(فِقْه باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)
- السؤال الحادي عشر: هناك عبارة تحتاج إلى توضيح، قالها العلامة ابن الوزير اليماني ، وهي: «ولو أن العلماء -رضي الله عنهم- تركوا الذبَّ عن الحق، خوفا من كلام الخلق؛ لكانوا قد أضاعوا كثيرا، وخافوا حقيرا». اهـ([427])
الجواب:
هذا من باب الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخشيةَ أن يُفهم كلام ابن الوزير على غير منهج العلماء؛ فأقول:
قد ورد في ذلك حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – عند مسلم : قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – قال: «من رأى منكم منكرًا؛ فليغيره بيده، فإن لم يستطع؛ فبلسانه، فإن لم يستطع؛ فبقلبه؛ وذلك أَضْعَفُ الإيمان».([428])
وسأورد الكلام هنا في فقه هذا الحديث في مسائل:
أولًا:
قال النووي : «قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَلْيُغَيِّرْهُ» فَهُوَ أَمْرُ إِيجَابٍ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَقَدْ تَطَابَقَ عَلَى وُجُوبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، وَهُوَ أيضًا مِنَ النَّصِيحَةِ الَّتِي هِيَ الدِّينُ.
وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلَّا بَعْضُ الرَّافِضَةِ، وَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْمَعَالِي إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، لَا يُكْتَرَثُ بِخِلَافِهِمْ فِي هَذَا، فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَنْبُغَ هَؤُلَاءِ، وَوُجُوبُهُ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ؛ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ : [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ] {المائدة:105} فَلَيْسَ مُخَالِفًا لِمَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ مَا كُلِّفْتُمْ بِهِ؛ فَلَا يَضُرُّكُمْ تَقْصِيرُ غَيْرِكُمْ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: [ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ] {الأنعام:164}، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَمِمَّا كُلِّفَ بِهِ: الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِذَا فَعَلَهُ وَلَمْ يَمْتَثِلِ الْمُخَاطَبُ؛ فَلَا عَتْبَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْفَاعِلِ؛ لِكَوْنِهِ أَدَّى مَا عَلَيْهِ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ لَا الْقَبُولُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ إِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، إِذَا قَامَ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ؛ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِذَا تَرَكَهُ الْجَمِيعُ؛ أَثِمَ كُلُّ مَنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ بِلَا عُذْرٍ وَلَا خَوْفٍ، ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ يَتَعَيَّنُ، كَمَا إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَعْلَمُ بِهِ إلا هو، أولا يَتَمَكَّنُ مِنْ إِزَالَتِهِ إِلَّا هُوَ، وَكَمَنْ يَرَى زَوْجَتَهُ أَوْ وَلَدَهُ أَوْ غُلَامَهُ عَلَى مُنْكَرٍ أَوْ تَقْصِيرٍ فِي الْمَعْرُوفِ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ-: وَلَا يَسْقُطُ عَنِ الْمُكَلَّفِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ لِكَوْنِهِ لَا يُفِيدُ فِي ظَنِّهِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ، فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ: الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ لَا الْقَبُولُ، وَكَمَا قَالَ اللَّهُ : [ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ] {المائدة:99} وَمَثَّلَ الْعُلَمَاءُ هَذَا بِمَنْ يَرَى إِنْسَانًا فِي الْحَمَّامِ أَوْ غَيْرِهِ مَكْشُوفَ بَعْضِ الْعَوْرَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ». اهـ
ثانيًا: معلوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له مراتب:
فيكون باليد، أو اللسان، أو القلب.
أما المرتبة الأولى: فالذي يتولى ذلك باليد من له سلطة نافذة على من يأمره وينهاه، كولي الأمر في دولته، أو الوالد في أسرته، أو العالم المشهور الذي له قبول عند الحاكم والمحكوم، كما فعل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض الحالات والأوقات، فكأنه بمنزلة المأذون له من الحاكم في زمانه([429]).
وليس التغيير باليد كلأً مباحا لكل أحد؛ لأن ذلك يُفضي في الغالب إلى مفسدة أكبر، ويفتح باب الفوضى والرد بالمثل وزيادة، وغير ذلك من المفاسد.
قال النووي : «قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَلَا يَخْتَصُّ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ بِأَصْحَابِ الْوِلَايَاتِ، بَلْ ذَلِكَ جَائِزٌ لِآحَادِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ غَيْرَ الْوُلَاةِ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَالْعَصْرِ الَّذِي يَلِيهِ كَانُوا يَأْمُرُونَ الْوُلَاةَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، مَعَ تَقْرِيرِ الْمُسْلِمِينَ إِيَّاهُمْ، وَتَرْكِ تَوْبِيخِهِمْ عَلَى التَّشَاغُلِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ مِنْ غَيْرِ وِلَايَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ». اهـ([430]([431])
وقال أيضًا: «قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي صِفَةِ التَّغْيِيرِ، فَحَقُّ الْمُغَيِّرِ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِكُلِّ وَجْهٍ أَمْكَنَهُ زَوَالُهُ بِهِ: قَوْلًا كَانَ أَوْ فِعْلًا، فَيَكْسِرَ آلَاتِ الْبَاطِلِ، وَيُرِيقَ الْمُسْكِرَ بِنَفْسِهِ، أَوْ يَأْمُرَ مَنْ يَفْعَلُهُ، وَيَنْزِعَ الْغُصُوبَ، وَيَرُدَّهَا إِلَى أَصْحَابِهَا بِنَفْسِهِ أَوْ بِأَمْرِهِ إِذَا أَمْكَنَهُ، وَيَرْفُقَ فِي التَّغْيِيرِ جُهْدَهُ بِالْجَاهِلِ، وَبِذِي الْعِزَّةِ الظَّالِمِ الْمَخُوفِ شَرُّهُ؛ إِذْ ذَلِكَ أَدْعَى إِلَى قَبُولِ قَوْلِهِ..
كَمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مُتَوَلِّيَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْفَضْلِ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَيُغْلِظَ عَلَى الْمُتَمَادِي فِي غَيِّهِ، وَالْمُسْرِفِ فِي بَطَالَتِهِ، إِذَا أَمِنَ أَنْ يُؤَثِّرَ إِغْلَاظُهُ مُنْكَرًا أَشَدَّ مِمَّا غَيَّرَهُ؛ لِكَوْنِ جَانِبِهِ مَحْمِيًّا عَنْ سَطْوَةِ الظَّالِمِ، فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ تَغْيِيرَهُ بِيَدِهِ يُسَبِّبُ مُنْكَرًا أَشَدَّ مِنْهُ، مِنْ قَتْلِهِ أَوْ قَتْلِ غَيْرِهِ بِسَبَبِه؛ كَفَّ يَدَهُ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الْقَوْلِ بِاللِّسَانِ وَالْوَعْظِ وَالتَّخْوِيفِ، فَإِنْ خَافَ أَنْ يُسَبِّبَ قَوْلُهُ مِثْلَ ذَلِكَ؛ غَيَّرَ بِقَلْبِهِ، وَكَانَ فِي سَعَةٍ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى- وَإِنْ وَجَدَ مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى ذَلِكَ؛ اسْتَعَانَ مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى إِظْهَارِ سِلَاحٍ وَحَرْبٍ، وَلْيَرْفَعْ ذَلِكَ إِلَى مَنْ لَهُ الْأَمْرُ إِنْ كَانَ الْمُنْكَرُ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ يَقْتَصِرَ عَلَى تَغْيِيرِهِ بِقَلْبِهِ، هَذَا هُوَ فِقْهُ الْمَسْأَلَةِ، وَصَوَابُ الْعَمَلِ فِيهَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَالْمُحَقِّقِينَ، خِلَافًا لِمَنْ رَأَى الْإِنْكَارَ بِالتَّصْرِيحِ بِكُلِّ حَالٍ -وَإِنْ قُتِلَ وَنِيلَ مِنْهُ كُلُّ أَذًى- هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَيَسُوغُ لِآحَادِ الرَّعِيَّةِ أَنْ يَصُدَّ مُرْتَكِبِ الكبيرة إنْ لَمْ يَنْدَفِعْ عَنْهَا بِقَوْلِهِ؛ مَا لَمْ يَنْتَهِ الْأَمْرُ إِلَى نَصْبِ قِتَالٍ وَشَهْرِ سِلَاحٍ، فَإِنِ انْتَهَى الْأَمْرُ إِلَى ذَلِكَ؛ رَبَطَ الْأَمْرَ بِالسُّلْطَانِ». اهـ([432])
قال المرُّوذي : قلت لأبي عبد الله – أحمد بن حنبل -: كيف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: باليد واللسان، وبالقلب، وهو أضعف، قلت: كيف باليد؟ قال: يُفَرَّقُ بينهم.
قال: ورأيت عبد الله مَرَّ على صبيان الكُتَّاب يَقْتَتِلون؛ فَفَرَّقَ بينهم.ا هـ([433])
قال ابن الجوزي – تعالى -: «الضرب باليد والرِّجْلِ وغير ذلك مما ليس فيه إشهار سلاح أو سيف: يجوز للآحاد بشرط الضرورة، والاقتصارِ على قَدْرِ الحاجة». ا هـ([434])
وقال ابن الأزرق عندما ذكر أن من المخالفات الافتيات على وليِّ الأمر، قال:
«ومِنْ أَعْظَمِهِ فسادًا تغييرُ المنكر بالقَدْرِ الذي لا يليق إلا بالسلطان». ا هـ([435])
وأما التغيير باللسان: فيكون لأهل العلم والمعرفة الشرعية التامة بحكم الأمر الذي يتكلمون به أمرا أو نهيا، ويكون ذلك -في الجملة- بالتي هي أحسن.
قال النووي : «إِنَّمَا يَأْمُرُ وَيَنْهَى مَنْ كَانَ عَالِمًا بِمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الشَّيْءِ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْمُحَرَّمَاتِ الْمَشْهُورَةِ: كَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالزِّنَا، وَالْخَمْرِ، وَنَحْوِهَا؛ فَكُلُّ الْمُسْلِمِينَ عُلَمَاءُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ دَقَائِقِ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالِاجْتِهَادِ؛ لَمْ يَكُنْ لِلْعَوَامِّ مَدْخَلٌ فِيهِ، وَلَا لَهُمْ إِنْكَارُهُ، بَلْ ذَلِكَ لِلْعُلَمَاءِ». اهـ([436]).
وأما التغيير بالقلب -وهو أدنى مراتب التغيير- وهو: كراهيةُ المخالفة الشرعية فِعْلًا كانت أو تَرْكًا بالقلب، واعتزالُ مكانها إن أمكن، فهذا يستطيعه كل أحد، ولا يجوز تَرْكُهُ، وليس وراء ذلك من الإيمان حَبَّةُ خردل.
قال ابن مسعود -رضي الله عنه- عندما سمع رجلًا يقول: هلك من لم يَأْمُر بالمعروف، ولم يَنْهَ عن المنكر، قال ابن مسعود – رضي الله عنه -: «هَلَكَ مَنْ لم يَعْرِفْ بقلبه المعروفَ والمنكَرَ».([437])
قال العلامة ابن رجب شارحًا هذا الأثر: «يشير إلي أن معرفة المعروف والمنكر بالقلب فَرْضٌ لا يَسْقُطُ عن أحد، فمن لم يَعْرِفُهُ هَلَكَ». ا هـ([438])
ثالثًا: بعض صفات وشروط الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر:
1 – يلزم الآمِرَ الناهِيَ أن يكون عالما بالحكم الشرعي، رفيقًا حليمًا في أَمْرِهِ ونَهْيِهِ.
قال النووي ([439]): «وَيَنْبَغِي لِلْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنِ الْمُنْكَرِ أَنْ يَرْفُقَ؛ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى تَحْصِيلِ الْمَطْلُوبِ، فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ
-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ سِرًّا؛ فَقَدْ نَصَحَهُ وَزَانَهُ، وَمَنْ وَعَظَهُ عَلَانِيَةً؛ فَقَدْ فَضَحَهُ وَشَانَهُ». اهـ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية وقد ذكر حديثًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – ثم قال: «وفي الحديث: مَنْ أَمَرَ بالمعروف، ونَهَى عن المنكر؛ فينبغي أن يكون عليمًا بما يَأْمُر به، عليمًا بما يَنْهَى عنه، رفيقًا فيما يأمر به، رفيقًا فيما ينهى عنه، حليمًا فيما يأمر به، حليمًا في ما ينهى عنه».
قال: «فالعلم قبل الأمر، والرفق مع الأمر، والحلم بعد الأمر، فإن لم يكن عالمًا؛ لم يكن له أن يَقْفُوَ ما ليس له به عِلْمٌ، وإن كان عالمًا ولم يكن رفيقًا؛ كان كالطبيب الذي لا رفق فيه، فَيُغْلِظُ على المريض؛ فلا يَقْبَلُ منه، وكالمؤدِّب الغليظ الذي لا يَقْبَلُ منه الولد، وقد قال الله تعالى لموسى وهارون – عليهما السلام -: [ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ] {طه:44}».
قلت: فإذا كان هذا مع فرعون؛ فكيف بمسلم عَصَى في أَمْرٍ ما؟!
قال : ثم إذا أمر ونهى؛ فلا بد أن يُؤْذَى في العادة؛ فعليه أن يصبر ويَحْلُم، قال الله تعالى: [ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ] {لقمان:17}.
وقد أمر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- بالصبر على أذى المشركين في غير موضع، وهو إمام الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر، فإن الإنسان عليه أولًا: أن يكون أَمْرُهُ لله، وقَصْدُهُ طاعة الله فيما أَمَرَ به، وهو يُحِبُّ صلاحَ المأمور، وإقامة الحجة عليه…». اهـ.([440])
2 – ويُشْتَرَطُ في الآمر الناهي أن تكون غيرتُهُ خالصةً لله لا عن عصبية، أو هوى، أو لشيء دفين في نفسه؛ حتى يظفر بالأجر، ولا يكون متشبعا بما لم يُعْطَ.
3 – كما يُشْتَرَطُ أن يراعِيَ الآمر الناهي مآلاتِ أَمْرِهِ ونَهْيِهِ، فإن كان أَمْرُه أو نَهْيُهُ سيؤول إلى مفسدة أكبر دينا أو دنيا؛ فلا يُقْدِم على ذلك، وله عُذْرُه عند الله.
قال الإمام ابن القيم : «أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – شَرَعَ لِأُمَّتِهِ إيجَابَ إنْكَارِ الْمُنْكَرِ؛ لِيَحْصُلَ بِإِنْكَارِهِ مِنْ الْمَعْرُوفِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَإِذَا كَانَ إنْكَارُ الْمُنْكَرِ يَسْتَلْزِمُ مَا هُوَ أَنْكَرُ مِنْهُ، وَأَبْغَضُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسُوغُ إنْكَارُهُ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ يُبْغِضُهُ وَيَمْقُتُ أَهْلَهُ، وَهَذَا كَالْإِنْكَارِ عَلَى الْمُلُوكِ وَالْوُلَاةِ بِالْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّهُ أَسَاسُ كُلِّ شَرٍّ وَفِتْنَةٍ إلَى آخِرِ الدَّهْرِ، «وَقَدْ اسْتَأْذَنَ الصَّحَابَةُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي قِتَالِ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا، وَقَالُوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ فَقَالَ: «لَا، مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ» وَقَالَ: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ مَا يَكْرَهُهُ؛ فَلْيَصْبِرْ، وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِ» وَمَنْ تَأَمَّلَ مَا جَرَى عَلَى الْإِسْلَامِ فِي الْفِتَنِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ؛ رَآهَا مِنْ إضَاعَةِ هَذَا الْأَصْلِ، وَعَدَمِ الصَّبْرِ عَلَى مُنْكَرٍ؛ فَطَلَبَ إزَالَتَهُ، فَتَوَلَّدَ مِنْهُ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ؛ فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَرَى بِمَكَّةَ أَكْبَرَ الْمُنْكَرَاتِ، وَلَا يَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَهَا، بَلْ لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ، وَصَارَتْ دَارَ إسْلَامٍ؛ عَزَمَ عَلَى تَغْيِيرِ الْبَيْتِ، وَرَدِّهِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ، وَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ – مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ – خَشْيَةُ وُقُوعِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، مِنْ عَدَمِ احْتِمَالِ قُرَيْشٍ لِذَلِكَ؛ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالْإِسْلَامِ، وَكَوْنِهِمْ حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ، وَلِهَذَا لَمْ يَأْذَنْ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى الْأُمَرَاءِ بِالْيَدِ؛ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ وُقُوعِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، كَمَا وُجِدَ سَوَاءٌ.
فَإِنْكَارُ الْمُنْكَرِ أَرْبَعُ دَرَجَاتٍ؛ الْأُولَى: أَنْ يَزُولَ وَيَخْلُفَهُ ضِدُّهُ، الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقِلَّ وَإِنْ لَمْ يَزُلْ بِجُمْلَتِهِ، الثَّالِثَةُ: أَنْ يَخْلُفَهُ مَا هُوَ مِثْلُهُ، الرَّابِعَةُ: أَنْ يَخْلُفَهُ مَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ؛ فَالدَّرَجَتَانِ الْأُولَيَانِ مَشْرُوعَتَانِ، وَالثَّالِثَةُ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ، وَالرَّابِعَةُ مُحَرَّمَةٌ؛ فَإِذَا رَأَيْت أَهْلَ الْفُجُورِ وَالْفُسُوقِ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ، كَانَ إنْكَارُك عَلَيْهِمْ مِنْ عَدَمِ الْفِقْهِ وَالْبَصِيرَةِ إلَّا إذَا نَقَلْتَهُمْ مِنْهُ إلَى مَا هُوَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، كَرَمْيِ النُّشَّاب، وَسِبَاقِ الْخَيْلِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِذَا رَأَيْت الْفُسَّاقَ قَدْ اجْتَمَعُوا عَلَى لَهْوٍ وَلَعِبٍ أَوْ سَمَاعِ مُكَاء وَتَصْدِيَةٍ، فَإِنْ نَقَلْتَهُمْ عَنْهُ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ؛ فَهُوَ الْمُرَادُ، وَإِلَّا كَانَ تَرْكُهُمْ عَلَى ذَلِكَ خَيْرًا مِنْ أَنْ تُفْرِغَهُمْ لِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، فَكَانَ مَا هُمْ فِيهِ شَاغِلًا لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَكَمَا إذَا كَانَ الرَّجُلُ مُشْتَغِلًا بِكُتُبِ الْمُجُونِ وَنَحْوِهَا وَخِفْت مِنْ نَقْلِهِ عَنْهَا انْتِقَالَهُ إلَى كُتُبِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ وَالسِّحْرِ؛ فَدَعْهُ وَكُتُبَهُ الْأُولَى، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ؛ وَسَمِعْت شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ، وَنَوَّرَ ضَرِيحَهُ- يَقُولُ: مَرَرْت أَنَا وَبَعْضُ أَصْحَابِي فِي زَمَنِ التَّتَارِ بِقَوْمٍ مِنْهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ؛ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ مَنْ كَانَ مَعِي؛ فَأَنْكَرْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْت لَهُ: إنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ الْخَمْرَ؛ لِأَنَّهَا تَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ، وَهَؤُلَاءِ يَصُدُّهُمْ الْخَمْرُ عَنْ قَتْلِ النُّفُوسِ، وَسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ، وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ، فَدَعْهُمْ». اهـ([441])
وعلى ذلك: فإذا كان تغيير المنكر يترتب عليه منكر أكبر؛ فمن المنكَر أن يُنْهَى عن المنكر.
واعلم أن تقدير المصلحة والمفسدة وتزاحمهما يرجع إلى أهل العلم والاختصاص بالمسألة وملابساتها، والظروف العامة والخاصة المحيطة بها.
فالموازنةُ عملٌ دقيقٌ، تكتنفه عدة مخاطر؛ ولذا فهو يحتاج لفقيه نَفْسٍ، مُتَمَكِّنٍ من علوم الشرع، مُسْتَبْصِرٍ بواقع الحال، مُدْرِكٍ لمآلات الأفعال وآثارها، متجرد من حظِّ نفسه وهواه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : «باب التعارض باب واسع جدًا؛ خاصة في الأزمنة والأمكنة التي نَقَصَتْ فيها آثارُ النبوة وخلافةُ النبوة، فإن هذه المسائل تكثر فيها، وكلما ازداد النقص؛ ازدادَتْ هذه المسائل، ووجود ذلك من أسباب الفتنة بين الأمة؛ فإنه إذا اختلطت الحسنات بالسيئات؛ وقع الاشتباه والتلازم، فأقوام قد يَنْظُرون للحسنات، فيرجِّحون هذا الجانب وإن تضمن سيئاتٍ عظيمةً، وأقوام قد يَنْظُرون للسيئات فيرجِّحون الجانب الآخر، وإن تَرَكَ حسناتٍ عظيمةً، والمتوسطون الذين يَنْظُرون الأمرين؛ قد لا يتبين لهم أو لأكثرهم مقدار المنفعة والمضرة، أو يتبيَّن لهم، فلا يجدون من يعينهم للعمل بالحسنات وترك السيئات؛ لكون الأهواء قَارَنَتْ الآرَاءَ». اهـ([442])
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية : «معيار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة؛ فمتى قَدَرَ الإنسانُ على اتِّباع النصوص؛ لم يَعْدِلْ عنها، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقلَّ أن تَعُوزَ النصوصُ من يكون خبيرًا بها وبدلالتها». اهـ([443]).
(تنبيه):
قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الحديث: «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» أي في هذه المسألة، وفي هذا تهديد شديد، ووعيد أكيد لمن ترك الأمر والنهي وهو قادر عليه بلا مفسدة مساوية أو راجحة، ولا يلزم من ذلك كُفْرُه وخُرُوجه من دائرة الإسلام إذا لم يَقُمْ بذلك([444])؛ ولذلك جاء في الرواية الأخرى: «وذلك أضعفُ الإيمان» فلا يلزم من الأضعفية الكفر، فمن المعلوم عند أهل السنة أن فاعل الكبيرة نفسَهُ لا يَلْزَم من ذلك كُفْرُه، فكيف يُكَفَّر من لم يُنكِر عليه وقوعَه في المعصية، نعم إذا استحل هذا أو ذاك فِعْلَ المعصية؛ فهذا كُفْر، ويُنَزَّل هذا الحكم على المعين بضوابطه المعروفة عند أهل السنة، والله أعلم.
وأَخْتِمُ المقام هنا بكلام ماتعٍ نافعٍ للإمام النووي حيث يقول:
«وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْبَابَ -أَعْنِي بَابَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ- قَدْ ضُيِّعَ أَكْثَرُهُ مِنْ أَزْمَانٍ مُتَطَاوِلَةٍ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ إِلَّا رُسُومٌ قَلِيلَةٌ جِدًّا، وَهُوَ بَابٌ عَظِيمٌ، بِهِ قِوَامُ الأمر ومَلاكُه، وإذا كَثُرَ الخَبَثُ؛ عَمَّ الْعِقَابُ الصَّالِحَ وَالطَّالِحَ، وَإِذَا لَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدِ الظَّالِمِ؛ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِعِقَابِهِ: [ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ] {النور:63}، فَيَنْبَغِي لِطَالِبِ الْآخِرَةِ، وَالسَّاعِي فِي تَحْصِيلِ رِضَا اللَّهِ أَنْ يَعْتَنِيَ بِهَذَا الْبَابِ؛ فَإِنَّ نَفْعَهُ عَظِيمٌ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ ذَهَبَ مُعْظَمُه، ويُخْلِص نيته، ولا يهابَنَّ مَنْ يُنْكِرُ عَلَيْهِ لِارْتِفَاعِ مَرْتَبَتِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تعالى قال: [ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ] {الحج:40}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ] {آل عمران:101}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ] {العنكبوت:69}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ] { العنكبوت:2-3}.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَجْرَ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ، وَلَا يُتَارِكُهُ أيضًا لِصَدَاقَتِهِ، وَمَوَدَّتِهِ، وَمُدَاهَنَتِهِ، وَطَلَبِ الْوَجَاهَةِ عِنْدَهُ، وَدَوَامِ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْهِ؛ فَإِنَّ صَدَاقَتَهُ وَمَوَدَّتَهُ تُوجِبُ لَهُ حُرْمَةً وَحَقًّا، وَمَنْ حَقِّهِ أَنْ يَنْصَحَهُ وَيَهْدِيَهُ إِلَى مَصَالِحِ آخِرَتِهِ، وَيُنْقِذَهُ مِنْ مَضَارِّهَا، وَصَدِيقُ الْإِنْسَانِ وَمُحِبُّهُ هُوَ مَنْ سَعَى فِي عِمَارَةِ آخِرَتِهِ وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى نَقْصٍ فِي دُنْيَاهُ، وَعَدُوُّهُ مَنْ يَسْعَى فِي ذَهَابِ أَوْ نَقْصِ آخِرَتِهِ وَإِنْ حَصَلَ بِسَبَبِ ذَلِكَ صُورَةُ نَفْعٍ فِي دُنْيَاهُ، وَإِنَّمَا كَانَ إِبْلِيسُ عَدُوًّا لَنَا لِهَذَا، وَكَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ -صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ- أَوْلِيَاءَ لِلْمُؤْمِنِينَ لِسَعْيِهِمْ فِي مَصَالِحِ آخِرَتِهِمْ وَهِدَايَتِهِمْ إِلَيْهَا، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ تَوْفِيقَنَا وَأَحْبَابَنَا وَسَائِرَ الْمُسْلِمِينَ لِمَرْضَاتِهِ، وَأَنْ يَعُمَّنَا بِجُودِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ». اهـ([445])
وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، وإلى ما شاء من شيء بَعْدُ.
كتبه/
أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني
28/ رجب 1439 هجرية.
A
A
[12]الجرح والتعديل بين المانعين منه والمسرفين فيه













