كتب للقراءة

التحذير من الغلو في التفسيق والتبديع والتكفير

التحذير من الغلو في التفسيق والتبديع والتكفير

في أسئلة لها صِلَةٌ بموضوع الكتاب،
وكان الجهل بها سبباً في بلاء عظيم، والجواب عليها)

هذا، وقد سألني أحد طلاب العلم أسئلة، سأختار بعضها للجواب عليه، لصلة هذه الأسئلة بما نحن بصدده:

فقال -حفظه الله-: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا مزيدا إلى يوم الدين، وفي ختام هذه المجالس نتوجه إليكم بهذه الأسئلة، نسأل الله -تعالى- أن يجعل الحق على لسانكم.

السؤال الأول: ما هو الضابط للحزبية، وهل الحزبية كُلُّها مذمومة؟

الجواب: الحزب: هو كل جماعةٍ من الناس، أو طائفة من الناس اجتمعوا على أَمْرٍ ما([202]).

  • فإن كان هذا الشيء الذي اجتمعوا عليه حقًّا؛ فهذه حزبية محمودة.
  • وإن كان هذا الشيء باطلًا؛ فهذه حزبيةٌ مذمومة.
  • وإن كان هذا الشيء فيه من الحق والباطل؛ ففيه من الحزبية المذمومة بِقَدْرِ ما فيه من الباطل، وفيه من الحزبية المحمودة بقدر ما فيه من الحق.

ومن الخطأ أن يُفْهَم أن أهل السنة يحرمون الحزبية بجميع صورها، كيف والله –سبحانه وتعالى- يقول في أهل الإيمان: [ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ] {المجادلة:22}، فهذا حزبُ الله -عز وجل-، والقائمُ بأمر الله -سبحانه وتعالى-، المدافعُ عن دينه، الذابُّ عن سنة نبيه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فهؤلاء مفلحون، وقد روى البخاري في «صحيحه»، ومسلم في «صحيحه» عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: أَنَّ نِسَاءَ رَسُولِ اللَّهِ
-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كُنَّ حِزْبَيْنِ: فَحِزْبٌ فِيهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ وَصَفِيَّةُ وَسَوْدَةُ، وَالحِزْبُ الآخَرُ أُمُّ سَلَمَةَ وَسَائِرُ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-…([203])

وهناك حزبية أخرى، وهي حزبية الشيطان؛ كما قال تعالى: [ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ] {المجادلة:19}، وقال تعالى: [ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ] {فاطر:6} فهذه حزبية مذمومة، ويجب الحذر منها.

* وهناك كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كما في «مجموع الفتاوى»([204]) قال فيه: «وأما (رأس الحزب)؛ فإنه رأس الطائفة التي تتحزب، أي تصير حزبًا، فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله – صلى الله عليه وسلم- من غير زيادة ولا نقصان؛ فهم مؤمنون، لَهُمْ ما لَهُمْ وعليهم ما عليهم.

وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونَقَّصوا: مِثْلَ التعصُّبِ لمن دَخَلَ في حزبهم بالحق والباطل، والإعراضِ عمن لم يدخل في حزبهم، سواء كان على الحق والباطل؛ فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله –صلى الله عليه وسلم- فإن الله ورسوله –صلى الله عليه وسلم- أَمَرا بالجماعة والائتلاف، ونَهَيا عن التفرقة والاختلاف، وأَمَرا بالتعاون على البر والتقوى، ونَهَيا عن التعاون على الإثم والعدوان».

* قلت: كلام شيخ الإسلام هذا يدل دلالة واضحة على حزبية الغلاة المذمومة؛ فواقعهم لا يختلف فيه اثنان: أنهم يوالون ويُعادون، ويجرِّحون ويعدِّلون على قدْر موافقتهم أو مخالفتهم على قواعدهم المحْدَثة، وأحكامهم الجائرة، وهذا حال أهل البدع والأهواء!!

وكلام شيخ الإسلام -رحمه الله- يدل على أن الطائفة إذا اجتمعتْ على الحق؛ كان اجتماعها محمودًا، وقد يكون واجبًا، وإذا اجتمعت على الباطل؛ كان اجتماعها مذمومًا منهيًّا عنه.

وعلى ذلك؛ فضابط الحزبية: كل طائفة تجتمع على شيءٍ ما، وتُوالي وتُعادي على هذا الشيء؛ فإن والتْ وعادتْ على الكتاب والسنة؛ فهذه حزبيةٌ محمودة، وإن والتْ وعادتْ على غير الكتاب والسنة؛ فهذه حزبيةٌ مذمومة، وبقدر ما مع المرء من الباطل، بِقَدْر ما يكون قد نقَّص في دين الله، ونَقَّص من الإيمان الواجب عليه، وكذلك فنحن نُنقِصُ من الموالاة والمودة له بقدر ما عنده من الباطل، وبقدر ما عنده من التمسك بالحق بقدر ما يكون له من الحب والولاء والنصرة والمودة… إلى غير ذلك، كما مرَّ بنا أن المسلم يُوالَى ويُعادَى، ويُنْصَر ويُخْذَل، ويُعْطَى ويُمْنَع، على حسب ما فيه من خير وشر، وسنة وبدعة، والله أعلم.

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في «منهاج السنة النبوية»([205]): «وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْبَابِ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الرَّجُلَ الْعَظِيمَ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ، مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: أَهْلِ الْبَيْتِ وَغَيْرِهِمْ، قَدْ يَحْصُلُ مِنْهُ نَوْعٌ مِنَ الِاجْتِهَادِ مَقْرُونًا بِالظَّنِّ، وَنَوْعٍ مِنَ الْهَوَى الْخَفِيِّ؛ فَيَحْصُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَا لَا يَنْبَغِي اتِّبَاعُهُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ.

وَمِثْلُ هَذَا إِذَا وَقَعَ يَصِيرُ فِتْنَةً لِطَائِفَتَيْنِ: طَائِفَةٌ تُعَظِّمُهُ؛ فَتُرِيدُ تَصْوِيبَ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَاتِّبَاعَهُ عَلَيْهِ، وَطَائِفَةٌ تَذُمُّهُ؛ فَتَجْعَلُ ذَلِكَ قَادِحًا فِي وِلَايَتِهِ وَتَقْوَاهُ، بَلْ فِي بِرِّهِ وَكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، بَلْ فِي إِيمَانِهِ حَتَّى تُخْرِجَهُ عَنِ الْإِيمَانِ، وَكِلَا هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ فَاسِدٌ.

وَالْخَوَارِجُ وَالرَّوَافِضُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ ذَوِي الْأَهْوَاءِ دَخَلَ عَلَيْهِمُ الدَّاخِلُ مِنْ هَذَا؛ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَ الِاعْتِدَالِ؛ عَظَّمَ مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ، وَأَحَبَّهُ وَوَالَاهُ، وَأَعْطَى الْحَقَّ حَقَّهُ، فَيُعَظِّمُ الْحَقَّ، وَيَرْحَمُ الْخَلْقَ، وَيَعْلَمُ أَنَّ الرَّجُلَ الْوَاحِدَ تَكُونُ لَهُ حَسَنَاتٌ وَسَيِّئَاتٌ، فَيُحْمَدُ وَيُذَمُّ، وَيُثَابُ وَيُعَاقَبُ، وَيُحَبُّ مِنْ وَجْهٍ، وَيُبْغَضُ مِنْ وَجْهٍ، هَذَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، خِلَافًا لِلْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ؛ وَقَدْ بُسِطَ هَذَا فِي مَوْضِعِهِ». اهـ

* قلت: فعلى هذا؛ فما عليه الغلاة هو منهج أهل البدع والأهواء -ولا يلزم من كونهم شابهوا أهل البدع في هذا أن يكونوا منهم – وما عليه إخوانُنا أَهْلُ الاعتدالِ هو منهجُ أَهْلِ السُّنَّةِ وإلا فَنُرِيدُ مِن الغُلاةِ جواباً على هذا السؤال؛ وبِجَوابِهم سَيَتَّضِحُ أنهم يسيرون على طريق أَهْلِ البِدَعِ أم لا، والسؤالُ: هل تصرِّحون بأن المسلم يُحب ويُبْغَض، ويوصَل ويُهْجَر، ويُمْدَحُ ويُذَمُّ بحَسب ما فيه من خير وشر، وسنة وبدعة، وطاعة وفجور، أم لا؟ وقد سمعتُ كبيرهم والكثير منهم من يقول: هذه موازنة مبتدعة، وتمييع للدعوة؛ ويقولون: مَنْ عنده بِدْعَةٌ يُهْجَرُ مطلقاً، ولا يُنْظَرُ إلى ما عنده مِن مواضع نَصر فيها السنة… إلخ!!!

* قلتُ: وعلى هذا؛ فلا تجوز الرواية عن ثقةٍ ثبْتٍ رُمِىَ ببدعة، كقتادة، وعكرمة، ومجاهد… إلخ!!

* وقال -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى»([206]): «وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الْمُؤْمِنَ تَجِبُ مُوَالَاتُهُ -وَإِنْ ظَلَمَك وَاعْتَدَى عَلَيْك-، وَالْكَافِرَ تَجِبُ مُعَادَاتُهُ -وَإِنْ أَعْطَاك وَأَحْسَنَ إلَيْك-؛ فَإِنَّ اللَّهَ -سُبْحَانَهُ- بَعَثَ الرُّسُلَ، وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ؛ لِيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، فَيَكُونَ الْحُبُّ لِأَوْلِيَائِهِ، وَالْبُغْضُ لِأَعْدَائِهِ، وَالْإِكْرَامُ لِأَوْلِيَائِهِ، وَالْإِهَانَةُ لِأَعْدَائِهِ، وَالثَّوَابُ لِأَوْلِيَائِهِ، وَالْعِقَابُ لِأَعْدَائِهِ، وَإِذَا اجْتَمَعَ فِي الرَّجُلِ الْوَاحِدِ خَيْرٌ وَشَرٌّ، وَفُجُورٌ وَطَاعَةٌ وَمَعْصِيَةٌ، وَسُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ؛ اسْتَحَقَّ مِنْ الْمُوَالَاةِ وَالثَّوَابِ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْخَيْرِ، وَاسْتَحَقَّ مِنْ الْمُعَادَاة وَالْعِقَابِ بِحَسَبِ مَا فِيهِ مِنْ الشَّرِّ، فَيَجْتَمِعُ فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ مُوجِبَاتُ الْإِكْرَامِ وَالْإِهَانَةِ، فَيَجْتَمِعُ لَهُ مِنْ هَذَا وَهَذَا، كَاللِّصِّ الْفَقِيرِ تُقْطَعُ يَدُهُ لِسَرِقَتِهِ، وَيُعْطَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَا يَكْفِيهِ لِحَاجَتِهِ، هَذَا هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَخَالَفَهُمْ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجْعَلُوا النَّاسَ إلَا مُسْتَحِقًّا لِلثَّوَابِ فَقَطْ، وَإلَا مُسْتَحِقًّا لِلْعِقَابِ فَقَطْ». اهـ

فتأمل هذا الفَهْمَ الرائِقَ الصافي، وهذا الموْرِدَ العَذْبَ الزلالَ، وقد جعل -رحمه الله- هذا أصلًا متفقًا عليه بين أهل السنة والجماعة، ولم يُخالف فيه إلا أهل البدعة والضلالة، من الخوارج والمعتزلة والمرجئة؛ فلينظر الغلاة من أي الطائفتين هم في هذا الباب؟ وكم هم يشتاطون غضباً إذا قلت لهم: الرجل الواحد قد يجتمع فيه سُنَّةٌ وبِدْعَةٌ، وموجباتُ الموالاة، وموجباتُ المعاداة، ويقولون لمن قال لهم هذا -للردِّ على غلُوِّهم-: أنت حزبِيٌّ مُمَيِّع، ومبتدعٌ ماكرٌ مُتَلوِّن، وسريرتك خبيثة، وتنوي بالسنة وأهلها سوءًا ومكرًا؛ فنسأل الله أن يَكْشِفَ سِتْرَكَ، ويَفْضَحَ أَمْرَكَ، هذا حالهم وقالُهم!! فحسبنا الله ونعم الوكيل، ونعوذ به من الجهل والجاهلين!!

وهؤلاء الغلاة قد يُسَلِّم لك بعضهم بأن المؤمن قد يجتمع فيه طاعة ومعصية، لكن لا يُسلم لك أبداً أنه قد تجتمع فيه سنةٌ وبدعةٌ، وذلك لأن البدعة في نظرهم لا يمكن أن تجتمع مع السنة في شخصٍ واحدٍ، وهذا مِن جهلهم، وإلا فكلام شيخ الإسلام – رحمه الله – صريح في إمكان اجتماعهما، كما سبق قُبَيْل قليل، وهم يسلمون بأن النووي سنِّيٌّ عنده تمشعر، وكذلك الحافظ ابن حجر، وأبو بكر الباقلاني، ومن قبلهم أبو الحسن الأشعري بعد توبته، وغيرهم وغيرهم، لكن الهوى والتحكُّم بلا دليل يفعلان بأهلهما الأفاعيل!!

* قال الشيخ سليمان بن سحمان -رحمه الله- كلامًا، كأنه يحْكي حال أهل زماننا، فقد قال -رحمه الله- في «منهاج أهل الحق والاتباع في مخالفة أهل الجهل والابتداع»([207]) ـ بعد نقله كلام شيخ الإسلام ـ: «فمن تأمل هذه القاعدةَ الشرعيةَ، والمباحثَ الدينيةَ حَقَّ التأمل، وأعطاها حقها من الإمعان والنظر، وتأمل ما ذكره شيخ الإسلام _رحمه الله تعالى_؛ تبين له أن أهل العلم بكتاب الله وسنة رسوله وشرعه ودينه، وما كان عليه سَلَفُ الأمة وأئمتُها سلفا وخلفا في وادٍ وهؤلاء الجهلة في وادٍ آخر، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا في هذه المباحث إلى رُكْنٍ وثيق من الفهم، وأن اعتراضهم على طلبة العلم ومشايخ أهل الإسلام؛ إنما هو بالجهل وعدم العلم والاطلاع على هذه المباحث الدينية، فمن أجل هذا تكلموا بغير حجة ولا برهان، ولا معرفة لما عليه أهل العلم والعرفان، فالله المستعان». اهـ([208])

فيا سبحان الله! ما أشبه الليلة بالبارحة، وكل إناءٍ بما فيه ينضح.

* وقال الشيخ سليمان بن سحمان -رحمه الله- في «كشف غياهب الظلام عن أوهام جلاء الأوهام»([209]): «قول السائل: ما الشخص الذي يُحَبُّ جملةً، ومن الذي يُحَبُّ من وجه ويُبْغَضُ من وجه، والذي يُبْغَضُ جملةً؟

والجواب: أن نقول: الشخص الذي يُحَبُّ جملةً: هو من آمن بالله ورسوله، وقام بوظائف الإسلام ومبانيه العظام: علماً وعملاً واعتقاداً، وأَخْلَصَ أعمالَهُ وأقوالَهُ، وانقاد لأوامر الله، وانتهى عما نهى الله عنه ورسوله، وأحب في الله، ووالى في الله، وأبغض في الله، وعادى في الله، وقدَّمَ قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على قول كل أحد كائناً من كان، إلى غير ذلك من القيام بحقوق الإسلام وشرائعه، وأما الذي يُحَبُّ من وَجْهٍ ويُبْغَضُ من وَجْهٍ آخر: فهو المسلم الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فيُحَبُّ ويُوالَى على قَدْر ما معه من الخير، ويُبْغَض ويُعادَى على قَدْر ما معه من الشر، ومن لم يَتَّسِعْ قلبه لهذا؛ كان يُفْسِد أكثر مما يُصْلِح، وهلاكُه أَقْرَبُ إليه من أن يُفْلِح». اهـ

فتأملْ هذا الكلام الفصْل الجزْل، وانظر حال الغلاة المسرفين في التبديع والهَجْر؛ تجده ينطبق عليهم بحذافيره!!!

فهذا ضابط الحزبية، وليست كل حزبية مذمومة، والحزبية المذمومة منها ما تصل بصاحبها إلى الكفر، ومنها ما تصل بصاحبها إلى البدعة والضلالة، ومنها ما تصل بصاحبها إلى الفسوق والعصيان، فليست الحزبية كلها على درجة واحدة، وتتفاوت درجاتها بحسب الأمر الذي اجتمعوا عليه، وسلوك الأفراد المنتمين إليها، وهناك حزبية تحتاج إلى أن يجاهد المرء فيها نفسه -ما استطاع إلى ذلك سبيلا- كأن يحب من وافقه على قوله أكثر ممن يخالفه، وإن كان مخالفه أتقى لله من موافقه، وهذا الولاء والعداء الخَفِيَّان لا يلزم منهما أن يكون المرء عاصيًا، فهذا أمر لا يَكاد يَسْلَم منه عالم ولا جاهل، وعلى المرء أن يُجاهد نفسه في تصفيتها من كل الشوائب، ولا نحكم على من وقع في ذلك بأنه مبتدع ولا فاسق، فضلا عن كافر، والله أعلم.

السؤال الثاني: هل كل حزبي مُبْتَدِع؟

الجواب: ليس كلُّ حزبيٍّ مبتدعًا، فكما سبق أن من الحزبيين من هو كافر؛ فإن حزبيته حزبية الكفر -والعياذ بالله- وذلك إذا وقع في كفر أكبر، ووالى وعادى على أمورٍ مُكَفِّرة، فإذا أُقيمتْ عليه الحجة، وأُزِيلت عنه الشبهة، وأَصَرَّ على ما هو عليه؛ فقد كَفَر، فكيف إذا والى وعادى عليها، فلا شك أن الذي دعا إلى الكفر أعظم من الذي يفعله دون أن يدعو إليه، وأن من والى وعادى وحارب على الكفر أَشَدُّ من الذي يدعو إليه دون ولاءٍ، وبراءٍ، وحربٍ، إلى غير ذلك.

وقد يكون الحزبي مبتدعا، إذا والى وعادى على بدعة من البدع الكبرى؛ يتقرب بها إلى الله، والبدعة منها المكفِّر ومنها المفسِّق، وأقيمت عليه الحجة… إلخ ما سبق.

وقد يكون الحزبي فاسقًا للموالاة والمعاداة على أمر محرم، كما هو الحال في القبائل التي توالي وتعادي على مجرد النسب، لكنهم لا يتقربون إلى الله بذلك؛ فإن كثيرا منهم يقر بأن الذي يفعله خطأ، لكنه ابتُلي بذلك خوفًا من العار والفضيحة إذا تخلَّى عن صاحبه، وإن كان مخطئا، وأفرادهم تختلف أحكامهم بحسب أفعالهم، فمنهم الراضي، ومنهم الساخط، ومنهم المعتزل، ومنهم المشارك المُصِرّ، ومنهم السَّاعي في تأجيج الفتن، والله المستعان!!

فالقول بأن كل حزبي يكون مبتدعًا؛ إطلاق غير صحيح؛ فمن الحزبيين من هو كافر، ومن الحزبيين من هو مبتدع، كالفرق الثنتين والسبعين، أو الفرق الهالكة التي تتقرب إلى الله بأمر مُحْدَث، فهي فرق حزبية مبتدعة أيضًا؛ لأنها اجتمعت على خلاف صريح الكتاب والسنة، ووالتْ وعادتْ على ذلك، وتقربتْ إلى الله بما لم يشرعه الله -عز وجل-.

وهنالك حزبية قد يكون السُّني عنده صُورَةٌ منها، إلا أنها لا تخرجه من دائرة السنة والجماعة، وهناك كلمات لعدد من العلماء في ذلك، فمنها: ما قاله الشيخ مقبل -رحمه الله- في كتابه «فضائح ونصائح»:

فقد سُئل -رحمه الله– عن محمد بن سرور -رحمه الله-، فمدحه، إلا أنه قال: عنده شيءٌ من الحزبية،([210]) وقد سُئل:

ما رأيكم في كُتُب الكاتب محمد بن سرور بن نايف زين العابدين، وهل عليها ملاحظات، وكذلك كتب الكاتب محمد العبدة، ومجلة البيان؟

* فقال الشيخ -رحمه الله-: «لا أعرف إلا خيراً؛ أما الحزبية فعندهم حزبية، وأنت تستفيد من كتاباتهم، وهم لا يستطيعون أن يبوحوا في كتاباتهم بالحزبية من أجل أن الناس سينتقدونهم، ويشمئزون منهم؛ وأما كتاباتهم فطيبة، و «مجلة البيان» أيضاً طيبة، و «مجلة السنة» كذلك طيبة». اهـ.

* قلت: هذا كلامٌ قاله الشيخ -رحمه الله- في وقتٍ من الأوقات، وله كلام بغير ذلك مؤخرا في هذه المجلات؛ لكن يقال للغلاة: قبل أن يتراجع الشيخ عن هذا، وقد كان كبيركم في الغلاة يطلق عليهم وعلى مجلاتهم البدعة وضرورة الهجر؛ فهل كان الشيخ مقبل مبتدعا آنذاك، كما تحكمون على غيره الذي لا يوفقكم على تبديعهم بأعيانهم، وهجرهم مطلقا؟

فإن قلتم: كان الشيخ لا يعرف حقيقتهم عندما مدحهم.

فالجواب: وقد يكون غيره ممن مدحهم لم يرَ فيهم بدعة تستحق إطلاق التبديع عليهم؟ فلماذا تتفاوت أحكامكم من شخص لآخر؟!

سؤال آخر قُدِّم للشيخ -رحمه الله-: ما هو رأيكم في تنظيم وجماعة محمد بن سرور زين العابدين، ويقال: إنه دعاكم للانضمام إلى تنظيمه وجماعته، هل هذا صحيح؟

* فأجاب: «تَقَدَّم أن قُلْنا: إن عندهم شيئاً من الحزبية، وقد زارني إلى هنا، وقال لي: نحن جماعة، ولكنا لا نتعصب، ونتعاون مع جميع المسلمين، فليسوا خالصين من الحزبية، وهم لا يهتمون بطلب العلم، هم أناس من أَعْرَفِ الناس بالواقع، وأمثالُهم قليل، فإن معرفتهم بالواقع شيءٌ عجيب، يُشْكَرون على هذا، ويا حبذا لو تركوا الحزبية».

* قلت: ففي هذا الموضع لم يذْكر الشيخ -رحمه الله- أنهم خارجون من أهل السنة، مع أنه قال: (عندهم حزبية) وقال مرة: (إن عندهم شيئا من الحزبية) ومع ذلك قال: (وأمثالهم قليل) وشكرهم على الجانب الذي يحسنونه، فهل الغلاة المتمسّحون بالشيخ مقبل -رحمه الله- راضون عن ذلك؟ وسيأتي ما لا طاقة لهم بتحمله والسكوت عنه إلا الجبن الذي يحملهم على السكوت، أو التكلف في التأويل!!.

* والشيخ مقبل -رحمه الله-: ذكر أن الرجل السني الفاضل إذا حصلت منه بدعة؛ فلا نقول عنه مبتدع، ولكن نقول: ذلك العمل بدعة، وقد قال هذا في عدة مواضع، فقد تكلم عن الشيخ حسن البنا -رحمه الله-، فقال: (نسميه زائغًا مبتدعًا ضالًا، لكن السني الفاضل إذا حَصَلَتْ منه بدعة، نقول: ذلك العمل بدعة)، وذكر الشيخ -رحمه الله- نحو ذلك في الحافظ ابن حجر، وفي الحاكم النيسابوري، وفي البيهقي، فقال: (لا نُطْلِق بأنهم مبتدعة).

* وقد سئل -رحمه الله-([211]): هل يُقال: إن الحاكم وابن حجر والنووي مبتدعة؛ لتشيُّع الأولِ، وأشعريةِ الآخَرَيْنِ؟

فقال: «أَحْسَنُ شيء في هذا: ما قاله بعض معاصري شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد هداه الله على يدي شيخ الإسلام ابن تيمية، وكان رجلاً فاضلاً زاهداً، رأيت له نُسَيْخة صغيرة، فكان يُسْأَلُ عن سلفه من الأشعرية ويقول: أخطأوا، لا ينبغي أن يُتَّبَعُوا على خطئهم، والحاكم أخطأ في التشيع، لا ينبغي أن يُتَّبَع على خطئه، فعلى هذا لا يقال لهم: مبتدعة». اهـ

* قلت: فالشاهد من هذا: أن الرجل قد يكون عنده شيء من البدع التي لا تخرجه من دائرة أهل السنة والجماعة؛ لأنها بدع يسيرة أو قليلة، أو لأنه لم يعتقد بدعة كبرى تامة، إنما أَخَذ جزءًا منها، أو لأنه معذور بتأويله مع حرصه على الوصول إلى الحق، أو لأن أصوله سنية، لكن أخطأ في الاستدلال، فشابه أهل البدعة في استدلالهم في بعض المواضع… إلى غير ذلك.

قال -وقد سئل هنا-: هَلْ يُطْلَقُ عليهم بأنهم مبتدعة؟ فأجاب: «أنا لا أسطيع أن أُطْلِقَ عليهم أنهم مبتدعة».

وسئل أيضًا -رحمه الله-، فقال: لابد للعالم من أن يخطئ، ويقال: إنهم أخطأوا، لا ينبغي أن يُتَّبَعُوا على خطئهم، والله المستعان، ثم إن البدعة تتفاوت، ومن أَطْلَقَ عليهم لفظ البدعة؛ لا نُنْكِر عليه، لكني أتحاشى أن أُطْلِق عليه بأنهم مبتدعة».

فصنيع الشيخ هذا يدل على أن الرجل قد يكون عنده بدعةٌ يسيرة، لا تُخرجه من دائرة السنة والجماعة.([212])

وقد أنكر كثير من العلماء على من قال: إن ابن حجر، والنووي، قد ذكرهما غير واحد أنهما يُطْلق فيهما القول بأنهما مبتدعة، فتكلم على ذلك أيضًا الشيخ العلامة ابن عثيمين -رحمة الله عليه- في عدة مواضع حول الكلام على الحافظ ابن حجر والنووي، وكذلك الشيخ الفوزان -حفظه الله-([213])، فإنه يقول:

«ثالثاً: من كان عنده أخطاء اجتهادية، تأوَّل فيها غَيْرُه، كابن حجر، والنووي، وما قد يقع منهما من تأويل بعض الصفات: لا يُحكم عليه بأنه مبتدع، ولكن يُقال: هذا الذي حصل منهما خطأ، ويُرْجَى لهما المغفرة بما قدماه من خدمة عظيمة لسنَّة رسول الله –عليه الصلاة والسلام -، فهما إمامان جليلان، مَوْثُوقان عند أهل العلم». انتهى كلام الشيخ الفوزان -حفظه الله-.

فالشاهد من هذا أن العلماء يرون أن الرجل قد يكون عنده بدعة خفيفة، أو جزء من البدعة، أو يقول ببعض قول المبتدعة في بعض المواضع، ومع ذلك لا يخرج بإطلاق من دائرة السنة والجماعة، أما أهل الغلو، فلا يسمعون كلمة تدل على أن فلانًا حزبي، إلا وفهموا من هذه الكلمة أن فلانًا هنا مبتدع ضال، خارج من أهل السنة والجماعة، مُلْحَقٌ بالفرق الهالكة، وعاملوه معاملة غلاة المبتدعة!! وهذا من الجهل المركَّب والهوى المُجْحِف، وإلا فالمقام فيه تفصيل، فيجب أن تعرفوا هذا، ولا تغتروا بما عليه هؤلاء الغلاة؛ فإن الأمر فيه تفصيل.

وبعضهم لا يكاد يسمع بأن فلانًا عنده بدعة، إلا ويفهم من ذلك
-ولابد- أنه خارج من دائرة السنة والجماعة، لأن الرجل من الغلاة – إلا من وُفِّقَ للتوبة – لا يكاد يقْبَلُ أبدًا، ولا يدخل في عقله أن السنة قد تجتمع مع نوع من البدعة عند رجل واحد من جهتين مختلفتين.

أما يعلم هؤلاء أن البدعة تتفاوت؟ أما يعلمون أن البدعة منها: بدعة مكفرة، ومنها بدعة مفسقة، وأن البدعة تنقسم إلى أقسام: بدعة حقيقية وبدعة إضافية، وأنها تنقسم إلى بدعة كلية، وبدعة جزئية، وبدعة مركبة، وبدعة بسيطة؟ هل هؤلاء وقفوا على شيء من ذلك من كلام أهل العلم؟ فإن لم يكونوا عرفوا ذلك؛ فَلْيَتَّهِموا أنفسَهم، وليُمْسكوا ألسنتهم عن الخوض فيما لا يعرفون، ورحم الله امرءًا عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِه، وإن كانوا يعرفون ذلك؛ فما بالهم يُطْلِقُون على كل من خالفهم من الدعاة بأنه مبتدع ضال، غير آبهين بتقسيم العلماء لأنواع البدعة؟ وتفاوت مراتب هذه البدع؟ وحال الشخص الذي وقع في بدعة -لو سلمنا لهم بذلك- هل هو متبعٌ لهواه؟ أم أنه متأول، وعَرَضَتْ له شُبهة أَفْسَدَتْ عليه فَهْمَ الصواب؟ وهل أقيمتْ عليه الحجةُ بما يزيل شبهته، أو أن من نصحه كلّمه بكلام ضعيف؛ فازداد تشبثا بقوله وشُبهته؟ وهل هو داعية لبدعته، أو ساكت في نفسه؟ وهل يوالي ويعادي على قوله أم لا؟ وغير ذلك من تفاصيل لا تخفى على من وفقه الله من طلبة العلم، والله المستعان!!!

* وهذا كلام الشيخ ابن عثيمين -رحمة الله عليه-([214]):

السائل: فضيلةَ الشيخ، ظَهَرَ عند بعض الشباب الملتزم ظاهرةٌ نريد فيها فَصْلاً، وهي أنَّ بعضهم يقول: بأنَّ أيَّ كاتب صار في كتابه بدعة، أو صار هو ممن يتكلم في شيء من البدع، وعليه ملاحظات في عقيدته؛ فإنه لا يُقبلُ قولُه، بل يُرَدُّ، وأنه لا يُتَرَحَّمُ عليه؟

قال السائل: وكذلك ظهر عندهم تكفير الناس بأيِّ معصية، يرونها، أو بأي تقصير فيهم، نرجوا تبيين ذلك، وَفَّقكم اللهُ.

فأجاب الشيخ -رحمه الله- بقوله: «السؤال الآن من شقين: الشق الأول: إذا تكلم أحد من العلماء ببدعة، أو سَلَكَ منهج قوم مبتدعة في مسألة من المسائل؛ فهل يُعَدُّ منهم؟».

قال -رحمه الله-: «الجواب: لا، لا يُعدُّ منهم، ولا يُنْسَبُ إليهم إذا وافقهم في مسألة من المسائل، ولا يَصْلُحُ أن يُنسَبَ إليهم نسبة مُطْلَقة، ولهذا مثلاً: نحن الآن نَتْبَعُ في فقهياتنا ما ذهب إليه الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-، ولكن هل إذا أَخَذْنا برأْيٍ يراه الشافعي، أو يراه مالك، هل نكون مالكية؟ أو يراه أبو حنيفة؟ وكذلك هم أيضاً، إذا أخذوا بمسألة يقول بها الإمام أحمد، هل يكونون حنابلة؟

الجواب: لا؛ فإذا رَأَيْنا شخْصاً من العلماء المُعْتَبَرين المعروفين بالنصيحة، أَخَذَ بشيء مما ذهب إليه أهلُ البدع، لا يَصِحُّ أن نقول: هو منهم، وهو على مذهبهم. نقول: هؤلاء بما نرى له من النصيحة لكتاب الله وسنة رسوله –عليه الصلاة والسلام-، وعِبادِ الله إذا أخطأوا في هذه المسألة؛ فإن ذلك الخطأ صادر عن اجتهاد، ومن اجتهد من هذه الأمة فأصاب؛ فله أجران، وإن أخطأ؛ فله أجر واحد.

ومن رَدَّ جميع الحق بكلمة أخطأ فيها من قال بالحق؛ فإنه غالٍ، خصوصاً إذا كان هذا الخطأ الذي ظَنَّهُ خطأ ليس بخطأ؛ لأنَّ بعض الناس إذا خالفه أحدٌ؛ قال: هو على خطأ، وخطَّأهُ، أو ضَلَّله أو ربما كَفَّره -والعياذ بالله- وهذا مذهب سيء للغاية».

* وبنحو هذا الكلام كلام للشيخ الفوزان -حفظه الله-([215])، السؤال رقم (99):

فقال -حفظه الله-: «السلف لا يُبَدِّعون كلَّ أحد، ولا يُسْرفون في إطلاق كلمة البدعة على كل أحد خالف بعض المخالفات، إنما يَصِفُون بالبدعة من فَعَل فعلاً لا دليل عليه يتقرب به إلى الله؛ من عبادة لم يُشَرِّعها رسول الله -عليه الصلاة والسلام-؛ أخذًا من قوله –عليه الصلاة والسلام-: «مَنْ عَمِلَ عَملاً ليس عليه أَمْرُنا؛ فهو رَدٌّ»، وفي رواية: «من أَحْدَثَ في أَمْرِنا ما ليس منه؛ فهو رَدٌّ».

فالبدعة: هي إحداثُ شيءٍ جديدٍ في الدين، لا دليل عليه من كتاب الله ولا سنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، هذه هي البدعة، وإذا ثبت أن شخصًا ابتدع بدعة في الدين، وأَبَى أن يرجع؛ فإن منهج السلف أنهم يَهْجُرونه ويبتعدون عنه، ولم يكونوا يجالسونه.

هذا منهجهم، لكن كما ذكرتُ، بعد أن يَثْبُتَ أنه مبتدع، وبعد أن يُنَاصَح، ولا يَرْجِع عن بدعته؛ فحينئذ يُهْجَر؛ لئلا يَتَعَدَّى ضرَرُه إلى من جالسه، وإلى من اتصل به، ومن أجل أن يَحْذَر الناس من المبتدعة ومن البدع.

أما المغالاةُ في إطلاق البدعة على كل من خالف أحدًا في الرأي، فيقال: هذا مبتدع! كل واحد يُسَمَّي الآخر مبتدعًا، وهو لم يُحْدِثْ في الدين شيئًا؛ إلا أنه تخالف هو وشخص، أو تخالف هو وجماعة من الجماعات؛ هذا لا يكون مبتدعًا.

ومن فعل مُحَرَّمًا أو معصية؛ يُسَمَّى عاصيًا، وما كُلُّ عاصٍ مبتدعٌ، وما كل مخطئ مبتدعٌ؛ لأن المبتدع من أحدث في الدين ما ليس منه، هذا هو المبتدع، أما المغالاة في اسم البدعة بإطلاقها على كل من خالف شخصًا؛ فليس هذا بصحيح؛ فقد يكون الصواب مع المخالف، وهذا ليس من منهج السلف». انتهى كلامه –حفظه الله-.

فالشاهد أن الغلو في إطلاق البدعة ليس من منهج السلف، ولابد أن يعرف كل واحد منا أن البدع تتفاوت، وهذا كلام الشاطبي –رحمه الله- في «الاعتصام»([216])، فقد قال:

«ثم إن البِدَع على ضَرْبَيْن: كلية وجزئية، فأما الكلية: فهي السائرة فيما لا ينحصر من فروع الشريعة»

قال -رحمه الله-: «ومثالُها: بِدَعُ الفِرَق الثلاث والسبعين؛ فإنها مُخْتَصَّة بالكُلِّيات منها دون الجزئيات، حسبما يتبين بَعْدُ -إن شاء الله تعالى-».

قال -رحمه الله-: «وأما الجزئية: فهي الواقعة في الفروع الجزئية».

قال -رحمه الله-: «ولا يتحقق دخول هذا الضَّرْبِ من البدع تحت الوعيد بالنار، وإن دَخَلَتْ تحت وَصْف الضلال».

قال -رحمه الله-: «وإنما تقع الجزئياتُ في الغالب كالزَّلَّة والفَلْتَة، ولذلك لا يكون اتباعُ الهوى فيها مع حصول التأويل في فَرْدٍ من أفراد الفروع، ولا المَفْسَدةُ الحاصلةُ بالجزئية كالمفسدة الحاصلة بالكلية».

قال -رحمه الله-: «مثاله: مسألة من نذر أن يصوم قائمًا لا يجلس، وضاحيًا لا يَسْتَظِلُّ، ومن حَرَّم على نفسه شيئًا مما أَحَلَّ الله من النوم، أو لذيذ الطعام، أو النساء، أو الأكل بالنهار، وما أشبه ذلك مما تقدم».

* قال الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ في «الاعتصام»([217]): «ثَمَّ مَعْنًى آخَرُ يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ هنا، وهي: الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ:

وَذَلِكَ: أَنَّ هَذِهِ الْفِرَقَ إِنَّمَا تَصِيرُ فِرَقًا بِخِلَافِهَا لِلْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ فِي مَعْنًى كُلِّيٍّ فِي الدِّينِ، وَقَاعِدَةٍ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، لَا فِي جُزْئِيٍّ مِنَ الْجُزْئِيَّاتِ؛ إِذِ الْجُزْئِيُّ وَالْفَرْعُ الشَّاذُّ لَا يَنْشَأُ عَنْهُ مُخَالَفَةٌ يَقَعُ بِسَبَبِهَا التَّفَرُّقُ شِيَعًا، وَإِنَّمَا يَنْشَأُ التَّفَرُّقُ عِنْدَ وُقُوعِ الْمُخَالَفَةِ فِي الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْكُلِّيَّاتِ تَضُمُّ من الجزئياتِ غَيْرَ قليلٍ، وشأْنُها في الغالب: أن لا تَخْتَصَّ بِمَحَلٍّ دُونَ مَحَلٍّ، وَلَا بِبَابٍ دُونَ بَابٍ.

وَاعْتَبِرُ ذَلِكَ بِمَسْأَلَةِ التَّحْسِينِ الْعَقْلِيِّ؛ فَإِنَّ الْمُخَالَفَةَ فيها أَنْشَأَتْ بين المخالفين خلافاً في الفروع لَا تَنْحَصِرُ، مَا بَيْنَ فُرُوعِ عَقَائِدَ وَفُرُوعِ أَعْمَالٍ.

وَيَجْرِي مَجْرَى الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ كَثْرَةُ الْجُزْئِيَّاتِ؛ فَإِنَّ الْمُبْتَدِعَ إِذَا أَكْثَرَ مِنْ إِنْشَاءِ الْفُرُوعِ الْمُخْتَرَعَةِ؛ عَادَ ذَلِكَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ بِالْمُعَارَضَةِ([218])، كَمَا تَصِيرُ الْقَاعِدَةُ الْكُلِّيَّةُ مُعَارَضَةً أَيْضًا، وَأَمَّا الْجُزْئِيُّ فَبِخِلَافِ ذَلِكَ، بَلْ يُعَدُّ وُقُوعُ ذَلِكَ مِنَ الْمُبْتَدِعِ لَهُ كَالزَّلَّةِ وَالْفَلْتَةِ، وَإِنْ كَانَتْ زَلَّةُ الْعَالِمِ مِمَّا يَهْدِمُ الدِّينَ، حَيْثُ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: ثلاثٌ يَهْدِمْنَ الدينَ: زَلَّةُ عالِمٍ، وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ، وَأَئِمَّةٌ مُضِلُّونَ.

وَلَكِنْ إِذَا قَرُبَ مُوقِعُ الزَّلَّةِ لَمْ يَحْصُلْ بِسَبَبِهَا تَفَرُّقٌ فِي الْغَالِبِ، وَلَا هَدْمٌ لِلدِّينِ، بِخِلَافِ الْكُلِّيَّاتِ». اهـ

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – كما في «الفتاوى الكبرى»([219]): «وَالْبِدْعَةُ الَّتِي يُعَدُّ بِهَا الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ: مَا اشْتَهَرَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسُّنَّةِ مُخَالَفَتُهَا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: كَبِدْعَةِ: الْخَوَارِجِ، وَالرَّوَافِضِ، وَالْقَدَرِيَّةِ، وَالْمُرْجِئَةِ». اهـ

* وقال شيخ الإسلام -رحمه الله- أيضًا كما في «مجموع الفتاوى»([220]): «وَكَثِيرٌ مِنْ مُجْتَهِدِي السَّلَفِ وَالْخَلَفِ قَدْ قَالُوا وَفَعَلُوا مَا هُوَ بِدْعَةٌ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ بِدْعَةٌ: إمَّا لِأَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ ظَنُّوهَا صَحِيحَةً، وَإِمَّا لِآيَات فَهِمُوا مِنْهَا مَا لَمْ يُرَدْ مِنْهَا، وَإِمَّا لِرَأْيٍ رَأَوْهُ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ نُصُوصٌ لَمْ تَبْلُغْهُمْ».

* وقال شيخ الإسلام -رحمه الله- كما في «مجموع الفتاوى»([221]): «وَمِمَّا يَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ الطَّوَائِفَ الْمُنْتَسِبَةَ إلَى مَتْبُوعِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَالْكَلَامِ، عَلَى دَرَجَاتٍ: مِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ قَدْ خَالَفَ السُّنَّةَ فِي أُصُولٍ عَظِيمَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إنَّمَا خَالَفَ السُّنَّةَ فِي أُمُورٍ دَقِيقَةٍ، وَمَنْ يَكُونُ قَدْ رَدَّ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الطَّوَائِفِ الَّذِينَ هُمْ أَبْعَدُ عَنْ السُّنَّةِ مِنْهُ؛ فَيَكُونُ مَحْمُودًا فِيمَا رَدَّهُ مِنْ الْبَاطِلِ، وَقَالَهُ مِنْ الْحَقِّ؛ لَكِنْ يَكُونُ قَدْ جَاوَزَ الْعَدْلَ فِي رَدِّهِ، بِحَيْثُ جَحَدَ بَعْضَ الْحَقِّ، وَقَالَ بَعْضَ الْبَاطِلِ، فَيَكُونُ قَدْ رَدَّ بِدْعَةً كَبِيرَةً بِبِدْعَةِ أَخَفَّ مِنْهَا؛ وَرَدَّ بِالْبَاطِلِ بَاطِلًا بِبَاطِلٍ أَخَفَّ مِنْهُ، وَهَذِهِ حَالُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَمِثْلُ هَؤُلَاءِ إذَا لَمْ يَجْعَلُوا مَا ابْتَدَعُوهُ قَوْلًا يُفَارِقُونَ بِهِ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ: يُوَالُونَ عَلَيْهِ وَيُعَادُونَ؛ كَانَ مِنْ نَوْعِ الْخَطَأِ، وَاَللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- يَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ خَطَأَهُمْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا وَقَعَ فِي مِثْلِ هَذَا كَثِيرٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا: لَهُمْ مَقَالَاتٌ قَالُوهَا بِاجْتِهَادِ، وَهِيَ تُخَالِفُ مَا ثَبَتَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بِخِلَافِ مَنْ وَالَى مُوَافِقَهُ، وَعَادَى مُخَالِفَهُ، وَفَرَّقَ بَيْنَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَفَّرَ وَفَسَّقَ مُخَالِفَهُ دُونَ مُوَافِقِهِ فِي مَسَائِلِ الْآرَاءِ وَالِاجْتِهَادَاتِ؛ وَاسْتَحَلَّ قِتَالَ مُخَالِفِهِ دُونَ مُوَافِقِهِ؛ فَهَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافَاتِ». اهـ

* قلت: وهذه أوصاف فرقة الغلاة التي نرد عليها، هدانا الله وإياهم إلى الحق المبين!!

وقال -رحمه الله- كما في «مجموع الفتاوى»:([222]) «وَإِنَّمَا قَرَّرْتُ هَذِهِ» الْقَاعِدَةَ «لِيُحْمَلَ ذَمُّ السَّلَفِ وَالْعُلَمَاءِ لِلشَّيْءِ عَلَى مَوْضِعِهِ، وَيُعْرَفَ أَنَّ الْعُدُولَ عَنْ كَمَالِ خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ الْمَأْمُورِ بِهِ شَرْعًا: تَارَةً يَكُونُ لِتَقْصِيرِ بِتَرْكِ الْحَسَنَاتِ عِلْمًا وَعَمَلًا، وَتَارَةً بِعُدْوَانِ بِفِعْلِ السَّيِّئَاتِ عِلْمًا وَعَمَلًا، وَكُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ قَدْ يَكُونُ عَنْ غَلَبَةٍ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَ قُدْرَةٍ. «فَالْأَوَّلُ» قَدْ يَكُونُ لِعَجْزِ وَقُصُورٍ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَ قُدْرَةٍ وَإِمْكَانٍ. و «الثَّانِي»: قَدْ يَكُونُ مَعَ حَاجَةٍ وَضَرُورَةٍ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَ غِنًى وَسَعَةٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَاجِزِ عَنْ كَمَالِ الْحَسَنَاتِ وَالْمُضْطَرِّ إلَى بَعْضِ السَّيِّئَاتِ مَعْذُورٌ…

وَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ: وَهُوَ: أَنْ تَعْرِفَ الْحَسَنَةَ فِي نَفْسِهَا عِلْمًا وَعَمَلًا: سَوَاءٌ كَانَتْ وَاجِبَةً أَوْ مُسْتَحَبَّةً، وَتَعْرِفَ السَّيِّئَةَ فِي نَفْسِهَا عِلْمًا وَقَوْلًا وَعَمَلًا: مَحْظُورَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَحْظُورَةٍ – إنْ سُمِّيَتْ غَيْرُ الْمَحْظُورَةِ سَيِّئَةً – وَإِنَّ الدِّينَ تَحْصِيلُ الْحَسَنَاتِ وَالْمَصَالِحِ، وَتَعْطِيلُ السَّيِّئَاتِ وَالْمَفَاسِدِ، وَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَجْتَمِعُ فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ أَوْ فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ الْأَمْرَانِ، فَالذَّمُّ وَالنَّهْيُ وَالْعِقَابُ قَدْ يَتَوَجَّهُ إلَى مَا تَضَمَّنَهُ أَحَدُهُمَا، فَلَا يُغْفَلُ عَمَّا فِيهِ مِنْ النَّوْعِ الْآخَرِ، كَمَا يَتَوَجَّهُ الْمَدْحُ وَالْأَمْرُ وَالثَّوَابُ إلَى مَا تَضَمَّنَهُ أَحَدُهُمَا، فَلَا يُغْفَلُ عَمَّا فِيهِ مِنْ النَّوْعِ الْآخَرِ، وَقَدْ يُمْدَحُ الرَّجُلُ بِتَرْكِ بَعْضِ السَّيِّئَاتِ الْبِدْعِيَّةِ والفجورية، لَكِنْ قَدْ يُسْلَبُ مَعَ ذَلِكَ مَا حُمِدَ بِهِ غَيْرُهُ عَلَى فِعْلِ بَعْضِ الْحَسَنَاتِ السُّنِّيَّةِ الْبِرِّيَّةِ، فَهَذَا طَرِيقُ الْمُوَازَنَةِ وَالْمُعَادَلَةِ، وَمَنْ سَلَكَهُ؛ كَانَ قَائِمًا بِالْقِسْطِ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ لَهُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ». اهـ

وقال -رحمه الله- كما في «مجموع الفتاوى»([223]): «مَا ثَبَتَ قُبْحُهُ مِنْ الْبِدَعِ وَغَيْرِ الْبِدَعِ مِنْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَوْ الْمُخَالِفِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، إذَا صَدَرَ عَنْ شَخْصٍ مِنْ الْأَشْخَاصِ؛ فَقَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهٍ يُعْذَرُ فِيهِ: إمَّا لِاجْتِهَادِ أَوْ تَقْلِيدٍ يُعْذَرُ فِيهِ، وَإِمَّا لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ، كَمَا قَدْ قَرَّرْته فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَرَّرْته أَيْضًا فِي أَصْلِ «التَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ» الْمَبْنِيِّ عَلَى أَصْلِ الْوَعِيدِ؛ فَإِنَّ نُصُوصَ «الْوَعِيدِ» الَّتِي فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَنُصُوصَ الْأَئِمَّةِ بِالتَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لَا يُسْتَلْزَمُ ثُبُوتُ مُوجَبِهَا فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ؛ إلَّا إذَا وُجِدَتْ الشُّرُوطُ وَانْتَفَتْ الْمَوَانِعُ، لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، هَذَا فِي عَذَابِ الْآخِرَةِ؛ فَإِنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِلْوَعِيدِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَلَعْنَتِهِ وَغَضَبِهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ خَالِدٌ فِي النَّارِ، أَوْ غَيْرُ خَالِدٍ، وَأَسْمَاءُ هَذَا الضَّرْبِ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفِسْقِ تَدْخُلُ فِي هَذِهِ «الْقَاعِدَةِ» سَوَاءٌ كَانَ بِسَبَبِ بِدْعَةٍ اعْتِقَادِيَّةٍ، أَوْ عِبَادِيَّةٍ، أَوْ بِسَبَبِ فُجُورٍ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ الْفِسْقُ بِالْأَعْمَالِ، فَأَمَّا أَحْكَامُ الدُّنْيَا فَكَذَلِكَ أَيْضًا؛ فَإِنَّ جِهَادَ الْكُفَّارِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِدَعْوَتِهِمْ؛ إذْ لَا عَذَابَ إلَّا عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ الرِّسَالَةُ، وَكَذَلِكَ عُقُوبَةُ الْفُسَّاقِ لَا تَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ.

وَهُنَا قَاعِدَةٌ شَرِيفَةٌ يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهَا: وَهُوَ أَنَّ مَا عَادَ مِنْ الذُّنُوبِ بِإِضْرَارِ الْغَيْرِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ؛ فَعُقُوبَتُنَا لَهُ فِي الدُّنْيَا أَكْبَرُ، وَأَمَّا مَا عَادَ مِنْ الذُّنُوبِ بِمَضَرَّةِ الْإِنْسَانِ فِي نَفْسِهِ؛ فَقَدْ تَكُونُ عُقُوبَتُهُ فِي الْآخِرَةِ أَشَدَّ، وَإِنْ كُنَّا نَحْنُ لَا نُعَاقِبُهُ فِي الدُّنْيَا.

وَإِضْرَارُ الْعَبْدِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ هُوَ ظُلْمُ النَّاسِ؛ فَالظُّلْمُ لِلْغَيْرِ يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا لَا مَحَالَةَ؛ لِكَفِّ ظُلْمِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، ثُمَّ هُوَ نَوْعَانِ:

أَحَدُهُمَا: مَنْعُ مَا يَجِبُ لَهُمْ مِنْ الْحُقُوقِ، وَهُوَ التَّفْرِيطُ.

والثَّانِي: فِعْلُ مَا يَضُرُّ بِهِ، وَهُوَ الْعُدْوَانُ.

فَالتَّفْرِيطُ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ… وَلِهَذَا يُعَاقَبُ الدَّاعِيَةُ إلَى الْبِدَعِ بِمَا لَا يُعَاقَبُ بِهِ السَّاكِتُ، وَيُعَاقَبُ مَنْ أَظْهَرَ الْمُنْكَرَ بِمَا لَا يُعَاقَبُ بِهِ مَنْ اسْتَخْفَى بِهِ، وَنُمْسِكُ عَنْ عُقُوبَةِ الْمُنَافِقِ فِي الدِّينِ، وَإِنْ كَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ…

وَكَذَلِكَ يُعَاقَبُ مَنْ دَعَا إلَى بِدْعَةٍ تَضُرُّ النَّاسَ فِي دِينِهِمْ؛ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَكُونُ مَعْذُورًا فِيهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِاجْتِهَادِ أَوْ تَقْلِيدٍ». اهـ أي أنه لا يلزم من كون المرء لا يعاقب في الدنيا أنه عند الله أحسن حالًا ممن يعاقب في الدنيا، وكذلك لا يلزم من كون المرء لا يعاقب في الدنيا أن لا يكون له عذر سائغ عند الله -عز وجل- من اجتهاد أو تقليد، والله أعلم.

وقال -رحمه الله- أيضاً كما في «مجموع الفتاوى»([224]): «وَمَنْ لَمْ يَعْدِلْ فِي خُصُومِهِ وَمُنَازِعِيهِ، وَيَعْذُرْهُمْ بِالْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ، بَلْ ابْتَدَعَ بِدْعَةً، وَعَادَى مَنْ خَالَفَهُ فِيهَا، أَوْ كَفَّرَهُ؛ فَإِنَّهُ هُوَ ظَلَمَ نَفْسَهُ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ، وَيَرْحَمُونَ الْخَلْقَ؛ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ فَلَا يَبْتَدِعُونَ، وَمَنْ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ خَطَأً يَعْذُرُهُ فِيهِ الرَّسُولُ؛ عَذَرُوهُ، وَأَهْلُ الْبِدَعِ مِثْلُ الْخَوَارِجِ يَبْتَدِعُونَ بِدْعَةً، وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ، وَيَسْتَحِلُّونَ دَمَهُ، وَهَؤُلَاءِ كُلٌّ مِنْهُمْ يَرُدُّ بِدْعَةَ الْآخَرِينَ، وَلَكِنْ هُوَ أَيْضًا مُبْتَدِعٌ، فَيَرُدُّ بِدْعَةً بِبِدْعَةِ وَبَاطِلًا بِبَاطِلِ». اهـ فتأمل يا -طالب الحق- هذا التفصيل الرصين، واحمد الله أن عافاك مما ابتلى به الغلاة المسرفين المتهورين!!!

وقال -رحمه الله- في «اقتضاء الصراط المستقيم»([225]): «وكذلك العُبَّاد: إذا تعبدوا بما شُرِعَ من الأقوال والأعمال ظاهرًا وباطنًا، وذاقوا طعم الكَلِمِ الطيب، والعمل الصالح الذي بعث الله به رسوله – صلى الله عليه وسلم -؛ وَجَدُوا في ذلك من الأحوال الزَّكِيَّة، والمقامات العَلِيَّة، والنتائج العظيمة، ما يُغْنيهم عما قد يَحْدُثُ في نَوْعِهِ: كالتَّغْبِير([226]) ونحوه، من السَمَاعات المُبْتَدَعة، الصارِفَةِ عن سماع القرآن، وأنواع من الأذكار والأوراد، لفَّقَها بعضُ الناس، أَوْ فِي قَدْره: كزيادات من التعبدات، أَحْدَثَها مَنْ أَحْدَثَها لِنَقْص تَمَسُّكِهِ بالمشروع منها، وإن كان كثير من العلماء والعُبَّاد ـ بل والأمراء ـ معذوراً فيما أَحْدَثَه لِنَوْعِ اجتهادٍ، فالغَرَضُ أن يُعْرف الدليلُ الصحيحُ، وإن كان التاركُ له قد يكون مَعْذوراً؛ لاجتهاده، بل قد يكون صِدِّيقاً عظيماً، فليس من شرط الصِّدِّيق أن يكون قوله كله صحيحاً، وعَمَلُه كلُّه سُنَّةً؛ إذ كان يكون بمنزلة النبي – صلى الله عليه وسلم -، وهذا باب واسع». اهـ

* وقال سماحة الشيخ ابن باز -رحمه الله تعالى- كما في «مجموع الفتاوى»([227]): «وما وُجِد من اجتهاد لبعض العلماء وطلبة العلم فيما يسوغ فيه الاجتهاد؛ فإن صاحبه لا يؤاخذ به، ولا يُثَرِّبُ عليه إذا كان أهلا للاجتهاد، فإذا خالفه غيره في ذلك؛ كان الأجْدَرُ أن يجادله بالتي هي أحسن؛ حِرْصًا على الوصول إلى الحق من أَقْرَبِ طريقٍ، ودَفْعًا لوساوس الشيطان، وتحريشه بين المؤمنين.

فإن لم يتيسر ذلك، ورأى أحد أنه لا بد من بيان المخالفة؛ فيكون ذلك بأَحْسَنِ عبارة، وأَلْطَفِ إشارة، ودون تَهَجُّم أو تَجْرِيح أو شَطَطٍ في القول؛ قد يَدْعُو إلى رَدِّ الحق، أو الإعراض عنه، ودون تَعَرُّضٍ للأشخاص، أو اتِّهام للنيات، أو زيادةٍ في الكلام لا مُسَوِّغَ لها، وقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول في مثل هذه الأمور: «ما بِالُ أقوامٍ قالوا كذا وكذا»». اهـ

* وفي «المنتقى» من «الفتاوى» للشيخ الفوزان -حفظه الله-([228]): السؤال: «لقد ظَهَرَ بين طلاب العلم اختلافٌ في تعريف المبتدع.. فقال بعضهم: هو من قال أو فَعَلَ البدعةَ، ولو لم تَقُم عليه الحجةُ، ومنهم من قال: لابد من إقامة الحجة عليه، ومنهم من فرَّق بين العالم المجتهد وغيره من الذين أَصَّلُوا أصولَهم المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة، وظَهَر من بعض هذه الأقوال تبديعُ ابن حجر والنووي، وعدمُ الترحم عليهم.. نطلب من فضيلتكم تَجْلِيَةَ هذه المسألة التي كَثُر الخوضُ فيها.. جزاكم الله خيرًا؟

أولاً: لا ينبغي للطلبة المبتدئين وغيرهم من العامة أن يَشْتَغِلوا بالتبديع والتفسيق؛ لأن ذلك أمر خطير، وهم ليس عندهم عِلْمٌ ودِرايةٌ في هذا الموضوع، وأيضًا هذا يُحْدِث العداوةَ والبغضاءَ بينهم، فالواجبُ عليهم الاشتغالُ بطلب العلم، وكَفُّ ألسنتهم عما لا فائدة فيه، بل فيه مَضَرَّةٌ عليهم وعلى غيرهم.

ثانيًا: البدعة: ما أحدث في الدين مما ليس منه، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد»([229]وإذا فَعَلَ الشيءَ المخالفَ جاهلاً؛ فإنه يُعْذَر بجهله، ولا يُحْكَم عليه بأنه مبتدع، لكن ما عَمِلَهُ يُعْتَبَرُ بدعةً.

ثالثًا: من كان عنده أخطاء اجتهادية تأوَّل فيها غيره، كابن حجر والنووي، وما قد يقع منهما من تأويل بعض الصفات؛ لا يُحْكَم عليه بأنه مبتدع، ولكن يُقال: هذا الذي حصل منهما خطأ، ويُرْجَى لهما المغفرة بما قدماه من خدمة عظيمة لسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فهما إمامان جليلان موثوقان عند أهل العلم». اهـ

* قلت: فهل يعي الغلاة ويرعوُون؟ وقد تمسَّحوا كثيرا بفتاوى للعلامة الفوزان، منها ما كان جواباً عن سؤالٍ قُدِّم له بوصف الواقع على خلاف ما هو واقع، ومنها ما هو عموم أو مطلق لا يلزم تنزيلُه على معيَّن إلا بضوابط، ولكن الغلاة ينزلونه على المُعَيَّن الذي يخالفهم، ويدَّعون -جهلاً وزُوراً-: أن الشيخ الفوزان يحذِّر من فلان، ويقول عنه: إنه مبتدع… وهكذا، فصاحب الهوى لا يردّه عن هواه إلا التوبة النصوح والورع الثخين.

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كما في «مجموع الفتاوى»([230])، -كما سبق قريبا- لما سئل عن البدعة التي تُخْرج الرجل من أهل السنة، أو بهذا المعنى:

«ولهذا وَقَع في مثل هذا كثيرٌ من سَلَفِ الأمة وأئمتها: لهم مقالات قالوها باجتهاد، وهي تُخالِفُ ما ثَبَتَ في الكتاب والسنة، بخلاف من والى مُوَافِقَهُ، وعادى مُخَالِفَه، وفرَّق بين جماعة المسلمين، وكفَّر وفَسَّق مُخَالِفَهُ دون مُوَافِقِةِ في مسائل الآراء والاجتهادات، واستحل قتال مُخالِفِهِ دون موافِقِهِ، فهؤلاء من أهل التفرق والاختلافات، والله المستعان».

فذكر -رحمه الله- في هذه الجملة عدة ضوابط:

1- مخالفة ما ثَبَتَ في الكتاب والسنة.

2- أن هذه المخالفة وقعت بسبب خطأ في الاجتهاد من المخالف، وهذان الشرطان لا يمنعان وقوع الرجل من سلف الأمة وأئمتها في البدعة، أي ومع ذلك فهو من أئمة السلف.

3- أن المخالف قد والى موافقهُ في مسألة اجتهادية، وعادى مخالفَهُ في مسألة اجتهادية.

4- أن المخالف قد فرّق من أجل مسألة اجتهادية جماعة من المسلمين، بل كفَّر وفسَّق مخالفَه دون موافِقِه، والشرط الثالث والرابع عَمل أهل البدع والأهواء.

فتأمل هذه الضوابط والفوائد، ولا تكن من الغلاة الغافلين أو المتغافلين، الذين يفسدون وهم يحسبون أنهم مصلحون!!!

ونحن نحمد الله -عز وجل-، فإننا لم نحكم على مخالفينا من المنتسبين لأهل السنة -وإن بدَّعونا بأعياننا، بل بدَّعوا من لم يبدِّعْنا وهجروه… إلخ- إلا بأنهم من جملة أهل السنة، لكنهم جهلة أو مُتجاهلون في هذا الباب الذي خاضوا فيه، ولا نطلق ضلالهم في كل شيء، ولم ندعوا إخواننا إلى هجرهم والتشنيع عليهم، والتشهير بهم، كما هم يفعلون، ولم نجحد ما عندهم من جوانب أخرى أصابوا فيها، وقد نفع الله بهم فيها، كما هم يفعلون بإخواننا، فنحن نتعامل معهم بمقتضى العلم، وهم يتعاملون مع إخواننا بجهل، وحماقة، ووشاية، وتحميل لإخواننا بما ليس فيهم، والشيء من معدنه لا يُسْتَغْرب، وحَسْبُنا الله ونعم الوكيل!!

وعلى ذلك؛ فليستْ كل بدعة تجعل صاحبها من أهل الأهواء؛ فقد قال شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى»([231]):

«والبدعة التي يُعَدُّ بها الرجل من أهل الأهواء: ما اشْتَهَر عند أهل العلم بالسنة مخالفَتُها للكتاب والسنة؛ كبدعة الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة؛ فإن عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط وغيرهما قالوا: أصول اثنتين وسبعين فِرْقة هي أربع: الخوارج، والروافض والقدَرية، والمرجئة، قيل لابن المبارك: فالجهمية؟ قال: ليستْ الجهميةُ من أمة محمد –صلى الله عليه وعلى آله وسلم-».

الشاهد من هذا أن البدعة المخرجة من دائرة السنة هي البدع الكلية، التي هي أصولٌ لِبدعٍ أخرى، أما إذا خالف الرجلُ أخاه في مسألة، أو اجتهد فزلَّتْ قدمه فيها، أو وقع في بدعة عن اجتهاد وتأويل أو تقليد سائغ، وهو رجل معروف بالسنة والانتصار لها؛ فهذا الرجل -سواء كان عالما مجتهدا أو عامِّيَّاً مُقَلِّدَاً لعالمٍ سُنِّيٍّ مُجْتَهِدٍ-لا يَخرُجُ عن دائرة السنة والجماعة، إنما يُؤْخَذُ منه ما أحسن فيه، ويُنصح بالرجوع عما أخطأ فيه، أو يُحذَّر من هذا الخطأ -لا من صاحبه إلا إذا عاند بعد قيام الحجة عليه- فلا يُؤخذ عنه.

وكثير من العلماء مُسُّوا بشيء من ذلك، ولو أن كل من أخطأ قُمْنا عليه -كما يقول الحافظ الذهبي- وبَدَّعْناه وهَجَرْناه؛ لم يبقَ لنا أحد من أكثر العلماء!!

وقد قرر الحافظ الذهبي -رحمه الله- هذا في عدة مواضع:

ففي ترجمة الإمام ابن خزيمة، قال -رحمه الله- قال الحافظ الذهبي
-رحمه الله-:
«ولابن خزيمة عَظَمَةٌ في النفوس، وجلالةٌ في القلوب؛ لعلمه ودينه واتباعه السنة، وكتابُهُ في التوحيد مجلد كبير، وقد تأول في ذلك حديثَ الصورة؛ فلْيُعْذرْ من تأول بعض الصفات، وأما السلف فما خاضوا في التأويل، بل آمنوا وكَفُّوا، وفَوّضوا عِلْمَ ذلك إلى الله ورسوله، ولو أن كُلَّ من أخطأ في اجتهاده، مع صحة إيمانه، وتوخِّيه لاتباع الحقِّ أَهْدَرْناه، وبَدَّعْناه؛ لَقَلّ مَنْ يَسْلَمُ مِنَ الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنه وكرمه»([232]). اهـ

وفي «النبلاء»([233]) ترجمة محمد بن نصر المروزي -رحمه الله-، ذكر الذهبي بعض المسائل التي خالف فيها أهل السنة -مع إمامته- وقد هَجَرَه بعضُ علماء وقته، فَرَدَّ ذلك الذهبي، ثم قال: «ولو أنَّه كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل، خطأً مغفورًا له، قُمْنَا عليه، وبَدَّعْناه، وهَجَرْناه؛ لما سَلِمَ معنا لا ابن نصر، ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة». اهـ.

وفي «النبلاء» أيضًا([234]) ترجمة قتادة بن دعامة السدوسي -رحمه الله-، قال الذهبي -رحمه الله-: «ثم إن الكبير من أئمة العلم، إذا كَثُرَ صوابُهُ، وعُلِم تَحَرِّيه للحَقِّ، واتَّسَعَ عِلْمُهُ، وظَهَر ذكاؤه، وعُرِفَ صَلاحُهُ، ووَرَعُهُ، واتِّباعُه؛ يُغْفَرُ له زَلَلُهُ، ولا نُضَلِّلُهُ، ونَطَّرِحُهُ، ونَنْسَى محاسِنَهُ، نَعَمْ: ولا نَقْتَدِي به في بِدْعَتِهِ وخَطَئِهِ، ونرجو له التوبة من ذلك». اهـ.

وفي «النبلاء» أيضًا([235]) في ترجمة أبي عبد الله ابن منده -رحمه الله-: «أَنْبَأَنَا الثِّقَةُ عَنْ مثلِه، عَنْ يَحْيَى بنِ مَنْدَة، قَالَ: سَمِعْتُ عمِّي عبد الرَّحْمَن، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ عَبْدِ اللهِ الطَّبَرَانِيّ يَقُوْلُ: قُمْتُ يَوْماً فِي مَجْلِس وَالدِك – رَحِمَهُ اللهُ – فَقُلْتُ: أَيُّهَا الشَّيْخُ، فِيْنَا جَمَاعَةٌ مِمَّنْ يدخلُ عَلَى هَذَا المشؤومِ – أَعنِي أَبَا نُعَيْمٍ الأَشْعَرِيَّ -، فَقَالَ: أَخرجُوْهُم، فَأَخْرَجْنَا مِنَ المَجْلِسِ فُلاَناً وَفلاَناً، ثُمَّ قَالَ: عَلَى الدَّاخلِ عَلَيْهِم حَرَجٌ أَنْ يَدخُلَ مَجلِسَنَا، أَوْ يَسمعَ منَّا، أَوْ يَرْوِي عَنَّا، فَإِنْ فعلَ؛ فلَيْسَ هُوَ منَّا فِي حِلّ. اهـ.

* قلت: لا يصح هذا السند إلى ابن منده كما هو واضح الابهام فيه، ومع ذلك؛ فقد قال الذهبي -رحمه الله-:

قُلْتُ (أي الذهبي): «رُبَّمَا آل الأَمْرُ بِالمَعْرُوف بصَاحِبه إِلَى الغضبِ وَالحِدَّة، فيقعُ فِي الهِجْرَان المُحَرَّمُ، وَرُبَّمَا أَفضَى إِلَى التَّكفيرِ، وَالسَّعْي فِي الدَّمِ، وَقَدْ كَانَ أَبُو عَبْدِ اللهِ وَافرَ الجَاهِ وَالحُرمَةِ إِلَى الغَايَة بِبَلَدِهِ، وَشَغَّب عَلَى أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ اللهِ الحَافِظِ ـ يعني أبا نعيم الأصبهاني ـ، بِحيث إِنَّ أَحْمَد اخْتَفَى». اهـ

وكما في «سير أعلام النبلاء» أيضًا([236]): «قَالَ الحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ مَنْدَةَ فِي مَسْأَلَةِ الإِيْمَان: صَرَّحَ مُحَمَّدُ بنُ نَصْرٍ فِي كِتَاب (الإِيْمَان) بِأَنَّ الإِيْمَانَ مَخْلُوْقٌ، وَأَنَّ الإِقْرَارَ، وَالشَّهَادَةَ، وَقرَاءةَ القُرْآنِ بِلَفْظِهِ مَخْلُوْقٌ». اهـ

* قلت: فهذا محمد بن نصر المروزي، إمام من أئمة أهل السنة والجماعة، يقول: الإيمان مخلوق، وهو في هذا مخالف لقول أهل السنة والجماعة، الذين لا يخوضون في ذلك، ولا يقولون: الإيمان مخلوق ولا غير مخلوق، وأن هذا من المصطلحات المُحْدَثة، التي نَأَى عنها أهلُ السنة، وحَذَّروا منها، لكن محمد بن نصر -رحمه الله- يُؤْخَذ عِلْمه الذي أصاب فيه، وهذه الجزئية التي تكلم بها تُترك، ولا يُقْتَدى به فيها، لكن لا يَخْرج من دائرة السنة بذلك.

* قال الحافظ الذهبي -رحمه الله-: «وَلَوْ أَنَّا كلَّمَا أَخْطَأَ إِمَامٌ فِي اجْتِهَادِهِ فِي آحَادِ المَسَائِلِ خَطَأً مَغْفُوراً لَهُ، قُمْنَا عَلَيْهِ، وَبدَّعْنَاهُ، وَهَجَرْنَاهُ؛ لَمَا سَلِمَ مَعَنَا لاَ ابْنُ نَصْرٍ، وَلاَ ابْنُ مَنْدَةَ، وَلاَ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُمَا، وَاللهُ هُوَ هَادِي الخَلْقِ إِلَى الحَقِّ، وَهُوَ أَرحمُ الرَّاحمِينَ، فَنَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الهوَى وَالفظَاظَةِ». اهـ([237])

* وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: قال الحافظ أبو موسى المديني فيما جمعه من مناقب الإمام قوام السنة أبي القاسم إسماعيل بن محمد بن إسماعيل التيمي: «سمعته يقول: أخطأ محمد بن إسحاق بن خزيمة في حديث الصورة، ولا يُطْعَنُ عليه في ذلك، وقال أبو موسى: أشار بذلك إلى أنه قَلَّ مِنْ إمامٍ إلا وله زَلَّةٌ، فإذا تُرِك الإمام لأجل زلته؛ تُرك كثير من الأئمة؛ وهذا لا ينبغي أن يُفعل»([238]). اهـ.

* قلت: فهؤلاء ثلاثة أئمة يصرحون بذلك في هذا الموضع، الأول: أبو القاسم، والثاني: أبو موسى، الذي فسّر كلام أبي القاسم مُقرَّا وموضِّحا له، والثالث: شيخ الإسلام، الذي نقله مستدلا به، فما هو قول الِغلاة في التبديع على هذا الموضع؟!

فالشاهد من هذا: أن الخلاف قد يقع بين أهل العلم، أما الفوضى التي نراها الآن، ويُشْعِل نارها بعض من يتمسَّح بمشايخ السنة، أو بعض من يتسمى بعلماء السنة، هذه هي الفتنة في الدين، والبليَّة: أن كثيراً مِن هؤلاء ما عرفوا متى تكون البدعة مخرجة من دائرة السنة، ومتى لا تكون كذلك، بل يرون كل البدع -على اختلاف مراتبها- تخرج الواقع فيها بعينه من دائرة اهل السنة والجماعة وتوجبُ هجره!!!

هذا كله إذا سلمنا أن الشخص وقع في بدعة، فلا بد من مراعاة هذه التفاصيل، أما هؤلاء الغلاة فيطلقون البدعة على أناسٍ كثيرين لم يقعوا في بدعة أصلا، بل هم أقوى منهم تَمَسُّكاً بعقيدة السلف، وأصْفَى فهماً وفقهاً فيها، والله المستعان!!

* وفي «غارة الأشرطة»:([239]) سئل شيخنا الشيخ مقبل بن هادي الوادعي -رحمه الله- فقُدم له سؤال: وكيف الإخوان الفضلاء الذين هم مُسَجِّلون في جمعية الحكمة؟ هل يكونون مثل الذين هم مع الإخوان المفلسين -يريد جماعة الإخوان المسلمين-؟

فالسائل وصفهم بأنهم إخوة فضلاء، ولا يَفْهَم أحد من هذا أنهم بذلك يكونون أهل بدعة وضلالة، أو أنهم خارجون من السنة عند السائل ولا عند المسؤول الذي لم يعترض على ما جاء في السؤال.

فقال الشيخ في الجواب: «لا؛ إن الله يحب العدل، لكن يُعْتَبرون بهم شيءٌ من الحزبية، ولكن ليسوا مِثْلَهُم» انتهى.

ولا شك أن كلام الشيخ -رحمه الله- في الجماعات، وفي الجمعيات أيضًا أنه قد تدرَّج وتغَيّر مِن وقت لآخر.

لكن الشاهد في هذا السؤال أنه -رحمه الله- يرى أن الرجل قد يكون عنده شيءٌ من الحزبية، ومع ذلك يكون من الإخوة الفضلاء، هذا هو الشاهد، هذا هو الذي نريد أن يعرفه الغلاة الذين يظنون أن مَن كان عنده شيءٌ مِن الحزبية؛ فهو مبتدعٌ ولابُدّ، ومَن كان عنده هذه الحزبية أو هذا النوع مِن البدع؛ فإنه خارجٌ من أهل السنة والجماعة ولابُدّ، ومن لا يخرجه من أهل السنة؛ فيخرج من دائرة السنة ولابد… وهكذا يتسلسل الأمر إلى ما لا يعلمه إلا الله -جل شأنه- وهذا يلزمهم، ومع هذا فإنهم ينسبون هذه الفوضى إلى منهج العلماء سلفاً وخلفاً، فهذا كلام العلماء مِن بلادٍ شَتَّى، وعصورٍ مختلفة بين أيدينا على خلاف هذا الهُراء، فهل أنتم أيها الغلاة تعقلون أو تفقهون؟ وهل آن لكم أن تكُفُّوا عن الكذب والافتراءات على العلماء؟ أم أنكم ستسْلكون مَسْلك أهل البدع والأهواء في التعلُّق والتشبُّث ببعض الكلمات المشتبهة، والفتاوى المحتملة؟!

فنقول لهؤلاء: الأمر ليس كذلك؛ فالأمر فيه تفصيل: فقد يكون عند الرجل نوعٌ من الحزبية، وليس حزبيًّا صرفًا، وليس مبتدعًا ولا كافرًا، ولذلك لما سئل الشيخ -رحمه الله- هل يُطلب العلم عندهم -أي عند من تكلم فيهم بالحزبية-؟ قال: نعم، يُستفاد منهم، ويُنصَحون أن يَتْركُوا الحزبية.

ولا شك أن قوله -رحمه الله-: «يُستفاد منهم» قولٌ من الأقوال المتقدمة له -رحمه الله-، وله أقوال أخرى بعد ذلك بالمنع من مجالستهم، دون الحكم بخروجهم مطلقا من دائرة أهل السنة والجماعة، والشاهد من ذِكْر كلامه -رحمه الله- قد سبق تقريره.

وسيأتي قريبا كلام شيخ الإسلام، كما في «مجموع الفتاوى» وهو يتكلم -رحمه الله- على الخلاف الذي يقع بين أهل السنة، وأنه لا يجوز أن يختلف أهل السنة، وأن يوالُوا ويعادُوا على هذا الشيء؛ فإن هذا الأمر مِنْ عَمَلِ أهل البدع.

فأهل البدع هم الذين إذا اختلفوا في أي مسألة؛ فإنهم يُوالُون ويُعادُون عليها، أما أن يختلف السُّني البصير بمنهج علماء السنة مع أخيه في مسألةٍ تحتمل الاختلاف مع بقاء الأُخُوَّة؛ فهذا الخلاف الذي يقع بين أهل السنة، أما الخلاف الذي يقع مثله بين أهل البدعة؛ فإنهم يختلفون في المسألة، ويُوالون ويُعادون عليها، ويُفرِّقون الكلمة بسببها، ولذا كانت الفُرقةُ ملازمةً للبدعة، والجماعةُ ملازمةً للسنة.

لكن -للأسف- هذا ما يفعله اليوم هؤلاء الغلاة المتعالمون، الذين لا ينظرون إلى نوع المسائل، وبعضهم -وهو قِزْمٌ- يقول: لابد من هَجْر فلان، وهًجْر من لم يَهْجُره!! فقيل له: لماذا هذا كله؟ فقال: لأنه لم يَسْمَعْ كلامنا!!

يا سبحان الله!! وكأنهم معصومون! وأن الذي يخالفهم؛ فلابد أن يكون مبتدعًا مهجورا!!

وبعضهم إذا سئل عن موقفهم الفاسد الظالم تُجاهي؛ قال: إنه أَخَذَ علينا طلابنا، قلت: ومن أخذ طلابك -لو فرضنا صحة ذلك- فهل هذا يُسوِّغ لك أن تطلق فيه هذه الفتاوى الجائرة والأحكام البائرة؟ ثم إن طلابك هؤلاء إذا كانوا همجًا رعاعًا، يَتَّبِعُون كلَّ زاعقٍ وناعق؛ فلا يُفْرَح بهم، سواء كانوا مع فلان هذا أو معك!! وهم بذلك لا ينفعون أنفسهم؛ فضلًا عن أن ينتفع الناس بهم، وإذا كانوا طلابَ علم، تربَّوا على منهج الحق، وهذا الذي نظنه فيهم -جزاهم الله خيرًا- فلماذا تركوك، وأنتَ أنتَ عندهم؟

إنهم لم يتركوك إلا لأنك خالفْتَ الأدلة، وتخَلَّيت عن طريقة العلماء في هذا الباب، فهذا عيبٌ فيك، وليس عيبًا فيهم ولا فيمن ذهبوا إليه!!

* قال شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى»:([240]) «فكيف يجوز مع هذا لأمة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- أن تفترق وتختلف، حتى يُوالِيَ الرجلُ طائفةً ويُعادي طائفةً أخرى بالظن والهوى؟ بلا برهانٍ من الله تعالى، وقد بَرَّأَ الله نَبِيَّهُ -صلى الله عليه وسلم- ممن كان هكذا».

ثم قال: «فهذا فِعْلُ أهل البدع» اهـ.

فالمخالفون هؤلاء هم الذين تضرروا بفتوى الهجر، ومع تضررهم هذا؛ فقد اخترعوا في الدين ما ليس منه، ووالَوْا وعادَوْا على هذا الشيء، وباءوا بإثم هذه البدعة، نسأل الله السلامة.

ثم قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: «فهذا فِعْلُ أهل البدع، كالخوارج الذين فَرَّقوا جماعة المسلمين، واستحلُّوا دماء من خالفهم»، قال: «وأما أهل السنة والجماعة فهم معتصمون بحبل الله»، ثم قال: «أَقَلُّ ما في ذلك: أن يُفَضِّل الرجلُ من يوافِقُهُ على هواه، وإن كان غيره أَتْقَى لله منه، وإنما الواجب أن يُقدِّم مَنْ قَدَّمَه الله ورسوله –عليه الصلاة والسلام-، ويؤخِّر من أَخَّره الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، ويُحِبَّ ما أَحَبَّه الله ورسوله –عليه الصلاة والسلام-، ويُبْغِضَ ما أَبْغَضه الله ورسوله –عليه الصلاة والسلام-، ويَنْهَى عما نهى الله عنه ورسوله –عليه الصلاة والسلام-، وأن يَرْضَى بما رَضِيَ الله به ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وأن يكون المسلمون يدًا واحدة، فكيف إذا بلغ الأمر ببعض الناس إلى أن يُضَلِّل غيره، ويُكَفِّرَه، وقد يكون الصواب معه، وهو الموافق للكتاب والسنة»؟!!

فتأمَّل قوله -رحمه الله-: «أَقَلُّ ما في ذلك: أن يُفَضِّل الرجلُ من يوافقه على هواه، وإن كان غيره أَتْقَى لله منه…» إلخ، وهذا يدل على أن الحزبية أو البدعة مراتب متفاوتة، ومع التفاوت في القدر يكون التفاوت في الحُكْم، وقد جعل الله لكل شيء قَدْراً، وأما المخالفون فلا يُمَيِّزون هذا التفاوت، ومنهم من كان يميِّز هذا التفاوت، لكنَّ الهَلَعَ الذي أصابهم خشيةَ أن يُجَرِّحَهم كبيرُ الغلاة؛ هو الذي أَعْمَى البصائر، والله المستعان.

فهذا -والله- هو الواقع الذي نعيشه، فإنهم يُضلِّلُون أهلَ الحق، ويُبدِّعونهم، وأَهْلُ الاعتدال لا يعاملونهم إلا بمقتضى الحق الذي يدينون به، ولا ينتقمون لأنفسهم، فأهلُ الحق هم الذين قد ثبَّتهم الله على الجادة، وهؤلاء هم الذين زاغوا عن الطريق!!

ثم قال شيخ الاسلام -رحمه الله-: «وقد يكون الصواب معه، وهو الموافق للكتاب والسنة، ولو كان أخوه المسلم قد أخطأ في شيءٍ من أمور الدين؛ فليس كل من أخطأ يكون كافرًا، ولا فاسقًا، بل قد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، وقد قال الله -تعالى- في كتابه في دعاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ] {البقرة:286}، وثَبَتَ في «صحيح مسلم» أن الله -عز وجل- قال: «قد فَعَلْتُ».

هذا كلام شيخ الإسلام -رحمه الله- وكأنه يعيش بين ظهرانينا، ويعرف حال الوالغين في هذه الفتن، فرحمه الله رحمة واسعة.

والشاهد من كلامه -رحمه الله-: بيان أن الحزبية قد تكون شيئًا يسيرًا، وقد تكون شيئًا عظيماً، فلو قلنا: وقد تكون أمراً عظيماً، كل حزبيّ مبتدع، وكل مبتدع خارج من دائرة الإسلام، أو من دائرة أهل السنة؛ فسيلزم القائلَ أن يَحْكُم بهذا الحكم الجائر على رجُلٍ فَضَّل من يوافقه -ولو بقلبه- أو فضَّل قريبه، أو مَن أحسن إليه، وسعى في تفريج كربته على من هو ليس كذلك، وإن كان هذا الغير أتْقى لله -عز وجل- ممن يقرِّبُهُ، فهل نُخْرج هذا الرجل من دائرة أهل السنة بهذا؟! وإن كان عنده نقصٌ بقدر هذه المخالفة؟!

فالحزبية والبدعة بينهما التقاء وافتراق، فالحزبية عبارة عن ولاء وبراء، وأما البدعة فهي عبارة عن تقرُّب إلى الله –عز وجل- بأَمْرٍ مُحْدَث ليس من الدين.

أما الحزبيُّ فقد يكون حزبيًّا وإن لم يتقرب إلى الله بتحزُّبه، وذلك إذا والى وعادى على أمر مخالف وإنْ اعترف بأنه مخطئ، ولا يتقرب إلى الله بهذا الولاء والبراء، فهو بذلك حزبي، مثل ما يحدث من حزبية القبائل وحميتهم وعصبيتهم، وكثير منهم يعترف أنه مخطئ، لكن هو في ذاته عنده ولاء وبراء، للدم، أو للنسب، أو للقبيلة، أو للاسم الذي يجتمعون تحته، إلى غير ذلك.

فهذه حزبية وليست بدعة؛ لأنه لا يُتَقَرَّب إلى الله -جل شأنه- بها، والبدعة: أن يُحْدِثَ الرجل في الدين ما ليس منه، ويداوم على ذلك، ويتقرب إلى الله به، فتأخذ بدعته هيئة الشرعية، أو يضاهي بذلك الشرع، والبدعة -في الأصل- أضر من الحزبية؛ لأن المبتدع يتقرب إلى الله بذلك، وقد يَغْتَرّ به من لا يغتر بالفاسق الفاجر؛ لكون بعض أهل البدع له سَمْتٌ حَسَنٌ، وأعمال صالحة، والحزبية نوع من الفسوق والعصيان، والبدعة أضر من المعصية، لكن المبتدع قد يكون مَعْفوًّا عنه عند الله -جل شأنه- لكونه مجتهدًا أو مقلِّدًا تقليدًا سائغًا، فلا يُؤَثَّم، بل قد يُؤْجَر، بخلاف الحزبي الفاسق الفاجر، فليس له أجر، وأمره إلى الله، إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له، فهذه جوانب الافتراق بين الحزبية والبدعة، وقد يجمع المرء بين التحزب والابتداع، كما هو حال هؤلاء الغلاة، فقد اخترعوا أقوالا وقواعد ما لها أصل في الكتاب والسنة، كتبديع وهجر من لم يبدِّع ويهجر من يبدِّعون ويهجرونه،… إلخ قواعدهم الفاسدة، ثم الولاء لموافقهم عليها، والبراء والهجر لمن خالفهم فيها!!!

وجوانب الالتقاء: أن كلًّا منهما معصية لله –عز وجل-، فالبدعة ضلالة، وإذا عرف الرجل أن هذه البدعة لا تجوز، وأَصَرَّ على ذلك؛ فيكون ضالًّا بهذا؛ لأن أصل فِعْل المبتدع استدراكٌ على الشريعة، والله –عز وجل- يقول: [ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ] {المائدة:3}، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «خَيْرُ الهَدْي هَدْيُ محمد، وشَرُّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بدعة» فكيف يأتي المبتدع ويُحْدِث في الدين ما ليس منه؟ هل الدين ناقص فيحتاج إلى من يُكمله؟

إذًا فإطلاق القول: «بأن كل حزبية بدعة»؛ إطلاق غير صحيح، لكن بينهما التقاء وافتراق، وكل شيء يُوضَع في موضعه.

وهذا بخلاف الإطلاق الذي قاله أحد الغلاة، وهو صاحب كتاب «البيان لإيضاح ما عليه جامعة الإيمان» فإنه قال في التنبيه الثامن: (أحيانًا نقول: أصحاب التحزب وأهل البدع، فقد يظن الظان أننا لا نرى أصحابَ التحزب أَهْلَ ابتداع، وليس كذلك، فهم أَهْلُ بدع)([241]) اهـ.

فهذا الإطلاق ليس صوابًا، بل لابد فيه من هذا التفصيل؛ لأن صاحب البدعة يتقرب إلى الله بها، وصاحب الحزبية قد يتقرب إلى الله بها، وقد لا يتقرب إلى الله بها، بل قد يعترف بخطئه، فإن تقرب إلى الله بها؛ فهو مبتدع -بعد إقامة الحجة عليه-، وإن لم يتقرب إلى الله بها؛ فهو حزبيٌّ عاصٍ لله -عز وجل-، ثم هو حزبيٌّ إذا أقيمت عليه الحجة، واستوفى شروط الحكم، وانتفت عنه هذه الموانع، ومع ذلك فهو مُصِرٌّ على قوله، هذا أمر ينبغي أن يكون واضحًا.

لكن لو أن رجلًا ابتدع بدعةً في عبادةٍ أو في شيءٍ من العادات، ولكنه لم يَدْعُ إليها، ولم يَحْدُثْ منه ولاء وبراء عليها، فهل: هذا حزبي؟ الجواب: لا.

* وهذا كلام للشيخ ربيع المدخلي-حفظه الله وأصلحه- وهو الذي يحتج به الغلاة، بل يقدسون قوله، وذلك في بعض أشرطته، يتكلم فيه على البدع التي تُخْرج الرجل من دائرة أهل السنة والجماعة، وأنها البدع الكبار، وليست البدع الصغيرة، فهؤلاء الذين يُقلِّدون الشيخ ربيعا في الباطل -وما أكثره عندهم في هذا الباب- حَرِيٌّ بهم أن يُقَلِّدوه في الحق الذي أصاب فيه، والذي كان عليه قبل إحداثه ما أحدث من الفُرقة والتمزّق لصفوف دعوة أهل السنة لو كانوا يعقلون!!!

فقد جاء في الشريط: سؤال الأخ: ما هو الضابط في وَصْفِ الشخص بأنه خَرَج عن منهج أهل السنة؟

الجواب: الضابط أنه إذا وقع في بدعة واضحة، كالقول بخلق القرآن… ثم قال: أما بدع خَفِيَّة يقع فيها، ولّا معصية خفيفة -بارك الله فيك- فهذا لا يُخْرجه -إن شاء الله- من أهل السنة.

وله -حفظه الله وأصلحه- كلام آخر في شريط (كلمة ونصيحة عبر الهاتف) في الوجه الثاني: سئل -حفظه الله وأصلحه-: هل كل من وقع في بدعة فهو مبتدع؟ فقال: «إن كانت واضحةً ظاهرة، كالقول بخلق القرآن، أو دُعاءِ غير الله، أو الذَّبْح لغير الله، أو شيء من هذه الأمور الواضحة؛ يُبدَّع بالبدعة الواحدة، وإن كانت البدعة من الأمور الخفية، وعُرِفَ مَنْ وَقَعَ فيها أنه ممن يَتَحَرَّى الحقَّ، وهذا خَطَأٌ منه؛ فهذا لا يُبَدَّعُ ابتداءً».

قال -حفظه الله وأصلحه: «وإذا أَصَرَّ عليها؛ يُبدَّع، ولو بدَّعنا كُلَّ مَنْ وَقَع في بدعةٍ خفية؛ ما سَلِمَ لنا أحدٌ من أئمة الإسلام» اهـ.

فتأمل كلامه -غفر الله لنا وله- وهل كلامي السابق يخالف ما قاله في جزئية واحدة، ولكن كان هذا منه – عافانا الله وإساه – عندما كان على الجادة في هذا الباب، وقَبْلَ أن يُحْدِث ما أَحْدَثَهُ، فمزَّق به صفوف أهل السنة، وأشْمَت بهم خصومهم!!

وفي شريط آخر له -حفظه الله وأصلحه- بعنوان: (أسئلة منوعة) الوجه الثاني، قال: «ضابط الخروج من أهل السنة: الوقوع في بدعة واضحة، كالقول بخلق القرآن، أو سبّ الصحابة، أما الوقوع في بدعة خَفِيَّة أو معصية خفيفة؛ فلا».

وفي شريطٍ آخر له -حفظه الله وأصلحه– باسم (جلسات في الكويت)، الشريط الثاني، الوجه الثاني، يقول السائل: «مَن وقع في الكفر أو البدعة -سؤال- فهل يُكفَّر أو يُبدَّع؟» ففصَّل الشيخ ربيع -حفظه الله وأصلحه-، وقال: «إذا كان معلومًا من الدين بالضرورة؛ فيُكفَّر ويُبَدَّع، أما إذا كان غير معلوم من الدين بالضرورة؛ فيُعذَر، وإذا كان هذا مما يَخْفَى على الناس، والْتَبَس عليه الأمر، وهو معروفٌ بالسنة وتَحَرِّيه للحق، ثم ظَنَّ صِحَّةَ حديثٍ؛ فيُعذَر، أو وقع في البدعة، أو اجتهد في فَهْمِ نَصٍّ، لكنه أخطأ في فهم النص، ووقع في البدعة على هذه الحالة؛ فنحن لا نُبدِّعه، بل نَعْذُره، وإن أمكن مناقشتنا له؛ ناقشناه، فإن لم يَرْجِع؛ فقد يُبدّع» اهـ. فتأمل تفصيله، ودقة جوابه، وفي الأخير بعد إقامة الحجة قال: «فقد يُبَدَّع» وهذه غاية في الدقة والحَذَر وصحة الفهم؛ فقد تقام الحجة، ولا زالت بعضُ الشُّبَهِ عالقةً في ذهن المخالف؛ فلا يُكَفَّرُ كما وقع من شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وهو يناظر قضاة وعلماء الجهمية، ولم يكفرهم بعد المناظرة، وقال لهم: لو قلتُ بقولكم؛ أكون كافرا، وأنتم عندي لا تكفرون… إلخ([242]) مع أن هناك مواضع يمكن أن يناقش فيها حول المعلوم من الدين بالضرورة؛ لكن أين هو الآن ومقلدوه مما قالوه من قبل؟! فيا مُقلِّب القلوب والأبصار ثبِّتْ قلوبنا على طاعتك.

* وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كما في «مجموع الفتاوى»([243]) كلاما يدل على أن الرجل قد يكون من أهل السنة، وعنده بدعة خفيفة، فإذا غَلُظَتْ هذه البدعة وأُعْضِلَتْ، وأصبحت من المعضلاتِ والبدعِ العظيمةِ؛ ففي هذه الحالة يخرج من دائرة أهل السنة، وقد يتكلم بعض الأئمة في بعض البدع -وإن كانت أَخَفَّ من غيرها، ولا يلزم من كلامه فيها اخراج من وقع فيها من دائرة أهل السنة، إنما قال ما قال- ليحذِّر من الاقتداء بمن دخل فيها من الصالحين، أو الاغترار بهم، فقد قال -رحمه الله تعالى- كما في «مجموع الفتاوى»([244]): «فَإِنَّ الْقَرَامِطَةَ والإسْماعِيليَّةَ وَنَحْوَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمُحَارَبَةِ لِأَهْلِ الْجَمَاعَةِ، وَهُمْ مُنْتَسِبُونَ إلَيْهِمْ، وَأَمَّا الْخَوَارِجُ فَهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالصِّدْقِ، وَالرَّوَافِضُ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ، وَالْخَوَارِجُ مَرَقُوا مِنْ الْإِسْلَامِ، وَهَؤُلَاءِ نَابَذُوا الْإِسْلَامَ، وَأَمَّا الْقَدَرِيَّةُ الْمَحْضَةُ فَهُمْ خَيْرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ بِكَثِيرٍ، وَأَقْرَبُ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لَكِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ هُمْ جهمية أَيْضًا، وَقَدْ يُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ، وَيَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَيَقْرُبُونَ مِنْ أُولَئِكَ.

وَأَمَّا الْمُرْجِئَةُ فَلَيْسُوا مِنْ هَذِهِ الْبِدَعِ الْمُغَلَّظَةِ، بَلْ قَدْ دَخَلَ فِي قَوْلِهِمْ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْعِبَادَةِ؛ وَمَا كَانُوا يُعَدُّونَ إلَّا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ؛ حَتَّى تَغَلَّظَ أَمْرُهُمْ بِمَا زَادُوهُ مِنْ الْأَقْوَالِ الْمُغَلَّظَةِ، وَلَمَّا كَانَ قَدْ نُسِبَ إلَى الْإِرْجَاءِ وَالتَّفْضِيلِ قَوْمٌ مَشَاهِيرُ مُتَّبَعُونَ؛ تَكَلَّمَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ الْمَشَاهِيرُ فِي ذَمِّ الْمُرْجِئَةِ الْمُفَضِّلَةِ؛ تَنْفِيرًا عَنْ مَقَالَتِهِمْ: كَقَوْلِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: مَنْ قَدَّمَ عَلِيًّا عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَالشَّيْخَيْنِ؛ فَقَدْ أَزْرَى بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؛ وَمَا أَرَى يَصْعَدُ لَهُ إلَى اللَّهِ عَمَلٌ مَعَ ذَلِكَ، أَوْ نَحْوِ هَذَا الْقَوْلِ، قَالَهُ لَمَّا نُسِبَ إلَى تَقْدِيمٍ عَلَىٍّ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْكُوفِيِّينَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَيُّوبَ السختياني: مَنْ قَدَّمَ عَلِيًّا عِلي عُثْمَانَ؛ فَقَدْ أَزْرَى بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، قَالَهُ لَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ أَئِمَّةِ الْكُوفِيِّينَ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ فِي ذَمِّ الْمُرْجِئَةِ لَمَّا نُسِبَ إلَى الْإِرْجَاءِ بَعْضُ الْمَشْهُورِينَ». اهـ

فقد تكلم -رحمه الله- عن المرجئة في طَورٍ من أطوارهم، أو مَرْحَلة من مراحلهم، وذكر أنهم آنذاك لم يقولوا بهذه المقالات الشنيعة، وذكر أنهم عُدُّوا -آنذاك- من أهل السنة على ذلك.

فقد قال -رحمه الله-: «وأما المرجئة فليسوا من أهل البدع المُعْضَلَة، بل قد دخل في قولهم طوائفُ من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يُعَدُّون إلا من أهل السنة؛ حتى تَغلَّظ أَمْرُهم بما زادوه من الأقوال المغلظة».

* قلت: فهذا دليل على أن الرجل قد يكون سنيًّا وعنده بدع يسيرة، لكن إذا أصبحت بدعته غليظة ومُعضِلَةً، وضَمَّ إليها أقوالا شنيعة؛ فعند ذاك يُحْكَم عليه بأنه مبتدعٌ خارجٌ من أهل السنة والجماعة.

إذًا فالقوم يظنون -والظن لا يُغني من الحق شيئا- أن أي بدعة تُخْرج الرجل من دائرة أهل السنة، ويصعب عليهم جدًّا القولُ بأن الرجل قد يجمع بين السنة والبدعة، مع أنهم يطلعون على كلام العلماء: مثل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وكلام تلميذه ابن القيم، وكلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي، وكلام علماء الدعوة النجدية -رحم الله الجميع- بأن الرجل قد يجتمع فيه برٌّ وفجور، وطاعة ومعصية، وإيمان وكفر -والمراد به الكفر العملي غير المخرج من الملة- وسُنَّة وبدعة، وما يوجِب موالاته، وما يوجِب معاداتِهِ.

كذلك أيضًا قد يجتمع فيه صِدْقٌ أو إخلاصٌ ونفاقَ، -أي النفاق العملي-، وهذا كلام شيخ الإسلام، الذي ادَّعى إجماع أهل السنة عليه، بخلاف أهل البدع والأهواء!! لكن كثيرا من المخالفين لنا قد يُسلِّم لك بأن الرجل قد يكون عنده إيمان وكُفر -أي كفر عملي- وإخلاص ونفاق -أي نفاق عملي- أما أن يكون عنده سنة وبدعة؛ فلا يُسَلِّم لك بكل إصرار وعناد، فهل هذا الأمر أَشَدُّ مما سَلَّم به؟!

واعلم أن كلام أهل العلم هذا إنما هو في البدع الجزئية، أو البدع الفرعية لا الأصلية، والبدع اليسيرة أو الخفيفة قبل أن تَغْلُظ، وقبل أن تكون مُعضلة، والعلماء أَهْلُ عَدْلٍ، يحكمون على الشيء بما يستحق، فلا يَحْكُم العالمُ السنِّي المُنْصِفُ الحَصِيفُ على الرجل المبتدع بدعة يسيرة، ويرميه بأشد العبارات بزعم أن فراستهم تقول: إنه سيصل إلى البدعة الغليظة بعد ذلك، وأنهم قد جرَّبوا ذلك في آخرين!!

وهنا أمرٌ هامٌّ ينبغي الكلام عنه: وهو: هل يكون الرجل من أهل السنة وهو مبتدع؟

الجواب: إذا كنتَ تعني بأنه مبتدع، أي البدعة اليسيرة، وأقيمت عليه الحجة، وبُيِّن له، ومع ذلك أبى أن يتركها، فإنه يكون مبتدعًا في هذه الجزئية، لكن لا نخرجه من دائرة السنة بالكلية.

كالرجل الذي يُفَضِّل عليًّا على عثمان، فمعلوم أن هذا خلاف القول الذي عليه الصحابة -رضي الله عنهم- الذين قدَّموا عثمان على علي -رضي الله عنهما- ولذلك قال أبو أيوب أو الثوري: من قدَّم عليًّا على عثمان؛ فقد أَزْرَى بالمهاجرين والأنصار([245])!! فهذا تشيعٌ قليل، كما قال بعض العلماء، أو تشيع يسير، كما يقول الحافظ الذهبي، وكان هذا موجودًا عند أئمةٍ كبارٍ من أهل الكوفة، ومع ذلك فالإمام أحمد لما سئل عن إخراجهم من السنة، قال الإمام أحمد: «الإخْراج من السنة شَديدٌ»([246]).

فلا نُخرجهم من السنة من أجل هذه البدع اليسيرة، واختلفت الروايات عن أحمد، فبعض الروايات أنه قال: أهلٌ لأن يُبدَّع، وسئل مرة: هل هم مبتدعة؟ فقال: (لا أَقْوَى على ذلك)([247])، أو بهذا المعنى، أي لا أقوى على تبديعهم، وفيه رواية أخرى، لكن يظهر أن في سندها كلامًا، أو أن في سندها من يحتاج إلى النظر في حاله، يقول: مَن فضَّل عليًّا على عثمان هو رافضي، لكن هذه الرواية في سندها بحث ونظر([248]).

والإمام أحمد كان مترددًا في هذا الأمر، ولم يُنكِر على مَن بدَّعهم، كما أتذَكَّر من كلام الخلَّال([249]).

فالشاهد -بارك الله فيكم-: أنك إذا كنتَ تقول في صاحب البدعة اليسيرة: هو مبتدع-بالشروط المعروفة في تبديع المعين-، والجالسون أمامك يَفْهَمون أنه مبتدع في هذه الجزئية، وليس بخارج من السنة بالكلية، ولا يُلحق بأهل البدع الكبرى؛ فلا بأس بذلك، وكذا إذا كنت تقول: هو مبتدع باعتبار أنه قد بُلِّغ ونُصِح وبُيِّن له، وأَصَرّ على ذلك، كما كان كثير من أهل البدع يُصِرُّون على أقوالهم مهما بيَّن لهم العلماء؛ فلا بأس بذلك أيضا، أو كنت تقول: هو مبتدع، تريد تحذير الناس من اتباعه على خطئه، ولا تريد اخراجه من السنة، كما فعل بعض السلف في بعض المواضع، والخلاصة: أنه لا بد من معرفة رتبة البدعة: هل هي كلية أو جزئية؟ ثم يُحكم على الرجل بما يستحقه.

* وذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- ما يدل على إعطاء كلِّ شيء قَدْرَهُ وحُكْمَهُ الموافقَ للعدل، فقد قال شيخ الإسلام -رحمه الله- كما في «مجموع الفتاوى»([250]): «وَقَدْ كَتَبْتُ قَبْلَ هَذَا فِي «الْقَوَاعِدِ» مَا فِي طَرِيقَيْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالنَّظَرِ، وَأَهْلِ الْإِرَادَةِ وَالْعَمَلِ مِنْ الِانْحِرَافِ إذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِمُتَابَعَةِ الرَّسُولِ، كَمَا بَيَّنْت فِي قَاعِدَةٍ كَبِيرَةٍ أَنَّ أَصْلَ الْعِلْمِ وَالْهُدَى وَالدِّينِ: هُوَ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاسْتِصْحَابُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَقْوَالِ وَالْأَحْوَالِ، وَكَانَ «أَهْلُ الْمَدِينَةِ» أَقْرَبَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ؛ إذْ لَمْ يَنْحَرِفُوا انْحِرَافَ الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ: هَوًى وَرِوَايَةً وَرَأْيًا وَكَلَامًا وَسَمَاعًا، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِهِمْ نَوْعُ انْحِرَافٍ، لَكِنْ هُمْ أَقْرَبُ».

ويجوز -إذا أُمِنَتْ الفتنة- إطلاقُ الحُكْم؛ فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ؛ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ واحدةٌ مِنْهُنَّ؛ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا»([251]).

* قلت: والعلماء يحملون هذا الحديث على النفاق العملي، وأنه ليس من المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار، مع قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «كان منافقا خالصا» قالوا: إنما عنده نفاقٌ عَمَلِيٌّ خالصٌ، لكن لا يُخرجونه من دائرة الإسلام، فالعبرة في ضرورة التوضيح ترجع إلى فهم من يسمع الكلام، هل هو ممن يُحْسِن فهم مراد المتكلم أم لا؟

فإذا كنت تقول على صاحب البدعة اليسيرة: هو مبتدع، ويُفْهَم من ذلك الفهمُ السيئ، وأنه خارج من دائرة السنة بالكلية؛ فلا يجوز الإطلاق بذلك على من وقع في البدعة اليسيرة؛ فإن هذا تلبيس، كما أنك تقول: فلان فاسق -تعني في شيء بعينه-، وإلا فالفسق منه ما هو كُفر، ومنه ما هو معصية، والظلم منه ما هو كفر، ومنه ما هو معصية، والأدلة تُطْلِق الوصف في الرجل أنه ظالم، وفاسق، وعاصٍ، وفاجر، وهذه كلها أشياء تُطْلَقُ على الكفار أيضًا، لكن العبرة بحُسْن الفهم من السامع حتى لا يقع السامع في لبسٍ، أو يَنْقُلَ عنك خلاف ما تعتقد، أو يُظَنَّ بالعلماء السوء، فإذا كان إطلاقك ليس بواضح عند من تُكَلِّمُهُ؛ فلابد من أن تُقَيِّد، فتقول: ابتدع في المسألة الفلانية، أو أَحْدَث في الباب الفلاني، أو احْذَرْ منه في المسألة الفلانية، أو نحو ذلك.

أما إذا وقع المخالف في بدعة كبرى، تُناقِضُ أصولَ الإسلام أو السنة، كبدعة الجهمية، أو الخوارج، أو المعتزلة، ونحوهم؛ فإذا كان الرجل قد أُقيمتْ عليه الحجة، وأُزيلتْ عنه الشبهة من عالم متأهِّلٍ لذلك، وانْتَفَتْ في حقِّه موانعُ التكفير أو التبديع أو التفسيق؛ واسْتَوْفَى شروطَ أحد هذه الأحكام؛ فيُطْلَق القول فيمن فعل الكفر الأكبر بأنه كافر، وفيمن وقع في البدعة الكبرى بأنه مبتدع، وكذا الفسق المصادم لما حرم الله -عز وجل-.

السؤال الثالث: هل يمكن أن تَجْتَمعَ سُنَّةٌ وبدعةٌ في شخصٍ واحدٍ أم لا؟

ج: قد سبق الجواب عليه، وذكرتُ أنه قد تجتمع سنة وبدعة في شخص واحد، وذلك إذا كانت البدعةُ يسيرةً، أو كانت بدعةً جزئيةً لم تخالف أصْلًا كُليًّا من أصول أهل السنة، أو كانت بدعة كبرى، لكنَّ من وقع فيها طالب للحقّ باحثا عنه، مُؤْثرًا له على غيره تأويلًا أو اجتهادًا، وتأوَّل أدلة شرعية، وعَرَضَتْ له شُبهاتٌ حالَتْ دون إصابته الحقَّ، فلا يُطلق عليه أنه مبتدع إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة، وكذلك إذا وقع فيها عن تقليد سائغ، كأن يكون عاميا -يجوز في حقه التقليد لمن يعتقد أنه من علماء السنة- فلا يُطْلَقُ عليه بعينه أنه مُبْتَدع؛ حتى يستوفي شروط التبديع، وتنتفى عنه موانعه، وإن كان قولهما أو عملهما يُسَمَّى بدعة، ويُحَذَّر الناس من متابعته عليه، ومع ذلك لا يُطلق القول عليه بأنه من أهل السنة الصافية في جميع الابواب؛ لوقوعه في جنس البدعة، وكثير من العلماء الذين اجتهدوا وقعوا في ذلك، وهم يريدون الوصولَ إلى الحق، وإصابةَ السنة، أو يريدون الدفاعَ عن الدين، فوقعوا في نوع ابتداع، والتزموا التزامات تجعلهم يوافقون أهلَ البدع الكبرى من حيث لا يَشْعُرون، ولم يتهيأ لهم من يزيل شبهتهم، ويبين لهم ضلالتهم!!

السؤال الرابع: هل كل من كان منهجه حزبيًّا يكون حزبيًّا؟

ج: هذا الأمر فيه تفصيل، ومن المهم معرفة هذا التفصيل؛ لأن بعض طلبة العلم إذا سمعوا عالمًا يتكلم، ويقول -مثلًا-: «الإخوان المسلمون» حزبيون، قال: كل واحد في الجماعة فهو حزبي ومبتدع!! لا؛ فإن أحكام العلماء على المنهج شيء، وأحكامهم على الأفراد شيءٌ آخر؛ لأن «الإخوان المسلمين» ومن يُسَمَّون «بالقُطْبِيين»، وكذا بعض من تحزَّب من السلفيين، – ومنهم هؤلاء الغلاة الذين نردُّ عليهم في هذا الكتاب -، وغير هؤلاء من الجماعات والحزبيات قد دخل معهم أناسٌ من أهل السنة الصافية، من أجل أن يُصْلِحوا -في ظنهم- داخل هذه الجماعات، أو دخلوا معهم بدون علم منهم بما يؤخذ على هذه الجماعات، أو بلغهم أن هناك من ينتقد عليهم في كذا وكذا، ولم تظْهر له قوةُ هذه الاعتراضات، أو قَابَلَهَا في ذهنه شبهاتٌ يراها أقوى من هذه الاعتراضات فيما يظهر لنا، وسريرته على الله -تعالى وتقدَّس-… أو غير ذلك مما سبق بيانه؛ فلا يُحْكم على كل فرد إلا بما يليق به حَسَب حاله.

والشيخ ابن عثيمين -رحمة الله عليه- له فتوى في «جماعة التبليغ»، يُنْكِر فيها على من يَذُمُّهم بإطلاق، وينصح بمن يخرج معهم لإصلاح ما عندهم من الأخطاء، فيقول -رحمه الله- ما خلاصته: (من كان سيخرج معهم ليُصْلِح ما عندهم من الأخطاء؛ فلا بأس بذلك)، وهذا موجود في كتب الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-.

* ففي «لقاءات الباب المفتوح»([252]) قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «جماعةُ التبليغِ جماعةٌ نَشِطَةٌ، وجماعةٌ فيها خَيْرٌ، وجماعةٌ لها تأثيرٌ لا يُوجدُ لأيِّ جماعةٍ أخرى، وجماعةٌ تَكُفُّ شَرَّهَا عن الناس، لا تتكلمُ في الناسِ؛ لا في الحُكَّامِ، ولا في العلماءِ، ولا في الأمراءِ، وهذا شيءٌ مشهورٌ، بل إنهم يحاولون تَرْكَ الجِدالِ عندهم حتى في مسائل العلم؛ كل هذا للابْتِعَادِ عن التَنَافُرِ، وتأثيرُهُم واضحٌ، كم مِن إنسانٍ فاسقٍ صار بواسطتهم عدلاً مستقيماً، وكم مِن إنسانٍ كافرٍ دَخَلَ في الإسلامِ مِن أَجْلِهِم، وحُسْنِ أَخْلَاقِهِم، لكن يَنْقُصُهم العلمُ، يحتاجون إلى طلبة عِلْمٍ يكونون معهم، ويُبَيِّنون لهم الحَقَّ؛ حتى يكونوا على بصيرةٍ مِن الأمر، ويُخْشى مِنَ السَّفَرِ إلى الخارج إلى باكستان أو بنجلادش أو غيرها مما يُخاف عليهم مِنَ البِدَعِ هناك، على أنَّ بعضَ الإخوةِ مِن أهلِ القصيمِ ذهبوا في هذه السنة لاجتماعٍ كان في باكستان أو بنجلادش -لا أدري- لكنهم ذَكَرُوا أنَّ كبيرَهُم الذي أَلْقَى الخُطْبَةَ في هذا الجَمْعِ الغَفِيرِ، كان مِن أَوَّلِ ما بَدَأَ مِن صلاةِ المَغْرِبِ إلى أربعِ ساعاتٍ بعد الغروب وهو يُقَرِّر التوحيدَ، يقولون: ولم نَسْمَعْ عنه ما يَدُلُّ على مخالفةِ التوحيدِ أبداً، ومع ذلك لَمَّا حَصَل بيننا وبينهم لقاءٌ؛ أثنى على أهلِ العِلْمِ في هذه البلاد، وقال: نحن نتمنى أن يأتينا أحدٌ منكم يُبَيِّنُ لنا الخَطَأَ؛ حتى نَرْجِعَ عنه.

فعلى كل حال: يحتاجون إلى طلبةِ عِلْمٍ يكونون معهم، فطالبُ العلم إذا كان معهم؛ سَيَسْتَفِيدُ مِن جهتين:

الجهة الأولى: أنه يُعَلِّمُهم ويُرْشِدهم، ويُوَجِّه هذه الفئةَ التي تدعو الناسَ بأخلاقها، وآدابها، وإيثارِها، يُعَلِّمُهم ما يجبُ عليهم مِن أُمورِ الشَّرْعِ.

والجهة الثاني: أنه هو بنفسه إذا كان شامِخَ الرأس لكونه طالبَ عِلْم؛ فإنه يَلِينُ ويَعْرِفُ التواضعَ، والقيامَ بالإيثار، فَذَمُّهم مطلقاً غَلَط، ومَدْحُهُم مطلقاً غَلَط، لكن فيما أَعْلَمُ حسناتُهم أكْثَرُ من سيئاتِهِم، والنَّقْصُ الذي عندهم هو مسألة العلم، عندهم جَهْلٌ.

نسأل تعالى أن يجمعنا جميعاً على العلم النافع، والعمل الصالح؛ إنه على كل شيء قدير». اهـ

* قلت: هذا؛ وبعض هذه الكلمات تحتاج إلى قَيْدٍ وتَفْصيل، لكن ماذا سيحكم الغلاة المتهوِّرون على العلامة المحقق الناصح الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- بعد وقوفهم على هذا الكلام؟ هل سيُبَدِّعُونه، أو يستعملون التقيَّة في ذلك، إلا عمن يأتمنونه على أسرارهم وخبيئاتهم، أم سيراجعون أنفسهم، ويقتدوا بالعلماء، أو على الأقل: أن تتسع صدورهم للخلاف، ولا يُبَدِّعوا كُلَّ مَن خلفهم؟ نسأل الله لنا ولهم المزيد من الهداية والتوفيق، والله أعلم.

فإذًا هناك أُناس أهل سنة وفضل دخلوا في هذه الجماعات الحزبية، ظانين أنهم سيصلحونهم، والحقيقة أنَّ كثيرًا من الحالات حصل فيها تغيّرٌ للذين دخلوا، وأصبح كثيرٌ منهم يستميت في الدفاع عما كانوا ينكرونه قبل الدخول معهم!!

فكلُّ إنسانٍ يُنصحُ بما يكون الأحسنَ والأصلحَ في حقِّه، فلا أنصحُ طالبَ العِلمِ المجتهدِ في الطَلَبِ بتضييعِ وقته في الإكثارِ من الخروجِ معهم، وأنصحُ المرءَ الذي في بيئةٍ تُفسده أن يَخرجَ معهم؛ فإنهم سيعلمون ما يكون به أحسنَ حالاً مما كان عليه مِن قَبلُ، فَيُصَلِّي بعد ما كان لا يُصلِّي،… وهكذا؛ فالإطلاقُ في مَوْضِعِ التَّفْصِيلِ معيبٌ وضارٌّ.

وكذلك أيضًا قد يدخل البعض مع جماعة «الإخوان المسلمين»، بحجة التصدِّي للشيوعية والملاحدة وأعداء الإسلام، إلى غير ذلك، فيظن أنه إذا دخل معهم سينفع الإسلام في هذا الباب؛ فيدخل معهم، لكنه قد يتغير في كثير من الحالات، وقد يتمكن من بعض وجوه الإصلاح فيهم، والعبرة بالغالب، فمن غلبتْ منافعه على مضارّه؛ مُدِحَ وأُقِرَّ على بقائه، وإلا فلا.

وهكذا الحال مع بعض السلفيين الذين بقُوا مع الغلاة المسرفين من السلفيين!!

فما من جماعة أو حزب ممن ينتمي إلى أهل السنة إلا وفيه بعض الصالحين والمصلحين، ولكلٍّ منهم تأويلٌ وقصْدٌ في دخوله معهم: قد يُقَرُّ عليه وقد لا يُقَرَّ عليه، لكن لا يشمله الحكم العام على الأخطاء الموجودة في الجماعة إلا بشروط معينة، قد سبق الحديث عنها مراراً، ولا يجوز شرعًا إلحاقُ خطأِ شخصٍ أو طائفةٍ بآخر لم يرتكب هذا الخطأ، بل يتبرأ منه وممن يفعله، وذلك بمجرد أنه ينتسب لفصيلٍ فيه عيوبُ كذا وكذا… والله أعلم.

وعلى كل حال: فالتفرقة بين المناهج والأفراد مهمة جدًّا، فنحن نتكلم على المنهج باعتبار أصوله ومعالمه البارزة، فإن كان هذا المنهج يوافق الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة؛ قلنا: هذا منهج أهل السنة، وبعض الناس يكون من أهل السنة، ثم ينحرف عن الطريقة الصافية، إما بشبهةٍ أو شهوةِ مالٍ أو مَنْصِبٍ أو جاهٍ، أو نحو ذلك، فالمناهج قد ينتمي إليها من ليس مستقيما عليها، كانتساب كثير من المسلمين اليوم إلى دين الإسلام، ولو قلت له: هل أنت يهودي أو نصراني؛ لقاتَلَكَ حميَّة للإسلام، ولكنه في كثير من أحواله القولية والعملية، والسلوكية، والثقافية، والفكرية: هو في جانب والإسلام في جانب، لكن الفرد إذا انتسب إلى الإسلام أو السنة؛ فلا يُكَفَّر ولا يُبَدَّع بعينه إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع.

وإذا كان الرجل يخالف الكتاب والسنة؛ فننظر في نوع المخالفة، فإذا كان يخالف الكتاب والسنة في مسائل هي عند أهل السنة من جملة مقالات أهل البدع الكبار؛ فنقول: هذا منهج خارجٌ عن دائرة أهل السنة والجماعة، أما الأفراد فمنهم: المُسْتَبْصِر؛ وهذا حُكْمه حُكْم المنهج، بل منهم الصوفي الخرافي، والرافضي الماكر واللاهِثُ وراء الدنيا، وليس عنده مبالاة بالدعوة أصلًا، ومنهم: المُلَبَّس عليه؛ وهذا يحتاج إلى بيان وتفصيل، ومنهم: الذي يَعْرف الخطأ، لكنه يقول: أنا أريد أن أُصَحِّح من داخل هؤلاء؛ لدرء شر أكبر من ذلك؛ فهذا أيضًا يحتاج إلى مناقشة وبيان ونُصْحٍ بأن يحتاط لنفسه، ويُحَكِّم قواعد الشرع بكل صِدْقٍ وإخلاص، ولا يتأثر بالشبهات والشهوات، فيتغيَّر هو قبل أن يُغَيِّر غيره، وعند ذاك يلزمه الابتعاد عنهم، كما حدث لكثير ممن سبقوه في ذلك، والعاقل يعتبر بغيره، وقد يلتحق بإحدى هذه الجماعات من نشأ في بيئة تحارب الإسلام، ورأى أن هذه الجماعات أخفُّ ضررا من غيرها؛ فلهذا حُكْمٌ آخر، وتفصيلٌ لا بد من مراعاته، وعلى كل حال: فالرجل الصادق هو من يكون مع الشرع ما أمكن، ولا يتخلى عن شيء منه وهو قادر عليه، ويراعي تزاحم المصالح والمفاسد، كما سبق في مواضع كثيرة من هذا الكتاب وغيره، ولله الحمد والمنَّة.

فإطلاق القول بأنَّ الأفراد المنتسبين إلى السنة لهم جميعا -فردا فردا- حكم المناهج التي فيها خليط من الحق والباطل؛ هذا خلاف ما عليه العلماء، وهذه فتاوى للشيخ مُقْبِل -رحمة الله عليه- في بعض كتبه، تُبْطل أحكام الغلاة وإطلاقاتهم المتهورة، ومع ذلك فلا زالوا يتمسّحون بالشيخ
-رحمه الله- ويجاهرون بلا خجل بأنهم أوْلى الناس بإحياء ما كان عليه!!

* فمن ذلك ما جاء في «قمع المعانِد»([253]):

سؤال: هل تَعُدُّ الجماعاتِ الإسلاميةَ المعاصرةَ كـ «الإخوان المسلمين»، و «جماعات التبليغ»، وممن سار على نهجهم؛ من أهل السنة والجماعة، رغم ما عندهم من البدع والبُعْد عن الكتاب والسنة؟ وما هو الضابط لدخول الفئة أو الجماعة لجماعة أهل السنة، والخروج منها؟

الجواب: «نتكلم على المناهج لا على الأفراد، فأما الأفراد في هاتين الطائفين خليط: ففيهم السلفي، وفيهم الصوفي، وفيهم الشيعي، وفيهم المادي، كما قسَّمنا هذا في «المخرج من الفتنة»، لكن نتكلم على مناهجهم، فمنهج الإخوان المسلمين بِدْعي»… ثم أخذ -رحمه الله- في الكلام على مواقفهم من الخُميني وغيره.

ثم قال بعد ذلك: «أما جماعة التبليغ؛ فلا أَمْرٌ بمعروف ولا نَهْيٌ عن منكر، ولا إنكارٌ لشِرْكِيَّات، فهم خليط، فلا يستطيع أن يَحْكُم الشخص على كل فردٍ منهم، فربما يكون سُّنِّيًا لا يعرف المنهج، أو يكون سُّنِّيًا لا يعرف منهج جماعة التبليغ؛ فيكون معذورًا بهذا، فمنهجهم لا يُعَدُّ من أهل السنة، ومن كان ملتزمًا بمنهجهم؛ فليس من أهل السنة»، قلت: ومعناه: أن من كان معهم مستبْصرًا بما في منهجهم من الانحراف، ومع ذلك تمسك به على انحرافه؛ فليس من أهل السنة، كما سيأتي توضيح كلام الشيخ من كلامه نفسه.([254])

فهذا كلام الشيخ -رحمه الله- بأن هاتين الجماعتين فيهما السلفي والسني لسببٍ أو لآخر، أما الغلاة المتمسّحون بالعلماء ليُنَفِّقُوا أباطيلهم فلا يقْبلون هذا، بل يُصرِّحون بمجرد سيْر الرجل مع جماعة، أو اقترابهم منه أنه منهم، وأن حُكمَه حكمهُم-أي البدعة المخرجة من أهل السنة، والموجبة للهجر والتحذير من مجالسته أو الاستفادة منه-!!!.

* وفي «تُحْفَة المُجيب»([255]) للشيخ – رحمه الله -:

(السؤال الثالث عشر: هل «الإخوان المسلمون» يدخلون تحت مُسَّمَى الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة، أهل السنة والجماعة منهجًا وأفرادًا أم لا؟

الجواب: أما المنهج: فمنهجٌ مُبْتَدع مِنْ تأسيسه، ومِنْ أَوَّل أَمْرِهِ، فالمؤسِّسُ كان يطوف بالقبور، وهو حَسَنُ البنا، ويدعو إلى التقريب بين السنة والشيعة، ويحتفل بالموالد، فالمنهج من أَوَّلِ أَمْرِهِ منهجٌ مُبْتَدَعٌ ضالٌّ.

أما الأفراد: فلا نستطيع أن نُجْرِي عليهم حكمًا عامًّا، فمن كان يعرف أفكار حسن البنا المُبْتَدِعِ، ثم يَمْشِي بعدها؛ فهو ضَالٌّ، ومن كان لا يعرف هذا، ودخل معهم باسم أنه يَنْصُر الإسلام والمسلمين، ولا يَعْرِف حقيقة أَمْرِهم؛ فلسْنا نحكُم عليه بشيء).

* قلت: ليس معنى قوله -رحمه الله- (لسنا نحكم عليه بشيء) أن نتوقف فيه، لا مسلم، ولا كافر، ولا سني، ولا بدعي، لا؛ فإن التوقف هذا بدعة وضلالة، والشيخ -رحمه الله- كان يحذِّر منه، ولأن الرجل إذا كان أصله سُّنِّيًا؛ فنحن نحكم عليه بأنه سني، لكن أخطأ في هذا الاجتهاد، حتى تُقام عليه الحجة، وتُزال عنه الشبهة، أما التوقف لا هذا، ولا ذاك، ولا ذلك؛ فبدعة وضلالة!!

لأن بعض الناس قد يفهم من هذا أن الشيخ -رحمه الله- يقول ببدعة «التوقف»، كما سمعنا الآن بعض المخالفين أنهم قالوا: فلان نتوقف فيه: فلا هو مسلم، ولا كافر، ولا سني، ولا بدعي، إذًا فإيش هو؟!

* قال الشيخ: (فلسنا نحكم عليه بشيء، لكننا نعتبره مخطئًا، ويجب عليه أن يعيد النظر؛ حتى لا يُضَيِّع عمره بعد الأناشيد والتمثيليات، وانتهاز الفُرص لجمع الأموال) انتهى.

* قلت: في بعض ما ذكره الشيخ -رحمه الله- تفصيل قد ذكرتُهُ أكثر من مرة في موضعه، ولا يَلْزَمُ مِن ذِكْرِي له هنا إقراري له بتَمَامِه، ولكن المقصود من ذكر كلامه -رحمه الله- هنا: بيان الفرق بينه وبين من يتمسّحون به؛ فإنه يقول: «أما الأفراد: فلا نستطيع أن نُجري عليهم حُكمًا عامًّا..» وأما الغلاة فعكس ذلك، وأريد ممن ينكر ذلك أن يقول: من قال: جميع الأفراد -فرداً فرداً- حُكْمُهُم حُكْمُ الجماعة التي ينتسبون إليها، وإن كان لا يَعْرف الأخطاء التي عندهم… فإنه مخطئٌ مهما علا شأنُه عندهم!! أقول هذا؛ ولا يَلْزَمُ طالبَ العلم أن يقلِّد الشيخ مقبل -رحمه الله- ولا غيره من العلماء إلا بحجة يلْقى الله -جل وعلا- بها، لكن المراد بيان مفارقة الغلاة لما عليه أهل العلم، الذين يدَّعون أنهم طلابهم البررة!!.

* وفي موضعٍ آخر من «تُحفة المُجيب» (ص203):

(السؤال الثاني: ما هو موقف أهل السنة والجماعة من «الإخوان المسلمين» و «حزب التحرير» -بيّنوا لنا وجه انحرافهم، وجزاكم الله خيرًا-؟)

قال: (الجواب: موقف أهل السنة والجماعة من «الإخوان المسلمين» أنّهم يَحْكُمون على منهجهم بأنه منهجٌ مبتدَع، وعلى أفرادهم بأنه من كان يَعْلَم بالمنهج، ويلتزم به؛ فإنه مبتدع)، قلت: قوله -رحمه الله- هذا بيَّن لنا بجلاء معنى الالتزام السابق من كلامه في السؤال الأول.

قال الشيخ -رحمه الله-: (من كان يَعْلم بالمنهج، ويلتزم به؛ فإنه مُبْتَدِع، ومن كان لا يعلم المنهج، وهو يظن أنه ينصر الإسلام والمسلمين؛ فيعتبر مخطئًا).

ثم تكلم -رحمه الله- أيضًا على ما عند هذه الجماعات من مخالفات لمنهج أهل السنة والجماعة، وفي بعض كلامه -رحمه الله- تفصيل، قد وضحته في غير هذا الموضع.

* وللشيخ -رحمه الله- كلام أيضا في «غارة الأشرطة»([256]):

يقول السائل: (هل جماعة «الإخوان المسلمين»، و«التبليغ»، و«القطبيين» من أهل السنة والجماعة، أم لا؟ وهل يجوز التعاون معهم؟ وهل يجوز لنا هَجْرهم وعَدَمُ السلام عليهم؟)

قال الشيخ -رحمه الله-: (جماعة «الإخوان المسلمين» و «القطبيين» الأَوْلى أن يُحْكَم على مناهجهم، فمناهجهم ليست بمناهج أهل السنة والجماعة.

أما الأفراد فبعض الناس يكون مُلَبَّسًا عليه، ويكون سلفيًّا، ويأتون إليه من باب نصر دين الله، ويَمْشِي معهم، ولا يدري ما هم عليه.

فالأفراد خليط، لا يُسْتَطاع أن يُحكم عليهم بحكمٍ عام، لكن المناهج ليست مناهج أهل السنة والجماعة).

فالشاهد -في الجملة- أن هذه الفتاوى عن الشيخ -رحمه الله- تدل على تفرقته في الحكم بين المناهج والأفراد، لا سيما المناهج التي يَنْتَمي أهلها إلى السنة، ويتبرؤون من البدع الكبرى كالرفض والتجهُّم والاعتزال وتكفير المسلمين… إلخ، أو تنتسب إلى السنة مع مخالفات عندهم، ظانين أنها تنصر السنة، فمن يقول منهم: إلْزَمُوا السنة وأهل السنة، فعند ذلك لابد من النظر في أمره بدقة، واستيفاء الشروط، وانتفاء الموانع، وإزالة الأعذار والشبهات التي عنده قبل الحكم عليه بعينه.

أما من كان رافضيًا، وتقول له: أنت من أهل السنة، فيقول لك: أعوذ بالله؟ فهذا إيش نقول فيه؟ هل نشترط في حقه مراعاة الشروط والموانع قبل إخراجه من دائرة أهل السنة؟!

الجواب: لا؛ بل هو رافضي مبتدع، ليس سنيا، ومن قال: أنا جهمي، ومن قال: أنا معتزلي، ومن انتمى إلى غير ذلك من المناهج التي عُرفت بالانتماء إلى البدع الكبرى، وتبرأ من منهج أهل السنة، وطعن في علماء السنة: الصحابة فمن بعدهم؛ فنقول: هو كذلك، وليس من أهل السنة، لكن إخراجه من الإسلام -لا السنة- يحتاج إلى استيفاء الشروط وانتفاء الموانع؛ لأنهم -مع براءتهم من منهج أهل السنة وعلمائه- ينتسبون إلى الإسلام، لا إلى دين آخر غيره، أما السنة فلا ينتمون إليها، بل يفتخرون بأنهم ليسوا من أهلها، ويسبُّون أهلها: الصحابة فمن بعدهم!! فكيف تقول: هو سُنّي حتى نقيم عليه الحجة، ونزيل عنه الشبهة؟! بل نُسَمِّيه بما سمى به نفسه، كما أننا لا نحتاج إلى أن نُقيم الحجة على اليهودي والنصراني قبل تكفيره؛ لأنه لم يَقُلْ: أنا مسلم، ثم فَعَل الكفر المخرج من الملة، دون رغبة في الأديان المحرفة؛ فلا نعذره بجهله أو تأويله حتى نُقيم عليه الحجة!! أما من قال: أنا مسلم، وانتسب للإسلام، وصرح بأنه يتبرأ من الأديان الأخرى، ووقع في الكفر؛ فهذا نَعْذُره بجهله أو تأويله حتى نُقيم عليه الحجة، وكذلك من قال: أنا سُنِّي، وانتسب إلى السنة، ووقع في البدعة؛ فهذا نَعْذُره بجهله أو تأويله حتى نقيم عليه الحجة، ونُزيل عنه الشبهة التي عَرَضتْ له، والله أعلم.

السؤال الخامس: ما هي أصول أهل السنة والجماعة في التكفير والتفسيق والتبديع؟

ج: أهل السنة والجماعة لا يُفَسِّقون ولا يُكَفِّرون ولا يُبَدِّعون إلا بنصٍ شرعي، فلابد أن يكون الذي يحكمون عليه بشيء من ذلك قد وقع في أمرٍ معروف شرعًا: أنه كُفْرٌ، أو فِسْقٌ، أو بِدَعَةٌ، فالتكفير أمرٌ سمعي، فلا نُكَفِّر رجلًا إلا بأدلة سمعية، أما الأدلة العقلية، أو الاستحسانات؛ فليس لها مجال في هذا الباب؛ لأننا إذا كَفَّرنا بعقولنا؛ فالعقول لا تستقلُّ بمعرفة الكفر على وجه التفصيل، وليس كل ما تستقبحه العقول يكون كُفْرًا، وكذلك أيضًا ليس كل ما تستحسنه العقول يكون واجبًا.

فالشاهد من هذا: أن أهل السنة والجماعة عندهم تفصيل وضوابط وأصول شرعية، قد فصَّلْتها في كتابي: «أصول وضوابط أهل السنة والجماعة في التفسيق التبديع والتكفير».

* وقد قال ابن الوزير -رحمه الله- في «العواصم»([257]): «إنَّ التكفير سَمْعِيٌّ مَحْضٌ، لا مَدْخَل للعقل فيه» اهـ.

ويقول أيضًا -رحمه الله-:([258]) «إنَّ الدليل على الكفر والفسق لا يكون إلا سميعًّا قَطْعيًّا، ولا نزاع في ذلك».

أي أن العلماء متفقون على أنَّ التكفير لا يكون إلا بنصٍ سمعي، وليس باجتهادات عقلية مجردة، ولا بالأدلة الأخرى التي أنكرها أهل السنة: كالذوق، والمكاشفة، والوجدان، وغير ذلك من الأمور.

ويقول أيضاً-رحمه الله-:([259]) «واعلم أنَّ القَطْعَ لابد أن يكون من جهة ثُبوت النصِّ الشرعي في نفسه، ومن جهة وُضُوح معناه».

ثم قال -رحمه الله-: «فأما ثبوتُهُ: فلا طريق إليه إلا التواتر الضروري، كما تقدم، وأما معناه: فهل يمكن أن يكون قطعيًّا، ولا يكون ضروريًّا؟ في كلام كثيرٍ من الأصوليين ما يقتضي تجويز ذلك، وفي كلام بعضهم ما يمنع من ذلك، وهو القويُّ عندي…» وأطال الكلام في هذا.

ثم قال -رحمه الله-:([260]) «فإذا تقرر هذا؛ ثَبَتَ أنَّ الدليل القطعيَّ على التكفير ليس هو إلا العلم الضروري بأنَّ هذا القول المعين كُفْر، وهذا غير موجود إلا في مثل ما قدَّمنا» اهـ.

الشاهد من هذا: أنَّ التكفير أمر سمعي ليس للعقل فيه مجال.

فلابد أن يَثْبُت أنَّ هذا الفعل أو هذا القول كُفْر أو فِسْق أو بِدعة، فإذا ثبت هذا؛ فإننا ننظر في فاعل هذا الشيء: هل هو قاصدٌ عالمٌ مختار، أم لا؟

فإن كان قاصدًا، والمقصود هنا: يقصد الفعل المكفِّر، لا أنه يقصد الكفر، فإن قصد فعلًا مُكَفِّرًا يكون هذا كُفرًا، وإن لم يقصد أنه يَكْفر، فكثير من الكفار الأصليين يظن أنه على صراط مستقيم، وأنه لا يقصد بعمله أن يكون كافرًا، وأن يكون عندما وقع في الكفر لم يقع فيه عن جهل، إنما ارتكبه على علم ومعرفة بأنَّ هذا الشيء حرَّمه الله -عزَّ وجلَّ-، -وإن لم يَعْلَم أن حُرْمَتَهُ تصل به إلى الكفر- وأن يكون قد فعله مختارًا، أي فعَل هذا الفعل عن اختيارٍ لا عن إكراهٍ أو إجبار، وكذلك يشترط فيه القدرة، وعكس هذه الشروط تكون الموانع: الإكراه، والعجز، والجهل، والخطأ، والتأويل، والنسيان، والغضب أو الفرح الشديدين المخرجين له عن قصد كلامه، كالذي قال: «اللهمَّ أنت عبدي وأنا ربُّك؛ أخطأ من شدة الفرح»([261]).

والمُكْرَه: كما قال تعالى: [ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ] {النحل:106}، والإكراه يكون في القول والفعل لا في الاعتقاد، فأنت قد تُكْرَه، فتقول كلمةً من أجل أن المكْرِهَ يتركك، أو تفعل فِعْلًا من أجل أن يُخَلِّيَ سبيلك، أما أن تعتقد الكُفْر؛ فليس للمكْرِه سبيل على قلبك وسريرتك، فلا يعتقد الكفر -وهو عالم قاصد- إلا من كان كافرًا حقًّا، ظاهرا وباطنا، وهو مُحِبٌ للكفر، وراغبٌ فيه، سواءً أُكْرِهَ أم لا، ولكنه يَدَّعي أنه مُكْره وليس هو كذلك؛ فلا سبيل لمُكْرِهٍ على عقيدة رجل أو على سريرته، إنما سبيله على القول والفعل الظاهريْن، فيقول له: افْعَلْ كذا، فإن لم تفعل؛ سأقتلك، لكن لو قال له: اعتقد كذا، فَاعْتَقَدَهُ، ثم زعم أنه مُكْرَهٌ؛ فهو كذاب!!

قال الله تعالى: [ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ] {النحل:106}، فالذي يشرح بالكفر صدره، هو الذي يَفْعَلُ الكفر مختارًا بدون عُذْر أو مانع من التكفير.

وللعلماء كلام كثير في مسألة الأصول والضوابط والشروط والموانع، ونَقْل ذلك هنا يطول جدًّا، والتفاصيل قد ذكرتها في كتابي المشار إليه قبل قليل، ولله الحمد والمنة.

فهؤلاء الذين يُكَفِّرون المسلمين، سواءً كانوا من جماعات التكفير، أو من غيرهم، أو ممن ينتسبون الآن إلى السنة -وهم بعيدون عن أصول أهل السنة في هذا الباب- فلا اعتبار بقولهم.

والعلماء يفرِّقون في التكفير أو التبديع أو التفسيق بين الإطلاق والتعيين، وبين النوع والواحد، فالعالم قد يُطلق كلمة الكفر في مسألة من المسائل، وأن من قال كذا؛ فقد كفر، ومع ذلك إذا قيل له: فلان بن فلان يفعل هذا فهل تُكَفِّره؟ فإنه لا يُكَفِّره إلا بعد إقامة الحجة.

وبعض الناس يقول: أنا لا أعذر بالجهل؛ فلا أُقيم الحجة، ولا أحتاج إلى استيفاء شروط التكفير أو التبديع للمعين، وانتفاء الموانع عنه؟!

والجواب: حتى وإن كنت لا تَعْذُر بالجهل -وسلمنا لك صحة قولك- فإنَّ استيفاء الشروط وانتفاء الموانع لابد من مراعاة ذلك؛ لأن العلماء ذكروا أن الحكم العام أو المطلق لا يُنَزَّل على المعين إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، وإلا لزمك تبديع كثير من علماء السنة، الذين وقعوا في بدعة عن تأويل، أو خطأ… وغير ذلك.

ثم إن هناك موانع غير الجهل، كالإكراه، والخطأ، والنسيان، والتأويل عن اجتهاد أو تقليد سائغَيْن… وغير ذلك، وعلى سبيل المثال: وقوع الخطأ، كالذي قال: «اللهمَّ أنت عبدي وأنا ربُّك»، فهذا ليس بجاهل، ولكنه أخطأ من شدة الفرح!!

والعلماء راعَوْا هذا، حتى قال ابن القيم -رحمه الله- في «إعلام الموقعين» قال: «الفقيهُ الذي يقول: ماذا أَرَدْتَ؟ ونِصْفُ الفقيه هو الذي يقول: ماذا قُلْتَ؟»([262])، فهذا معناه: الرجوع إلى المقاصد والنيات، لا الوقوف على مجرد الألفاظ.

* وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يقول كما في «مجموع الفتاوى»([263]): «لَكِنَّ تَكْفِيرَ الْوَاحِدِ الْمُعَيَّنِ مِنْهُمْ» -يعني بذلك غلاة الروافض والخوارج المارقين-.

قال: «لَكِنَّ تَكْفِيرَ الْوَاحِدِ الْمُعَيَّنِ مِنْهُمْ، وَالْحُكْمَ بِتَخْلِيدِهِ فِي النَّارِ مَوْقُوفٌ عَلَى ثُبُوتِ شُرُوطِ التَّكْفِيرِ، وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ، فَإِنَّا نُطْلِقُ الْقَوْلَ بِنُصُوصِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالتَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ»، أي نُطْلِق القول بأن مَنْ فَعَلَ كذا؛ فهو في النار، ومَنْ فَعَلَ كذا؛ فهو كافر، أو فاسق، أو مبتدع.

قال: «فَإِنَّا نُطْلِقُ الْقَوْلَ بِنُصُوصِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالتَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ، وَلَا نَحْكُمُ لِلْمُعَيَّنِ بِدُخُولِهِ فِي ذَلِكَ الْعَامِّ حَتَّى يَقُومَ فِيهِ الْمُقْتَضِي الَّذِي لَا مُعَارِضَ لَهُ».

قال: «وَقَدْ بَسَطْتُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِي «قَاعِدَةِ التَّكْفِيرِ»، ثم استدل -رحمه الله- على ذلك بقصة الرجل الذي أَوْصَى بنيه أن يُحرِّقوه؛ لعله لا يُعَذَّب، وهذا شكٌّ في قدرة الله -عزَّ وجلَّ-.

وقال([264]): «وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَقَالَةَ الَّتِي هِيَ كُفْرٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ قد يُقَالُ: هِيَ كُفْرٌ قَوْلًا يُطْلَقُ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الدَّلَائِلُ الشَّرْعِيَّةُ؛ فَإِنَّ «الْإِيمَانَ» مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُتَلَقَّاةِ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ -عليه الصلاة والسلام- لَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَحْكُمُ فِيهِ النَّاسُ بِظُنُونِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ)، يعني أن الكلام في مسائل الإيمان، والكفر، كلام لا يتكلم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم، إنما هذا مما تُلُقِّيَ عن الله -جل وعلا- وعن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.

قال: (وَلَا يَجِبُ أَنْ يُحْكَمَ فِي كُلِّ شَخْصٍ قَالَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَافِرٌ؛ حَتَّى يَثْبُتَ فِي حَقِّهِ شُرُوطُ التَّكْفِيرِ وَتَنْتَفِي مَوَانِعُهُ).

وقال أيضًا -رحمه الله-([265]): (وَكُنْت أُبَيِّنُ لَهُمْ أَنَّمَا نُقِلَ لَهُمْ عَنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مِنْ إطْلَاقِ الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِ مَنْ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا؛ فَهُوَ أَيْضًا حَقٌّ، لَكِنْ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّعْيِينِ، وَهَذِهِ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ تَنَازَعَتْ فِيهَا الْأُمَّةُ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ الْكِبَارِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ «الْوَعِيدِ» فَإِنَّ نُصُوصَ الْقُرْآنِ فِي الْوَعِيدِ مُطْلَقَةٌ، كَقَوْلِهِ تعالى: [ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ] {النساء:10} الْآيَةَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا وَرَدَ: مَنْ فَعَلَ كَذَا؛ فَلَهُ كَذَا، فَإِنَّ هَذِهِ مُطْلَقَةٌ عَامَّةٌ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ: مَنْ قَالَ كَذَا؛ فَهُوَ كَذَا. ثُمَّ الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ يَلْتَغِي حُكْمُ الْوَعِيدِ فِيهِ: بِتَوْبَةٍ، أَوْ حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ، أَوْ مَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ، أَوْ شَفَاعَةٍ مَقْبُولَةٍ.

وَالتَّكْفِيرُ هُوَ مِنْ الْوَعِيدِ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ تَكْذِيبًا لِمَا قَالَهُ الرَّسُولُ
-عليه الصلاة والسلام-، لَكِنْ قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ حَدِيثَ عَهْدٍ بِإِسْلَامِ، أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكْفُرُ بِجَحْدِ مَا يَجْحَدُهُ، حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ لَم يَسْمَعُ تِلْكَ النُّصُوصَ، أَوْ سَمِعَهَا وَلَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُ، أَوْ عَارَضَهَا عِنْدَهُ مُعَارِضٌ آخَرُ؛ أَوْجَبَ تَأْوِيلَهَا، وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا).

قال: (وَكُنْت دَائِمًا أَذْكُرُ الْحَدِيثَ الَّذِي فِي «الصَّحِيحَيْنِ» فِي الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ:

«إذَا أَنَا مُتُّ؛ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثُمَّ ذَرُّوني فِي الْيَمِّ، فَوَاَللَّهِ، لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ؛ لَيُعَذِّبَنِي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ، فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ، فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: مَا حَمَلَك عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: خَشْيَتُك؛ فَغَفَرَ لَهُ»).

قال: (فَهَذَا رَجُلٌ شَكَّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ، وَفِي إعَادَتِهِ إذَا ذُرِّيَ، بَلْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يُعَادُ، وَهَذَا كُفْرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنْ كَانَ جَاهِلًا لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ، وَكَانَ مُؤْمِنًا يَخَافُ اللَّهَ أَنْ يُعَاقِبَهُ؛ فَغَفَرَ لَهُ بِذَلِكَ، وَالْمُتَأَوِّلُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ الْحَرِيصُ عَلَى مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ -عليه الصلاة والسلام- أَوْلَى بِالْمَغْفِرَةِ مِنْ مِثْلِ هَذَا).

وقال -رحمه الله-: (وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا، كَمَقَالَاتِ الْجَهْمِيَّة الَّذِينَ قَالُوا: إنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ، وَلَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ؛ وَلَكِنْ قَدْ يَخْفَى عَلَى بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ كُفْرٌ، فَيُطْلِقُ الْقَوْلَ بِتَكْفِيرِ الْقَائِلِ؛ كَمَا قَالَ السَّلَفُ مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؛ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ).

قال: (وَلَا يُكَفَّرُ الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، كَمَا تَقَدَّمَ، كَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَاسْتَحَلَّ الْخَمْرَ، وَالزِّنَا، وَتَأَوَّلَ)([266]).

* قلت: فهذه أمور معلومة من الدين بالضرورة: مثل وجوب الصلاة، وحرمة الخمر، ومع ذلك فشيخ الإسلام يقول ما معناه: إنه من وقع في ذلك -أيضًا- وكان متأوِّلا مخطئًا؛ فإنه تُقام عليه الحجة، ولا يُكَفَّر إلا بعد إصْراره على ذلك.

* قلت: ولا ينحصر هذا فيمن نشأ بباديةٍ بعيدة، أو من هو حديث عهد بإسلام؛ فإن هذا إنما يذكره العلماء من باب المثال لا الحصر، والعلماء عندما يقولون: من نشأ بباديةٍ بعيدة، أو كان حديثَ عَهْدٍ بإسلام، إنما هم يمثِّلون بالحالة التي يُتَوَقع فيها أنَّ صاحبها لم يَعْلَم بهذا الحكم، لكن لو فرضنا أنَّ رجلا ليس من هذين الصنفين، لكنه حقًّا لم يَعْلَمْ بهذا الحكم؛ فلا نستطيع أن نقيم عليه الحكم الشرعي إلا بعد إقامة الحجة.

* قال شيخ الإسلام: (كَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَاسْتَحَلَّ الْخَمْرَ، وَالزِّنَا، وَتَأَوَّلَ؛ فَإِنَّ ظُهُورَ تِلْكَ الْأَحْكَامِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَعْظَمُ مِنْ ظُهُورِ هَذِهِ) قلت: يعني أنَّ ظهور وجوب الصلاة، ووجوب الصيام، وحرمة الخمر والزنا، أحكام معروفة عند المسلمين أكثر من المسائل التي خالَفَنَا الجهميةُ فيها؛ لأن المسائل التي خالَفَنَا فيها الجهميةُ، فيها نَوْع اشْتباه؛ ولذلك فقد كان كثير منهم يتقرَّب إلى الله بهذا التعطيل، ويظن أنه مُنزِّه لله -عزَّ وجلَّ- عن المحدَثات، ويظن أنه بذلك على الحق المبين.

* قال شيخ الإسلام: (فَإِنَّ ظُهُورَ تِلْكَ الْأَحْكَامِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ، فَإِذَا كَانَ الْمُتَأَوِّلُ الْمُخْطِئُ فِي تِلْكَ؛ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ إلَّا بَعْدَ الْبَيَانِ لَهُ وَاسْتِتَابَتِهِ -كَمَا فَعَلَ الصَّحَابَةُ فِي الطَّائِفَةِ الَّذِينَ اسْتَحَلُّوا الْخَمْرَ-) قلت: يريد بذلك قصة قُدامةَ بن مظعون ومن معه ممن استحلوا الخمر، بمعنى أنها حلال لهم، لكن هم مُتَأَوِّلون، فعمر بن الخطاب والصحابة -رضي الله عنهم جميعا- في ذلك الوقت قالوا: انظروا؛ إن كان قدامةُ ومن معه يرون أن الخمر حلال، ويُصِّرُون على ذلك بعد البيان لهم، وإزالة شبهتهم التي تعلقوا بها،، وأنهم أخطأوا في فهم الآية، فإن أَصَرُّوا على ذلك؛ تُضْرَب أعناقهم على أنهم كُفَّار، وإن رجعوا وقالوا: نعم، نحن فهمنا الآية خطأً، وأنَّ الصحيح: أنَّ الخمر حرام، وليست حلالًا حتى لمن كان من أهل التُّقَى والفضل، فإن رجعوا عن قولهم بالحِلّ، وأقروا بالحرمة؛ فيُقام عليهم حَدُّ شُرْبِ الخمر.

فيقول شيخ الإسلام: إذا كانت هذه المسألة مع وضوحها -وهي حرمة الخمر- قد استُبِيحت بالتأويل الخاطئ، ولم يُكَفِّرْهم الصحابةُ ابتداءً لشُبهة عَرضَتْ لمن شَرِبَ الخمر؛ فكيف بالأحكام التي هي دون ذلك في الظهور؟! كيف لا يُعْذَر صاحبها؟!

قال -رحمه الله-: «فَإِذَا كَانَ الْمُتَأَوِّلُ الْمُخْطِئُ فِي تِلْكَ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ إلَّا بَعْدَ الْبَيَانِ لَهُ وَاسْتِتَابَتِهِ -كَمَا فَعَلَ الصَّحَابَةُ فِي الطَّائِفَةِ الَّذِينَ اسْتَحَلُّوا الْخَمْرَ-؛ فَفِي غَيْرِ ذَلِكَ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ»، وذكر الحديث السابق في قصة الرجل الذي أَوْصَى بَنِيهِ بأن يُحَرِّقُوه.

وفي كتاب «تلخيص الاستغاثة» قال -رحمه الله-: «فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يُكَفِّرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يُكَفِّرُهم»، قلت: فالخوارج كفَّرُوا عليًّا -رضي الله عنه- ولكنه لم يُكَفِّرُهم، قال شيخ الإسلام: «لأنَّ الكفر حُكْمٌ شرعي؛ فليس للإنسان أن يُعاقِب بمثله، كمن كَذَبَ عليك، وزنى بأهلك؛ ليس لك أن تَكْذِب عليه، وتَزْني بأهله؛ لأن الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى، وكذلك التكفير حقٌّ لله، فلا يُكَفَّر إلا من كفَّره اللهُ ورسولهُ -عليه الصلاة والسلام-»([267]).

قال: (وأيضًا؛ فإنَّ تكفير الشخص المعين، وجواز قَتْلِهِ موقوفٌ على أن تَبْلُغَهُ الحجةُ النبويةُ التي يَكْفُر من خالفها، وإلا؛ فليس كل من جَهِل شيئًا من الدين يَكْفُر.

ولهذا لما استحل طائفةٌ من الصحابة والتابعين، كقُدامة بن مظعون وأصحابه شُرْبَ الخمر، وظنوا أنها تُباح لمن عمل صالحًا على ما فهموه من آية المائدة؛ اتفق علماء الصحابة كعمر وعلي وغيرهما على أنهم يُسْتتابون: فإن أَصَرُّوا على الاستحلال كُفِّروا -أو كَفَروا-، وإن أقروا بها؛ جُلِدُوا؛ فلم يُكَفِّروهم بالاستحلال ابتداءً؛ لأجل الشبهة التي عَرَضَتْ لهم، حتى يتبين لهم الحق، فإذا أَصَرُّوا على الجحود كُفِّرُوا -أو كَفَروا-». انتهى

وذَكَر أيضًا -رحمه الله- حديث الرجل الذي أَوْصَى بَنِيهِ أن يحرِّقوه، ثم قال: «فهذا اعتقد أنه إذا فُعِل ذلك لا يَقْدر اللهُ على إعادته، وأنه لا يُعيده، أو جوَّز ذلك، وكلاهما كُفْر، لكن كان جاهلًا، لم يتبين له الحق بيانًا يَكْفُر بمخالفته؛ فغفر الله له».

وقال أيضا -رحمه الله-: «ولهذا كنتُ أقول للجهمية من الحلُولِية والنُفاة الذين نَفَوْا أنَّ الله تعالى فوق العرش، لما وَقَعَتْ مِحْنَتُهُم؛ كنتُ أقول لهم: أنا لو وافقتُكم كنتُ كافرًا؛ لأني أعلم أنَّ قولكم كُفْر، وأنتم عندي لا تَكْفُرون؛ لأنكم جُهَّال، وكان هذا خطابًا لعلمائهم، وقضاتهم، وشيوخهم، وأمرائهم، وأَصْلُ جَهْلِهم: شبهاتٌ عقليةٌ حَصَلَتْ لرؤوسهم في قُصُورٍ من معرفة المنقولِ الصحيح، والمعقولِ الصريح الموافقِ له، وكان هذا خطابَنَا».([268])

ثم تكلم -رحمه الله- على البكري، وذكر أنه لم يُقَابِل جَهْلَه وافتراءه عليه بالتكفير؛ لأنه تكلم على شيخ الإسلام بالتكفير وغيره، فقال شيخ الإسلام: «لم نُقابِلْه بهذا الذي فَعَله معنا». اهـ.

* وقال شيخ الإسلام في «منهاج السنة النبوية»([269]): «ولا يَلْزَمُ إذا كان القول كُفْرًا أن يُكَفَّر كل من قاله مع الجهل والتأويل؛ فإنَّ ثُبوت الكُفْر في حَقِّ الشخص المعين كثُبوت الوعيد في الآخرة في حقه»، يعني نحن لا نحكم على المسلم العاصي بأنه بعينه في النار؛ لأن هذا من أحكام الوعيد المطلقة في الآخرة، ولا نحكم إلا على من جاء فيه بذلك نص بعينه.

قال: «فإنَّ ثُبوت الكُفر في حق الشخص المعين، كثُبوت الوعيد في الآخرة في حقه، وإذا لم يكونوا في نفس الأمر كُفَّارًا؛ لم يكونوا منافقين؛ فيكونون من المؤمنين».

وفي «مجموع الفتاوى»([270]) قال: «وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُكَفِّرَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ أَخْطَأَ وَغَلِطَ؛ حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَتُبَيَّنَ لَهُ الْمَحَجَّةُ، وَمَنْ ثَبَتَ إسْلَامُهُ بِيَقِينِ؛ لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ عَنْهُ بِالشَّكِّ؛ بَلْ لَا يَزُولُ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ».

والحقيقة: أنَّ الكلام في هذا الباب يَطُولُ جداً، وقد جاء بمعنى هذا في «الدرر السنية في الأجوبة النجدية»([271]).

* وقال شيخ الإسلام كما في «منهاج السنة»([272]): «ليس لأحدٍ أن يُكَفِّر أحدًا بهواه؛ لأن التكفير حقٌ لله تعالى، والذين يُكَفِّرُون بهواهم هُم المبتدعة: كالروافض الذين كَفَّرُوا أبا بكر، وعمر -رضي الله عنهما-، والخوارج الحرورية الذين كَفَّرُوا عليًّا -رضي الله عنه-، وقاتلوا الناس على الدين»، قال: «حتى يرجعوا عما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة، إلى ما ابتدعه هؤلاء بتأويلهم الباطل، وفهمهم الفاسد للقرآن، ومع هذا؛ فقد صرَّح علي -رضي الله عنه- بأنهم مؤمنون، ليسوا كفَّارًا ولا منافقين، وهذا بخلاف ما كان يقوله بعض الناس، كأبي إسحاق الإسفراييني ومن اتبعه، يقولون: لا نُكَفِّر إلا من يُكَفِّرُنا، فإنَّ الكفر ليس حقًّا لهم، بل هو حق الله -عزَّ وجلَّ-، وليس للإنسان أن يِكْذب على من يَكْذِب عليه، ولا يَفْعل الفاحشةَ بأهل من فَعَل الفاحشةَ بأهله، ولو اسْتَكْرَهَهُ رجل على اللواطة؛ لم يكُن له أن يَسْتَكْرهَهُ على ذلك، ولو قَتَلَهُ بتجريع خمرٍ أو تَلَوَّطَ به؛ لم يَجُزْ قتلُه بمثل ذلك؛ لأن هذا حرامٌ لحق الله -عزَّ وجلَّ-». انتهى.

وفي «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية»: «وأما إلحاق الوعيد المُرَتِّب على بعض الذنوب والكبائر؛ فقد يَمْنَع منه مانع في حق المُعَيَّن، كحب الله ورسوله -عليه الصلاة والسلام-، والجهاد في سبيله»([273]).

* قلت: كما نَهى النبيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مَنْ لَعَنَ رجلا شَرِبَ الخمر، فقال: لعنه الله، ما أكثر ما يُؤتى به، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تلعنْه؛ فإنه يحب الله ورسوله»([274]) وهذا وإن كان فيما هو دون الكفر؛ إلا أنه دليل على عدم الجزم بإلحاق الوعيد في المعين فيما هو دون الكفر أيضا، إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، والله أعلم.

وفي «مجموع فتاوى» الشيخ العلامة ابن عثيمين -رحمة الله عليه-([275]) نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية السابق مستدلًا به على ذلك.

والخلاصة: أنه لا بد في التكفير ونحوه من التفرقة بين إطلاق الحكم العام؛ للحفاظ على الأحكام الشرعية، واشهارها في الناس، وبين تنزيلها على المعيَّن، فلا بد قبل تنزيلها على المعيَّن من استيفاء شروط الحكم في المعيَّن، وانتفاء موانع الحكم عنه، أما الذين لا يُبالون بقواعد العلماء المشيَّدة على أدلة راسية وراسخة رسوخَ الجبال الرواسي -ومع ذلك لا زالوا يدّعون أنهم يتبعونهم!!-؛ هؤلاء فَضَحوا أنفسهم، سواءً الذين غلَوْا فكفَّروا المسلمين، أو الذين غلَوْا فبدَّعُوا أهل السنة دون أن يكون عندهم برهان مِن الله رب العالمين.

السؤال السادس: هل كل من وقع في خطأ يُهْجَر في الشريعة؟ وهل كل من لم يَهْجُر المبتدع يُهْجَر؟

ج: هذا الإطلاق في الأمريْن المذكورَيْن غير صحيح.

ولكن لابد من النظر في عدة أمور:

الأول: هل هذا الخطأ مخالف لمسائل قطعية أو اجتهادية؟

الثاني: هل الرجل المخطئ معذور بجهل، أو اجتهاد، أو تأويل، أو غير ذلك من الموانع وعوارض الأهلية، أم هو مُعَانِدٌ مُسْتَبْصِرٌ مُتَّبِعٌ لهواه؟

الثالث: هل أقيمت عليه الحجة، وأزيلتْ عنه الشبهة، أم لا؟

الرابع: هل هَجْره يُقَلِّلُ مُنْكَرَهُ أو يُزيلُه أو يَزيده؟ فالأول والثاني مطلوبان، والأخير مردود.

وأما هجْر من لم يهجُره؛ فيُزَاد على ما مَضَى أمورٌ: هل هذا الرجل الثاني عالم بما عند المخطئ الأول، وثبت عنده أنه من النوع الذي يُهْجر بسببه، وأن هجره أنفع للإسلام وللمسلمين من مخالطته أم لا، إلى غير ذلك مما لا يخفى على العقلاء المتبعين لمنهج العلماء، لا الغوغاء المسرفين!!!

وهناك من يُطْلقُ وجوب هجْر المخالف، سواء كان المخالف مخالفا للحق، أو كان مخالفا لفرقته المنحرفة!! إلا أنَّ هذه الفِرقة لا تَقْبَل من أحد أن يخالفهم -وإن كان مصيبًا- فيطلقون القول بهجره، وهجْر من لم يهجره، وهجْر من لم يهجر من لم يهجره، وهكذا كالتيار الكهربائي، إذا صَعَق رجلا، فجاء آخر يريد أن ينقذه؛ صعقه، وهكذا!!

وفي المسألة عند علماء السنة تفصيل في هجر أهل البدع الغليظة والمتوسطة:

* فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كما في «مجموع الفتاوى»([276]) وقد تكلم -رحمه الله- عن المنكرات الظاهرة، والتي يجب إنكارها، بخلاف المنكرات الباطنة، وتكلم على الداعية من أهل البدع الذي يُنْكَر عليه بخلاف، غير الداعية الذي يُنْصَحُ بدون النكير، ويكون ذلك بضوابط.

قال -رحمه الله-: (وهذا الهَجْرُ يختلف باختلاف الهاجرين في قُوتهم وضَعْفهم، وقِلَّتهم وكَثْرتهم) يعني: أن الضعيف لا يَهْجُر القويَّ، ولا القليلَ يَهْجُر الكثيرَ، قال: (فإنّ المقصود به) أي: بالهجر، (زَجْرُ المهجور وتأديبُهُ، ورجوعُ العامة عن مِثْلِ حالِهِ، فإنْ كانت المصلحة في ذلك راجحة، بحيث يُفْضِي هَجْرُهُ إلى ضَعْفِ الشَّرِّ وخُفْيَتِهِ؛ كان مشروعًا، وإنْ كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشَّرّ والهاجرُ ضعيفٌ، بحيث يكون مفسدةُ ذلك راجحةً على مصلحته؛ لم يَشْرُع الهَجْرُ، بل يكون التأليف لبعض النَّاس أَنْفَعَ من الهجر)، سبحان الله! هذا كلام العلماء، فأين هذا من التخبط الذي ينسبه هؤلاء الجهلة بمنهج السلف إلى السلف ومنهجهم وجماعتهم -رحمهم الله-؟

قال -رحمه الله-: (بَلْ يَكُونُ التَّأْلِيفُ لِبَعْضِ النَّاسِ أَنْفَعَ مِنْ الْهَجْرِ؛ وَالْهَجْرُ لِبَعْضِ النَّاسِ أَنْفَعَ مِنْ التَّأْلِيفِ، ولهذا كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يَتَألَّف قومًا ويَهْجُر آخرين).

إذًا هذه هي الطريقة العلمية الصحيحة في باب الهجر والتأليف، وليست المسألة قائمة على قول فلان -مهما فَحُشَ لسانُهُ-: سَنُصْدر فتوى في هجرك، أو ستنالُكَ سهامُ أهل السُنَّة يا فلان، فليس كل النَّاس يصلح معهم هذا الأسلوب، حتى لو كانوا حقًّا مبتدعة، بل هناك رجُلٌ يُؤلَّف، ورَجلٌ يُتَّقى شرُّه ويُسْكت عنه، ورجلٌ يُؤازر، ورجلٌ يُناصَحُ برفق ولين، ورجلٌ يُهجر، وكل هذا راجع إلى تحصيل المصلحة ودرء المفسدة كَثْرَةً وقِلَّةً.

إن النَّاس إذا كانوا ينطلقون من كلام العلماء -وكلامهم مأخوذٌ من الكتاب والسُنَّة- فلا يمكن أنْ يَصِلُوا إلى الحال الذي وصل إليه هؤلاء المقلدة المسرفون في جرح من هم أَقْوَمُ منهم قِيلا وأَهْدَى سبيلا، الذين يقولون: لقد أفتى الشيخ الفلاني بالهجر والتبديع، فماذا نقول نحن؟ الجواب عند العقلاء وهو نقول له: لا دليل معك على قولك، ومصلحة دعوتنا واجتماع كلمتنا، وقوة شوكتنا في خلاف قولك هذا القول المشؤوم!!

* قال شيخ الإسلام: (بل يكون الهجر لبعض النَّاس أَنْفَعَ من التأليف؛ ولهذا كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يتألف قومًا ويَهْجُر آخرين، كما أنّ الثلاثة الذين خُلّفوا كانوا خيرًا من أكثر المؤلفة قلوبهم، ولما كان أولئك كانوا سادةً مُطاعين في عشائرهم) يعني: أن المنافقين كانوا سادة مُطاعين في عشائرهم.

(فكانت المصلحةُ الدينيةُ في تأليف قلوبهم، وهؤلاء) أي الثلاثة الذين خُلِّفوا، وهم أهل إيمان وتقوى (وهؤلاء كانوا مؤمنين، والمؤمنون سواهم كثير؛ فكان في هَجْرهم عِزٌّ للدين، وتطهيرهم من ذنوبهم، وهذا كما أنّ المشروعَ في العدو القتالُ تارةً، والمهادنةُ تارةً، وأَخْذُ الجزية تارةً، كل ذلك بحسَب الأحوال والمصالح).

قال: (وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مَبْنِيٌّ على هذا الأصل)، أي أنهم تارةً يقولون بالهجر، ويُطْلِقون ذلك، وتارةً يقولون بعدمه، انطلاقا من أصل النظر في تزاحم المصالح والمفاسد، قال: (ولهذا كان يُفَرَّقُ بين الأماكن التي كَثُرَتْ فيها البدعُ: كما كَثُر القَدَرُ في البصرة، والتنجيمُ بخراسان، والتَّشَيّعُ بالكوفة، وبين ما ليس كذلك) يعني: أن البلاد التي كَثُرَتْ فيها البدعةُ، وقَوِيَتْ شوكتها فيها؛ فهذه البلاد تُعامل معاملة تدفع الشر أو تقلّله، أو على الأقل لا تزيده؛ لأن هجر القلَّة المستضعفين من أهل السنة لهم لا يَزِيدُهُم إلا عُتوًّا ونفورا، فيكون التأليف أو السكوت هو الأَرْفَق بأهل السنة في هذه البلاد.

فأين المخالفون لنا، والغلاة المتهورون من هذا التفصيل العلمي الدقيق؟ وهل يحق لهم بعد ذلك أن يُوهِمُوا أتباعهم بأنهم يسيرون على منهج السلف، وطريقة علماء السنة؟! وهل راعَى كبيرهم ورأسُ فتنتهم وضلالهم أستاذُ هذه الفرقة الزائغة -في هذه الأبواب- هذه التفاصيل؟!

* قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: (وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مَبْنِيٌّ على هذا الأصل، ولهذا كان يُفَرَّقُ بين الأماكن التي كَثُرتْ فيها البدع: كما كَثُر القَدَرُ في البصرة، والتنجيمُ بخراسان، والتشيعُ بالكوفة، وبينما ليس كذلك، ويُفَرَّقُ بين الأئمة المُطاعين وغيرهم، وإذا عُرِفَ مقصودُ الشريعة؛ سُلِكَ في حُصوله أَوْصَلُ الطُّرقِ إليه).

ثم قال -رحمه الله-: (وإذا عُرِفَ هذا؛ فالهِجْرَةُ الشرعيةُ هي من الأعمال التي أَمَرَ الله بها ورسوله -عليه الصلاة والسلام- فالطاعة لا بُدَّ أنْ تكون خالصةً لله، وأنْ تكون موافقةً لأمره؛ فتكون خالصةً لله صوابًا، فمنْ هَجَر لهوى نفسه) أي: الذي يَهْجُر لهوى نفسه، وهو مخالفٌ لما عليه سلف الأمة، وهنا سؤال: ماذا تقولون فيمن قال: نهجر فلانًا وطلابه؛ لأنه أخذ طلابنا؟ وهل هذا لهوى نفسه، أو تعظيم من القائل للحكم الشرعي؟ الجواب عند صاحبه!! وكذلك من قال: إذا لم نَهْجُره ونُبَدِّعْهُ؛ فسيكون له شأن كبير!! هل قائل هذا القول قال ما قال لله -عز وجل- أو للهوى الذي يُعْمي ويُصِمُّ، والحَسَدِ المفسدِ للدين والدنيا؟!

قال -رحمه الله-: (فَمنْ هَجر لهوى نفسه، أو هَجَر هَجْرًا غَيْرَ مأمُورٍ به: كأن يكون الهجر يحتاج إلى شيءٍ ما، وهذا يَغَلِّظ في الهجر، أو هَجَر هَجْرًا غَيْرَ مأمُورٍ به؛ كان خارجًا عن هذا، وما أَكْثَرَ ما تَفْعَلُ النفوسُ ما تهواه ظانَّةً أنها تَفْعَلُه طاعةً لله)، قلت: هذا كلام عظيم من شيخ الإسلام، إذ قال: (وما أَكْثَرُ ما تَفْعَلُ النفُوسُ ما تهواه ظانةً أنها تفعله طاعةً لله).

فيا سبحان الله؛ كأنه -رحمه الله- يعيش بيننا، ويرى ويسمع ما يجري، وهذا كله من توفيق الله له، ونظره في الأمور بنور من الله -جل وعلا-.

قال -رحمه الله-: (والهجْرُ لأجْلِ حَظٍّ الإنسان لا يجوز أكثر من ثلاث).

وأنا أعتقد -والله- أنّ كثيرًا من هذه الأمور المنحرفة لا يعتقدها كثير من هؤلاء المخالفين، ولكن صَدَرت عليهم أوامر من كبيرهم الذي خضعوا له، وطأطأوا رؤوسهم له؛ فهابُوا مخالفته، فساروا وراءه دون قناعة، أو أخذتهم الأنفة من الرجوع عما قالوه أمام طلابهم والعامة، ولو سألهم سائل فيما بينه وبينهم؛ لأنكروا الأقوال التي يصرخون بها لإرضاء كبيرهم في الغلو والظلم، فإن استحكم بهم الهوى؛ ودافعوا عن قولهم الباطل؛ فعند الله تجتمع الخصوم!! وكأني بهم بعد أن يتحرروا من استضعافهم أمام كبير الغلاة ورأسهم؛ سيكون لهم موقف آخر -إن شاء الله-، وبيننا وبين القوم يوم الاحتضار والجنائز، فنسأل الله حُسْن الخاتمة، والعِيشة الهنيّة، والمِيتة السويَّة، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

ثم ذَكَرَ شيخ الإسلام -رحمه الله- حق المسلم على المسلم، وأن المشرك والمتشاحن لا تُرفع أعمالهما، ثم قال: (فهذا الهَجْرُ لِحَقِّ الإنسان حرام، وإنما رُخّص في بعضه، كما رُخّص للزوج أنْ يهجر امرأته في المضجع إذا نَشَزَتْ، وكما رُخّص في هجر الثلاث، فينبغي أنْ يُفَرَّقَ بين الهجر لحقِّ الله، وبين الهجر لحقِّ نفسه: فالأول مأمُورٌ به، والثاني مَنْهِيٌّ عنه؛ لأنّ المؤمنين إخوة.

والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: «لَا تَقَاطَعُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم».

ويقول -عليه الصلاة والسلام-: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ؟» قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «إصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ؛ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ: تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ»).

ثم قال -رحمه الله-: (فلْيتدبَّرْ المؤمنُ الفرقَ بين هذين النوعين، فما أَكْثَر ما يَلْتَبِسُ أحدُهما بالآخر، ولْيُعْلَمْ أنّ المؤمنَ تجِبُ موالاتُه -وإنْ ظَلَمَك واعْتَدَى عليك- والكافرَ تجِبُ معاداتُه -وإنْ أعْطَاك وأحْسَن إليك- فإنّ الله -سبحانه وتعالى- بَعَثَ الرُّسَل وأَنْزَلَ الكتبَ؛ ليكون الدينُ كلُّه لله، فيكون الحبُّ لأوليائه، والبغضُ لأعدائه، والإكرامُ لأوليائه، والإهانةُ لأعدائه، والثوابُ لأوليائه، والعقابُ لأعدائه).

* وتكلم شيخ الإسلام -رحمه الله– كما في «مجموع الفتاوى»([277]) على من أخطأ في مسألة من مسائل العقيدة مما يسوغ فيها الاختلاف بين أهل السنة، فليس كل خلاف في العقيدة يوجب التبديع: ومن ذلك الخلاف في مسألة رؤية الكفارِ ربَّهُم في عَرَصات يوم القيامة، فقال: (ليست هذه المسألةُ فيما عَلِمْتُ مما يُوجِب المهاجرةَ والمقاطعَة)، قلت: وهذا بخلاف رؤية المؤمنين ربهم في الجنة؛ فلا خلاف بين أهل السنة في ذلك، ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع، أما رؤية الرب -عز وجل- في عَرَصَات القيامة فيوجَدُ خلافٌ بين أهل السُنَّة في هذه المسألة.

قال: (هذا الخلاف -فيما عَلِمْتُ- من الأدلة ومن الآثار السلفية؛ ليس من المسائل التي تُوجب المهاجَرَةَ والمقاطَعَةَ؛ فإنّ الذين تَكَلَّموا فيها قَبْلَنَا عامَّتُهم أهلُ سُنَّةٍ واتِّباعٍ، وقد اخْتَلَفَ فيها منْ لم يتهاجروا ويتقاطعوا، كما اخْتَلَفَ الصحابة -رضي الله عنهم- والنَّاس بعدهم في رؤية النبي -عليه الصلاة والسلام- رَبَّهُ في الدنيا، وقالوا فيها كلماتٍ غليظة، كقول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: «منْ زَعم أنّ محمدًا -صلى الله عليه وسلم- رأى رَبَّهُ؛ فقد أَعْظَمَ على الله الفرية»).([278])

قال -رحمه الله-: (ومع هذا؛ فما أَوْجَبَ هذا النزاعُ تهاجرًا ولا تقاطعًا، وكذلك ناظر الإمامُ أحمد أقوامًا من أهل السُنَّة في مسألة الشهادة للعشرة بالجنة، حتى آلَتْ المناظرةُ إلى ارتفاعِ الأصواتِ، وكان أحمدُ وغيرُهُ يَرَوْنَ الشهادةَ، ولم يَهْجُروا منْ امْتَنَع من الشهادة إلى مسائل نظيرَ هذه كثيرة)([279]).

* وفصَّل -رحمه الله- فقال أيضًا كما في «مجموع الفتاوى»([280]): (فالهُجْران قد يكون مقصودُه تَرْكَ سيئةِ البدعة) قلت: وهذا هَجْرُ تَرْكٍ؛ لأنّ الهجر قسمان: هَجْرُ تَرْكٍ، وهَجْرُ عقوبةٍ.

قال -رحمه الله-: (فالهُجران قد يكون مقصودُه تَرْكَ سيئة البدعة، التي هي ظُلمٌ وذَنْبٌ وإثمٌ وفساد، وقد يكون مقصودُه فِعْلَ حَسَنَةِ الجهادِ، والنَّهْيَ عن المُنكر، وعقوبةَ الظالمين؛ لينزجروا ويرتدعوا، وليقْوَى الإيمانُ والعملُ الصالح عند أهله؛ فإنّ عقوبةَ الظالمِ تمنعُ النفْسَ عن ظُلْمها، وتَحُضُّها على فِعْلِ ضِدِّ ظُلْمِهِ: من الإيمان والسُنَّة ونحو ذلك، فإذا لم يكن في هُجرانه انزجارُ أَحَدٍ، ولا انتهاءُ أَحَدٍ، بل بطلانُ كثيرٍ من الحسنات المأمور بها؛ لم تَكُنْ هِجْرةً مأمورًا بها، كما ذكره أحمد عن أهل خراسان إذْ ذاك: أنهم لم يكونوا يَقْوَوْن بالجهمية)([281]) – لأن أهل السُنَّة في خراسان كانوا مُستضعفين بالنسبة للجهمية لكثرتهم هناك وقوة شوكتهم–

(فإذا عَجَزُوا عن إظهارِ العداوةِ لهم؛ سَقَطَ الأمرُ بفِعْلِ هذه الحسنةِ، وكان مدارتُهُم فيها دَفْعُ الضرر عن المؤمن الضعيف، ولعله أنْ يكون فيه تأليفُ الفاجرِ القويِّ، وكذلك لما كَثُرَ القَدَرُ في البصرة، فلو تُرِكَ روايةُ الحديث عنهم؛ لا نْدَرَسَ العِلْمُ والسُنَّةُ والآثارُ المحفوظةُ فيهم، فإذا تَعَذَّر إقامةُ الواجبات من العلم والجهاد وغيرِ ذلك إلا بمن فيه بِدْعَةٌ، مَضَرَّتُها دون مَضَرَّة تَرْكِ ذلك الواجب؛ كان تحصيلُ مصلحةِ الواجب مع مفسدةٍ مرجوحةٍ معه خيرًا من العكس؛ ولهذا كان الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل).

قال: (وكثيرٌ من أجوبة الإمام أحمد وغيره من الأئمة خَرَجَ على سؤال سائل قد عَلِمَ المسؤولُ حالَهُ، أو خَرَجَ خطابًا لمُعَيَّنٍ قد عُلِم حالُهُ؛ فيكون بمنزلة قضايا الأعيانِ الصادرةِ عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- إنما يَثْبُتُ حُكْمُها في نظيرها).

* قلت: وهذا نصٌّ عزيزٌ نفيسٌ، لا بُدَّ لطلبة العلم أنْ يُدْرِكوا حقيقته، وأنْ يَسْبُروا غَوْرَ معانيه.

فالذين يستدلون علينا بأنّ أحمد أو غيره من الأئمة قال: «فلان مبتدع»، وأنّ فلانًا قال: «اهجروا فلانا»، ويقولون: هذا -أي بهذا الإطلاق- منهج السلف، نقول لهم: لا، فهؤلاء الأئمة الذين يفهمون منهج السلف، والذين هم قنطرة مأمونة بين الناس وبين منهج السلف بصفائه وشُموله، كشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يقولون: إن هذه الأشياء الخاصة التي في ظاهرها أنها تخالف القواعد العامة، التي هي قائمة على ضرورة مراعاة استيفاء الشروط وانتفاء الموانع في المعين، والتي هي قائمة على النظر في المصالح والمفاسد قبل الأمر بالهجر، تُحْمَلُ على أن المسؤول من الأئمة قد عَلِمَ حال المسؤول عنه، أو أن المسؤول عنه قد أقيمت عليه الحجَّة، وأن هذه الأجوبة قد تكون بمنزلة قضايا الأعيان، التي يَثْبُتُ حكمها في نظيرها فقط وليست حكما عاما، فهذا كلام الأئمة الذين يفهمون منهج السلف، فأنتم لستم بأعرف بمنهج السلف من هؤلاء الأئمة؛ ولذلك أقول بكل طمأنينة: هذا النص نصٌّ عزيز ونفيسٌ جدًّا على طلبة العلم أنْ يدركوا معناه، وقد قرره شيخ الإسلام؛ فلعل كثيرًا من مسائل الخلاف الوهمية تزول من بين الأُخوة أصحابِ المنهج الواحد إذا رُوعِيَتْ هذه التفاصيل!!

* قلت: والذي يعتني بدراسة وتأمل كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم -رحمهما الله تعالى- ومن جرى مجراهما؛ فإنه يفهم منهج السلف المعتدل بصفائه في جميع الجوانب، والحق أن كتبهما كالجسر أو القنطرة الثابتة المأمونة التي يعبر السالكون من فوقها إلى منهج السلف، والذي نفسي بيده، لقد لمسْت هذا لـمْسَ اليد في علاجي للفتنة التي أثارها وأجّج نارها كبيرُ الغلاة ومُقَلِّدوه، وكنت أجد من كلامهما كلاما صريحا يلامس هذه المشاكل والمحن، كأنهما يعيشان بيننا، ويسمعان كلام الغلاة، ويعالجانه بالدواء الناجع النافع، فتَعَلَّقَتْ نفسي كثيرًا بهذين الجَبَلَيْن -تقبل الله منهما، ورفع درجتهما في دار كرامته- ولما أكثرتُ من الاستدلال على كبير هؤلاء الغلاة، وشيخهم الذي علَّمَهُم الغلوّ والإسراف؛ قال لي مرة: غفر الله لابن تيمية، لقد فتح الباب للمبتدعة!!! وقال بعض رؤوس الغلو في اليمن لما أوردت لهم العشرات من النصوص عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: ما عندك إلا ابن تيمية، ابن تيمية؟! فتأمل يا أخي، إلى أين هؤلاء القوم ذاهبون!! ولا تغتر بتمسُّحهم بكلام كبار العلماء، فقد سمعت من كبيرهم في المجالس الخاصة غمزًا في بعض هؤلاء الكبار، لكنهم يهابون أن يصرِّحوا بذلك، [ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ] {يوسف:81}!!!

وكذلك كثير من علماء الدعوة في نجد لهم كلمات نيِّرات، وتوجيهات تتصل بالواقع، لأنهم -وأسلافهم رحمهم الله- خالطوا الواقع، وعرفوا جوانب الحياة التي تتزاحم فيها المصالح والمفاسد، ويشْتبه الأمر فيها على كثير من الناس، ففرق بين العالم الذي يُنَظِّر وهو غير مخالط للناس، والعالم الذي يخوض بدعوته غمار الحياة، ويعرف طباع الناس، وكيفية التعامل معهم، وما هي المسالك والمنافذ والثغرات التي يحتالون بها على الشريعة، وكذا يدرك تفاوت الناس في مشاربهم، وانتماءاتهم، ومن يقف وراءهم، وكيف يصل بهم بدعوته إلى برِّ النجاة في هذا الخِضَمِّ المتلاطم بالأمواج الفكرية، والطائفية… وغير ذلك

* فقد جاء في «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية»([282]) فتوى للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب -رحمة الله عليهم جميعًا-.

قال -رحمه الله تعالى-: (وأما الرجل الذي يخالطُ أهلَ بلَدِهِ ومَحَلَّتِهِ، ويرجو بمخالطَتِهم أنْ يُجيبوه إلى الإسلام وإلى السُنَّة، ويتركوا ما هم عليه من شركٍ أو بدعة أو فواحش؛ فهذا يَلْزَمُهُ خِلْطَتُهم ودعوتُهم -إنْ أَمِنَ الفتنة- لما في ذلك من المصلحة الراجحة على مصلحة الهجر والاعتزال ورؤية المنكر، إذا رجا بها إزالتَهُ وتغييرَهُ، وأَمِنَ الفتنةَ به، ولم يمكن تحصيلُ المصالح الدينية إلا بذلك؛ فلا حَرَج عليه، بل ربما تأكَّدَ واسْتُحِبَّ).

قال: (وبلغني أنّ شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- كان يخرج إلى عسكر التتار لما نزلوا الشام المرة الأولى حول دمشق، ويجتمع بأميرهم ويأمره وينهاه، ويرى في خروجه عندهم أشياء من المنكرات).

قال: (وقد أراد بعضُ الأفاضل ممنْ صَحِبَهُ في إحدى تلك المرات أنْ يُنْكِرَ على جماعةٍ منهم ما رَأَوْه يدور بينهم من كاسات الخمر؛ فقال له الشيخ: «لا تفعل»؛ إنهم لو تركوا هذا؛ لزاد شَرُّهُم على المسلمين وجُرْمُهم».

وقد ذكر هذه القصة أو هذه الحكاية الإمام ابن القيم -رحمه الله- في «إعلام الموقعين» ذكرها عن شيخه، وقال: (كان يقول: «دَعْهُ؛ فإنّ الله حرّم الخمر؛ لأنها تَصُدُّ عن ذِكر الله وعن الصلاة، أما هؤلاء فإنّ الخمرَ تَصُدُّهم عن قَتْلِ المسلمين وظُلْمِهم؛ فَدَعْهُم»)([283]).

سبحان الله! فأين النظر عند هؤلاء المخالفين إلى المصالح والمفاسد؟ وأين النظر إلى المآلات؟ وأين الكلام الذي سبق من كلام الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله- وهو يشترط في الداعية أنْ تُعرف منزلته في معرفة المصالح والمفاسد والتسكين والتعقل والرزانة؟ أين هؤلاء المتهوِّرون من هذا الفقه؟

فهل كان شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عندما زجر من يريد كسر آنية الخمر، هل كان راضيًا بالخمر؟ هل كان شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يصد عن سبيل الله -عزَّ وجلَّ-؟ وهل أنتم بمنهج السلف أعرف به منه؟ وهل كان هو وتلميذه ابن القيم -ومن قرَّر ما قرَّراه من أهل العلم- مميِّعة متلاعبين متلوِّنين؟

وكذلك -أيضًا- الظلم في المال بخلاف الظلم في الأنفس، فلو أن رجلا يسرق المال، وكان مَنْعُه من السرقة يجعله يقتل الأنفس المعصومة، فإذا غلب على ظنك أنه سيذهب إلى القتل؛ فلا تَفْعَلْ، ولكن انصحه بالتي هي أحسن، ولا تمنعه منعًا يترتب عليه التفرغ للقتل، هذا إذا غلب على ظنك أن الأمر سيؤول إلى هذا، أما إذا لم يغلب على ظنك هذا؛ فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمرٌ واجب.

وكلام الأئمة هذا إنما هو فيمن يقع في أمر مُحَرَّم قطعا أو ترجيحا، ومع ذلك فلا بد من مراعاة المآلات، فكيف الظن بموقفهم من الخلاف في المسائل الاجتهادية، التي وقع فيها خلاف بين أهل السنة، ومع ذلك بقيت كلمتهم واحدة، وصفوفهم مجتمعة؟! وكيف الظن بمن يُنْكِر عليك بجهله ما أنت عليه من الحق، ويسمِّي -لجهله- الأمور بغير أسمائها؟!

* وقد سُئل شيخنا الشيخ مقبل الوادعي -رحمة الله عليه- كما في «الأجوبة السديدة في فتاوى العقيدة» في هجر المبتدعة، فقال السائل: (عَلِمْتُ أنّ هجر المبتدعة واجبٌ إذا أَصَرّ على بدعته، ولكن هل يَصِحُّ هَجْرُ من لم يَهْجُر المبتدع؟ وهو لا يعمل بعمله؟ ولكن يخالطهم ولم يَهْجُرْهم؟).

فأجاب الشيخ -رحمه الله-: (قَبْل هذا، هَجْر المبتدع كان ضَيِّقًا على عَهْد النبي -عليه الصلاة والسلام- وتوسَّع فيه الناس، كيف ذلك؟

مثلًا مبتدع، وأنت ترى أنك تدعوه إلى الله، وربما يرجع، أو ترى أنك إنْ تركْتَهُ وهجرتَهُ ربما يتمادى في ضلاله، أو ربما تَحْتَضِنُهُ الأحزابُ الأخرى، وأنت تنظر إلى مصلحة الإسلام والمسلمين، ولا تهجره من أجل مصلحة نفسك، فالرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: «حَقُّ المُسْلِمُ عَلَى المُسْلِم خَمْس» ومنها: «إِذَا لَقِيتَه؛ فَسَلِّم عليه».

أما إذا كنتَ ترى أنك إذا هجرتَهُ؛ سيرجع إلى الله -سبحانه وتعالى- ويتوب؛ فلك أنْ تَهْجُرَهُ، والهَجْرُ -كما سمعتَ- كان مُضَيَّقًا على عَهْد النبي -عليه الصلاة والسلام- فالنبي -صلى الله عليه وسلم- هَجَر الثلاثةَ الذين خُلِّفوا، وهَجَر نساءه شَهْرًا، وهَجَر من تَضَمَّخَ بالخَلوق، والله المستعان، فما ينبغي أنْ نتوسَّع في الهجر؛ حتى ما نكون سبباً لنفور الناس عن السُنَّة وعن الخير)([284]).

* قلت: هذا الذي نراه اليوم وما حذَّر منه الشيخ -رحمه الله-، فالمخالفون لما توسعوا في الهجر بالباطل والافتراء علينا بما ليس فينا؛ صدوا الناس الذين يثقون فيهم عن السُنَّة وعن الخير، وإن كان أكثر الناس فَقَدوا فيهم الثقة، وهؤلاء الغلاة فتحوا الباب للشامتين بدعوة أهل السنة، وشغلوا أهل السنة بخلافات داخلية فيما بينهم، فلو كان هؤلاء المخالفون يفهمون منهج السلف؛ لما اتبعوا كبيرهم ورأْسَهم في تمزيق دعوتهم، وتَرْكِ ثغور الدعوة بلا حراسة ويقظة، هذا هو الموقف الموافق للنصوص والقواعد، حتى وإن كنا قد وقعنا في بدعة -كما يزعمون كذبًا وزورًا علينا- فإخواننا -ولله الحمد- أَهْدَى منهم سبيلا، وأقْومُ قِيلا، وأقوى حجَّة ودليلا؟!!

فهذا كلام الشيخ مقبل -رحمه الله- والمخالفون يَدَّعون -كذبًا وافتراءً- أننا نكيد لدعوة الشيخ مقبل، ونُفرّقها، ونَقُول بغير قول الشيخ مقبل -رحمه الله-!!

والمُنْصف يرى أنني أَوْلى وأَسْعد بكلام الشيخ مقبل -رحمه الله- الموافق للحق في المسائل التي اختلفنا فيها معهم، لأننا بَنَيْنا كلامنا على الأدلة والبراهين وأقوال سلف الأمة وخلفها، بل قلت لكبير هؤلاء الغلاة مرة: اذْكُرْ لي عالما من علماء الأمة يقول بقولك في المسائل التي اختلفتُ معك فيها، وأنا آتيك من كلامه بخلاف ما تقول، وبصِدْق ما أقول!! وذلك لأن العلم الصحيح لا يتناقض، وغالب الاختلاف بين الناس من سوء فهمهم، وتفاوت عقولهم!!

وأما طلاب الشيخ مقبل -الذين قلدوا كبير الغلاة وفرقوا دعوتنا- فهم الذين خالفوا علماء السنة سلفا وخلفا -فيما اختلفنا فيه- فَصَدَقَ من قال: رَمَتْنِي بدائها وانْسَلّتْ!!.

ثم هل يلزمني شرعا وعرفا وعقلا أن أقول بقول الشيخ مقبل -رحمه الله- في كل ما يقول؟ هذه منزلة لا يستحقها إلا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ومن سواه فرادٌّ ومردود عليه، والعبرة بالدليل والحجة.

لكن مع مخالفتي لأي عالم من علماء السنة سلفا وخلفا -فيما يظهر لي أنه خالف الصواب- إلا أنني أُجلّه وأواليه، وأدعو له في صلاتي ومجالسي وفي كتبي، وأوقات حضور قلبي، والحمد لله رب العالمين.

ثم قال الشيخ مقبل الوادعي -رحمه الله- في تتمة جوابه على السؤال: (بقي ماذا؟ أنْ تهجر الذي لم يَهْجُر المبتدع؟)، قال: (تَوَسَّعْتَ -بارك الله فيك- ما عندك دليل من لم يَهْجُر المبتدعَ؛ هَجَرْناه)!!!

ثم قال بعد ذلك: (حتى المثال الذي يُقال فيه: من لم يُكَفِّر الكافر؛ فهو كافر -أيضًا- ليس بمستقيم)، وتكلم -رحمه الله- على هذه القاعدة والتفصيل فيها بما يحتاج إلى تفصيل، يُنظر في محله من كتابي «أصول وضوابط أهل السنة والجماعة في التكفير والتفسيق».

فهذا جواب الشيخ -رحمه الله-، بنصه الصريح في الرد على ما يقرره الغلاة في أذهان من يقلدهم ومجالسهم، وهو عين كلامي وكلام أهل السنة من السلف والخلف، فليسألوا أنفسهم الذين يدَّعون أنهم طلابُه الأوفياء لمنهجه!! من الذي قال: من لم يَهْجُر المبتدع؛ يُهجر، ومن لم يَهْجر الذي لم يَهْجُر المبتدع؛ يُهْجر أيضا… وهكذا؟

هل قلنا نحن هذا القول البائس، أو هو قولكم وقول كبيركم وفرقته الزائغة في عدة جوانب؟! أجيبوا إن كنتم تعقلون، أو تستطيعون أن تصرِّحوا بحقيقة ما تعتقدون مخالفًا لكبير الغلاة!!!

ومع ما سبق ذكره؛ إلا أنني أقرر أن من الأصول الأصيلة عند أهل السنة: التحذيرَ من البدع وأهلها، والإنكارَ باليد واللسان والقلب -على تفاصيل معروفة- على دعاة البدع، وإنما المراد أن تنزيل هذا الأصل في الواقع له ضوابط وقيود وتفاصيل، لا بد من مراعاتها، والعمل بكل قيد في موضعه، ومن لم يبالِ بها؛ فَيُنْكَر عليه تجاهلُ طريقة الأئمة في ذلك، وعلى ذلك: فإن الناظر في كتب السلف يجد أنهم صرَّحوا بهجر المبتدع -حقا لا ادعاءً وزورا- والإنكار على من يجالسه، لكن بشروط منها:

1- أن يُخشى على من جَالَسَهُ أن يغتر بكلامه؛ لقِلَّه علمه، وضعْف فهمه، فَيَضِلَّ بضلاله.

2- أن يكون من جالسه عالما ببدعته ومخالفته الصريحة للحق وأهله، وهو غير آمن على نفسه من التأثر به، فضلًا عن كونه عاجزًا عن الردِّ عليه، ونقْض ما أبرمه!! إما لقلة علم من جالسه، أو لقدرة المبتدع على إغوائه بحسن بيانه، أو حُسْن سمته وعبادته وزهده… إلخ.

3- أن يجالسه لغير حاجة شرعية مرجوّة من وراء جلوسه معه، والأصل الابتعاد عمن فيه بدعة ويدعو إليها، إلا لما لا بد منه لمجالسته، كأخذ العلم منه، أو الجهاد معه، أو غير ذلك.

4- أن تكون المصلحة في هجر المبتدع أَكْثَرَ مصلحةً وأَقَلَّ مفسدةً، وهذه الشروط مستفادة من كلام العلماء المتناثر في بطون كُتب السنة، ولله الحمد.

* قال الشيخ بكر أبو زيد ـ رحمه الله ـ في «هجر المبتدع»([285]): «وقد شَدَّد الأئمةُ النكيرَ على من ناقض أَصْلَ الاعتقاد، فتَرَكَ هَجْرَ المبتدعة، وفي مَعْرِضِ رَدِّ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- على (الاتحادية) قال في «الفتاوى»([286]): «ويجب عقوبة كل من انتسب إليهم، أو ذَبَّ عنهم، أو أَثْنى عليهم، أو عَظَّم كُتُبَهُم، أو عُرِفَ بمساعدتهم أو معاونتهم، أو كَرِه الكلام فيهم، أو أَخَذَ يعتذر لهم بأن هذا الكلام لا يَدْرِي ما هو؟ وأمثال هذه المعاذير التي لا يقولها إلا جاهلٌ أو منافقٌ، بل تجب عقوبةُ كلِّ مَنْ عَرَفَ حالَهم، ولم يعاوِنْ على القيام عليهم؛ فإن القيام على هؤلاء من أعظم الواجبات؛ لأنهم أفسدوا العقول والأديان على خَلْقٍ من المشايخ والعلماء والملوك والأمراء، وهم يَسْعَوْن في الأرض فسادًا، ويَصُدُّون عن سبيل الله…».

قال -رحمه الله-: فرحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية، وسقاه من سلسبيل الجنة؛ فإن هذا الكلام في غاية الدقة والأهمية، وهو وإن كان في خصوص مظاهرة (الاتحادية) لكنه ينتظم جميعَ المبتدعة، فكل من ظاهر مبتدعًا؛ فَعَظَّمه، أو عَظَّم كُتُبه، ونَشَرها بين المسلمين، وأشاع ما فيها من بدع وضلال، ولم يَكْشِفْهُ فيما لديه من زيغ واختلال في الاعتقاد؛ إنَّ مَنْ فَعَل ذلك؛ فهو مُفَرِّطْ في أمْرِهِ، واجبٌ قَطْعُ شَرِّهِ؛ لئلا يتعدى إلى المسلمين.

وقد ابْتُلينا بهذا الزمان بأقوام على هذا المنوال، يُعَظِّمون المبتدعةَ، ويَنْشُرون مقالاتِهِم، ولا يُحَذِّرُون من سقطاتهم، وما هم عليه من الضلال، فاحذر أبا الجهل المبتدع هذا، نعوذ بالله من الشقاء وأهله». اهـ

* وفي «مجلة البحوث الإسلامية» فتوى لسماحة المفتي الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ، سُئل -حفظه الله تعالى-: ما هو الضابط في التعامل مع المبتدع؟ وهل يُهْجَرُ بمجرد فِعْلِهِ بدعةً أو أكثر؟

قال -حفظه الله تعالى-: (من أَعْلَن بدعةً؛ وَجَبَ أنْ نَنْصَحَه ونُوَجِّهَه، ونناقشه؛ فلعلّ شُبْهَةً عَرَضَتْ له، وتأويلًا خَطَر بباله، وعليه: يجب أنْ نُزيلَ شُبهته، ونُبينَ خطأ تأويله، ونوضحَ له الحق؛ فإنّ هذا هو الواجب علينا؛ لأنّ كُلًّا عُرضةٌ للخطأ، وربما هو أخطأ ويَظُنُّ أنه مصيب، وتُعْرَض عليه شبهةٌ أو تأويل، وظَنَّ أنّ ذلك خيرٌ؛ فيجب أنْ ننصحه أولًا، ونُوَجِّهَهُ، ونُقْنِعَهُ، ونُجَادِلَهُ بالتي هي أحسن؛ لِنُحِقَّ الحقَّ ونُبْطِلَ الباطل.

فإنّ كثيرًا من الناس قد يقع في الخطأ من غير قَصْد، ولكن لأجل سوء فَهْمٍ، وقِلَّةِ إدراكٍ، وشُبْهةٍ عَرَضَتْ له، وتأويلٍ لبعض النصوص؛ ظنّ أنّ هذا التأويل تأويلٌ سائغ، فلا بُدَّ من النصيحة والإقناع، فعسى الله أنْ يفتحَ على قلبه، ويُخَلِّصَه من تلك الشبهات، ويَصْرِفَ قلْبَه عن تلك التأويلات الباطلة).

ثم قال بعد ذلك: (وإذا أُقيم الحقُّ عليه، وأَبَى واسْتَكْبَرَ، ولم يَنْقَدْ إلى الحق؛ وَجَبَ أنْ نهجره على قَدْرِ بدعته، ونَكْرَهَه على قَدْر ما قام به من الشر)([287]).

إذًا فالذين يُحِبُّون من شاؤوا حُبًّا جمًّا بدون حساب، أو يكرهون ويبغضون من شاؤوا بغضًا شديدًا دون مراقبة الله -عز وجل- ولا حساب؛ فهؤلاء وأولئك مخالفون للجادة التي كان عليها أهل العلم سلفا وخلفا، بل لابد من مراعاة الضوابط التي ذكرها العلماء للهجر وعدمه.

وها أنذا أُلَخِّصُ الكلامَ في مسألة الهجر:

أولًا: لا بُدَّ أنْ تتأكد أنّ الأمر الذي سَيُهْجَر من أجله المسلم -وهو الفسوق والعصيان أو البدعة- لا بُدَّ أنْ يكون قد ثبت شرعًا أنّ هذا فسق، أو عصيان، أو بدعة، كل ذلك بالدليل الشرعي لا بالدليل العقلي، ولا برأيك، ولا بهواك، ولا انتصارًا لنفسك، أو حزْبك وجماعتك وطائفتك، ولا انتقامًا لحظ نفسك أو غير ذلك، فلا بُدَّ أن يثبت أنّ هذه المخالفة بالدليل الشرعي بدعة أو فسوق أو عصيان.

ثانيًا: إذا ثبت أنّ هذا الأمر بدعة أو فسوق بالدليل الشرعي؛ فعلينا أن ننظر في نوع هذه البدعة: هل هي بدعة مُخففة أو متوسطة أو مُغلّظة، لأن الهجر يتفاوت بتفاوت مراتب البدعة.

ثالثًا: فإذا عرفنا البدعة وحجمها؛ ننظر في هذا الرجل الذي جاء عنه هذا القول المُحْدَثُ، هل هو صحيحٌ عنه أم لا، لا سيما ونحن في زمن كَثُرَتْ فيه النقولات والأهواء، وكثيرٌ من الناس لا يُحْسِن الفهم، وإذا أحسن الفهم لا يُحْسن النقل، فينقُلُ لك كلامًا لم يفهمه، ولو فهمه فعند التعبير والإدلاء بما فهم فإنه يخطئ، ويتجاوز، ويُقَدِّم ويُؤَخِّر.

إذًا فلا بُدَّ من أنْ تتأكد من ثبوت هذا القول إلى صاحبه، كأن يكون هذا في كتابٍ له، أو أنْ يكون هذا في شريطٍ له، وسياق الكلام أو سباقه ولحاقه يدل على ذلك، أو يَشْهَد عليه بذلك العدول، الذين هم أهل معرفة وإنصاف، أما في زماننا: فإذا كنتُ أُحِبُّك؛ فأنت ثقة ثبت عندي -وإن كنتَ لا تحسن شيئًا- وإذا كنتُ لا أُحِبُّك؛ فأنت في عدالتك نظر، بل ربما جرحتُك بشدة وإسراف -وإنْ كنتَ أفضل مني بمراتب-!!

فمسألة التعديل والتجريح دخل فيها عند كثيرٍ من الناس كثير من الأهواء، فأصبحوا يُعَدِّلُون من يحبون، ويُجَرِّحُون من يكرهون، ومن أحبوه؛ رفعوه، وغَضُّوا الطرفَ عن أخطائه -وإن عَظُمَتْ- ومن كرهوه؛ أسقطوه وأسقطوا كل ما معه من الخير بل شكُّوا في نيته وسريرته!!! فهؤلاء ليسوا أهلًا للجرح والتعديل، بل هم أنفسهم مَجْروحون بذلك.

أما إذا شهد العدول المنصفون بالوجه الشرعي على رجلٍ ما بأنه قال كذا أو فعل كذا؛ فهذا يُؤخذ به، ثم إذا أنكر الرجل نسبة هذا القول إليه؛ فنقول له: أعلن براءتك من هذا القول، سواءً قُلْتَهُ أو لم تَقُلْهُ، فهؤلاء ينقلون عنك أنك قُلْتَ كذا، فأَظْهِرْ للناس أن هذا القولَ افتراء عليك، وأنك تتبرأ منه، وبهذا تبرأ عهدتك، ولا يجوز لنا أن نتهمه في نيته وسريرته، إلا إذا ظهرت لذلك قرائن تدل على مَكْرِهِ وَكَيْدِهِ، ولا يمكن تجاوز هذه القرائن في نظر المنصفين المعتدلين، لا أهل الإفراط والمفرِّطين!!

رابعًا: الواجب أن يُنصَح ويُوَجَّه ويُذكّر بالله -عزَّ وجلَّ- من وقع في خطأ إذا كان حيًّا، فإن أصرَّ على قوله؛ عُومل بمقدار مخالفته، كما سيأتي بعد قليل -إن شاء الله تعالى- أما إذا كان مَيْتًا، وهو من أهل السنة والصِّدق في خدمة العقيدة الصحيحة؛ فيُلتمس هل لكلامه مَخْرَج حَسَنٌ يمكن أنْ يُحْمَل هذا القول عليه أم لا، كأن يقال: هذا الخطأٌ زلة لسان منه، لا عن اعتقادٍ، ولا عن منهج مُحْدَثِ يريد أنْ يدعو إليه، وهذا يكون فيمن كان الأصل فيه السُنَّة، ومنهجه يدل على انتصاره للسنة وأهلها، ويسير على عقيدة السلف الصالح، ويحتكم ويحاكم إلى الأدلة الشرعية الثابتة، أما من عُرف بالبدعة ومقالات السوء؛ فيُحْمل مُجْمله على مُفَصَّله السيء الخبيث، والأصل أن الكلام المحتمل للخير والشر يُحْمل على الكلام الصريح الصادر عن صاحبه، ويُحمل على مَنْهَجِهِ في حياته، سواءً كان خيرًا أو شرًّا.

فمن كان الأصل فيه البدعة، كرجل رافضي أو آخر جهمي، ونحوهما؛ فكل من هؤلاء يُنسب إلى فرقته التي ينتمي إليها، فالرجوع إلى المنهج الذي عُرِف به الرجل أمر مهم لمعرفة المشتبه من كلامه.

فقد جاء في «مجموع الفتاوى»([288]): «سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَحُجَّةُ الْأَنَامِ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّة – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ –: عَمَّنْ يَقُولُ: «إنَّ مَا ثَمَّ إلَّا اللَّهُ»، فَقَالَ شَخْصٌ: كُلُّ مَنْ قَالَ هَذَا الْكَلَامَ؛ فَقَدْ كَفَرَ!!

فَأَجَابَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الْحَمْدُ لِلَّهِ، قَوْلُ الْقَائِلِ «مَا ثَمَّ إلَّا اللَّهُ» لَفْظٌ مُجْمَلٌ: يَحْتَمِلُ مَعْنًى صَحِيحًا وَمَعْنًى بَاطِلًا، فَإِنْ أَرَادَ مَا ثَمَّ خَالِقٌ إلَّا اللَّهُ، وَلَا رَبٌّ إلَّا اللَّهُ، وَلَا يُجِيبُ الْمُضْطَرِّينَ وَيَرْزُقُ الْعِبَادَ إلَّا اللَّهُ: فَهُوَ الَّذِي يُعْطِي وَيَمْنَعُ، وَيَخْفِضُ وَيَرْفَعُ، وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسْتَعَانَ بِهِ، وَيُتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، وَيُسْتَعَاذَ بِهِ، وَيَلْتَجِئَ الْعِبَادُ إلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْهُ الْجَدُّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ: [ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ] {الفاتحة:5}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﮘ ﮙ ﮚ] {هود:123}، وَقَالَ: [ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ] {الرعد:30}. فَهَذِهِ الْمَعَانِي كُلُّهَا صَحِيحَةٌ، وَهِيَ مِنْ صَرِيحِ التَّوْحِيدِ، وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ…

وَأَمَّا إنْ أَرَادَ الْقَائِلُ: «مَا ثَمَّ إلَّا اللَّهُ» مَا يَقُولُهُ أَهْلُ الِاتِّحَادِ: مِنْ أَنَّهُ مَا ثَمَّ مَوْجُودٌ إلَّا اللَّهُ، وَيَقُولُونَ: لَيْسَ إلَّا اللَّهُ، أَيْ لَيْسَ مَوْجُودٌ إلَّا اللَّهُ، وَيَقُولُونَ: إنَّ وُجُودَ الْمَخْلُوقَاتِ هُوَ وُجُودُ الْخَالِقِ، وَالْخَالِقُ هُوَ الْمَخْلُوقُ، وَالْمَخْلُوقُ هُوَ الْخَالِقُ، وَالْعَبْدُ هُوَ الرَّبُّ، وَالرَّبُّ هُوَ الْعَبْدُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي الِاتِّحَادِيَّةِ، الَّذِينَ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ، وَلَا يُثْبِتُونَ الْمُبَايَنَةَ بَيْنَ الرَّبِّ وَالْعَبْدِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي تُوجَدُ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَبِيٍّ الطَّائِيِّ، وَابْنِ سَبْعِينَ، وَابْنِ الْفَارِضِ، والتلمساني، وَنَحْوِهِمْ مِنْ الِاتِّحَادِيَّةِ، وَكَذَلِكَ مَنْ يَقُولُ بِالْحُلُولِ، كَمَا يَقُولُهُ الْجَهْمِيَّة الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَيَجْعَلُونَهُ مُخْتَلِطًا بِالْمَخْلُوقَاتِ، حَتَّى إنَّ هَؤُلَاءِ يَجْعَلُونَهُ فِي الْكِلَابِ وَالْخَنَازِيرِ وَالنَّجَاسَاتِ، أَوْ يَجْعَلُونَ وُجُودَ ذَلِكَ وُجُودَهُ، فَمَنْ أَرَادَ هَذِهِ الْمَعَانِيَ؛ فَهُوَ مُلْحِدٌ ضَالٌّ، يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ، فَإِنْ تَابَ؛ وَإِلَّا قُتِلَ، وَاَللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَعْلَمُ». اهـ

* قلت: فتأمل كيف فصَّل -رحمه الله- في الكلمة المجملة المحتملة للحق والباطل، ولم يحملها على المحمل السيء -كما يفعل الغلاة-!!.

خامسًا: فإذا رأينا منه الإصرار والثبات على هذا القول الباطل؛ ننظر بعد ذلك نظرةً أخرى: هل من الأصلح هَجْرُهُ، أم تأليفه؟ فقد يكون من المُطاعين الكبار في البلاد، وهَجْره يثير فتنة، وقد يكون من الناس الذين هم من الأقوياء، وهجره يثير فتنة، وتتضرر الدعوة بهجره واستعدائه، وقد تكون المداراة والتأليف في حقه أولى.

كما مر بنا من كلام الإمام أحمد عن أهل السُنَّة في خراسان، الذين ما استطاعوا أن يهجروا الجهمية، وعن أهل السُنَّة في البصرة، الذين لم يَقْوَوْا على هَجْر القدرية، وأهل السُنَّة في الكوفة، الذين لم يستطيعوا أنْ يَقِفُوا في وجه الشيعة، إلى غير ذلك، فيُنظر في هذه المسألة: هل أهل السنة في البلد أقوياء أو ضعفاء، وهل الأفضل تأليف هذا الرجل، أو الأفضل مداراته، أو الأفضل هَجْره؟! ويُسْلَكُ معه أَقْرَبُ الوسائل الموصِّلة إلى تحصيل الخير وتكميله، أو تقليل الشَّر وتعطيله.

سادسًا: إذا رأينا أنّ الأفضل في حقه الهجر؛ فالمقصود أنه يُهْجَر حتى يترك ما هو عليه من الشر، أو يُقَلِّل ما هو عليه من الشر، أو يَنْفُرَ عنه الناس؛ حتى لا ينساقوا وراءه في البدعة التي هو عليها، هذه مقاصد الشرع من وراء الهجر، فهي كلها مقاصد شرعية، ليس للنفس ولا للحسد والغيظ والكيد فيها نصيب.

والهجر كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نوعٌ من الجهاد، والجهاد إذا كان لحمية، أو لعصبية، أو لإظهار الشجاعة والعُلُو، أو لمغنم، أو لغير ذلك؛ لم يكن ذلك في سبيل الله؛ لأن من قاتل أو أمر أو نهى أو هجر لتكون كلمة الله هي العليا؛ فهو في سبيل الله.

فمن هجر لله دون حظِّ لنفسه، وهَجَر بالضوابط الشرعية؛ فهو مجاهدٌ في سبيل الله، وهو قائم بنوعٍ من الجهاد في سبيل الله -عزَّ وجلَّ- فإذا رأينا أنّ المصلحة في هجر فلان؛ هُجر، وليس معنى القول بهجره أنْ يكون الهجر هجرًا عامًّا، سواءً انصلح حاله المهجور أم لا؟ وسواءً كان محسنًا في أبواب أخرى أم لا؟ كما نسمع من الذين لا يحسنون فهم هذه الأمور!! فالتفصيل له مواضع لا بد من مراعاتها، ولابد أن يكون الإنكار عليه بقدر مخالفته دون إفراط أو تفريط، مع مراعاة جميع القرائن المحيطة بالحال.

سابعًا: إذا اختلف اجتهاد العلماء في هجر فلان وعدمه، فرأى بعضهم الهجر، ولم ير البعضُ الآخر هجره؛ فلا يجوز أن يكون هذا الخلاف سببا في اختلاف كلمة العلماء، وتفريق دعوتهم، لأن الذي لم يهجر إنما انطلق في ذلك من تقديرِهِ المصلحةَ والمفسدةَ من الناحية الشرعية، وتكلم بكلامٍ علمي، فلم يترك هَجْرَهُ عن هوى ولا عن طمعٍ في دنيا أو غير ذلك، إنما ترك هجره لنظرةٍ شرعية، وعندما أقول: فلان يُهجر؛ فهذا أمرٌ اجتهادي، قد اجتهدتُ فيه، فرأيتُ أنّ المصلحة في هجره، فقد تخالفني أنت، وترى أنّ المصلحة في عدم هجره، وتُفْتي بتأليفه أو مداراته.

ففي مثل هذا يَسَعُنا الخلافُ، كما يَسَعُنا في مسائل الاختلاف في الحلال والحرام، فأحدنا يقول: من فعل كذا؛ فصلاتُهُ باطلةٌ بدليل كذا، والآخر يقول: لا، صلاتهٌ صحيحةٌ بدليل كذا، وكذلك فأنا أصحح الحديث الفلاني وأنت تُضَعِّفه، وكلانا أهل لهذا الاجتهاد، فهذه مسائلُ اجتهادية، يَسَعُ الجميعَ فيها الخلافُ، والخلافُ فيها سائغ بين أهل العلم، فلا تبديع ولا تضليل ولا تفسيق ولا هَجْر في هذا النوع من مسائل الخلاف.

فالقول بالهجر فرعٌ عن هذا كله، وعندما أقول: اهجروا فلانًا؛ ليس هذا بأعظم من أنْ أقول: كذا حلال، وكذا حرام، وأنت تخالفني في ذلك، فإذا وسعنا الخلافُ في القول بالحلال والحرام؛ ألا يَسَعُنا في القول بالهجر وعدم الهجر، وهو دون ذلك؟ لا شك أنّ هذا من باب أولى، لا سيما إذا كان المخالف يخالف بعلم وبتقدير علمي للمصلحة والمفسدة -وإن أخطأ-.

إذًا عندما تقول لي: إذا لم تهجر فلانا؛ فأنت مُبْتَدِعٌ مثله، تُلْحَق به؛ فكأنك تَدْعوني إلى أنْ أُقَلِّدك، وتدعوني إلى أنْ أترك رأيي لرأيك، وتصادر بذلك اجتهادي وفهمي، وتحكم على فهمي واجتهادي بالإعدام!! هذا كله بعيد عن الروح العلمية، وعن أسلوب أهل العلم، وعن طريقة العلماء.

على أنه يجب أنْ يُعْلَم أنّ باب الهجر -كما نقلتُ عن الشيخ مقبل
-رحمه الله- من قبل- بابٌ مُضَيَّق فيه، وليس موسَّعًا؛ لأنه خلاف الأصل، فالأصل بذل الولاء للمؤمنين، والهجر ليس هو الأصل، وكما يقول بعضهم: آخر الدواء الكَيُّ، فهذا آخر باب نَلِجُهُ مع الشخص المخالف للحق إذا اضطُّرِرْنا إليه، أما المتعالمون فلا يبالون بهذه الضوابط والقيود!!

فهذا مُلَخَّص ما وقفت عليه من الكلام في مسألة الهجر، والمُوَفَّق من وَفَّقه الله، [ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ] {آل عمران:101}.

السؤال السابع: هل فِعْلُ الشيء المشروع، إذا كان أهل البدع يفعلونه؛ يجب علينا أن نتركه لأنّ أهل البدع يفعلونه، ولا بد من مخالفتهم، وعدم التشبه بهم، أم لا؟

الجواب: الشيء إذا كان مشروعًا، وكان له أصلٌ في سُنّة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فنحن نفعله، ولا نتركه لمجرد أنّ أهل البدع أو من يخالفنا قد فَعَلَه؛ لأننا عندما نقول: هذا يُفعل، وهذا لا يُفعل؛ إنما ننظر إلى الأدلة الشرعية؛ ولا ننظر هل فلان يَفْعَلُه أو لا يَفْعَلُه.

ولو فرضنا أنّ الناس لم يفعلوه؛ فهل نَتْرُكُه وهو سنة؟ بل نحن سنفعله لأنه سُنّة، ونُحْيي ما أماته الناس من السنن والأحكام، ولو فرضنا أنّ الناس فعلوه معنا؛ فجزاهم الله خيرًا، عندما تمسكوا بهذا الجزء من الخير، ولو فرضنا أن الناس -وإن كانوا مقربين إلينا، أو من أهل السنة- يفعلون شيئا مخالفا للسنة، فهل نَفْعَلُه لأن من فعله مُقَرَّب إلينا؟ الجواب: لا، فالعمل وعدمه راجع إلى كون الشيء صوابًا أم لا.

ثم أيهما أفضل: أنْ يكون المخالف لنا -كالمبتدع مثلا- مخالفًا لنا في كل شيء، أو أنْ يكون المخالف لنا مخالفًا في البعض دون البعض؟

لا شك أنّ المخالف في البعض والموافق في البعض الآخر أفضل من المخالف في كل شيء؛ فكلما كان الشر أقلَّ كان أحبَّ إلينا، وهل نحن نحب للناس -والعياذ بالله- الشر ومخالفة السنن؟ هل نحن نحب للناس أنْ يمعنوا ويتَوَغَّلوا في مخالفة سُنّة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟ لا، بل تقليل الشر غايةٌ شرعية.

كما مر بنا كثيرًا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه- أنّ الشريعة جاءت بتكميل المصالح أو تحصيلها، وبتعطيل المفاسد أو تقليلها، فالرجل الذي يخالفك في عشر مسائل، عندما تجلس معه، وتناقشه، فيصير الخلاف بينكما في مسألتين، وتتفقان في ثمان مسائل؛ هذه نعمة، ولا نقول له: لا، إما أنْ توافقني في كل شيء، أو تخالفني في كل شيء؟ هذا غير صحيح.

وسأنقل لكم من كلام العلماء ما يدل على ذلك، وأذكر في ذلك كلمة لطيفة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمة الله عليه- وقد بلغه أنّ أحد العلماء في الأزهر أفتى بحلق اللحية، قال: لأنّ اليهود والنصارى أصبحوا يُطْلِقون لُحَاهم، إذًا فعلينا أن نخالفهم، فنحلق اللحية؟!

* فقال سماحة الشيخ ابن باز -رحمة الله عليه-: «ولو دَخَلُوا في الإسلام، نَخْرُجُ من الإسلام حتى نخالفهم؟ لو دخلوا هم في الإسلام، نَخْرُجُ نحن حتى نخالفهم؟ هذا غير صحيح، الحمد لله أنهم وافقونا، وهذا دليل على أنّ هذا هو الحقُّ، والحقُّ ما شَهِدَتْ به الأعداء». اهـ

* ولشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله– كلام نفيس جدًّا في هذا الشأن، في كتابه القيِّم: «منهاج السُنَّة النبوية»([289]) فقد قال شيخ الإسلام -رحمة الله عليه- وهو يرد على المخالف: (وأما الطريق الثاني في الجواب، فنقول: الذي عليه أئمة الإسلام: أنّ ما كان مشروعًا؛ لم يُتْرَكْ لمجرد فِعْلِ أهل البدع: لا الرافضة ولا غيرهم، وأصولُ الأئمةِ كلِّهم توافق هذا؛ فإنّ مذهب أبي حنيفة وأحمد أنّ تسنيم القبور أفضل، كما ثبت في «الصحيح» أنّ قبر النبي -عليه الصلاة والسلام- كان مُسَنَّمًا؛ ولأنّ ذلك، أَبْعَدُ عن مشابهة أَبْنِية الدنيا، وأَمْنَعُ عن القعود على القبور، والشافعي يَسْتَحِبُّ التَّسْطِيحَ؛ لما رُوي من الأمر بتسوية القبور، فرأى أنّ التسوية هي التسطيح، ثم إنّ بعض أصحابه قال: إنّ هذا شِعَارُ الرافضة؛ فَيُكْرَه ذلك؛ فخالفه جمهور الأصحاب، وقالوا: بل هو المُستحب، وإنْ فَعَلَتْهُ الرافضة، وكذلك الجهر بالبسملة هو مذهب الرافضة، وبعض الناس تَكَلَّم في الشافعي بسببها وبسبب القنوت، ونسبه إلى قول الرافضة والقدرية؛ لأنّ المعروف في العراق أنّ الجهر كان من شعار الرافضة، وأنّ القنوت في الفجر كان من شعار القدرية الرافضة، حتى إنّ سفيان الثوري وغيره من الأئمة يَذْكُرون في عقائدهم تركَ الجهر بالبسملة؛ لأنه كان عندهم من شعار الرافضة، كما يذكرون المَسْحَ على الخفين؛ لأنّ تَرْكَه كان من شعار الرافضة، ومع هذا فالشافعي لما رأى أنّ هذا هو السُنَّة؛ كان على ذلك مذهَبُه؛ وإنْ وافق قولَ الرافضة، وكذلك إحرام أهل العراق من العقيق يُسْتَحَبُّ عنده)، أي: عند الشافعي، (وإنْ كان ذلك مذهبَ الرافضة، ونظائر هذا كثير).

قال: (وكان مالك يُضَعّف أَمْرَ المسح على الخفين، حتى إنه في المشهور عنه لا يُمْسَح في الحضر، وإن وافق ذلك قولَ الرافضة، وكذلك مذهبُهُ ومذهبُ أحمد المشهور عنه أنّ المُحْرِم لا يَسْتَظِلُّ بالمحْمَل، وإنْ كان ذلك قولَ الرافضة، وكذلك قال مالك: إنّ السجود يُكْرَهُ على غير جنس الأرض، والرافضة يَمْنَعُون من السجود على غير الأرض، وكذلك أحمد بن حنبل يستحب المتعة -متعة الحج- ويأمر بها، حتى يستحب هو وغيره من الأئمة -أئمة أهل الحديث- لمن أَحْرم مُفْرِدًا أو قارِنًا أنْ يَفْسَخَ ذلك إلى العمرة، ويصير متمتعًا، حتى قال سَلَمة بن شَبِيب للإمام أحمد: يا أبا عبد الله! قَوَّيْتَ قلوبَ الرافضة؛ لما أفتيتَ أهل خُراسان بالمتعة)، أي فرح الرافضة لهذه الفتوى، وذكروا أنّ أحمد وافقهم. (قال: يا سَلَمة! كان يَبْلُغني عَنْك أنك أحمق، وكنتُ أَدْفَعُ عنك، والآن فقد ثَبَتَ عندي أنك أَحْمَقُ؛ عندي أَحَدَ عشر حديثًا صِحَاحًا عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أَتْرُكُها لقولك؟).

أي: فهذا حديث رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهذه سُنَّة نبينا -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سنفعلها لذلك، سواء فَعَلَها الروافض أم لا!!

فانظر إلى جواب الإمام أحمد (قال: يا سلمة! كان يَبْلُغُني عنكَ أنك أَحْمَقُ، وكنتُ أَدْفَع عنك، والآن، فقد ثَبَتَ عندي أنك أَحْمَقُ؛ عندي أَحَدَ عَشَرَ حديثًا صِحَاحًا عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أَتْرُكُها لقولك؟).

قال: (وكذلك أبو حنيفة مذهبه أنه يَجُوز الصلاة على غير النبي – صلى الله عليه وسلم – كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وهذا هو المنصوص عن أحمد في رواية غير واحد من أصحابه. واستدل بما نقله عن علي – رضي الله عنه – أنه قال لعمر – رضي الله عنه -: صلى الله عليك، وهو اختيار أكثر أصحابه، كالقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، وأبي محمد عبد القادر الجيلي وغيرهم، ولكن نُقِلَ عن مالك والشافعي المنعُ من ذلك، وهو اختيار بعض أصحاب أحمد؛ لِمَا رُوِيَ عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه قال: لا تَصْلُحُ الصلاةُ من أحدٍ على أحدٍ على غير النبي – صلى الله عليه وسلم – وهذا الذي قاله ابن عباس – رضي الله عنه – قاله – والله أعلم – لما صارتْ الشيعةُ تَخُصُّ بالصلاة عليًّا دون غيره، ويجعلون ذلك كأنه مأمور به في حقِّه بخصوصه دون غيره، وهذا خطأ بالاتفاق؛ فإن الله تعالى أمر بالصلاة على نبيه – صلى الله عليه وسلم -، وقد فَسَّر النبي – صلى الله عليه وسلم – ذلك بالصلاة عليه وعلى آله، فيصلى على جميع آله تَبَعًا له.

وآل محمد – صلى الله عليه وسلم – عند الشافعي وأحمد هم الذين حُرِّمَتْ عليهم الصدقة، وذهبتْ طائفة من أصحاب مالك وأحمد وغيرهما إلى أنهم أمة محمد – صلى الله عليه وسلم -.

وقالت طائفة من الصوفية: إنهم الأولياء من أمته، وهم المؤمنون المتقون، وروي في ذلك حديث ضعيف لا يَثْبُتُ، فالذي قالته الحنفية وغيرهم: أنه إذا كان عند قوم لا يُصَلُّون إلا علَى عَلِيّ دون الصحابة؛ فإذا صَلَّى على عليّ؛ ظُنَّ أنه منهم؛ فَيُكْرَه؛ لئلا يُظَنَّ به أنه رافضي، فأما إذا عُلِمَ أنه صلى على عليّ وعلى سائر الصحابة؛ لم يُكْرَهْ ذلك.

وهذا القول يقوله سائر الأئمة…». اهـ

وخلاصة ما سبق: أنّ الذي عليه الأئمة: أنّ الشيء إذا كان مشروعًا، وثبت من جهة الشرع؛ فهذا يُعْمَل به، سواءً وافق المخالف على ذلك أو لم يوافق، وسواءً فعله اليهود أو فعله النصارى، أو فعله الروافض، أو فعله أهل البدع، أو فعله المتحزبون في كل زمان ومكان، كما قال تعالى: [ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ] {يونس:35}.

هذه القاعدة التي ننطلق منها، اللهم إلا أن يكون هذا الفعل -كما مر بنا من قبل- شعارًا لأهل البدع، ومنْ رآك تفعل هذا؛ فإنه يسيء بك الظن، وهو أمرٌ حسب الأدلة مستحب ليس بواجب؛ فمن الممكن أنْ تترك الأمر المستحب؛ حتى لا يُفهم عنك خَطَأً أنك منهم، ويُساءَ بك الظن، ويقع الناس في عرضك، أما أنْ تَجْعَلَ ذلك قاعدةً مطّردة؛ فلا.

* وقد تكلم شيخ الإسلام -رحمه الله- كما في «منهاج السُنَّة النبوية»([290]) عن الأمر إذا كان شعارًا لأهل البدع، وهو مستحب، فقال: (وهذا القول يقوله سائر الأئمة؛ فإنه إذا كان في فِعْلِ مستحبٍّ مفسدةٌ راجحةٌ، لم يَصِرْ مُسْتحبًّا، ومن هنا ذهب منْ ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبات، إذا صارتْ شعارًا لهم؛ فإنه لم يَتْرُكْ واجبًا بذلك، لكن قال: في إظهار ذلك مشابهةٌ لهم؛ فلا يتميز السُنِّيُّ من الرافضي، ومَصْلَحَةُ التميز عندهم لأجل هجرانهم ومخالفتهم أعظم من مصلحة هذا المُسْتَحَبِّ، وهذا الذي ذهب إليه -أي هذا القول- يُحتاج إليه في بعض المواضع، إذا كان في الاختلاط والاشتباه مفسدة راجحة على مصلحة فِعِل ذلك المستحب، لكن هذا أمرٌ عارض، لا يَقْتَضِي أنْ يُجْعَل المشروعُ ليس بمشروعٍ دائمًا، بل هذا مثل لباس شعار الكفار -وإنْ كان مباحًا- إذا لم يكن شعارًا لهم، كلُبْس العمامة الصفراء؛ فإنه جائز إذا لم يكن شعارًا لليهود، فإذا صار شعارًا لهم؛ نُهِيِ عن ذلك) انتهى.

وقد سبق أنْ نقلتُ عدة مواضع من كلام أهل العلم في رسالة: «قَطْع اللجاج بالرد على مَنْ طعن في السراج الوهاج» ضمن كتابي: «الدفاع عن أهل الاتباع»، ونقلتُ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه- من «الحموية»:

أنه قال: (ولْيَعَلم السائل أنّ الغرض -من هذا الجواب- ذِكْرُ ألفاظ بعض الأئمة العلماء الذين نقلوا مذهب السلف في هذا الباب، وليس كلُّ من ذَكَرْنا شيئًا من قوله -من المتكلمين وغيرهم- نقول بجميع ما يقوله في هذا وغيره)، يعني: إنْ نقلنا كلام بعض المتكلمين -لكونه وافق الحق- فليس معنى ذلك أننا نقول بجميع ما يقوله هؤلاء المتكلمون، ولكن ننقل من كلامهم ما نراه حقا، ثم قال -رحمه الله-: (ولكنَّ الحقَّ يُقْبَل من كل مَنْ تَكَلَّم به).

* وقد قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في «مدارج السالكين»:([291]) «فَصْلٌ: وَمِنْ أَحْكَامِ التَّوْبَةِ أَنَّهُ: هَلْ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهَا: أَنْ لَا يَعُودَ إِلَى الذَّنْبِ أَبَدًا، أَمْ لَيْسَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ؟

فَشَرَطَ بَعْضُ النَّاسِ عَدَمَ مُعَاوَدَةِ الذَّنْبِ، وَقَالَ: مَتَى عَادَ إِلَيْهِ؛ تَبَيَّنَّا أَنَّ التَّوْبَةَ كَانَتْ بَاطِلَةً غَيْرَ صَحِيحَةٍ.

وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَإِنَّمَا صِحَّةُ التَّوْبَةِ تَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِقْلَاعِ عَنِ الذَّنْبِ، وَالنَّدَمِ عَلَيْهِ، وَالْعَزْمِ الْجَازِمِ عَلَى تَرْكِ مُعَاوَدَتِهِ.

فَإِنْ كَانَتْ فِي حَقِّ آدَمِيٍّ؛ فَهَلْ يُشْتَرَطُ تَحَلُّلُهُ؟ فِيهِ تَفْصِيلٌ سَنَذْكُرُهُ – إِنْ شَاءَ اللَّهُ – فَإِذَا عَاوَدَهُ، مَعَ عَزْمِهِ حَالَ التَّوْبَةِ عَلَى أَنْ لَا يُعَاوِدَهُ؛ صَارَ كَمَنِ ابْتَدَأَ الْمَعْصِيَةَ، وَلَمْ تَبْطُلْ تَوْبَتُهُ الْمُتَقَدِّمَةُ.

وَالْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةُ عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ: أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَابَ مِنَ الذَّنْبِ، ثُمَّ عَاوَدَهُ، فَهَلْ يَعُودُ إِلَيْهِ إِثْمُ الذَّنْبِ الَّذِي قَدْ تَابَ مِنْهُ ثُمَّ عَاوَدَهُ، بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ عَلَى الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ إِنْ مَاتَ مُصِرًّا؟ أَوْ إِنَّ ذَلِكَ قَدْ بَطَلَ بِالْكُلِّيَّةِ، فَلَا يَعُودُ إِلَيْهِ إِثْمُهُ، وَإِنَّمَا يُعَاقَبُ عَلَى هَذَا الْأَخِيرِ؟

وَفِي هَذَا الْأَصْلِ قَوْلَانِ:

فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَعُودُ إِلَيْهِ إِثْمُ الذَّنْبِ الْأَوَّلِ؛ لِفَسَادِ التَّوْبَةِ وَبُطْلَانِهَا بِالْمُعَاوَدَةِ.

قَالُوا: لِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الذَّنْبِ بِمَنْزِلَةِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْكُفْرِ، وَالْكَافِرُ إِذَا أَسْلَمَ هَدَمَ إِسْلَامُهُ مَا قَبْلَهُ مِنْ إِثْمِ الْكُفْرِ وَتَوَابِعِهِ، فَإِذَا ارْتَدَّ عَادَ إِلَيْهِ الْإِثْمُ الْأَوَّلُ مَعَ إِثْمِ الرِّدَّةِ، كَمَا ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحِ» عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ؛ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ؛ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ»([292]) فَهَذَا حَالُ مَنْ أَسْلَمَ وَأَسَاءَ فِي إِسْلَامِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرِّدَّةَ مِنْ أَعْظَمِ الْإِسَاءَةِ فِي الْإِسْلَامِ، فَإِذَا أُخِذَ بَعْدَهَا بِمَا كَانَ مِنْهُ فِي حَالِ كُفْرِهِ، وَلَمْ يُسْقِطْهُ الْإِسْلَامُ الْمُتَخَلِّلُ بَيْنَهُمَا؛ فَهَكَذَا التَّوْبَةُ الْمُتَخَلِّلَةُ بَيْنَ الذَّنْبَيْنِ لَا تُسْقِطُ الْإِثْمَ السَّابِقَ، كَمَا لَا تَمْنَعُ الْإِثْمَ اللَّاحِقَ.

قَالُوا: وَلِأَنَّ صِحَّةَ التَّوْبَةِ مَشْرُوطَةٌ بِاسْتِمْرَارِهَا، وَالْمُوَافَاةِ عَلَيْهَا، وَالْمُعَلَّقُ عَلَى الشَّرْطِ يُعْدَمُ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، كَمَا أَنَّ صِحَّةَ الْإِسْلَامِ مَشْرُوطَةٌ بِاسْتِمْرَارِهِ، وَالْمُوَافَاةِ عَلَيْهِ.

قَالُوا: وَالتَّوْبَةُ وَاجِبَةٌ وُجُوبًا مُضَيَّقًا مَدَى الْعُمُرِ، فَوَقْتُهَا مُدَّةُ الْعُمْرِ، إِذْ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِصْحَابُ حُكْمِهَا فِي مُدَّةِ عُمُرِهِ، فَهِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعُمُرِ كَالْإِمْسَاكِ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ فِي صَوْمِ الْيَوْمِ، فَإِذَا أَمْسَكَ مُعْظَمَ النَّهَارِ، ثُمَّ نَقَضَ إِمْسَاكَهُ بِالْمُفْطِرَاتِ؛ بَطَلَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صِيَامِهِ، وَلَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يُمْسِكْ شَيْئًا مِنْ يَوْمِهِ.

قَالُوا: وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ، وَهُوَ قَوْلُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ؛ فَيَدْخُلُهَا» وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْعَمَلُ الثَّانِي كُفْرًا مُوجِبًا لِلْخُلُودِ، أَوْ مَعْصِيَةً مُوجِبَةً لِلدُّخُولِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ «فَيَرْتَدُّ، فَيُفَارِقُ الْإِسْلَامَ» وَإِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِعَمَلٍ يُوجِبُ لَهُ النَّارَ، وَفِي بَعْضِ السُّنَنِ: «إِنَّ الْعَبْدَ لِيَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْمَوْتِ، جَارَ فِي وَصِيَّتِهِ؛ فَدَخَلَ النَّارَ»([293]) فَالْخَاتِمَةُ السَّيِّئَةُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ خَاتِمَةً بِكُفْرٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ، وَالْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ.

فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ إِحْبَاطُ الْحَسَنَاتِ بِالسَّيِّئَاتِ، وَهَذَا قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَالْقُرْآنُ وَالسَّنَةُ قَدْ دَلَّا عَلَى أَنَّ الْحَسَنَاتِ هِيَ الَّتِي تُحْبِطُ السَّيِّئَاتِ لَا الْعَكْسِ، كَمَا قَالَ: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ] {هود:114}، وَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِمُعَاذٍ: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ».

قِيلَ: وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ قَدْ دَلَّا عَلَى الْمُوَازَنَةِ، وَإِحْبَاطِ الْحَسَنَاتِ بِالسَّيِّئَاتِ، فَلَا يُضْرَبُ كِتَابُ اللَّهِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَلَا يُرَدُّ الْقُرْآنُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِ الْمُعْتَزِلَةِ قَالُوهُ – فِعْلَ أَهْلِ الْهَوَى وَالتَّعَصُّبِ – بَلْ نَقْبَلُ الْحَقَّ مِمَّنْ قَالَهُ، وَنَرُدُّ الْبَاطِلَ عَلَى مَنْ قَالَهُ». اهـ

* قال صاحب الفضيلة العلامة البصير الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمة الله عليه-([294]):

(وبَالَغَ طائفةٌ منهم) أي: من الشافعية (فَنَهَوْا عن التشبه بأهل البدع مما كان شعارًا لهم، وإنْ كان في الأصل مسنونًا، كما في تَسْنيم القبور؛ فإنّ الأفضل تَسْطِيحها عندهم، فقالوا: ينبغي تسنيمها في هذه الأوقات؛ لأن شعار الرافضة اليوم تَسْطِيحها، ففي تَسْطِيحها تشبهٌ بهم فيما هو شعارٌ لهم، وقالت طائفة: بل نُسطِّحها حتى لا يكون التسطيح شعارًا للرافضة) أي: نُشارك الرافضة في ذلك حتى لا يكون شعارًا خاصًّا بهم.

قال: (قلت: وهذه المبالغة من بعض أصحاب الشافعي فيها نَظَرٌ؛ فالصواب: ألَّا تُتْرَكَ السُنَّة من أجل أنّ بعضَ أهل البدع أو أهلِ الكفر عَمِلوا بها؛ لأنّ مصلحة العمل بها باقية، وإنْ عَمل بها هؤلاء)، اهـ.

* وقال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان -حفظه الله وسلمه- في «المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان» سُئل الشيخ الفوزان:

قال السائل: (كثيرًا ما يَتَّفِق رأْيُ من يُوصَفُون بالعَلْمانية، مع رأي السّلفيين في بعض الأمور‏؟ مثل الموقف من بعض الجماعات التي اتَّخذتْ العنفَ وسيلةً للإصلاح، والموقف من غَلَبة المصالح الشخصية في اشتعال الحروب، والموقف من تكلف بعض الشباب‏؟‏ فما تعليقكم‏؟)

قال في الجواب: (الواجب أنْ نتمسك بالمنهج الحق المُسْتَمَدِّ من الكتاب والسُنَّة، والذي كان عليه سلفنا الصالح؛ قال تعالى:‏ [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ] {التوبة:100}‏‏‏، قال: (وإذا وافَقَنا على بعضِ ذلك أحدٌ من العَلْمانيين أو غيرِهم؛ فذلك لا يَصْرِفُنا عنه، ولا نَتْرُكُه من أجلهم، وإنما يُعتبر هذا شهادةً من أعدائنا على صحة ما نحن عليه، وقد قيل‏:‏ الحقُّ ما شَهِدَتْ به الأعداءُ‏)([295]) انتهى كلامه -حفظه الله-.‏

فالشاهد من هذا، والخلاصة مما سبق: أن هذا كلام أهل العلم، فلا نترك الحق ومنهج أئمتنا لمجرد أن أهل الباطل وافقونا عليه، ومِنْ ذلك -على سبيل المثال- أن يأتي أحدُ المحسنين، يريد أن يبني مسجدًا، فيقول: أنا أريد صورة لهذا المسجد بدون ذوات الأرواح؛ من أجل أنْ أَعْرِضَه على الرجل الذي أعطاني هذا المال؛ فلا يَظُنَّ أني كذبْتُ عليه، وأني أخذتُ ماله ووضعتُه في غير موضعه، فهناك من يرفض الاستجابة له في هذا الطلب؛ بحجة أن «الإخوان المسلمين» ونحوهم يفعلون هذا، فهل هذا الامتناع صحيح أم لا؟

الجواب: أولًا: هل تصوير المسجد -بدون ذوات الأرواح- جائز شرعًا أم لا؟ فالعبرة بذلك لا بفعل فلان أو ترْكه!! فـ «الإخوان المسلمين» يُصَلُّون، ويصومون رمضان، ويحجُّون، هل يجوز ترك هذه الفرائض بهذا العذر القبيح؟!

الجواب: لا، فإن الشيء إذا كان جائزًا، أو مباحًا، أو مشروعًا، وفيه مصلحة شرعية؛ لا يُتْرك من أجل أنّ هذا فعل فلان أو غيره، ثم إن الغلاة بالغوا وتوسَّعوا في البغض لمن خالفهم؛ فلا عبرة بفتاوى تصدر عن أهواء وكراهية ونحو ذلك.

السؤال الثامن: هل كل مَنْ كان مُبْتَدعًا يكون عَدوًّا للسُنَّة بإطلاق، أم أن في المسألة تفصيلًا؟

الجواب: إطلاق القول بأنّ كل مبتدع عدوٌّ للسُنَّة، إطلاق فيه تجاوز وظُلْم وانحراف عن طريقة أهل العلم، وإلا فقد مر بنا أنّ البدعة منها بدعة مُكَفِّرة، ومنها بدعة مُفَسِّقة، وأنّ البدع منها البدعة الكبيرة، ومنها البدعة الصغيرة، وأنّ البدع منها البدعة الجزئية ومنها البدعة الكلية، ومنها البدعة الحقيقية والبدعة الإضافية، والبدعة الكبرى المخالفة لأصل من أصول السنة، والبدعة الصغرى في المسائل الاجتهادية، والواقعون في البدعة أصناف، وليسوا في مرتبة واحدة؛ فمنهم الكافر، ومنهم المبتدع، ومنهم المعاند، ومنهم المتأول، ومنهم المتبع لهواه، ومنهم الباحث عن الحق -الحريص عليه وإن ضل سبيله- ومنهم المأجور، ومنهم الموزور!! إلى غير ذلك من أنواع البدع والمبتدعين.

فعندما يدعي أحد أن البدع كلها بمنزلة واحدة، سواء كانت البدعة في أصل العقيدة، أو فيما هو دونها؛ فقوله مردود، وعلى سبيل المثال: رجلٌ إذا صلى وسلَّم على يمينه وشماله، التفت إلى من هو على يمينه وشماله، ومدَّ يده إليه، وصافح من حوله، وربما قال لكل من صافحه: «حَرَمًا» دعاءً منه له بالصلاة لنفسه ولمن يصافحه في الحرم المكي أو المدني، وربَّما رد عليه جاره فقال: «جَمعًا» أي نجتمع سَويًّا هنالك!! وهذا العمل ليس من السُنَّة، وإذا تقرب إلى الله عبدٌ بذلك؛ فهذه بدعة، لكن هل البدعة هذه مثل بدعة القول بخلق القرآن، أو نَفْي العلوّ والاستواء؟!

فالقول بأن كل مبتدع عدو لله -جل وعلا- ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أو عدو للإسلام؛ هذا قولٌ فيه تجاوز وظلم، إنما المسألة فيها تفصيل، فمن المبتدعة مَنْ هو عدوٌّ لله ورسوله، ومنهم من ليس كذلك، بل -قد مر بنا- أنّ من الذين وقعوا في البدع من هم من العلماء الأفاضل، ومن علماء السُنَّة، وهم متأولون مأجورون أجرًا واحدًا، لصحَّة قَصْدهم، وتحَرِّيهم الوصولَ إلى الحق، وقد مر بنا من كلام سماحة الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين -رحمهما الله تعالى- ومن كلام جماعة من العلماء: أن النووي وابن حجر وغيرهما وقعوا في نوع من البدع، ومع ذلك فهم من أهل السُنَّة، ومن العلماء الفضلاء الذين قدَّموا للإسلام خدمة جليلة.

ولم يَقُلْ كثير من العلماء: إنهم يُلْحَقون بأهل البدع، ويَخْرجون من الفرقة الناجية، وأنهم أعداء لله ولرسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فالمسألة فيها تفصيل، وقد مرّ بنا كلام شيخ الإسلام -رحمه الله- كما في «مجموع الفتاوى» في المرجئة الذين كانوا قبل أنْ تَغْلُظَ مقالتهم كانوا من جملة أهل السُنَّة، وله كلامٌ آخر في مرجئة الفقهاء بأنهم مرجئة أهل السُنَّة، وأن الخلاف بينهم وبين السلف خلافٌ لفظي، وإنْ كان في دعواه أن الخلاف لفظي نزاع!!

لكن الشاهد من هذا: أنّ شيخ الإسلام لا يمنع من أن الرجل قد يكون فيه نوعٌ يسيرٌ من البدعة، كبدع الألفاظ، أو نحو ذلك من البدع التي لا تجعل الرجل خارجًا من دائرة السُنَّة إلى دائرة الفرق الهالكة، وقد وَرَدَ كلام للشيخ مقبل الوادعي -رحمه الله- وقد سُئل عن الشيخ يوسف القرضاوي -رحمه الله-، وهل هو عدوٌ للسُنَّة، أو عدوٌ لله ورسوله، أو بهذا المعنى؟

فبيَّن أنْ هذا من الظلم، وأنْ هذا ليس من العدل، مع قوله: إنه حِزْبيٌّ مُبْتَدِعٌ!!

* ففي كتاب «الأجوبة السديدة في فتاوى العقيدة»([296]):

جاء في السؤال: ما هو القول الفصل في يوسف القرضاوي؟ فهل هو مبتدعٌ أم لا؟ وما رأيكم فيمن يقول: هو عدو الله، ومن أبناء اليهود، وتلَقُّبُه بالقُرضي أو القَرضي نسبةً إلى بني قريظة؟

فأجاب -رحمه الله-: «يوسف القرضاوي منذ عرفناه وسمعنا به، وهو حزبيٌّ مبتدع، وكما تقدَّم أنه يَقْرِضُ سُنَّة رسول الله -عليه الصلاة والسلام- يُقَطِّعُها تَقْطِيعًا، فهو يُعتبر ضالًّا مبتدعًا، أما أنه عدو السُنَّة؛ فلا نستطيع أنْ نقول: إنه كذلك، ولا نستطيع أنْ نقول: إنه من أبناء اليهود، لا بُدَّ من العدل، يقول الله: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ] {المائدة:8}، ويقول: [ﭨ ﭩ ﭪ ] {الأنعام:152}.

ويقول: [ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ] {النساء:135}، والنبي -عليه الصلاة والسلام- أمر أبا ذر أنْ يقول الحق ولو كان مرًّا». اهـ.

فما كل مَنْ يخالفك تَغْضَب وتقول: «عدو الله»، أو «عدو السُنَّة»، أو «زنديق»، وأنه كذا وكذا، هذا عَمَلُ الطائشين أهلِ الرعونة والسَّفه، الذين ما وُفِّقوا للعلم، ولا وُفِّقوا للأدب، أما طالب العلم المنضبط والمتأصِّل فإنه يُعْطي كلَّ شيءٍ حقَّه، ويتكلم بعبارة الجرح والتعديل المنضبطة -إذا احتاج لذلك-، ويتكلم بالعبارة المعبِّرة عن الحال تمامًا، فلا يتكلم بعبارة شديدة على أمرٍ يسير، ولا يتكلم على الأمر العظيم بعبارةٍ لطيفة، فإنّ العلماء لا يرضَوْن -في الجملة- بهذا.

ولما تكلم بعض أهل العلم على حديث: «أَكْرِمُوا عَمَّتَكُمُ النَّخْلَةَ؛ فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ بقية طِّينِة أبيكم آدَمُ»([297])، وهو حديثٌ موضوع، قال بعض أهل العلم «هذا حديث لم يَثْبُت»([298])، فأَنْكَر عليه بعضُ العلماء، وقالوا ما خلاصته: كيف تقول في حديث موضوع: «لم يَثْبُت»؟ بل يجب أنْ تقول: «حديث موضوع»، فإنّ كلمة: «لم يَثْبُت» تقال في الأحاديث التي ضعفها خفيف من قِبَلِ حِفْظ راويها.

وكذلك الكلام -أيضًا- في الرواة، وفي العلماء، وفي المخالفين: يجب أنْ يكون بعدل، فتتكلَّم بالكلمة التي تُعَبِّر عن المقصود، فرجل عنده بدعة مُكَفِّرة، لا يحق لك أن تقول فيه: «وله اجتهادٌ لا يُوافَقُ عليه»!! هذا غير صحيح، فالرجل عنده من البدع الكبار المغَلَّظَة، فكيف تقول فيه: «عنده اجتهاد لا يُوافَقُ عليه»؟! هذا تهوين وترقيق لخطورة ما هو عليه، وهذا غير مقبول.

لكن لو أن رجلا اجتهد، فأخطأ في مسألة؛ فلا يجوز لك أن تقول فيه: «هو أَضَرُّ على الإسلام من اليهود والنصارى»، أو تقول: «هو عدو الله»، أو «هو أَخْبَثُ أهل الأرض» أو «أَكْذَبُهم» فهذا كله بعيدٌ عن الجادة والعدل والورع، والجادة الصحيحة: أنْ تتكلم -إن كان هناك حاجة شرعية للكلام- بالكلمة المعَبِّرة عن واقع المتكلَّم فيه، وكلما كان الإنسان مُطَّلعًا على كُتب السلف وطريقتهم في الكلام؛ كان أَضْبَطَ في العبارة.

أما إذا فتح المرؤ للهوى بابًا عليه، أو أَرْخَى الزمامَ للهوى؛ فإنه يَطير به كلَّ مطار، نسأل الله العفو والعافية، والأمر كما قال -عز وجل-: [ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ] {النجم:23}.

وفي كتابي: «قطع اللجاج»([299]) نقلتُ كلام الشيخ مقبل -رحمة الله عليه- عندما قال في «غارة الأشرطة»([300]) طبعة دار الحرمين، وقد قُدِّم للشيخ كتابٌ يتكلم عن «السرورية» لفريد مالكي، فمدح كتاب المالكي، وقال: (وإنْ كنتُ لا أُقِرُّ قوله: إنّ السرورية أَضَرُّ على الإسلام من اليهود والنصارى).

قال: (وإنْ كان تَأَوَّلها؛ فهذا كلامٌ ليس بمقبول، كما يقول الشيعة: الوهابية أَضَرُّ على الإسلام من الشيوعية؛ فلا، والله -سبحانه وتعالى- يقول: [ﭨ ﭩ ﭪ ] {الأنعام:152}، ويقول: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ] {المائدة:8}، ويقول: [ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ] {النحل:90}).

قال: (من أَجْلِ هذا لما كانت كتبُ أهلِ السُنَّة ملازمةً للعدالة، وهكذا أشرطَتُهم؛ يبقى خصومهم حيارى) اهـ.

* قلت: أما الآن -وعندما زاغوا عن الهدى إلى الهوَى- فرح فيهم خصومهم، فيا ليت قومي يفقهون!!

وفي «غارة الأشرطة»([301]) قال -رحمه الله-: (نحن لا نقول: إنّ شيعة اليمن أَلْعَنُ وأَخْبَثُ من اليهود والنصارى، لكن نقول: إنهم ضُلَّال، وإنهم مبتدعة، هذا قولنا، لكن الجاهلَ جاهلٌ لا يتورع أنْ يقول: أَخْبَثُ وأَلْعَنُ من اليهود والنصارى).

* قلت: فاسألوا أنفسكم أيها الغلاة: من الذي يقول هذه الكلمات الجالبة لسخط الله في الدارين؟ ألسْتم وكبيركم وكباركم الذين يقولون هذه الكلمات؟!

ثم قال: (اعلموا أننا لا نستحل دماء الشيعة، ولا أموالهم، ولا أعراضهم، لكننا نقول: إنهم مبتدعةٌ وضُلّال، وبحمد الله قد كَسَر الله رؤوسَهم ببعض الأشرطة، وببعض الكتب التي خَرَجَتْ، وذلك ليس بحولنا ولا قوتنا، نحن نبرأ إلى الله من أنْ نقول: إنّ الشيعة أَخْبَثُ وأَلْعَنُ من اليهود والنصارى.

ربُّ العزة -سبحانه وتعالى- يقول في كتابه الكريم: [ﭨ ﭩ ﭪ] {الأنعام:152}، ويقول: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ] {المائدة:8}، ويقول: [ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ] {النحل:90}، فهم ما عجزوا إلا بسبب العدالة الموجودة في كتبنا، وفي أشرطتنا، وفي دعوتنا، ويرونها حقًّا؛ فَيَبْقَوْن مَقْهُورين) انتهى.

هذا كلام الشيخ مقبل -رحمه الله- في هذه المسألة، وها هو يرى من يُطلق القول في شيعة اليمن وفيهم الهادوية، ومن يكفر بالمعصية، بل فيهم باطنية يتظاهرون بالتشيع بأنهم أخبث وألعن من اليهود والنصارى أنه جاهل لا يتورع، ويتبرأ إلى الله من هذا القول، فكيف بالذين يطلقون هذه الكلمات وأشدَّ منها وأَغْلَظَ في أهل السنة، الذين تاريخُهم ومواقفهم في الانتصار للسنة لا تخفى إلا على من أعمى الله بصيرته، وطمس على عينيه الهوى والعصبيةُ؟! فأيّ الفريقين أوْلى وأسْعَد بكلام العلماء والسير على نهجهم؟!

* وهذا كلام شيخنا الألباني -رحمه الله- وقد سُئل عمن يقول في الجماعات الإسلامية الموجودة الآن «إنهم أضر على الإسلام من اليهود والنصارى»، فانظروا بماذا حكم الشيخ الألباني على مَنْ قال هذا القول؟

قال أحد الحضور في مجلس الشيخ -رحمه الله-: ما مدى استقامة قول القائل: «إنّ الجماعات الإسلامية المعاصرة غير الجماعة السلفية، أشد خَطَرًا على الإسلام من اليهود والنصارى، كجماعة «الإخوان المسلمين»، قياسًا على قول هذه الكلمة من ابن تيمية حول الرافضة»؟

فقال الشيخ الألباني -رحمه الله-: «إنّ هذا نوعٌ جديد من الغلو، ونوعٌ جديد من التحزب والتباغض والتدابر، الجماعاتُ الإسلاميةُ فيها خير وفيها شر، فالحكم على هذه الجماعات يا إخواننا كالحكم على الأفراد»… ثم ذكر -رحمه الله- كلاما لم يتضح بعضه لرداءة الشريط، ثم قال:

«ولذلك هذه القولة فيها خطورة متناهية جدًّا، لا يجوز أنْ نطلق هذا الكلام، بل لا يجوز أنْ نُضَلِّلهم، نحن كنا في بعض جلساتنا، أنا لا أرى أنْ نقول: كل شيعي كافر، لكن أي شيعي يقول: إنّ القرآن الذي يباع هو ربع مصحف فاطمة، ونحو ذلك من الكلمات المكَفِّرة….

وهذا ما أقول: إنه كافر، أي هذا الذي قلت فيه: إنه كافر، أما أقول الشيعة كلُّهم كفار؟ لا، هذا أرى أنه غلو في الدين، فأوْلى من هذا أن يُذكر هذا الكلام بالنسبة لجماعة «الإخوان المسلمين» أو غيرها من الجماعات التي تَجْمَعُها كُلَّهم دائرةُ الإسلام، لكنَّ بعضَهم أَقْرَبُ من بعض إلى الإسلام، وبعضَهم أَبْعَدُ عن الإسلام من بعض.

إذًا فكل الجماعات فيهم خير وفيهم شر، كما جاء في الحديث الصحيح، نحن في الواقع نرى أنّ الدعوة السلفية هي الدعوة الوحيدة التي تجمع بين المسلمين؛ لأنها دعوة الحق التي كان عليها السلف الصالح.

أما الجماعات الأخرى ففيها وفيها؛ ولذلك لا يجوز إطلاق مثل هذا الكلام؛ فإنّ فيه مخالفة لقوله -تبارك وتعالى-: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ] {المائدة:8}.

نوعٌ من الغلو والتحزب عندما نقول في الرجل المسلم الذي يُخالفنا في مسألةٍ من المسائل -حتى وإنْ كان مبتدعًا بدعةً لا خلاف في أنها بدعة في الشرع- عندما نطلق القول بأنه أَضَرُّ على الإسلام من اليهود والنصارى، أو أَخْبَثُ من اليهود والنصارى، أو أَضَلُّ من اليهود والنصارى، أو أَكْذَبُ، أو غير ذلك، هذا غُلُوٌّ وتَحَزُّبٌ وأمرٌ خطير». اهـ كلام الشيخ الألباني -رحمه الله-، ولرداءة الشريط في بعض المواضع ذَكَرْتُ الذي يُفْهَم من كلامه حسب السياق، والله أعلم.

فتأمل كيف أَكَّدَ الشيخ -رحمه الله- هذا الأمر في أول جوابه وآخره، ثم أخبره أحد الجالسين بسؤالٍ بعد أنْ جاء سؤال عن الشيخ عدنان عرعور، والشيخ قد زكَّاه في هذا السؤال، وسيأتي في بابه -إنْ شاء الله- عندما أتكلم على هذه المسألة، فقد زكاه الشيخ ومدحه أيما مَدْحٍ، فتكلم على مخالفيه، وهذا الكلام فيه تفصيل -إنْ شاء الله تعالى-.

لكن سأل سائل بعد ذلك، أو أتى بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض النَّاس، أو الإمام أحمد في بعض أهل زمانه، قال «لأنْ تُوَلِّي يهوديًّا أو نصرانيًّا خيرٌ من أنّ تُوَلِّي فلانًا من أهل البدع، فظن الشيخ أنه يعني به الشيخ عدنان عرعور، فأخبره السائل قائلا: أنا أَعْنِي سؤالَكَ الأولَ، لا أعني السؤال الذي قبل هذا، فسنسمع جواب الشيخ -رحمه الله- وإقراره لهذه الكلمة في حدودٍ ضيقة.

قال أحد الحضور: شيخ الإسلام وأحمد بن حنبل قَرَّرَا هذه العبارة، (أحمد بن حنبل أرسل إليه المتوكل رسولًا، وقال: عندنا رجال من أهل الأهواء، أترى أنْ نستعملهم في الدولة؟ فقال أحمد: يُسْتَعْمَل اليهود والنصارى ولا يُسْتَعْمل هؤلاء، فلما رُوجِعَ أحمد؛ قال: اليهود والنصارى مفْضُوحون، وأما هؤلاء فَيُلَبِّسُون على النَّاس دينهم) هذه عبارة للإمام أحمد([302]).

العبارة الثانية لشيخ الإسلام قال: (حَصَل على المسلمين من الضرر من الخوارج ما لم يَحْصُل عليهم من اليهود والنصارى))([303])).

فقال شيخنا الألباني -رحمه الله-: الإمام أحمد -رحمه الله- يتكلم عن الخارجين عن هَدْي السلف الصالح، وبينما السؤال يتعلق برجل –يعني الشيخ عدنان عرعور- يَتْبَع ما كان عليه السلف الصالح، ومن نَّاس يخالفون منهج السلف الصالح، ففي الحقيقة كلام الإمام أحمد ينطبق على الذين يُحَذِّرون النَّاس من أخينا.

فقال أحد الحضور: السؤال الأول: هل هي صحيحة مقولة: إنّ ضرر الإخوان المسلمين على الأُمَّة أعظم من اليهود والنصارى؟

الشيخ الألباني: «نأخذ بعين الاعتبار قد يكون ضررهم أكثر، لكن لا نُعاملهم معاملة اليهود والنصارى».

أحد الحضور: لا شك، يعني: كأن أحمد بن حنبل -رحمه الله- هو من باب الأخذ… (نظرا لرداءة الشريط لم يتضح ما قال أحد الحضور).

قال الشيخ الألباني: «صحيح، هذا كلام سليم، لكن أنا أخشى أنْ يكون وراءه مبالغة، أو وراءه من التكفير والإخراج عن دائرة الإسلام، ونحو ذلك، أما هذا الذي ذكرتُ أنا فهو وارد كما وَضَّحْتُ.

* قلت: فهذا الكلام خلاصته: أنّ إطلاق هذه الكلمة إن كان بقيدٍ معروف عند المستمع؛ وأن الرجل المسلم قد يضر ما لا يضر غيره؛ لاغترار الناس به، وثقتهم بما هو عليه، وأنه قد يدعو إلى بدعة وضلالة، والناس لا يَحْذَرون منه لإسلامه، وحُسْن سمْته وزهده، ونحو ذلك؛ فلا بأس بإطلاق هذه الكلمة مع بيانها وبيان المقصود منها، أما أنْ يكون وراء ذلك ما وراءه، وهذا هو الذي خَشِيَهُ الشيخُ، فقال: أخشى أنْ يكون وراء ذلك ما وراءه من التكفير، هذا هو الذي -والعياذ بالله- ذَرَّ قَرْنُهُ في هذا العصر أو في هذه الأيام، فأصبح فينا مَنْ يُطْلق هذه الكلمة، ويستعملها -والعياذ بالله- ويُعامل مَنْ أُطْلِقَتْ فيه هذه الكلمة أشد من معاملة اليهود والنصارى: هَجْرًا، وطَعْنًا، ووشايةً، واستحلالًا لما حرَّمه الله من المحرمات، كما كان بعض الخوارج يقتل المسلم، ويُنْكِر على من قَتَلَ خنزير الكتابيّ([304])!!!

وهذا الذي خَشِيَهُ الشيخ، ووقع النَّاس فيه كثير من الناس إلا مَنْ رحم ربك، وقليلٌ ما هم.

أما إذا كان المستمع سيحمل هذه الكلمة على ظاهرها، ويتعامل مع من قيلت فيه من المسلمين بما هو أشد من تعامله مع اليهود والنصارى؛ فبئس القول هو!!!

فالشاهد أن هذا كلام مضيَّق، وإذا أُطلق يكون بقيدٍ معين، وأكرر أنها مسألة اجتهادية؛ والسلف إذا أطلقوا ذلك في زمانهم، أي في زمنٍ كان اليهود والنصارى فيه مستضعفين، يُعْطُون الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، ولا يستطيعون أن يفسدوا على المسلمين دينهم، أو يدعوا إلى دينهم الباطل، وأمرهم واضح مكشوف، أما في هذا الزمان فاليهود والنصارى له صولة وجولة، وكم فعلوا بالمسلمين الأفاعيل في معتقداتهم، وفي أراضيهم، وفي حُرماتهم – نسأل الله العفو والعافية-، وكم خططوا لحرب الإسلام، وكم نهبوا من ثروات المسلمين، وكم أفسدوا بالإعلام الفاجر الماكر، وكم شوَّهوا صورة الدعاة الصادقين، وهم يملكون المال الفعّال والسلاح القتّال، المبيد المبير،… فإطلاق أن المسلم أضر على الإسلام من هؤلاء -في هذه الأيام-، هذا كلام غير مقبول، والعلَّة التي ذكرها الإمام أحمد في زمانه منتفية في هذا الزمان؛ وبناءً على ذلك؛ فلا يجوز إطلاق هذه الكلمة في حق مسلم، ولو استطردنا في هذه المسألة، لضاق بنا الوقت والمجال!!

ثم إن الإمام أحمد أطلقها في دعاة إلى القول بخلق القرآن، وأهل السنة كادوا أن يجمعوا على كفر من قال بهذه المقالة، والغلاة يطلقونها في الكثير من مشاهير أهل السنة!!

ولو طردْنا هذه العلة -وهي أن المسلم يغتر بالمسلم المبتدع بخلاف أهل الذِّمة، الذين لا يثق فيهم أحد، ولا يَغْتُّر بهم- لو طردنا ذلك في كل مسألة، ورأينا رجلاً من العلماء أخطأ في مسألة؛ فيقال: العالم هذا له وجاهة، وله قَبول، والناس يقدِّرون عبادته وعلمه وفضله، فسيأخذون منه هذا الخطأ، أما اليهود والنصارى فالناس يعرفونهم، ولا يقبلون منهم، إذًا هذا العالم -مهما كان فضله- فإنه أضر على الإسلام من اليهود والنصارى، وهكذا…!! أخذًا بهذا الاعتبار، وبهذه العلة!! فالأمر إذًا سيتسع؛ لأنه ما من عالم إلا وله أخطاء في العقيدة، أو في الأمور العامة، التي يتسع شرها… ونحو ذلك، وعلى هذا؛ فكُلَّما كان العالم أَتْقَى لله، وله قَدَمَ صِدْقً في الإسلام، وله رسوخٌ في العلم؛ سيكون أكثر ضررًا من اليهود والنصارى، إذا اجتهد وخالف أهل السنة في بعض مسائل الاعتقاد، كالإمام النووي، والحافظ ابن حجر، والباقلاني والأشعري، ومن قبلهم أبو حنيفة ومالك وأحمد… وغيرهم، وهذا قول باطل ساقط، لا سيما في هذا العصر، لاختلاف حال اليهود والنصارى في هذا الزمان عما كانوا من قبل، ولسوء فهم كثير من الناس للمعنى المراد، ولسوء تطبيق كثير من المتهورين لهذا القول في تنزيلهم إياه على كثير من مشاهير أهل السنة!!

ثم هل أطلق سماحة الشيخ ابن باز هذه الكلمة على أحد من المسلمين المجتهدين في نصرة السنة وقع في بدعة بسبب اجتهادٍ منه!! هل أطلقها الشيخ ابن عثيمين، والشيخ الألباني -رحمهم الله جميعًا-!! والشيخ مقبل -رحمه الله- يقول: هذا كلام لا يقوله إلا الجهلاء الذين لا يتورعون، فهذا كلام العلماء سلفا وخلفا، فهل تترك هذا كله تقليدا لكبار الغلاة، الذين أفسدوا الدعوة ومزقوها؟!

والخلاصة: أن من أطلق من العلماء أن المبتدع أضر من اليهود والنصارى، يدركون أن المبتدع رجل من أهل الإسلام، واليهود والنصارى كفار، ولا شك أن المسلم مهما كان ضرره أكثر؛ فهذا من جهة معينة لا بإطلاق، فالمسلم مهما كان فله جزء من الولاء، ويُصلَّى عليه إذا مات، ويَرِثُ ويُورَثُ، ويُدْفَن في مقابر المسلمين، بخلاف الكافر، وفي الآخرة قد لا يدخل المسلمُ النارَ أصلًا إذا كان مجتهدًا، وإن دخلها لم يُخَلَّد فيها، ويدخل الجنة، إنما كان ضرره أشد من الكافر بسبب اغترار الجاهل بأمره به دون الكافر، الذي يتحاشاه عوامُّ المسلمين، لكن الزمان والأحوال اختلفت كما سبق، ولم يَعُد هذا الإطلاق وجيهًا للأسباب السابقة، والله أعلم.

السؤال التاسع: الذين يقولون: إن صاحب البدعة الخفيفة، وظاهِرُهُ الصلاح والسنة: هذا أَضَرُّ من صاحب البدعة الكبيرة، فهل هذا القول صحيح؟ أم له ضوابط شرعية عند أهل العلم؟ نرجو الإفادة، وجزاكم الله خيرًا؟

الجواب: هذه المسألة أَفْرَزْتها المسألةُ السابقةُ؛ لأنهم لما قالوا: «هذا أَضَرُّ من اليهود والنصارى»!! فإذا سألتهم: هل هو مثل اليهود والنصارى؟ قالوا: لا. إنما هو أضر منهم؛ لأن اليهود والنصارى مفضوحون، والناس لا يتبعونهم على باطلهم، بل يَحْذَرون منهم، وأما هذا فالناس يثقون فيه، ويأخذون بقوله المبتدع!! إذاً فهو أضر على الإسلام منهم من هذه الجهة!! وبذلك أصبح كل من وقع عندهم في بدعة خَفِيَّة يسيرة؛ يلزمهم أن يقولوا: لقد صار هذا المبتدَعِ أَضَرَّ على الإسلام ممن وقع في بدعة واضحة غليظة جلية!! لأن لازم قوله أن الذي وقع في بدعة جلية مشهورة؛ فالناس يحذرون منه، أما هذا الذي وقع في بدعةٍ خَفِيَّة غير معروفة، أو في أمرٍ خفي؛ فالناس لا يعرفونه، ومِن ثَمَّ لا يحذرون منه، ولذا كان أضر من صاحب البدعة الغليظة، التي يعرفها الناس!!

وعلى هذا؛ فبَدَل أن يكون صلاحُ الرجل وعلمُه وفضلُه ورسوخه باب مَدْحٍ له وموالاة؛ أصبح -إذا زَلَّت قَدَمُهُ في أمرٍ وإن دقَّ- بابَ قَدْح وبراء، وهذا حُكْمٌ بغير ما أنزل الله، وقلبٌ للأمور رأسًا على عقب!!

فهؤلاء قَلَبوا الموازين، وعندما زرْتُ بريطانيا، في دورة علمية، في سنة (1419هـ) عَلِمْت أن بعض هؤلاء المسرفين الجهلة كان لا يُصَلِّي وراء إمام مسجده بزعم أنه يَشُكُّ في أنه من «الإخوان المسلمين»، وكان يذهب ويصلي وراء إمام في مسجد آخر، وهو صوفي خرافي، يدعو غير الله، ويستغيث به، ويَدَّعي أن أمره واضح بخلاف الإخواني المتستر في نظره الأَعْشَى!! أليس هذا جاهلًا مُتَّبِعًا لهواه، مخالفا لقواعد السلف وأصولهم؟ فالسلف كانوا يَزِنُون الناس بما عندهم من الحق، فصاحب الكفر، أو البدعة الغليظة المُعْضِلة، ليس كصاحب البدعة الخفية أو الخفيفة، والداعي لبدعته ليس كالمتستر بها، وصاحب الكبيرة ليس كصاحب الصغيرة، ومَنْ بدعتُهُ في أصول العقيدة المحكمة؛ ليس كمبتدع في المعاملات أو العبادات، والمسائل المختلف فيها… وهكذا.

أما هؤلاء الزائغون عن منهج السلف -في هذه الأمور- كلما كان المرء أَغْلَظَ مخالفةً وانحرافًا؛ كان أَهْوَنَ ممن هو أَخَفُّ مخالفةً، وكلما كان العالم موضع ثقة المسلمين، وله يدٌ بيضاءُ في خدمة السنة، وصَلابةٌ في مواجهة خصومها، لكن ابْتُلِى بمقالة مخالفة لمنهج أهل السنة مع ما هو عليه من صحة معتقد، فقال قولا مخالفا في مسألة خفية؛ لشبهة عَرَضَتْ له؛ كان أَوْلَى بالهجر والتحذير والنيْل من عِرْضِه ليلا ونهارا، بل والتحذير ممن هو قريب منه -فضلا عن أهله وقرابته- كل ذلك وهو أضر من اليهود والنصارى، فضلا عمن دونهم من منحرفي أهل الإسلام، بزعم أنه في موضع الثقة، وسيغتر الناس به، أما اليهود والنصارى فأمرهم واضح!! فيا سبحان الله، ما أعظم أثر الأهواء على النفوس المريضة في قلْب الموازين، وانتكاس الحقائق؛ فاحذروا يا أُولي الألباب، والزموا غرز من آتاهم الله الحكمة وفَصْل الخطاب.

وإذا وردت هذه الكلمة -في حدود ضيقة- عن بعض العلماء؛ فتوسيعها وتمطيطها حتى يُرمى بها أهل الصدق والبلاء الحسن في الدفاع عن الإسلام؛ فلا شك أن هذا لا يفعله إلا جاهل أو صاحب هوى!!

ثم لو سلمنا بصحة هذا الإطلاق في كل أهل البدع؛ فمن هم الذين يستحقون ذلك فيمن يطعن فيهم هؤلاء الغلاة؟! فكلام الأئمة كان في مثل: جهم بن صفوان، وابن أبي دؤاد، وبشر المريسي، ومن كان على شاكلتهم، أمَّا القوم فحَدِّث ولا حرج!! فقد نقلنا كلام العلماء قرنًا بعد قرن، ولكن المخالفين يذكرون الكلمة المحتملة لبعض أهل العلم ويجعلونها قاعدة عامة مطردة، أليس للنفوس حَظٌّ في ذلك؟! ثم إنهم يحصرون هذه الفتاوى على بعض أفراد الجماعات الإسلامية، أما العلمانيون الماكرون، ودعاة الانحلال والكهانة والشعوذة من الصوفيين الخرافيين وغيرهم، فما لم يكونوا من الجماعة الفلانية؛ فلا بأس بتوليتهم!!

هذا، وقد مدح شيخ الإسلام رد الأشاعرة والكُلابية على المعتزلة، وعدَّهم أَخَفَّ ضلالا من المعتزلة، بل ذكر أنهم في البلاد التي يكْثر فيها المعتزلة أنهم أهل السنة هناك، لقُرْبهم من أهل السنة إذا ما قورنوا بالمعتزلة، وذكر أن المعتزلة أخف ضررا من الفلاسفة؛ لأن المعتزلة في النهاية من جملة المسلمين، هذه نظرة العلماء الذين صَفَتْ مشاربهم، وسَلِمتْ نفوسهم من الأهواء وإرضاء الناس بسخط الله، ولذلك حَفِظَ الله كُتُبَهُم وآثَارَهُم، وأما أهل الانحراف فقد ماتوا وهم أحياء!!

هذا بالرغم من أن الأشاعرة في انتسابهم للسنة والتصاقهم بأهل السنة، واشتباه حالهم على الناس، بل عَدِّ كثير من العلماء لهم أنهم من أهل السنة، هم أكثر اشتباها من المعتزلة، فلا أعلم أحدًا من أهل السنة قال: المعتزلة من أهل السنة، ولكن هناك من العلماء من قال: إن الأشاعرة من أهل السنة، وقال بعضهم إن أهل السنة ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

أهل الحديث، والأشاعرة، والماتردية، ومع ذلك ففي الأمر تفصيل ليس هذا موضعه.

* فيقول شيخ الإسلام -رحمه الله- في معرض ذكره لذم السلف لأهل الكلام من الأشاعرة وغيرهم: «فكل متكلم في الإسلام فهو من أهل البدع والأهواء: أشعريًّا كان أو غير أشعري، وذكر ابن خزيمة وغيره أن الإمام أحمد كان يُحَذِّر مما ابتدعه عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب ومن أصحابه كالحارث؛ وذلك لما عَلِمُوهُ في كلامهم من المسائل والدلائل الفاسدة، وإن كان في كلامهم من الأدلة الصحيحة وموافقة السنة ما لا يوجد في كلام عامة الطوائف؛ فإنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة والحديث، وهم يُعَدُّون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة وغيرهم، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة والرافضة ونحوهم»([305]). اهـ

بل دافع عن الأشاعرة لما ذُكِرَ عن أبي إسماعيل الأنصاري صاحب «ذم الكلام» أنه من المبالغين في ذم الجهمية والأشاعرة، فقال كما في «مجموع الفتاوى»([306]): «فَإِنَّهُ مِنْ الْمُبَالِغِينَ فِي ذَمِّ الْجَهْمِيَّة فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ؛ وَلَهُ كِتَابٌ فِي تَكْفِيرِ الْجَهْمِيَّة؛ وَيُبَالِغُ فِي ذَمِّ الْأَشْعَرِيَّةِ؛ مَعَ أَنَّهُمْ مِنْ أَقْرَبِ هَذِهِ الطَّوَائِفِ إلَى السُّنَّةِ». اهـ

وقال في مناسبة أخرى في «مجموع الفتاوى»([307]): «وَأَمَّا «الْأَشْعَرِيَّةُ» فَلَا يَرَوْنَ السَّيْفَ مُوَافَقَةً لِأَهْلِ الْحَدِيثِ، وَهُمْ فِي الْجُمْلَةِ أَقْرَبُ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، وَ «الْكُلَّابِيَة»، وَكَذَلِكَ «الكَرَّامِيَة» فِيهِمْ قُرْبٌ إلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ فِي مَقَالَةِ كُلٍّ مِنْ الْأَقْوَالِ مَا يُخَالِفُ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ». اهـ

ويقول -رحمه الله- في «درء تعارض العقل والنقل»([308]) بعد كلام طويل عن الأشاعرة، وتحذير العلماء منهم: «ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مَساعٍ مشكورة، وحسناتٌ مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يَخْفَى على من عَرَفَ أحوالَهُم، وتكلَّم فيهم بِعِلْمٍ وصِدْقٍ وعَدْلٍ وإِنصُافٍ، لكن لما التبس عليهم هذا الأصلُ المأخوذُ ابتداء من المعتزلة -وهم فضلاء عقلاء-؛ احتاجوا إلى طَرْدِهِ والتزام لوازمه؛ فَلَزِمَهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين، وصار الناس بسبب ذك: منهم من يُعَظِّمهم لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمُّهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل، وخير الأمور أوسطها، وهذا ليس مخصوصاً بهؤلاء، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين، والله تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات، ويتجاوز لهم عن السيئات. [ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ] {الحشر:10}». اهـ

فتأمل هذا التقرير الرائق الصافي، ولم يَقُل -رحمه الله-: «إن الأشاعرة، والكُلابية، والكرامية، اغترارُ الناس بهم أكثر؛ لقربهم من أهل الحديث والجماعة؛ فهم أَضَرُّ على الإسلام والمسلمين من اليهود والنصارى، الذين أمرهم مكشوف مفضوح، والله أعلم!!!

وقال -رحمه الله- في مجموعة من الأشاعرة وغيرهم كما في «درء تعارض العقل والنقل»([309]): «الواحد من هؤلاء لم يُعَظِّمْهُ من يُعَظِّمُهُ من المسلمين إلا لما قام به من دين الإسلام، الذي كان فيه موافقا لما جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم-، فإن الواحد من هؤلاء له مساعٍ مشكورةٌ في نَصْر ما نَصَره من الإسلام، والرد على طوائف من المخالفين لما جاء به الرسول، فَحَمْدُهُم والثَّنَاءُ عليهم بما لهم من السعي الداخل في طاعة الله ورسوله، وإظهار العلم الصحيح الموافق لما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والمُظْهِر لباطل من خالف الرسول، وما من أحد من هؤلاء ومن هو أفضل منه إلا وله غَلَطٌ في مواضع». اهـ

فتأمل وتدبر، واحمد الله على العافية من الفهم السقيم، والانحراف عن الطريق المستقيم!!

* ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن أَعْلامهم: كابن مجاهد، والباقلاني، والإسفراييني، وابن فورك، كما في «مجموع الفتاوى»([310]): «وَفَرِحَ الْكَثِيرُ مِنْ النُّظَّارِ الَّذِينَ فَهِمُوا أَصْلَ قَوْلِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَعَلِمُوا ثُبُوتَ الصِّفَاتِ لِلَّهِ، وَأَنْكَرُوا الْقَوْلَ بِأَنَّ كَلَامَهُ مَخْلُوقٌ؛ فَرِحُوا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي سَلَكَهَا ابْنُ كُلَّابٍ: كَأَبِي الْعَبَّاسِ القلانسي، وَأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، وَالثَّقَفِيِّ؛ وَمَنْ تَبِعَهُمْ: كَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُجَاهِدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي إسْحَاقَ الإسفراييني، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ فورك، وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ، وَصَارَ هَؤُلَاءِ يَرُدُّونَ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ مَا رَدَّهُ عَلَيْهِمْ ابْنُ كُلَّابٍ، والقلانسي، وَالْأَشْعَرِيُّ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ مُثْبِتَةِ الصِّفَاتِ؛ فَيُبَيِّنُونَ فَسَادَ قَوْلِهِمْ: بِأَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَ فِي هَذَا مَنْ كَسْرِ سَوْرَةَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّة مَا فِيهِ ظُهُورُ شِعَارِ السُّنَّةِ: وَهُوَ الْقَوْلُ: بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَأَنَّ اللَّهَ يُرَى فِي الْآخِرَةِ، وَإِثْبَاتُ الصِّفَاتِ، وَالْقَدَرِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أُصُولِ السُّنَّةِ». اهـ

ويقول -رحمه الله- في «النبوات»([311]): «ولكنّ بعضهم أقرب إلى السنة من بعض، وقد يكون هذا أَقْرَبَ في بعض، وهذا أَقْرَبَ في مواضع؛ وهذا لكون أصل اعتمادهم لم يكن على القرآن والحديث؛ بخلاف الفقهاء؛ فإنّهم في كثيرٍ ممّا يقولونه إنّما يعتمدون على القرآن والحديث، فلهذا كانوا أكثر متابعة، لكن ما تكلّم فيه أولئك أَجَلُّ، ولهذا يُعظَّمون من وَجْهٍ، ويذمُّون من وَجْهٍ؛ فإنّ لهم حسناتٍ، وفضائلَ، وسعياً مشكوراً، وخطأهم بعد الاجتهاد مغفورٌ». اهـ، فتأمل -يرحمك الله-.

* وعندما قارن شيخ الإسلام -رحمه الله- بين الخوارج والرافضة، وقال في الرافضة: كَذِبُهم واضح، وبدعتهم واضحة عند الناس، ولا تَنْفُق شبهاتهم على أحد من الناس بخلاف الخوارج؛ فإن الخوارج أهل صِدْق، وأهل تديُّن في الظاهر وفي الباطن، وشُبهتهم تَنْفُقُ على كثير من الناس، ومع ذلك لما سُئل عن الفرقتين مدح الخوارج، وذم الروافض بأنهم أهلُ كَذِبٍ وافتراء وولاء لأعداء الإسلام، فلماذا لم يطرد هذه العِلَّة العليلة التي عند هؤلاء الغلاة، فيقول: الخارجيّ أضرُّ على الإسلام والمسلمين من الروافض؟!

فقد قال -رحمه الله- في «منهاج السنة النبوية»([312]): «وَيَقُولُ الْخَارِجِيُّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي يُرَوَّجُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَعْظَمَ مِمَّا يُرَوَّجُ كَلَامُ الرَّافِضَةِ فِي الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ ; لِأَنَّ شُبَهَ الرَّافِضَةِ أَظْهَرُ فَسَادًا مِنْ شُبَهِ الْخَوَارِجِ وَالنَّوَاصِبِ، وَالْخَوَارِجَ أَصَحُّ مِنْهُمْ عَقْلًا وَقَصْدًا، وَالرَّافِضَةُ أَكْذِبُ وَأَفْسَدُ دِينًا». اهـ

فالخوارج أصح منهم عقلًا وقصدًا، والرافضة أكذب قولًا وأفسد دينًا، وقال -رحمه الله تعالى-: فالرافضة أَكْذَبُ من كلِّ الطوائف باتفاق أهل المعرفة بأحوال الرجال، اهـ. ومع ذلك فإنه يفضِّل الخوارج عليهم، فلماذا لم يقل: الرافضة طريقتهم واضحة، وبدعتهم مكشوفة مفضوحة لا يختلف فيها أحد، أما الخوارج فأمرهم أخطر؛ لصِدِق لهجتهم وتديُّنهم واغترار الناس بهم؟!

نعم، في الأمر تفصيل، ويُعْمل بكل قول في موضعه حسب الغالب من المصلحة والمفسدة إذا امتزجتا!!

فهذا الإطلاق الذي يسلكه الغلاة، وهذه المعاملة التي ليس لها ضوابط ولا قيود؛ ليست مأخوذة من منهج السلف، فهنالك فتاوى للسلف يُعْمَل بها وهي مقيَّدة بقيدين: لا يُتوسَّع فيها، ولا يُقاس عليها، وإلا استنبط الناس منها وقاسوا عليها ما لا نهاية له؛ لأن هناك كلاما للسلف يُنَزل منزلة قضايا الأعيان، فيكون حُكْمُها في نظيرها بقيودها، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- على خلاف هذه الفتوى، فَيُجْمَع بين هذا وذاك، ويُوضَع كُلُّ شيءٍ في موضعه.

* قال شيخ الإسلام -رحمه الله- كما في «مجموع الفتاوى»:

«وَكَثِيرٌ مِنْ أَجْوِبَةِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ خَرَجَ عَلَى سُؤَالِ سَائِلٍ قَدْ عَلِمَ الْمَسْئُولَ حَالَهُ، أَوْ خَرَجَ خِطَابًا لِمُعَيَّنِ، قَدْ عَلِمَ حَالَهُ؛ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ قَضَايَا الْأَعْيَانِ الصَّادِرَةِ عَنْ الرَّسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُهَا فِي نَظِيرِهَا؛ فَإِنَّ أَقْوَامًا جَعَلُوا ذَلِكَ عَامًّا؛ فَاسْتَعْمَلُوا مِنْ الْهَجْرِ وَالْإِنْكَارِ مَا لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ، فَلَا يَجِبُ وَلَا يُسْتَحَبُّ، وَرُبَّمَا تَرَكُوا بِهِ وَاجِبَاتٍ أَوْ مُسْتَحَبَّاتٍ، وَفَعَلُوا بِهِ مُحَرَّمَاتٍ، وَآخَرُونَ أَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ؛ فَلَمْ يَهْجُرُوا مَا أُمِرُوا بِهَجْرِهِ مِنْ السَّيِّئَاتِ الْبِدْعِيَّةِ؛ بَلْ تَرَكُوهَا تَرْكَ الْمُعْرِضِ؛ لَا تَرْكَ الْمُنْتَهِي الْكَارِهِ، أَوْ وَقَعُوا فِيهَا، وَقَدْ يَتْرُكُونَهَا تَرْكَ الْمُنْتَهِي الْكَارِهِ، وَلَا يَنْهَوْنَ عَنْهَا غَيْرَهُمْ، وَلَا يُعَاقِبُونَ بِالْهِجْرَةِ وَنَحْوِهَا مَنْ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ عَلَيْهَا؛ فَيَكُونُونَ قَدْ ضَيَّعُوا مِنْ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ مَا أُمِرُوا بِهِ إيجَابًا أَوْ اسْتِحْبَابًا، فَهُمْ بَيْنَ فِعْلِ الْمُنْكَرِ، أَوْ تَرْكِ النَّهْيِ عَنْهُ، وَذَلِكَ فِعْلُ مَا نُهُوا عَنْهُ، وَتَرْكُ مَا أُمِرُوا بِهِ؛ فَهَذَا هَذَا، وَدِينُ اللَّهِ وَسَطٌ بَيْنَ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ»([313]). اهـ

هذا؛ وإطلاق الغلاة أن من اختلف في تبديعه أضر ممن اتفقوا على تبديعه؛ باعتبار أن الثاني أمره مكشوف، ولا يغتر به أحد، بخلاف الأول، فأمره غامض، والضرر به أكثر؛ هذا إطلاق يقلب الموازين، كما سبق، وهذا:

عبد الرزاق الصنعاني -رحمه الله- اختُلِفَ في أمره: هل هو شيعي أم لا؟

فالإمام أحمد قال: لم نجد هذا منه، إنما هو رجل تُعْجِبُهُ الأخبار.([314])

وغيره من أهل العلم قال: هو شيعي.([315])

فهل كل من اختُلف فيه: هل هو مبتدع أم لا؟ يكون أضر على الإسلام والمسلمين من المبتدع المتفق على أنه مبتدع، وكل من اختُلف في كُفْره: هل هو كافر أم لا؟ يكون أضر على الإسلام والمسلمين من ذاك الكافر الجلي، الذي لا خلاف فيه؟!.

هذا التوسُّع الذي يسلكه الغلاة فيه فتحُ بابٍ لشر كبير -نسأل الله العفو والعافية- والأمر كما قال شيخنا الألباني -رحمه الله-: «إن هذا غلوٌّ جديد، وحزبية جديدة»!! فأقول: إن الله -عز وجل- يقول [ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ] {الطلاق:3}، وهؤلاء قلبوا الأمور، فجعلوا الصغير كبيرًا، وجعلوا الخفي جليًّا، وهوّنوا من ضرر الذي يستحق أن يُحْذَر منه أَشَدَّ الحذر، بزعمهم أن هذا أمره واضح؛ فلا تشتغل به، لكن عليك أن تشتغل بهذا الخفي المتستر -وإن كانت بدعته أقل، أو لم يكن مبتدعًا أصلا إلا في نظرهم الأَعْشَى- فيا لله العجب العُجاب!!

ومع ما تكلَّم به شيخ الإسلام في المقارنة بين الخوارج والرافضة، إلا أنه قال في «منهاج السنة»([316]): «والخوارج أكثر وأَعْقَل وأَدْيَن من الذين ادَّعوا في عليٍّ الإلهية».

قال: «وثبت بالإجماع من علي ومن سائر الصحابة والعلماء: أن الخوارج خيرٌ من الغالية»، يريد غلاة الرافضة، وهذا حكم لهم في الدنيا والآخرة، فلا خلاف في أن المسلم خيرٌ من الكافر، وأن صاحب البدعة الخفيفة خيرٌ من صاحب البدعة الجلية الغليظة.

فالسلف إذا قال أحدهم كلمة في موضع ما على خلاف الأصل العام؛ لا نجعلها نصًّا وقاعدة عامة، وكأنه آية قرآنية أو حديث نبوي، ونقيس عليها، ونتوسَّع فيها توسَّعا يأتي على بقية كلام السلف بالإهدار والنسْف، والله المستعان.

* وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- كما في «الدُرر السنية في الأجوبة النجدية»([317]): «اعلم -رحمك الله- أن كلام السلف في معاداة أهل البدع والضلالة، فإذا كان هذا كلامَ السلف وتشديدَهم في معاملة أهل الضلالات، ونَهْيَهُم عن مجالستهم؛ فما ظنك بمجالسة الكفار والمنافقين، وجفاة الأعراب، الذين لا يؤمنون بالله ورسوله، والسَّعْيِ في مصالحهم، والذَّبِّ عنهم، وتحسينِ حالهمِ»؟!

فهذا يدل على أنه يرى أن مجالسة الكفار والمنافقين -في الأصل- أضر على المسلم من مجالسة أهل البدع، وإن كان من السلف من قال: «لأن أجالس يهوديًّا أو نصرانيًّا، أو أن أجلس عند يهودي أو نصراني؛ أحب إليَّ أو أهون عليَّ من أن أَجْلس مع مبتدع» أو قال كما روى ابن بطة في «الإبانة الكبرى»([318]) عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: «لَأن أُجَاوِرَ يَهُودِيًّا، وَنَصْرَانِيًّا، وَقِرَدَةً، وَخَنَازِيرَ؛ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُجَاوِرَنِي صَاحِبُ هَوًى يُمْرِضُ قَلْبِي».

فهذا محمول على أنه يرى من نفسه أن جلوسه عند رجل يأمن على نفسه الفتنة منه -وإن كان أشد انحرافا- أَخَفُّ من جلوسه عند رجل لا يأمن على نفسه الفتنة من مجالسته -وإن كان أقلَّ انحرافاً -، دون أن يكون هذا حُكْماً عامًّا مطلقًا في جميع الحالات والانحرافات، ومع كلِّ الأشخاص، وفي جميع الأزمنة والأمكنة!! ثم ندعوا الناس على إِثْر ذلك إلى الجلوس مع اليهود والنصارى، وتوليتهم أعمالًا مهمةً في دولة السنة، دون أهل البدع المسلمين!! فهذا إطلاق غير صحيح، والعلماء يطلقون هذا الكلام، في أوقات وحالات معينة، ومع أشخاص مُعَينين، وقد يخرج هذا منهم على سبيل المبالغة في ذم المبتدع، ولا شك بأن هذا تفصيل من جهة معينة لا مطلقاً؛ فإن المسلم على ما فيه أفضل في الدنيا والآخرة من الكافر، والسلف يطلقون ذلك ولهم فيه مقاصد وقيود، بيَّنُوها في مواضع أخرى، وقد نَقَلْتُها في عِدَّةِ مواضع من كتبي – ولله الحمد -، بخلاف الغلاة الذين يطلقون هذه المقالات الشنيعة على مشاهير أهل السنة، ويوجبون هجرهم والتشنيع عليهم بكل الوسائل، فأين الثَّرى من الثُّريَّا؟!

بل إن شيخ الإسلام -رحمه الله- لم يُفضِّل اليهود والنصارى على الرافضة -وفي هذا تفصيل لا يَخْفَى-.

فقد سُئِلَ – رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:

عَنْ رَجُلٍ يُفَضِّلُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى عَلَى الرَّافِضَةِ؟

فَأَجَابَ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ، كُلُّ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ كُلِّ مَنْ كَفَرَ بِهِ؛ وَإِنْ كَانَ فِي الْمُؤْمِنِ بِذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ الْبِدْعَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِدْعَةَ الْخَوَارِجِ وَالشِّيعَةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ أَوْ غَيْرِهِمْ؛ فَإِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى كُفَّارٌ كُفْرًا مَعْلُومًا بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ. وَالْمُبْتَدِعُ إذَا كَانَ يَحْسَبُ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلرَّسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَا مُخَالِفٌ لَهُ؛ لَمْ يَكُنْ كَافِرًا بِهِ؛ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ يَكْفُرُ؛ فَلَيْسَ كُفْرُهُ مِثْلَ كُفْرِ مَنْ كَذَّبَ الرَّسُولَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. اهـ([319]) فتأمل هذه الدقة!!

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه- في «منهاج السنة»([320]): «والرافضة فيهم مَنْ هُو مُتَعَبِّد مُتَوَرِّعٌ زاهدٌ؛ لكن ليسوا في ذلك مثلَ غيرهم من أهل الأهواء، المعتزلة أَعْقَلُ منهم وأَعْلَمُ وأَدْيَنُ، والكذبُ والفجورُ فيهم أَقَلُّ منه في الرافضة، والزيديةُ من الشيعة خيرٌ منهم، وأَقْرَبُ إلى الصِّدْق والعَدْل والعلم.

وليس في أهل الأهواء أَصْدَقُ ولا أَعْبَدُ من الخوارج، ومع هذا فأهلُ السنة يستعملون معهم العدل والإنصاف، ولا يظلمونهم؛ فإن الظلم حرامٌ مطلقاً، بل أهل السنة لكل طائفة من هؤلاء خيرٌ من بعضهم لبعض، بل هم للرافضة خيرٌ وأَعْدَلُ من بعض الرافضة لبعض، وهذا مما يعترفون هم به، ويقولون: أنتم تُنْصِفُوننا، مَا لَا يُنْصِفُ بعضُنا بعضًا.

وهذا؛ لأن الأصل الذي اشتركوا فيه أَصْلٌ فاسد، مَبْنيٌّ على جَهْل وظُلْم، هم مشتركون في ظُلم سائر المسلمين، فصاروا بمنزلة قُطَّاع الطريق المشتركين في ظُلْم الناس، ولا ريب أن المسلمَ العالمَ العادلَ أعدلُ عليهم وعلى بعضهم من بعض) وقال: (والخوارج يُكَفِّرون أهلَ الجماعة، أي أهلَ السنة والجماعة، وكذلك أكثر المعتزلة يُكَفِّرون من خالفهم، وكذلك أكثر الرافضة.

ومن لم يُكَفِّر؛ فَسَّقَ، وكذلك أكثرُ أهلِ الأهواء يبدِّعوننا: يبتدعون رأيًا، ويُكَفِّرون من خالفهم فيه، أما أهل السنة يَتَّبِعُون الحق من ربهم، الذي جاء به الرسول -عليه الصلاة والسلام- ولا يُكَفِّرون من خالفهم فيه، بل هو أَعْلَمُ بالحق وأَرْحَمُ بالخلق، كما وصف الله -سبحانه وتعالى- به المسلمين، بقوله: [ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ] {آل عمران:110}.

* قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: «كنتم خير أمةٍ للناس»([321] وأهل السنة نقاوة المسلمين؛ فهم خير الناس للناس» اهـ.

* وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «إن الرافضة والجهمية ذهبوا إلى بلاد الكفار، ودَعَوْا الكفارَ إلى الإسلام؛ فدخَلَ بعضُ الناس في الإسلام، وتَجَهَّموا وتَرَفَّضُوا على معتقد مشايخهم الذين أَسْلَموا على أيديهم) قال: (ولا شَكَّ أن هذا أَفْضَلُ من بقائهم على الكُفر) فتأمل كلامه -رحمه الله- وانظر إلى حال من حولك من أهل زماننا، واعلم أن من ضلَّ بعد هُدًى؛ فإنه مخذول، ولا يضر إلا نفسه -إن شاء الله تعالى-.

السؤال العاشر: بارك الله فيكم، هناك من يقول: لا نستفيد من المخالف وإن جاء بحقٍّ؛ فإن الحق الذي عند أهل السنة يكفينا، فالسؤال: هل هناك ضوابط بالنسبة للاستفادة من المخالفين، أم لا؟

الجواب: إطلاق هذا -كما مَرَّ بنا- صُوَرة من صُوَر الغُلو، وكلامنا في هذه المادة العلمية في التحذير من الغُلو بجميع صُوَره، فالمخالف يُستفاد منه بشروط، وقد تكلمنا على هذا، ونقلتُ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كما في «مجموع الفتاوى».([322])

وتكلمتُ على هذا بشيء من التوسُّع هنا -كما سبق- وفي بعض المواضع من الأشرطة ومن الكتب الأخرى.

والخلاصة: أن الحق يُقبَل من كل أحد، وأنه يُتعاوَن على البر والتقوى مع كل أحد، فأي أحد يدعونا إلى التعاون على البر والتقوى في مصلحة الإسلام بتقدير أهل العلم والعدل؛ أَجَبْناه، فإن دعانا إلى منكر أو مفسدة في الدين والدنيا، تَرَكْناه بعد نُصْحِه وتوجيهه إلى الخير ما أمكن.

فإذا كانت المصلحة راجحة أو غالبة أو متيقنَة؛ فنحن نفعل ذلك، وإلا فلا، ولذلك ضوابط قد سبق ذكرها بما يُغْني عن إعادة ذكرها هنا، والله أعلم.

السؤال الحادي عشر: كما تعلمون في هذه الأيام ابتُليَتْ الدعوةُ بأناس يُضَخِّمون الأخبار، فمرة يُشَنِّعون على المخالف، ويأتون بالكلمات الفظيعة عليه، فنقول: ما رأيكم فيمن يفعل هذا الفعل؟ ويتكلم على المخالف في مسألة يسيرة، وكأنه أتى بشيءٍ كُفْري، والعياذ بالله؟

الجواب: نقول كما قال الله -عز وجل-: [ﭨ ﭩ ﭪ ] {الأنعام:152}، وهذا قد مَرَّ قبل قليل من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية بتوسع، وكذا من كلام غيره من العلماء السابقين واللاحقين، ومن لم يكن كذلك؛ فليس من أهل العدل، ولا يجوز له أن يتكلم في الرجال، وقد مر بنا أن شيخ الإسلام قد استدل بالحديث الذي أخرجه أبو داوود وغيره أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ»، وذكر أن اللذيْن في النار هما: الرجل الذي يَعْلَمُ الحق ويَقْضِي بخلافه، والثاني الذي يَقْضِي بجهل، وأما القاضي الذي في الجنة: فهو الذي عرف الحق وقضى به، ويقول شيخ الإسلام معقبا على الحديث: فإذا كان القاضي في الدرهم والدينار بجهلٍ يَدْخُل النار؛ فما ظَنُّك في الذي يَقْضي ويَحْكُم على الطوائف والرجال والعقائد والمِلل والمقالات بجهل؟!!([323])

ثم لماذا نتورط في الإكثار من الاشتغال بالجَرْح والتعديل؟!

وكأننا ما طلبنا العلم إلا من أجل أن نُدْخل هذا في السنة، ونُخْرج ذاك منها؟! فأين الدعوة إلى الله -عز وجل- القائل: [ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ] {النحل:125}، أين الدعوة إلى الله والمجادلة بالتي هي أحسن؟ أين الرد على أهل البدع بعلم وحلم؟ أين بيان الحق؟ أين عَرْضُ الدين على الناس بأسلوب حسن؛ حتى يدخلوا في دين الله أفواجا؟!! أين تزكية النفوس، وتربية القلوب والأهل والأولاد على عقائد وآداب هذا الدين؟ أين التصفية والتربية؟ أين الدعوة العلمية السلوكية القائمة على الصدق والعدل والأمانة ومكارم الأخلاق، التي تجعل الناس يقولون: إن دينا هذا نِتاجُهُ وأثرُه على أهله؛ لدينُ حَقٍّ ورُشْدٍ، فتنشرح صدورهم للدخول فيه والدعوة إليه؟!.

لقد شُغِل هؤلاء الناس -والعياذ بالله- عن هذه المهمة العظيمة، وذهبوا لتصنيف الناس والحُكْم عليهم، فيُصَنِّفون الناس: هذا أبيض وهذا أسود، هذا أحمر وهذا أَغْبَر، هذا صافٍ وهذا فيه غبَش، وهذا خرج من السنة، وهذا على الباب أو على العتبة، وما أَقْرَبَهُ أن يَخْرُج، وهذا سيخرج بعد فترة، وهذا لعله يخرج قريبًا!! كل هذا -والعياذ بالله- من الجهل، ونسبة الباطل إلى هذا الدين، وهذا جزاء من ترك ما خلقه الله من أجله [ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ] {الذاريات:56} واشتغل بما لا يجب عليه ولا يستحب منه؛ فإن الحكم على الناس واجب العلماء العاملين الصادقين أهل الاجتهاد والفهم، وليس مهمة كل من دخل في الإسلام حديثا، أو أراد أن يطلب العلم، كما رأينا بعض الأوربيين عندما أسلم، قال: فلان مبتدع، وفلان حزبي، وفلان احْذَروا منه -وإن كان يتكلم في أحد علماء المسلمين-… إلى غير ذلك، مما يجعل قلبه فارغًا من الصفات الحميدة، ويجعله -والعياذ بالله- مُعَرَّضًا لكيد الشيطان، وربما ارتد مرة أخرى!! هذه ثمرة هذه المناهج المنحرفة، فاحذروا يا أولي الألباب!!

وإن كان أهل الجرح والتعديل -حقًّا- سيفًا من سيوف الله المسلولة على أهل النفاق والزندقة، والضلالة والهوى، والغفلة وقلة الإتقان، لكن الذي يُمسك بهذا السيف هو الفارس الطعان الذي لا يُخْرِجه من غمده إلا بحق، أما الأحمق الذي يرمي به القاصي والداني، والمحب والشاني؛ فَيُنْزَع السيف من يده، وتُعْطَى القوسُ باريها!!

السؤال الثاني عشر: بارك الله فيكم. كما تعلمون أن الكلام قد كثر في الجمعيات الخيرية، فهناك من يقول: إنها منظمات ماسونية، ويُطلق التحريم فيها، وهناك من أَطْلَقَ الجواز -وإن كانت فيها مخالفات ظاهرة- فما هو القول الفصْل في حُكْم الجمعيات الخيرية، بارك الله فيكم؟

الجواب: الجمعيات الخيرية فيها تفصيل، وهذا الذي أدركنا عليه العلماء، فإذا كانت الجمعية تعين أهل التوحيد والسنة على الحق، وعلى نُصرة الكتاب والسنة؛ فهذا عملٌ خيري، داخلٌ في عموم قوله تعالى: [ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ] {المائدة:2}، ويُشْكَرون على ذلك، أما إذا كان هذا العمل تعاونًا على نشر الباطل، ومحاربة الحق، أو نشر المقالات الفاسدة، ودعمها، وتقوية شأنها وشوكتها، والانتصار لأهل البدع ضد أهل السنة؛ فهذا عملٌ مُحَرَّمٌ وداخلٌ في قوله تعالى: [ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ]، ويكون من الإثم والعدوان الذي نُهينا عنه بهذه الآية، فالآية ذكرت هذا وذاك، [ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ]، فإطلاق أن الجمعيات الخيرية كلَّها محرَّمة، أو إطلاق أنها كلَّها صحيحة وعلى الجادة؛ هذا وذاك غير صحيح.

أما هذا المسرف الذي يقول في جمعية تكفل أيتام أهل السنة، وعلماءهم، وحلقات العلم فيهم، وتَبْنِي المساجد لنشر التوحيد، ومحاربة البدع والخرافات: هي من المنظمات الماسونية؛ فهذا كلام من لا يعرف ما يخرج من رأسه، وهذا كلام الجهلة، أما أهلُ العلم والتُقى؛ فإنهم يُنْصِفُون ويتكلمون بعدلٍ وإنصاف، فَيُفَصّلون في موضع التفصيل، ويُجْملون في موضع الإجمال، ومن كان موفَّقا في الفهم، قاصدا بكلامه وجه الله، متحريا طريقة العلماء، أهل العقيدة الصحيحة؛ فإن الله يزيده هدى وتوفيقًا، كما قال تعالى: [ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ] {محمد:17} وأما أهل الإسراف الذين ينطلقون من أهوائهم، وتقليدهم مشايخهم الغلاة -إما عن قناعة بأنهم أهل للتقليد، أو خوفا منهم، ومن تحذيرهم ممن خالفهم- فهؤلاء لا يزدادون إلا زيغا، كما قال تعالى: [ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ] {الصف:5}.

وكذلك إذا كانت الجمعية تكفل رجالا وأعمالًا يُفَرِّقون صفوف أهل السنة، ويثيرون الخلافات التي تؤدي إلى فساد ذات البين، وهي حالقة الدين؛ فهذا عملٌ غير جائز، أما القائم على هذا العمل ففيه تفصيل: هل هو متأول مجتهد يقصد الوصول إلى الحق -وهو ممن يجوز له الاجتهاد في هذا الباب- فأجْرُهُ على قدْر صِحَّة قَصْده، وحُسْن فهمه، ورسوخ علمه، وإلا كان جاهلًا، ليس أهلًا لأن يُتَّبَع في قوله واجتهاده، ويكون آثمًا على قدر ما أَحْدَثَه في صفوف أهل السنة من تهارُجٍ وفتنة، وذلك إذا أُقيمت عليه الحُجَّة، فأصَرَّ على قوله بعدما أُزِيلتْ شُبهته، والله أعلم.

وهذا هو الذي عليه أهل العلم، فقد جاء في «مجلة البحوث الإسلامية» وهي مجموعة أسئلة وُجِّهَتْ لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمة الله عليه– فكان من جملة كلامه أنه قال:

«والجمعيات إذا كَثُرتْ في أي بلد إسلامي من أجل الخير والمساعدة والتعاون بين المسلمين، دون أن تختلف أهواء أصحابها؛ فهي خيرٌ وبركة، أما إذا كانت كما جاء في السؤال كل واحدة تُضَلِّل الأخرى، وتَنْقُد أعمالَها؛ فإن الضرر بها حينئذٍ عظيم، والعواقب وخيمة.

فالواجب على علماء المسلمين توضيحُ الحقيقة، ومناقشةُ كل جماعة أو جمعية، ونُصْحُ الجميع بأن يسيروا في الخط الذي رسمه نبينا محمد -عليه الصلاة والسلام- ومَنْ تجاوَزَ هذا، أو اسْتَمَرّ في عناده لمصالح شخصية، أو لمقاصد لا يَعْلَمُها إلا الله تعالى؛ فإن الواجبَ التشهيرُ به والتحذيرُ منه، ممن عَرَفَ الحقيقة؛ حتى يَتَجَنَّبَ الناسُ طريقَهُم.

وحتى لا يَدْخُلَ معهم من لا يَعْرِفُ حقيقةَ أَمْرِهم، فَيُضِلُّوه ويَصْرِفُوه عن الطريق المستقيم، الذي أَمَرَنا الله -سبحانه وتعالى- باتباعه، بقوله -جل وعلا-: [ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ] {الأنعام:153}، الواجب: أن الناس يَدْعون إلى كتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- ومن خالف ذلك؛ يُنْصَح إلى أن يرجعَ عن مخالفته، ويَقْتَرِبَ للحق، أو من الحق الذي أُمِرَ به، بارك الله فيكم»([324]). اهـ.

* وفي «مجموع فتاوى ومقالات متنوعة» لسماحة الشيخ ابن باز، (2/335) تكلم -رحمه الله- على جهود الحكومة السعودية -وفقهم الله- في نشر الخير والأعمال الخيرية، وذكر الأعمال الجليلة للحكومة في دعم قضايا المسلمين: قال: «وإعانة مؤسساتهم ومدارسهم وجمعياتهم، والدعاة إلى الله في كل مكان.

فجزاها الله تعالى عن ذلك خيرًا، وبارك في أعمالها، وزادها مِنْ فَضْلِهِ، ونَصَرَ بها الدعوة الإسلامية في كل مكان…» إلى غير ذلك.

فالشاهد من هذا: أنه -رحمه الله- يمدح هذا العمل، من الحكومة السعودية -وفقها الله لكل خير في الدنيا والآخرة وجميع الحكومات الإسلامية في جميع البلاد- في مساعدة الجمعيات والمؤسسات التي تخدم السنة، والجهلة المخالفون للعقل والنقل يعدُّون الجمعيات كلها من المنظمات الماسونية!! نعم، بعض القائمين على بعض هذه الجمعيات لا يخدم إلا توجهات معينة، ويستحوذ على كل شيء لحزبه وجماعته، ويحذر من الدعوات الأخرى التي هي أصْفى من دعوته، وأَقْرَبُ إلى السنة، ومنهم من يوالي ويعادي على أفكاره؛ فهذه حزبية مقيتة، وعصبية جاهلية، تُفْسد العمل، وتُقَطّع الأواصر، وتُوغِرُ الصدور، وتزرع الأحقاد والتنافس المذموم في القلوب، وتشْغلُ العاملين في الدعوة عن الهدف الأسمى، وتُكثِّر الجبهات على الدعوة وأهلها، وتُهدد تماسُكَ الصفوف، وتبدِّد الطاقات والثمرات، وقابلهم من الجهة الأخرى من عاملهم بمثل ذلك أو أقلّ أو أكثر، ونحن نُشْهِدُ الله أن هذا كله من أي فريق -انتسب إلى دعوتنا أو إلى غيرنا- ويعمل هذا؛ فإنه ليس قدوة لنا، ولا حجة علينا، وندعوا الجميع أن يفيقوا من سُباتهم، ويتقوا الله في أنفسهم ودعوتهم، وإلا فالله -عز وجل- سينصر دينه بهم أو بغيرهم، كما قال تعالى: [ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ] {محمد:38}، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

وواقع سماحة الشيخ ابن باز -رحمه الله- في نصرة المؤسسات الخيرية في كل مكان، ودعمها، والشفاعة له، ونصح أهلها القائمين عليها أشهر من أن يُذْكَر.

وقد جاء في «قمع المعاند» للشيخ مقبل -رحمة الله عليه- قال: «أما الجمعية الخيرية؛ فهذا أمر مرغَّبٌ فيه، والله -سبحانه وتعالى- يقول: [ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ] {المائدة:2}، وليس الخلاف بيننا وبينهم من أجل الجمعية التي فيها الحث على بناء المساجد، وكفالة اليتيم والمحاويج، وفعل الخير، فهذا أمرٌ مُرَغَّبٌ فيه، فالشاهد إنما نقول: إننا نخالف من يجعل الجمعية وسيلةً لدعم الدعوة الحزبية المخالفة للكتاب والسنة.

أما أصل العمل؛ فأمرٌ لا بأس بذلك، والناس إذا اجتمعوا على أمرٍ مباح، أو أمرٍ مستَحب، أو أمر فيه خير، يؤول على المسلمين بخير؛ فلا شيء في ذلك، لكن أن يُتَّخَذَ هذا قطاراً، يتَّخِذَ الأعمال الخيرية والإغاثية قطارًا، ثم من ورائها تكون أعمال الحزبية أو الأعمال المخالفة؛ فهذا هو المنبوذ أو المرفوض»([325]).

* وجاء في «تحفة المجيب»([326]) للشيخ مقبل -رحمه الله- عندما تكلم بعضهم مع الشيخ -رحمه الله- بأنه سيساعده في كفالة طلابه ولكن بشرطٍ، فقال له الشيخ -رحمه الله-: «إن شِئتم أن تساعدوا الدعوةَ بدون شَرْطٍ ولا قَيْدٍ؛ فَعَلْتُم، وإن كان هناك شروط؛ فَيُغْنِينا الله -عز وجل- عن مساعداتكم»

والحق أنه قد أصبح كثير ممن ينتمي للدعوة السلفية عنده حساسية مُفْرِطة من هذه الحروف: «ج» و «م» و «ع» و «الياء» و «التاء»، وهي حروف كلمة: «جمعية» فما أن يسمعها بعضهم؛ إلا ويمتعض وينتفض، وتدور عينه في رأسه، وتنتفخ أوداجه، ويحمرّ وجهه، كأنما فُقِئ فيه حَبُّ الرمان، ويصيح قائلا: هذه حزبية، هذه بدعة، هؤلاء حزبيون ضالون، اهجروهم واهجروا من لم يبَدِّعْهم ويَهْجُرْهم!!!

هذا، وكثير منهم يتعامل مع جمعيات بصفة مباشرة أو بواسطة، حتى يُسيِّروا أعمالهم ومراكزهم، أما الجمعيات التي تساعد غيرهم؛ فهي حزبية وضلالة، فالله المستعان من الكيل بمكاييل مضطربة غير مطردة!!

وكما توجد عندهم حساسية من كلمة «جمعية» توجد هذه الحساسية وأشد من كلمة «حزبية» وكلمة «تنظيم» فإذا أراد أحدهم أن يقول في محاضرته: لا بد من تنظيم أمورنا في مراكز دعوتنا؛ فإنه يَسْعى جاهدًا لإبدال كلمة «تنظيم» بغيرها، فيقول مثلًا: لا بد أن نُرتب أمورنا، أو نُنَسِّق مسيرتنا ودعوتنا، هذا ليَفِرَّ من قوله: «نريد أن ننظِّم أمورنا» مع أنه لا معاداة بين أهل الحق وشيء من الحروف الأبجدية؛ فإنها حروف تدل على المعاني فقط، وهذا كله من كراهية ما لم يكرهه الله -عز وجل- ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- والله المستعان.

وبدل كلمة «جمعية» لك أن تقول عندما تتكلم معهم: «المؤسسة»، أو «الهيئة»، كل ذلك ممكن، أما «جمعية» فلا تُقبل!!!

والحَقُّ: أنه يكفينا منهج العلماء، ويكفينا الكتاب والسنة، ويكفينا طريقة أهل العلم، أما أن نعيش أَسْرَى لأوهام، ولكلام أناس لا يعرفون ما يتكلمون به؛ فلا وألف لا!!!

* فقد قال الشيخ مقبل -رحمه الله- في «غارة الأشرطة»([327]): «أما الجمعيات الخيرية فلا ننكرها بصفة عامة، إنما ننكر منها ما هو داعم للحزبية المقيتة، التي يترتب عليها ولاء وبراء على أمر مخالف للكتاب والسنة، كما ننكر الجمعيات إذا كانت بابا للصوصية، والتلاعب بأموال المسلمين، ووضعها في غير مواضعها الشرعية، وتبديد الزكوات والأوقاف والصدقات المشروطة والكفارات في غير موضعها الشرعي، وفي غير شروط أهلها».

* وقد جاء في «تحفة المجيب» لشيخنا مقبل الوادعي -رحمه الله- (ص 184) قال: «ثم نسمعهم بعد ذلك يقولون: أنتم تَطْعَنون في الجمعيات!! فمن قال لك: إننا نطعن في الجمعيات؟ نعم؛ إننا نطعن في بعض الجمعيات التي اشتملت على حزبيات، وعلى ولاءٍ ضَيِّقٍ، وعلى لصوصية، واختلاس الأموال، هذه هي التي نَطْعَنُ فيها، ونُنَفِّر عنها» اهـ.

(تنبيه) على كل حال: فقد اخترتُ من الأسئلة التي بين يديَّ ما له صلة بمادة هذا الكتاب، وأجبْتُ عنها بما أراه يقرّبني إلى الله -عز وجل- وبما ينصر منهج السلف القائم على الوسطية والاعتدال -بحق لا بادعاءٍ وتشبُّع- وحَرِصْتُ على عَرْضِ الأسئلة التي هي بمثابة شبهات يستخدمها الغلاة؛ لِيُلَبِّسوا بها على الناس دينهم، ولما كان المقام في التحذير من الغلو في التبديع والتفسيق والتكفير؛ عرَضْتُ الأسئلة التي لها صلة بذلك، بخلاف الأسئلة التي حول التفريط والتساهل في أمر الدين، والتي تنادي بالتَّشديد على أهل البدع؛ لأنني بسَطْتُ هذا موَسَّعًا في أكثر من كتاب، مثل: «تحذير أهل السنة والجماعة من أهل البدعة والشناعة»، ولأن المقام ليس مقام سردِ أدلة التشريد بأهل البدع، لكنه مقام علاج من جنح إلى الغلو في ذمِّ البدع وأهلها، والله أعلم.

وقَصَدْتُ من وراء ذلك أيضا بيانَ الحق للناس، وتثبيتَ من وفقه الله لاتباع الحق أمام الشبهات الجارفة، والافتراءات الزائغة، والدعوات الزائغة التي ينعق بها الناعقون، غافلين أو متغافلين عن عاقبة من أطلق للسانه العنان، وخاض بغير خطام ولا زمام في أعراض مصونة، وأنفس معصومة، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون!!

فلا يَطْمَعُ فينا حزبيٌّ أو مبتدع أو منحرف -كيفما كان انحرافه- ولا يَيْأس من عَدْلنا وإنصافنا وتعاوننا معه على البر والتقوى من خالفنا، إذا كان في ذلك المصلحة لدين الله -عز وجل- وهذا كلامٌ نؤكد عليه ونكرره كثيرا؛ حتى لا يقع إخواننا في التفريط بعد أن عافاهم الله من الغُلو والإفراط؛ فإن كثيرًا من الناس يخرجون من جهة إلى الجهة الأخرى، وينتقلون من خندق إلى عكسه أو ضده، وهذا شأن الذين لم يتشبعوا بمنهج السلف.

أما من عرفوا طريقة السلف؛ فإنهم يتركون الخطأ -وإن قلّ- ويرجعون إلى الحق -وإن قال به المخالفون لهم-.

كما أَرَدْتُ بهذا الكتاب بيانَ الحق؛ فأكرر مؤكِّدًا: أن إخواننا الذين يخالفوننا في كثير مما ذكرناه، والذين أصِفهم بأنهم غلاة… إلخ هم عندنا من جملة أهل السنة والجماعة، طالما أنهم متمسِّكون بأصول أهل السنة الكلية، وما اختلفنا فيه في قضايا هي إلى الاجتهاد أقرب منها إلى المسائل الكلية -كما هو اعتقادنا لا اعتقادهم- فإننا نختلف ولا نفترق، ومع أنهم خالفونا وفارقونا، وأطلقوا فينا التبديع والعبارات السيئة، وطعنوا في نوايانا وأسرارنا ومقاصدنا، وأمروا من لا زال يُحْسن بهم الظن -في المسائل المُخْتلف فيها- بهجرنا؛ إلا أننا لا نرضى بهجرهم، وندافع عنهم بقدر ما عندهم من الحق، ونراهم من أهل السنة والجماعة، وأن الله قد نفع بهم في جوانب كثيرة، لكنهم أفسدوا أيضا في عدة جوانب، فغفر الله لنا ولهم، وعفا الله عنا وعنهم، (وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان)؟!

هذا هو سبيل النجاة، فأسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يهدينا إليه جميعًا، وأن يهدي إخواننا سواء السبيل، وأسأله -عز وجل- بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا -وأنا في بيت من بيوت الله عز وجل- أن يبارك في هذه المادة، وأن ينفع بها الإسلام والمسلمين، وأن يجعل لها القبول حيثما ذهبت أو اتجهتْ، وأن ينفع بها الأجيال اللاحقة أيضا من المسلمين إلى يوم الدين، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يغفر لي خطئي وعَمْدي، وهَزْلي وجِدّي، وكلُّ ذلك عندي، وأن يشرح الله صدور من وقفوا على هذه المادة إلى اتباع الحق والصواب، وأن يستعملنا وإياهم في نصرة دين الله حيثما كنا وكانوا، وأن يصلح لي ذريتي، وينفع بهم الإسلام والمسلمين، وأن يغفر لوالديّ وجميع موتى المسلمين، وأن يجعل لي ولأهلي وذريتي والقارئ لهذا الكتاب من أمْرنا يسرا، وأن يكفي البلاد والعباد شرَّ الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجزي كل من ساعد في إخراج هذه المادة وغيرها على هذا النحو، إنه جواد كريم، برٌّ رحيم، وصلى الله وسلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

كبته

أَبُو الْحَسَنِ مُصْطَفَى بْنُ إِسْمَاعِيْلَ السُّلَيْمَانِيُّ

غفر الله له ولوالديه وذريته وأهله وجميع المسلمين

o

p