؛ فَالشَّرِيعَةُ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ هِيَ عَمُودُ الْعَالَمِ، وَقُطْبُ الْفَلَاحِ وَالسَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَنَحْنُ نَذْكُرُ تَفْصِيلَ مَا أَجْمَلْنَاهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ وَمَعُونَتِهِ بِأَمْثِلَةٍ صَحِيحَةٍ.
الْمِثَالُ الْأَوَّلُ: أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – شَرَعَ لِأُمَّتِهِ إيجَابَ إنْكَارِ الْمُنْكَرِ؛ لِيَحْصُلَ بِإِنْكَارِهِ مِنْ الْمَعْرُوفِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَإِذَا كَانَ إنْكَارُ الْمُنْكَرِ يَسْتَلْزِمُ مَا هُوَ أَنْكَرَ مِنْهُ، وَأَبْغَضَ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسُوغُ إنْكَارُهُ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ يُبْغِضُهُ وَيَمْقُتُ أَهْلَهُ، وَهَذَا كَالْإِنْكَارِ عَلَى الْمُلُوكِ وَالْوُلَاةِ بِالْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّهُ أَسَاسُ كُلِّ شَرٍّ وَفِتْنَةٍ إلَى آخِرِ الدَّهْرِ، «وَقَدْ اسْتَأْذَنَ الصَّحَابَةُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي قِتَالِ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا، وَقَالُوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ فَقَالَ: «لَا، مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ» وَقَالَ: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ مَا يَكْرَهُهُ؛ فَلْيَصْبِرْ، وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِ» وَمَنْ تَأَمَّلَ مَا جَرَى عَلَى الْإِسْلَامِ فِي الْفِتَنِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ، رَآهَا مِنْ إضَاعَةِ هَذَا الْأَصْلِ، وَعَدَمِ الصَّبْرِ عَلَى مُنْكَرٍ؛ فَطَلَبَ إزَالَتَهُ؛ فَتَوَلَّدَ مِنْهُ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ؛ فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَرَى بِمَكَّةَ أَكْبَرَ الْمُنْكَرَاتِ، وَلَا يَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَهَا، بَلْ لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ، وَصَارَتْ دَارَ إسْلَامٍ؛ عَزَمَ عَلَى تَغْيِيرِ الْبَيْتِ، وَرَدِّهِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ، وَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ – مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ – خَشْيَةُ وُقُوعِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، مِنْ عَدَمِ احْتِمَالِ قُرَيْشٍ لِذَلِكَ؛ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالْإِسْلَامِ، وَكَوْنِهِمْ حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ، وَلِهَذَا لَمْ يَأْذَنْ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى الْأُمَرَاءِ بِالْيَدِ؛ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ وُقُوعِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، كَمَا وُجِدَ سَوَاءٌ.
فَإِنْكَارُ الْمُنْكَرِ أَرْبَعُ دَرَجَاتٍ:
الأُولَى: أَنْ يَزُولَ وَيَخْلُفَهُ ضِدُّهُ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقِلَّ، وَإِنْ لَمْ يَزُلْ بِجُمْلَتِهِ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَخْلُفَهُ مَا هُوَ مِثْلُهُ.
الرَّابِعَةُ: أَنْ يَخْلُفَهُ مَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ؛ فَالدَّرَجَتَانِ الْأُولَيَانِ مَشْرُوعَتَانِ، وَالثَّالِثَةُ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ، وَالرَّابِعَةُ مُحَرَّمَةٌ؛ فَإِذَا رَأَيْت أَهْلَ الْفُجُورِ وَالْفُسُوقِ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ؛ كَانَ إنْكَارُك عَلَيْهِمْ مِنْ عَدَمِ الْفِقْهِ وَالْبَصِيرَةِ، إلَّا إذَا نَقَلْتَهُمْ مِنْهُ إلَى مَا هُوَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، كَرَمْيِ النُّشَّاب([128]) وَسِبَاقِ الْخَيْلِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِذَا رَأَيْت الْفُسَّاقَ قَدْ اجْتَمَعُوا عَلَى لَهْوٍ، وَلَعِبٍ، أَوْ سَمَاعِ مُكَاءٍ وَتَصْدِيَةٍ، فَإِنْ نَقَلْتَهُمْ عَنْهُ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ؛ فَهُوَ الْمُرَادُ، وَإِلَّا كَانَ تَرْكُهُمْ عَلَى ذَلِكَ خَيْرًا مِنْ أَنْ تُفْرِغَهُمْ لِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، فَكَانَ مَا هُمْ فِيهِ شَاغِلًا لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَكَمَا إذَا كَانَ الرَّجُلُ مُشْتَغِلًا بِكُتُبِ الْمُجُونِ وَنَحْوِهَا، وَخِفْت مِنْ نَقْلِهِ عَنْهَا انْتِقَالَهُ إلَى كُتُبِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ وَالسِّحْرِ؛ فَدَعْهُ وَكُتُبَهُ الْأُولَى، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ؛ وَسَمِعْت شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ، وَنَوَّرَ ضَرِيحَهُ- يَقُولُ: مَرَرْت أَنَا وَبَعْضُ أَصْحَابِي فِي زَمَنِ التَّتَارِ بِقَوْمٍ مِنْهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ؛ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ مَنْ كَانَ مَعِي؛ فَأَنْكَرْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْت لَهُ: إنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ الْخَمْرَ؛ لِأَنَّهَا تَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ، وَهَؤُلَاءِ يَصُدُّهُمْ الْخَمْرُ عَنْ قَتْلِ النُّفُوسِ، وَسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ، وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ؛ فَدَعْهُمْ». اهـ([129])
* وقال الأمين الشنقيطي ـ رحمه الله ـ: «المسألة الثانيةُ: يشترط في الآمر بالمعروف أن يكون له عِلْمٌ، يَعْلَمْ به أن ما يَأْمُرُ به معروف، وأن ما يَنْهَى عنه منكر ; لأنه إن كان جاهلا بذلك؛ فقد يأمر بما ليس بمعروف، وينهى عما ليس بمنكر، ولاسيما في هذا الزمن الذي عَمَّ فيه الجهل، وصار فيه الحق منكرا، والمنكر معروفا، والله تعالى يقول: [ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ] {يوسف:108}، فدل على أن الداعي إلى الله لا بد أن يكون على بصيرة، وهي الدليل الواضح الذي لا لَبْسَ في الحق معه، وينبغي أن تكون دعوته إلى الله بالحكمة، وحُسْن الأسلوب، واللطافة مع إيضاح الحق ; لقوله تعالى: [ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {النحل:125}، فإن كانت دعوته إلى الله بِقَسْوة وعُنْفٍ وخَرْق؛ فإنها تضر أكثر مما تنفع، فلا ينبغي أن يُسْنَد الأمر بالمعروف إسنادا مطلقا إلا لمن جمع بين العلم والحكمة والصبر على أذى الناس؛ لأن الأمر بالمعروف وظيفة الرسل وأَتْباعهم، وهو مستلزم للأذى من الناس؛ لأنهم مجبولون بالطبع على معاداة من يتعرض لهم في أهوائهم الفاسدة، وأغراضهم الباطلة، ولذا قال العبد الصالح لقمان الحكيم لولده، فيما قَصَّ الله عنه: [ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ] {لقمان:17}.
ولما قال النبي – صلى الله عليه وسلم – لورقة بن نوفل: «أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟»، يعني قريشاً، أخبره ورقة: أن هذا الدين الذي جاء به لم يأت به أحد إلا عُودِيَ، ورُوِيَ عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أنه قال: «ما تَرَكَ الحقُّ لعُمَرَ صديقًا».([130])
واعلم أنه لا يُحْكَم على الأمر بأنه منكر، إلا إذا قام على ذلك دليل من كتاب الله تعالى، أو سنة نبيه – صلى الله عليه وسلم – أو إجماع المسلمين.
وأما إن كان من مسائل الاجتهاد فيما لا نَصَّ؛ فلا يُحْكَم على أحد المجتهدين المختلفين بأنه مُرْتَكِبٌ منكرا؛ فالمصيب منهم مأجور بإصابته، والمخطئ منهم معذور، كما هو معروف في محله.
واعلم أن الدعوة إلى الله بطريقين: طريقُ لِينٍ، وطريقُ قَسْوَةٍ، أما طريقُ اللين: فهي الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وإيضاح الأدلة في أحسن أسلوب وألطفه، فإن نَجَحَتْ هذه الطريق؛ فَبِهَا ونِعْمَتْ، وهو المطلوب، وإن لم تنجح؛ تعَيَّنَتْ طريقُ القَسْوَة بالسيف، حتى يُعْبَدَ اللهُ وحده، وتقامَ حدودُهُ، وتُمْتَثَلَ أوامره، وتُجْتَنَبَ نواهيه، وإلى هذه الإشارة بقوله تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ] {الحديد:25}.
ففيه الإشارة إلى إِعْمَالِ السيف بعد إقامة الحجة، فإن لم تَنْفَع الكُتُبُ؛ تعَيَّنَتْ الكَتَائِبُ، والله تعالى قد يَزَعُ بالسلطان ما لا يَزَعُ بالقرآن.
المسألة الثالثة: يُشْتَرَطُ في جواز الأمر بالمعروف: ألا يُؤَدِّيَ إلى مَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ من ذلك المنكر؛ لإجماع المسلمين على ارتكابِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ». ا هـ([131])
* قلت: والنبي –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ترك بعضَ رؤوس النفاق، ولم يَقْتُلْهم، بالرغم من أنهم قد فَاحَ نَتَنُهُم، وظَهَرَتْ منهم علاماتُ فسادِ باطِنِهِم، كما جرى من ابن سلول عندما قال: (ليُخْرِجَنّ الأعزُّ منها الأذلَّ)، والنبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَبَى أنْ يَقْتُلَهُ؛ كَيْ لا يَصُدَّ الناس عن سبيل الله، أو من أَجْلِ أن لا يقولَ الناس: إن محمدًا يَقْتُلُ أصحابَهُ؛ فَيَنْفُروا عن الدخول في دين الإسلام.
فعن جَابِرِ بْنَ عَبْدِ اللهِ ـ رضي الله عنهما ـ يَقُولُ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- فِي غَزَاةٍ، فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: «دَعُوهَا؛ فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» فَسَمِعَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَقَالَ: قَدْ فَعَلُوهَا؟! وَاللهِ، لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ؛ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، قَالَ عُمَرُ: دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ: «دَعْهُ؛ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ».([132])
* يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في هذا المقام:
«كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يَمْتَنِعُ من عقوبة المنافقين؛ فإن فيهم من لم يَكُنْ يعرفهم، كما أخبر الله بذلك، والذي كان يَعْرِفُهم لو عاقَبَ بعضَهم؛ لغَضِبَ له قومُهُ، ولَقَالَ الناسُ: إنَّ محمدًا يَقْتُلُ أصحابَهُ، فكان يَحْصُل بسبب ذلك نُفُورٌ عن الإسلام؛ إذْ لم يَكُن الذنبُ ظاهرًا، يَشْتَرِكُ الناسُ في معرفته». اهـ([133])
وقال أيضاً -رحمه الله-: «وَمن هَذَا الْبَاب إقرارُ النَّبِي -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- لعبد الله بن أُبَيِّ وأمثاله من أئمة النِّفَاق والفجور؛ لما لَهُم من الأعوان، فإزالةُ مُنْكَرِهِ بِنَوْع من عِقَابه مُسْتَلْزِمَةٌ إزالةَ مَعْرُوفٍ أَكْبَرَ من ذَلِك بِغَضَبِ قومه، وحَمِيَّتِهم، وبِنُفُور النَّاس إذا سمعُوا أن مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصحابَهُ». اهـ([134])
وقال -رحمه الله-: «ومما يُشْبِهُ هذا: أن عبد الله بن أُبَيّ لما قال: [ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ] {المنافقون:8}، وقال: [ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ] {المنافقون:7} اسْتَأْمَر عُمَرُ في قَتْلِهِ، فقال: «إذنْ تَرْعَدُ له أُنُوفٌ كثيرةٌ بالمدينة» وقال: «لا يَتَحَدَّثُ الناسُ أن محمدًا يَقْتُل أصحابَهُ» والقصة مشهورة، وهي في الصحيحين». اهـ([135])
أي حتى لا تأخذ الحميةُ رجالاً من أهل الصدق والإيمان غضبًا لابن سلول؛ لكونهم من عشيرته، وكان سَيِّداً فيهم، وما كانوا يَعْرِفُون حقيقته، وقد قال الله تعالى: [ﯥ ﯦ ﯧ] {التوبة:47}، فتَرَكَ النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إقامة حَدٍّ من حدود الله -وترك إقامة الحدود مفسدة- دفعًا لمفسدةٍ أكبر، وهي صَدُّ الناس عن الدين، وتكدير صَفْوِ المسلمين، وخَلْخَلَةُ صفوفِهِم بالخلافات والعداواتِ بينهم.
* وقال الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ: «وَقَدْ كَانَ فِي تَرْكِ قَتْلِ مَنْ ذَكَرْتُمْ وَغَيْرِهِمْ مَصَالِحُ عَظِيمَةٌ فِي حَيَاتِهِ، زَالَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ، مِنْ تَأْلِيفِ النَّاسِ، وَعَدَمِ تَنْفِيرِهِمْ عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ لَوْ بَلَغَهُمْ أَنَّهُ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ؛ لَنَفَرُوا، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا بِعَيْنِهِ، وَقَالَ لِعُمَر لَمَّا أَشَارَ عَلَيْهِ بِقَتْلِ عبد الله بن أُبَيِّ: «لَا يَبْلُغُ النَّاسَ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»». اهـ([136])
وقال -رحمه الله-: «كَانَ فِي تَرْكِ قَتْلِهِمْ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -مَصْلَحَةٌ تَتَضَمَّنُ تَأْلِيفَ الْقُلُوبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَجَمْعَ كَلِمَةِ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَكَانَ فِي قَتْلِهِمْ تَنْفِيرٌ، وَالْإِسْلَامُ بَعْدُ فِي غُرْبَةٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَحْرَصُ شَيْءٍ عَلَى تَأْلِيفِ النَّاسِ، وَأَتْرَكُ شَيْءٍ لِمَا يُنَفِّرُهُمْ عَنِ الدُّخُولِ فِي طَاعَتِهِ». اهـ([137])
وصنيعُ العلماء في مسألة الأمر بالمعروف والنهيِّ عن المنكر، ومراعاةُ ما يؤول إليه هذا الأمر، وعاقبةُ هذه الأعمال على مسيرة الدعوة كل هذا تَشْهَد له أدلة أكثَرُ من أن تُحْصَر، وللعلماء كلامٌ كثيرٌ في النظر في المآلات قبل الإقدام على أي عمل، فكلامهم في ذلك أَشْهر من أن يُذْكَر.
* وقد قال الشاطبي ـ رحمه الله ـ: «النَّظَرُ فِي مَآلَاتِ الْأَفْعَالِ مُعْتَبَرٌ مَقْصُودٌ شَرْعًا: كَانَتِ الْأَفْعَالُ مُوَافِقَةً أَوْ مُخَالِفَةً، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يَحْكُمُ عَلَى فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ الصَّادِرَةِ عَنِ الْمُكَلَّفِينَ بِالْإِقْدَامِ أَوْ بِالْإِحْجَامِ إِلَّا بَعْدَ نَظَرِهِ إِلَى مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْفِعْلُ، مَشْرُوعًا لِمَصْلَحَةٍ فِيهِ تُسْتَجْلَبُ، أَوْ لِمَفْسَدَةٍ تُدْرَأُ، وَلَكِنْ لَهُ مَآلٌ عَلَى خِلَافِ مَا قُصِدَ فِيهِ، وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَشْرُوعٍ؛ لِمَفْسَدَةٍ تَنْشَأُ عَنْهُ، أَوْ مَصْلَحَةٍ تَنْدَفِعُ بِهِ، وَلَكِنْ لَهُ مَآلٌ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، فَإِذَا أَطْلَقَ الْقَوْلَ فِي الْأَوَّلِ بِالْمَشْرُوعِيَّةِ؛ فَرُبَّمَا أَدَّى اسْتِجْلَابُ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ إِلَى الْمَفْسَدَةِ تُسَاوِي المصلحة، أو تزيد عليها؛ فيكون هَذَا مَانِعًا مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ بِالْمَشْرُوعِيَّةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَطْلَقَ الْقَوْلَ فِي الثَّانِي بِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّةٍ، رُبَّمَا أَدَّى اسْتِدْفَاعُ الْمَفْسَدَةِ إِلَى مَفْسَدَةٍ تُسَاوِي أَوْ تَزِيدُ؛ فَلَا يَصِحُّ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَهُوَ مَجَالٌ لِلْمُجْتَهِدِ صَعْبُ الْمَوْرِدِ، إِلَّا أَنَّهُ عَذْبُ الْمَذَاقِ، مَحْمُودُ الْغِبِّ، جَارٍ عَلَى مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ».
إلى أن قال -رحمه الله-: فَقَدْ قَالَ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فِي الْحَدِيثِ حِينَ أُشِيرَ عَلَيْهِ بِقَتْلِ مَنْ ظَهَرَ نِفَاقُهُ: «أَخَافُ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصحابه»، وقوله: «لولا قومُكِ حديثٌ عَهْدُهُم بِكُفْرٍ؛ لَأَسَّسْتُ الْبَيْتَ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ»، بِمُقْتَضَى هَذَا أَفْتَى مَالِكٌ الْأَمِيرَ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ الْبَيْتَ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ: لَا تَفْعَلْ؛ لِئَلَّا يَتَلَاعَبَ النَّاسُ بِبَيْتِ اللَّهِ، هَذَا مَعْنَى الْكَلَامِ دُونَ لَفْظِهِ، وَفِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ، أَمَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِتَرْكِهِ حَتَّى يُتِمَّ بَوْلَهُ، وَقَالَ: «لَا تُزْرِمُوه»، وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ التَّشْدِيدِ عَلَى النَّفْسِ فِي الْعِبَادَةِ خَوْفًا مِنَ الِانْقِطَاعِ.
وَجَمِيعُ مَا مَرَّ فِي تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ الْخَاصِّ مِمَّا فِيهِ هَذَا الْمَعْنَى، حَيْثُ يَكُونُ الْعَمَلُ فِي الْأَصْلِ مَشْرُوعًا: لَكِنْ يُنْهَى عَنْهُ؛ لِمَا يُؤُولُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ، أَوْ مَمْنُوعًا: لَكِنْ يُتْرَكُ النَّهْيُ عَنْهُ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ، وَكَذَلِكَ الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ كُلِّهَا؛ فَإِنَّ غَالِبَهَا تَذَرُّعٌ بِفِعْلٍ جَائِزٍ إِلَى عَمَلٍ غَيْرِ جَائِزٍ، فَالْأَصْلُ عَلَى الْمَشْرُوعِيَّةِ، لَكِنَّ مَآلَهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَالْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى التَّوْسِعَةِ وَرَفْعِ الْحَرَجِ كُلُّهَا؛ فَإِنَّ غَالِبَهَا سَمَاحٌ فِي عَمَلٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ فِي الْأَصْلِ؛ لِمَا يَؤُولُ إِلَيْهِ مِنَ الرِّفْقِ الْمَشْرُوعِ، وَلَا مَعْنَى لِلْإِطْنَابِ بِذِكْرِهَا؛ لِكَثْرَتِهَا وَاشْتِهَارِهَا.
* قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ -رحمه الله- ـ حِينَ أَخَذَ فِي تَقْرِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ـ: «اخْتَلَفَ النَّاسُ بِزَعْمِهِمْ فِيهَا، وَهِيَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ؛ فَافْهَمُوهَا وَادَّخِرُوهَا». اهـ([138])
والعلماء -رحمة الله عليهم- عندما تركوا بعض الأوامر الشرعية، أو تركوا بعض الواجبات، وأذِنوا في ارتكاب بعض المحرمات؛ لم يكن ذلك عن تلاعبٍ منهم في دين الله –عز وجل-، فإنهم من أكثرِ الناس تعظيمًا لحرمات الله، ولكن هذا منهم راجعٌ إلى فقهٍ متينٍ في الدين، الفقه الذي حُرِمَهُ كثيرٌ من الناس، بل كثيرٌ من الذين ينتسبون إلى دعوتهم ومنهجهم اليوم، من أجل ذلك وقعوا في البلايا والمصائب ومُضِلات الفتن، وأحدثوا التصدع والتمزق للدعوة وأهلها في كل مكان، بحجة أنهم يريدون أن يأمروا بالمعروف، وأن ينهوا عن المنكر، وأن يُحَذِّروا من أهل البدع والضلالات!! والواقع أنهم هم الذين ضلّوا السبيل، ولم يفقهوا الدليل، وتكلموا في كثير من أهل العلم والفضل والنفع ومن هم أقوم قيلاً وأَهْدَى سبيلاً منهم، والله المستعان.
ثم أين ذاك المُنْكَرُ الذي يستحق كل هذا العويل وهذا الضجيج منهم ضد إخوانهم؟ إنما المسألة -نسأل الله العفو والعافية- حظوظُ نفوسٍ وأهواءِ، وإن كان هناك من قد يتأول، ويجد لنفسه مخارج شرعية -على الأقل يُقْنِع بها نفسه، والمغتَرِّين به-!!! وهكذا يُفْسد العلمُ بعضَ حملته!! والجهلُ خيرٌ لبعض هؤلاء من العلم الذي يفتنهم ويفتن غيرهم بهم.
* فأقول: إذا نحن لم نُحَرِّرْ هذه الأصولَ السلفية، ولم نُقوِّم اعْوجاجنا على ضوء فَهْم الأئمة، ونحرر هذه الموازين العلمية الصحيحة على ما كان عليه سلفنا؛ فلا شك أننا لسنا أهل دعوة، بل نحن أصحاب فتنة!!!
والناس منهم رَجُلُ خاصَّةٍ، ومنهم رَجَلُ عامَّةٍ، ومنهم رجل لا يصلح لنفسه ولا لأمته.
فأي الرجال أنت؟ وإذا آتاك الله بابًا من أبواب الخير؛ فاحْمَدِ اللهَ عليه، والْزَمْه، واسْعَ ما استطعت لإحسان هذا الباب، ولا تتعنَّ ما لا تَعْرِفُ؛ حتي لا تأتي بالعجائب والغرائب، فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلق له.
فإذا كُنْتَ رجلا تَصْلُح لنفسك؛ فأَصْلِحْ نَفْسَك، وجاهدها، وأدِّبها، وروّضْها على الحق، فتأخذ بزمام نفسك إلى ربك –عز وجل-، تقهر شهوتك، وتجاهد الخواطر التي تطرأ على قلبك، وتدفعها عن نفسك، لكن إذا خُضْتَ في أمر الآخرين وأنت تحسن ذلك؛ أَفْسَدْتَ، والمطلوب منك في مثل هذا أن تَلْزَمَ نفسك، وتعالج عيوبك، وتَبْكي على خطيئتك، وتَلْزَمَ دارك، إذا كنت تعرف من نفسك أنك لا تُحْسِن أن تخوض في أمر العامة.
أما إذا كنت تُحْسن الخوض في أمر العامة؛ فالمطلوب منك أن تجاهد نفسك أولاً، وأن تُلْزِمَها الإخلاص والصدق؛ لأن الدخول في أمر العامة بابٌ عظيمٌ مِن الشرف والمكانة في الدارين، فإذا أَتْقَنْتَ هذا الباب، وصَدَقْتَ مع الله فيه؛ شرُفْتَ، ورُفِعْتَ، وذُكِرتَ في الدنيا وفي الآخرة، وإذا تَعَاطَيْتَ أمر العامة، وأنت لم تُحْسِنْ هذا الباب؛ فُضِحْت، وأَثمِت، وأنت على شفا جُرُفٍ هارٍ، وعلى أبواب الفتنة، إلا أن يتدارك الله –عز وجل- عبده برحمته التي وَسِعَتْ كلَّ شيء.
ومما يُؤخذ على كثير من الناس: أن المرء يخوض فيما لا يَفْهم ولا يُحْسِن، فلو كنت متخصصًا في الحديث -مثلا- ولا تحسن الفقه، هل يجوز لك أن تتكلم في الفقه؟
الجواب: لا.
ولو كنت متخصصًا في الفقه في باب المناسك -مثلا-، وتُحسن هذا الباب، ولا تُحسن تفاصيل الأبواب الأخرى، فهل يجوز لك أن تتكلم في أبواب لا تُحسنها؟
الجواب: لا.
كذلك إذا كنت تُحْسن علاج نفسك، ولا تُحسن علاج الناس؛ فاشتغل بما تُحسن، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، والسلف كانوا يتخصصون في العلوم، فمثلًا علماء الجرح والتعديل، كم هم في الأمة؟ قِلَّة قليلة بالنسبة لبقية العلماء، وبالنسبة لبقية الرواة، ونقلة الروايات والأحاديث، فهم قِلَّةٌ قليلةٌ أيضاً.
وعلى سبيل المثال: لو نظرنا في كتاب مثل «تقريب التهذيب» للحافظ ابن حجر -رحمه الله-، نجد فيه ما يزيد عن ثمانية آلاف ترجمة، لكن كم حَوَى هذا الكتاب من الأئمة الذين عُرفوا بالكلام في الرواة الآخرين؟ إنهم عددٌ قليلٌ جداً بالنسبة إلى عدد الرواة.
فحال السلف؛ التخصصُ في العلوم، لكن تعالَ إلى زماننا هذا؛ فلو كان في المجلس مائة طالب، وسألتَ عن شخصٍ ما؛ لرأيت كلاً منهم -إلا من رحم الله- إماماً في الجرح والتعديل!!
فإذا كنا نحن جميعاً أئمةٌ، فأين الرعيَّةُ والعوامُّ الذين نحن أئمتهم؟ وإذا كنا نحن جميعاً أئمةُ الجرح والتعديل، فأين النَقَلَةُ، وأين الرواةُ الذين نُجَرِّحهم أو نُعَدِّلهم؟ فإذا لم نجد أحداً من هؤلاء لِنُجَرِّحه؛ فسنرجع على بعضنا بالتجريح!!
فهل رأيتم أئمة الجرح والتعديل من أئمة السنة اشتغلوا بجرح بعضهم بعضاً؛ لاختلافهم في مسائل اجتهادية، أو لاختلافهم في تعديل رجلٍ أو تجريحِه، كما هو حاصلٌ الآن؟ وهل رأيتم أحمدَ اشتغل بيحيى؟ أو يحيى اشتغل بأحمد؟ أو يحيى بن سعيد القطان اشتغل بشيخه شعبة، وعبد الرحمن بن مهدي اشتغل بزميله يحيى بن سعيد القطان؟ وهل رأيتم أئمة الجرح والتعديل يتَّسع خلافُهم وافتراقُهم مع بعضهم يومًا بعد يوم، ويتَّهم كُلٌّ منهم الآخر بأقذع العبارات والساقط من الكلمات؟!!
هذا يدلكم على أن الدعوة السلفية -التي عليها هؤلاء الغلاة-، والتي ينتسب كثيرٌ مِن أبنائها إلى الدعوة الأم، وهي الفرقة الناجية؛ بين أهلها اليوم وبين السلف -في الجملة- بَوْنٌ واسعٌ وافتراقٌ شاسِعٌ، فهذا الذي عليه الخلف مخالفٌ في كثيرٍ مِن الأمور لما عليه السلف، فعلينا أن نقتفي أثر القوم، و نلزم غَرْزَهم، ولا نخترع لنا طريقةً ما سار عليها سَلَفُ الأمة؛ فإنه لا يَصْلُح آخرُ هذه الأمة إلا بما صَلَح به أولُها، ولو كان أولها بهذه العقلية والطريقة التي نحن عليها اليوم؛ فوالله ما قامت للأمة قائمةٌ، ولا دخل الدينُ كلَّ بيتٍ: مَدَرًا كان أو حجرًا أو وَبَرًا!!
فالحال الذي عليه الكثيرُ منا اليوم: يدل على قِلةِ علمٍ وورعٍ، وخِفَّةٍ في الدين، ورعونةٍ في التفكير، وبذاءةٍ في اللسان، إلا من رحم الله.
هذا الحال لا ينصر دعوةً، ولا يُقيم حقًّا، ولا يُزْهِقُ باطلًا، هذا الحالُ يجلب على الأمة الويلات، ويجلب على الأمة الفتن، وعلى ذلك فإذا كنا نريد أن نكون من حماة هذه الدعوة، ومن حراس هذا الدين؛ فلابد أن ندرك أصول السلف، ونلْزم غرزهم، لاسيما في مسائل تكفير الأعيان وما يتصل بها.
o
p













