(الولاءُ والبراءُ والمدحُ والذمُّ والوصْلُ والهَجْرُ كل هذا يتبَعَّضُ بحسب حال الأشخاص قُرْبًا وبُعْدًا من الحق)
- السؤال الرابع عشر: هل يمكن أن نحب المبتدع أو الفاسق، أو أن نمدح الشخص منهما أحيانًا ونذمه أحيانًا، وهل يمكن أن نَصِلَهُ أحيانًا ونَهْجُرَهُ أحيانًا، أم أن من كان كذلك؛ فلا نَذْكُره إلا بالجرح، ونَقْطَعُ صِلَتنا به تماما، ونُبْغِضُه في الله ولا نحبه، وإلا كنا مميِّعين لدين الله، أو متلاعبين في الولاء والبراء؟!
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد:
يظن كثير من الناس أن الولاء والبراء، والمدح والذَّمَّ كُتْلَةٌ واحدة لا تتجزَّأ، فالشخص عندهم إما هذا أو هذا فقط، وأن من أَحَبَّهُ؛ والاه موالاةً تامَّةً، ومن أَبْغَضَه؛ أَبْغَضَه بُغضًا تامًّا، أو عاداه معاداة تامة، وكذا في المدح والذم، وأن أي تَبَعُّض في ذلك؛ فهو نَقْصٌ في إيمان وسُنِّية فاعِلِه، كما هو الحال في الغلاة في التبديع والهجر في هذه الأيام، ظانين أن هذا من الغيرة على الدين ومحارم الله -جلَّ شأنه-، وهذا الظن من تزيين الشيطان لهم، ولا يُغني عن الحق شيئًا.
وهاهنا أمورٌ ينبغي أن نذكرها في الجواب على هذا السؤال:
- أولًا: المقرَّر عند أهل السنة والاعتدال: أن من حقَّق الإيمان التام؛ فله الولاء الْمُطْلَقُ، ومن كان كافرًا، مُعْرضًا عن الإسلام بالكلية؛ فيُتَبرَّأُ منه براءة مطلقة، لكن المؤمن الذي معه أصْل الإيمان، إلا أنه وقع في مخالفة معلومة، إما عن شهوة، أو شبهة؛ فالأُولى هي المعصية، والثانية هي البدعة، ومراتبُ كل منهما متفاوتة كِبَرًا وصِغَرًا، وغِلْظًة وخِفّةً، فهذا المؤمن معه أصل الإيمان، أو أصْله وجُزْءٌ آخر معه من الإيمان، ومعه من المخالفة بقَدْرِها، فَيُحَبُّ أو يُوالَى، ويُوصَل، ويُنْصَر، ويُمْدَح -إن احتيج لذلك- بحسب ما معه من الإيمان، والطاعة، والسُّنَّة، وكذا يُبْغَض، ويُهجَر، ويُذَم بِقَدْرِ ما عنده من الشرِّ، والمعصية، والبدعة، دون زيادة أو مبالغة.
وهذا هو ميزان العدْل، أما الولاء المطلَق لمن كان عنده بعض المخالفات؛ فهو مذهب أهل الإرجاء، الذين يَرَوْن أن المعصية لا تَضُرُّ الإيمانَ، والبراءةُ المطلقةُ مذهبُ الخوارج الوعيدية الذين يَرَوْنَ أن المعصية تزيل الإيمان، وكِلا طَرَفيْ قَصْدِ الأمورِ ذميمُ!!!
وهذا ميزان العدل في الدنيا والآخرة، يقول الله : [ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ] {الزلزلة:7، 8}.
- ثانيًا: كثير من الغلاة في التبديع لأهل السنة يرون أن هذا التفصيل خاص بالآخرة، أما في الدنيا فيُهْجَر المخالفُ مطلقا، ويُوالَى الطائع مطلقا، وبعضُهم لا يُصَرِّح بذلك، لكن هذا لسان حاله، بل يدعو الناس عمليا إلى سلوك هذا المسلك، وهذا باطل، ويزداد بُطلانه ونكارتُه إذا نُسِبَ هذا الجهل للسنة وأهلها، ولمنهج سلف الأمة وعلمائها!!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشَرٌّ، وفجورٌ وطاعة ومعصية، وسُنّةٌ وبدعةٌ؛ استحقَّ من الموالاة والثواب بِقَدْر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسَب ما فيه من الشر، فَيَجْتَمِعُ في الشخص الواحد موجباتُ الإكرامِ والإهانةِ، فَيَجْتَمِعُ له من هذا وهذا، كاللِّص الفقير: تُقْطَعُ يَدُهُ لِسَرِقَتِهِ، ويُعْطَى من بيت المال ما يكْفِيه لحاجته، هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه، فلم يجعلوا الناسَ إلا مُسْتَحِقًّا للثوابِ فقط، وإلا مُسْتَحِقًّا للعقابِ فقط، وأهلُ السنة يقولون: إن الله يُعَذّب بالنار مِنْ أهل الكبائر مَنْ يُعَذِّبه، ثم يُخْرِجُهم بشفاعة من يأذن له في الشفاعة بِفَضْلِ رحمته…». انتهى([630])
قلت: فتأمل قوله : «استحق من الموالاة والثواب بقدْر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسَب ما فيه من الشر»، وهذه الموالاة والمعاداة تكون في الدنيا -كما لا يخفى- لا في الآخرة، كما يَدّعي الغلاة، وقد ذكر بعد ذلك أمر الآخرة، فقال: «إن الله يُعذّب بالنار مِنْ أهل الكبائر من يُعذِّبه، ثم يُخرجهم بشفاعة من يَأْذَنُ له في الشفاعة بفضل رحمته».
وقال أيضًا : «وكثير من الناس إذا عَلِم من الرجل ما يُحِبُّهُ؛ أحبَّ الرجلَ مطلقًا، وأَعْرَضَ عن سيئاته، وإذا عَلِم منه ما يُبْغِضُه؛ أَبْغَضَه مطلقًا، وأَعْرَضَ عن حسناته، وهذا من أقوال أهل البدع، والخوارج، والمعتزلة، والمرجئة» قال: «وأهل السنة يقولون ما دلَّ عليه الكتاب والسنة والإجماع، وهو: أن المؤمن يستحق وعْدَ الله وفَضْلَهُ، والثوابَ على حسناته، ويستحق العقاب على سيئاته؛ فإن الشخص الواحد يجتمع فيه ما يُثاب عليه، وما يُعاقَب عليه، وما يُحْمَد عليه، وما يُذَمُّ عليه، وما يُحَبُّ منه، وما يُبْغَض منه، فهذا وهذا» انتهى.([631])
قلت: وهذا كلام صريح، في استعمال ميزان العدل هذا مع المخالف والموافق في الدنيا والآخرة، وليس في الآخرة فقط كما يزعم الغلاة، الذين ينصرون مذهب أهل البدع، ويَخْذُلُون مذهبَ أهلِ السنة، وهم يَحْسَبُون أنهم يُحْسِنُون صُنْعًا.
وقال : «وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، بخلاف الخوارج، والمعتزلة، وبخلاف المرجئة والجهمية؛ فإن أولئك يميلون إلى جانب، وهؤلاء يميلون إلى جانب، وأهل السنة والجماعة وَسَطٌ…» انتهى.([632])
وبنحوه في «منهاج السنة»، حيث قال : «وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْبَابِ: أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الرَّجُلَ الْعَظِيمَ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ، مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَهْلِ الْبَيْتِ وَغَيْرِهِمْ، قَدْ يَحْصُلُ مِنْهُ نَوْعٌ مِنَ الِاجْتِهَادِ مَقْرُونًا بِالظَّنِّ وَنَوْعٍ مِنَ الْهَوَى الْخَفِيِّ؛ فَيَحْصُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَا لَا يَنْبَغِي اتِّبَاعُهُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ.
وَمِثْلُ هَذَا إِذَا وَقَعَ يَصِيرُ فِتْنَةً لِطَائِفَتَيْنِ: طَائِفَةٌ تُعَظِّمُهُ؛ فَتُرِيدُ تَصْوِيبَ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَاتِّبَاعَهُ عَلَيْهِ، وَطَائِفَةٌ تَذُمُّهُ؛ فَتَجْعَلُ ذَلِكَ قَادِحًا فِي وِلَايَتِهِ وَتَقْوَاهُ، بَلْ فِي بِرِّهِ وَكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، بَلْ فِي إِيمَانِهِ حَتَّى تُخْرِجَهُ عَنِ الْإِيمَانِ، وَكِلَا هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ فَاسِدٌ.
وَالْخَوَارِجُ وَالرَّوَافِضُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ ذَوِي الْأَهْوَاءِ دَخَلَ عَلَيْهِمُ الدَّاخِلُ مِنْ هَذَا، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَ الِاعْتِدَالِ؛ عَظَّمَ مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ، وَأَحَبَّهُ وَوَالَاهُ، وَأَعْطَى الْحَقَّ حَقَّهُ، فَيُعَظِّمُ الْحَقَّ، وَيَرْحَمُ الْخَلْقَ، وَيَعْلَمُ أَنَّ الرَّجُلَ الْوَاحِدَ تَكُونُ لَهُ حَسَنَاتٌ وَسَيِّئَاتٌ، فَيُحْمَدُ وَيُذَمُّ، وَيُثَابُ وَيُعَاقَبُ، وَيُحَبُّ مِنْ وَجْهٍ، وَيُبْغَضُ مِنْ وَجْهٍ.
هَذَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، خِلَافًا لِلْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَقَدْ بُسِطَ هَذَا فِي مَوْضِعِهِ». اهـ([633]).
وقال : «الْمُؤْمِنُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَادِيَ فِي اللَّهِ، وَيُوَالِيَ فِي اللَّهِ، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مُؤْمِنٌ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يُوَالِيَهُ وَإِنْ ظَلَمَهُ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ لَا يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ الْإِيمَانِيَّةَ، قَالَ تَعَالَى: [ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ] {الحجرات:9، 10}، فَجَعَلَهُمْ إخْوَةً مَعَ وُجُودِ الْقِتَالِ وَالْبَغْيِ، وَالْأَمْرِ بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمْ.
فَلْيَتَدَبَّرْ الْمُؤْمِنُ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، فَمَا أَكْثَرَ مَا يَلْتَبِسُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، وَلْيَعْلَمْ أَنَّ الْمُؤْمِنَ تَجِبُ مُوَالَاتُهُ وَإِنْ ظَلَمَك وَاعْتَدَى عَلَيْك، وَالْكَافِرَ تَجِبُ مُعَادَاتُهُ وَإِنْ أَعْطَاك وَأَحْسَنَ إلَيْك؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ؛ لِيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، فَيَكُونُ الْحُبُّ لِأَوْلِيَائِهِ، وَالْبُغْضُ لِأَعْدَائِهِ، وَالْإِكْرَامُ لِأَوْلِيَائِهِ، وَالْإِهَانَةُ لِأَعْدَائِهِ، وَالثَّوَابُ لِأَوْلِيَائِهِ، وَالْعِقَابُ لِأَعْدَائِهِ». اهـ([634])
ويلخص شيخ الإسلام ابن تيمية مذهب أهل السنة والجماعة في ذلك، فيقول :
«وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُعَلِّقَ الْحَمْدَ وَالذَّمَّ، وَالْحُبَّ وَالْبُغْضَ، وَالْمُوَالَاةَ وَالْمُعَادَاةَ، وَالصَّلَاةَ وَاللَّعْنَ بِغَيْرِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي عَلَّقَ اللَّهُ بِهَا ذَلِكَ: مِثْلِ أَسْمَاءِ الْقَبَائِلِ، وَالْمَدَائِنِ، وَالْمَذَاهِبِ، وَالطَّرَائِقِ الْمُضَافَةِ إلَى الْأَئِمَّةِ وَالْمَشَايِخِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُرَادُ بِهِ التَّعْرِيفُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: [ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ] {الحجرات:13}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ] {يونس:62، 63}، وَقَالَ: [ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ] {مريم:63}، وَقَدْ قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إنَّ آلَ أَبِي فُلَانٍ لَيْسُوا لِي بأولياء؛ إنَّمَا وَلِيِّي اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ»، وَقَالَ: «أَلَا إنَّ أَوْلِيَائِي الْمُتَّقُونَ حَيْثُ كَانُوا وَمَنْ كَانُوا»، وَقَالَ: «إنَّ اللَّهَ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ، النَّاسُ رَجُلَانِ: مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، النَّاسُ مِنْ آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ»، وَقَالَ: «إنَّهُ لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيِّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَبْيَضَ: إلَّا بِالتَّقْوَى». فَذَكَرَ الْأَزْمَانَ وَالْعَدْلَ بِأَسْمَاءِ الْإِيثَارِ وَالْوَلَاءِ وَالْبَلَدِ وَالِانْتِسَابِ إلَى عَالِمٍ أَوْ شَيْخٍ إنَّمَا يَقْصِدُ بِهَا التَّعْرِيفَ بِهِ؛ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِهِ، فَأَمَّا الْحَمْدُ وَالذَّمُّ، وَالْحُبُّ وَالْبُغْضُ، وَالْمُوَالَاةُ وَالْمُعَادَاةُ، فَإِنَّمَا تَكُونُ بِالْأَشْيَاءِ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا سُلْطَانَهُ، وَسُلْطَانُهُ كِتَابُهُ، فَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا؛ وَجَبَتْ مُوَالَاتُهُ مِنْ أَيِّ صِنْفٍ كَانَ، وَمَنْ كَانَ كَافِرًا؛ وَجَبَتْ مُعَادَاتُهُ مِنْ أَيِّ صِنْفٍ كَانَ، قَالَ تَعَالَى: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ] {المائدة:55، 56} وَقَالَ تَعَالَى: [ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ] {المائدة:51}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ] {التوبة:71}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ] {الممتحنة:1}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ] {الكهف:50}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ] {المجادلة:22}. وَمَنْ كَانَ فِيهِ إيمَانٌ وَفِيهِ فُجُورٌ؛ أُعْطِيَ مِنْ الْمُوَالَاةِ بِحَسَبِ إيمَانِهِ، وَمِنْ الْبُغْضِ بِحَسَبِ فُجُورِهِ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ الْإِيمَانِ بِالْكُلِّيَّةِ بِمُجَرَّدِ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي، كَمَا يَقُولُهُ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ، وَلَا يُجْعَلُ الْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ بِمَنْزِلَةِ الْفُسَّاقِ: فِي الْإِيمَانِ وَالدِّينِ، وَالْحُبِّ وَالْبُغْضِ، وَالْمُوَالَاةِ وَالْمُعَادَاةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: [ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ] { الحجرات:9، 10} فَجَعَلَهُمْ إخْوَةً مَعَ وُجُودِ الِاقْتِتَالِ وَالْبَغْيِ، وَقَالَ تَعَالَى: [ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ] {ص:28}، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: [ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ] {النور:2}، فَهَذَا الْكَلَامُ فِي الْأَنْوَاعِ.
وَأَمَّا الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ فَيُذْكَرُ مَا فِيهِ مِنْ الشَّرِّ فِي مَوَاضِعَ… – وذَكَرَ مواضعَ إباحة غِيبَةِ المسلم –». اهـ([635])
وقال أيضًا: «ومَن كان فيه ما يُوالَى عليه من حسناتٍ، وما يُعادَى عليْه من سيِّئاتٍ؛ عُومل بِموجَب ذلك، كفُسَّاق أهل الملَّة؛ إذْ هُم مستحقُّون للثَّواب والعقاب، والمُوالاة والمعاداة، والحبِّ والبغض، بِحسب ما فيهم من البِرِّ والفجور؛ فإنَّ الله يقول: [ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ] {الزلزلة:7، 8}». اهـ([636])
وقال أيضًا: «والأصل أنَّ دماءَ المسلمين وأموالَهم وأعراضَهم مُحرَّمةٌ من بعضِهم على بعض، لا تَحلُّ إلا بإذن الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم – قال النبي – صلى الله عليه وسلم – لمَّا خطبَهُم في حجَّة الوداع -: «إنَّ دماءَكم وأموالَكم وأعْرَاضَكُم عليْكم حرامٌ، كَحُرمة يومِكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا»، وقال: «كلُّ المسلم على المسلِمِ حرامٌ: دمُه، ومالُه، وعرضُه»، وقال: «مَن صلَّى صلاتَنا، واستقْبَل قِبْلَتنا، وأكَل ذبيحَتَنا؛ فهُو المُسْلِم، له ذمَّة الله ورسولِه».
وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ مَعَ الِاقْتِتَالِ يُوَالِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا مُوَالَاةَ الدِّينِ، لَا يُعَادُونَ كَمُعَادَاةِ الْكُفَّارِ، فَيَقْبَلُ بَعْضُهُمْ شَهَادَةَ بَعْضٍ، وَيَأْخُذُ بَعْضُهُمْ الْعِلْمَ عَنْ بَعْضٍ، وَيَتَوَارَثُونَ، وَيَتَنَاكَحُونَ، وَيَتَعَامَلُونَ بِمُعَامَلَةِ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، مَعَ مَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْقِتَالِ وَالتَّلَاعُنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.». اهـ([637])
وقال : «فَإِنَّ الذَّمَّ وَالْحَمْدَ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَ ذَلِكَ، وَذَكَرْنَا أَنَّ الْحَمْدَ وَالذَّمَّ، وَالْحُبَّ وَالْبُغْضَ، وَالْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ، وَالْمُوَالَاةَ وَالْمُعَادَاةَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ؛ لَا يَصْلُحُ إلَّا بِالْأَسْمَاءِ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا سُلْطَانَهُ، فَأَمَّا تَعْلِيقُ ذَلِكَ بِأَسْمَاءِ مُبْتَدَعَةٍ؛ فَلَا يَجُوزُ، بَلْ ذَلِكَ مِنْ بَابِ شَرْعِ دِينٍ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ». اهـ([638])
وحَذَّرَ شيخ الإسلام أيضًا من إطلاق العنان للنفس؛ لِتُحِبَّ من تشاء، وتُبْغِضَ من تشاء، دون تقيد بسلطان القرآن ومنهاج السنة، فقال : «مِنْ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ حُبُّهُ وَبُغْضُهُ وَإِرَادَتُهُ وَكَرَاهَتُهُ بِحَسَبِ مَحَبَّةِ نَفْسِهِ وَبُغْضِهَا؛ لَا بِحَسَبِ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَبُغْضِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَهَذَا مِنْ نَوْعِ الْهَوَى، فَإِنْ اتَّبَعَهُ الْإِنْسَانُ؛ فَقَدْ اتَّبَعَ هَوَاهُ». اهـ([639])
وقال العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين في صدد كلامه عن صاحب المعصية: «فإذا قًلْنا: إنه لا يخرج من الإيمان؛ فهل نحبّه على سبيل الإطلاق، أو نكرهه على سبيل الإطلاق؟ نقول: لا هذا، ولا هذا، نحبه بما معه من الإيمان، ونكرهه بما معه من المعاصي» انتهى([640])
قلت: وهذا هو مذهب أهل السنة المتفق عليه بينهم، ولم يخالفهم فيه إلا أهل البدع من الطرفين: إما بإطلاق الولاء والمدح والوَصْل، أو بإطلاق البراء والقدح والهَجْر!!!
ثالثًا: وأما غلاة التجريح الخسّافون الهدّامون في زماننا، فيُجِيبُون عن ذلك كله بأجوبة، منها:
1-أن هذه المعاملة في الآخرة لا في الدنيا.
وهذا جواب باطل، وصريح كلام شيخ الإسلام يهدمه، فإن المدح والذم، والوصْل والهجر…الخ، لا يكون في الآخرة، إنما يكون في الدنيا.
2- ومنها: أن هذا خطأ من شيخ الإسلام، وما نسَبه إلى أهل السنة غير صحيح.
وهذا الجواب مجرّد دعوى ممن لم يُعْرف بالاستقراء، واشْتَهَر بالغلو والإجحاف والجفاء، فأين هو من شيخ الإسلام الذي ذكر هذا الأصل، وأنه مُجْمَعٌ عليه بين أهل السنة في أكثر من خمسة مواضع من كتبه، وجزم بأن خلافه هو منهج أهل البدع، أهل الغلو والجفاء، وتلقاه العلماء منه بالقبول والاستدلال به؟ وهو الموافق للأدلة من الكتاب والسنة، فكيف نقبل تخطئة هؤلاء الجهلة له؟ وقد كانوا يُخْفُون اعتقادهم خَطَأَ شيخ الإسلام في هذه المواضع -وقد كنت أرى ذلك في وجوههم وقرائن أحوالهم-، لكن لما كثُر استدلالي عليهم بكلام شيخ الإسلام ، وأنه يعزو هذا الكلام إلى إجماع أهل السنة والجماعة، وأنه لم يخالِفْ فيه إلا أهلُ البدع؛ ضاقوا ذَرْعا، وعجزوا عن الرد، ولم تحتمل نفوسُهم الميَّالة إلى الغلو والتعنُّت الصبر والاستمرار على إخفاء ما في أنفسهم من كراهية لما قرَّرَه -هنا- شيخ الإسلام؛ فأفصحوا عما في نفوسهم، فقالوا: أخطأ ابن تيمية في هذا!! وكلامه لا يُحتج به، وكلٌّ يؤخذ من قوله ويُرَدُّ… إلى غير ذلك من قواعد يضعونها في غير موضعها، ويستعملونها ضد بعض أهل العلم دون من يقلدونهم، ولغيرهم أن يستدل بها ضد من يقلدونهم من كبار الغلاة، ومنهم من يقول: ليس معك إلا ابن تيمية، قال ابن تيمية، قال ابن تيمية؟! فالحمد لله الذي جعلنا أسْعَد منهم بمنهج الأئمة، وأحمده على أن أَحْيَى بي بينهم أصولَ أهلِ السنة التي أماتوها وقبروها، ودحرَ بي منهج أهل البدع الذي سلكه المخالفون، بل ادَّعَوْا -جهلا وزورا- أنه عليه إجماع أهل السنة، وقد ظهر لك أن شيخ الإسلام عزا ما قررْته إلى إجماع أهل السنة في عدة مواضع!! وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
هذا، وشيخ الإسلام واسعُ الاطلاع، طويلُ الباع، قويُّ الإقناع، وقد صرَّح بأنه لم ينقل حرفًا واحدًا عن السلف بخلاف أقوالهم، بل تحَدَّى المخالفين له بأن يأتوا بحرف واحد نسبه إلى السلف وليس هو كذلك، بل وأمهلهم ثلاث سنوات؛ ليأتُوا بما يدل على مخالفته للسلف فيما عزاه إليهم، ف رحمة واسعة، وأقَرَّ بعلمه أعين أهل السنة، وأسْخَن بتقريراته وتأصيلاته أعين الغلاة الطائشين، الذين يظهرون فقط ما يظنونه لهم، ويكتمون ما يرون بخلاف قولهم!!
ومع ذلك؛ فلم ينفرد شيخ الإسلام بهذا التقرير، وإليك كلام غير شيخ الإسلام ابن تيمية من العلماء الذي يؤيد ما قاله :
فقد قال الإمام ابن القيم : «.. من قواعد الشرع والحكمة: أن مَنْ كَثُرَتْ حسناتُهُ وعَظُمَتْ، وكان له في الإسلام تأثير ظاهر؛ فإنه يُحْتَمَلُ منه ما لا يُحتمل من غيره، ويُعْفَى عنه ما لا يُعْفَى من غيره؛ فإن المعصية خَبَثٌ، والماءُ إذا بَلَغَ القلتين لم يَحْمِلُ الخَبَثَ.. وهذا أمر معلوم عند الناس مستقر في فطرهم: أن من له ألوف الحسنات؛ فإنه يُسَامَحُ بالسيئة والسيئتين، وكما قيل:
| وإذا الحبيبُ أتى بذنبٍ واحدٍ | جاءتْ محاسِنُهُ بألفِ شفيعِ» اهـ |
وقال ([641]): «والشيء قد يُحَبُّ من وجه دون وجه، وليس شيءٌ يُحَبُّ لذاته من كل وجه إلا الله – وحده- الذي لا تصلح الألوهية إلّا له، فلو كان في السماوات والأرض آلهة إلا الله فسدتا». اهـ
وقال ابن أبي العز ([642]): «وَالْحُبُّ وَالْبُغْضُ بِحَسَبِ مَا فِيهِمْ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، فَإِنَّ الْعَبْدَ يَجْتَمِعُ فِيهِ سَبَبُ الْوِلَايَة وَسَبَبُ الْعَدَاوَة، وَالْحُبُّ وَالْبُغْضُ، فَيَكُونُ مَحْبُوبًا مِنْ وَجْه مَبْغُوضًا مِنْ وَجْه، وَالْحُكْمُ لِلْغَالِبِ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْعَبْدِ عِنْدَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ يُحِبُّ الشَّيْءَ مِنْ وَجْه وَيَكْرَهُه مِنْ وَجْه آخَرَ، كَمَا قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّه : «وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُه: تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ؛ يَكْرَه الْمَوْتَ، وَأَنَا أَكْرَه مَسَاءَتَه، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ». فَبَيَّنَ أَنَّهُ يَتَرَدَّدُ؛ لِأَنَّ التَّرَدُّدَ تَعَارُضُ إِرَادَتَيْنِ، وَهُوَ -سُبْحَانَهُ- يُحِبُّ مَا يُحِبُّ عَبْدُه الْمُؤْمِنُ، وَيَكْرَه مَا يَكْرَهُه، وَهُوَ يَكْرَه الْمَوْتَ؛ فَهُوَ يَكْرَهُه، كَمَا قَالَ: «وَأَنَا أَكْرَه مَسَاءَتَه»، وَهُوَ -سُبْحَانَهُ- قَضَى بِالْمَوْتِ، فَهُوَ يُرِيدُ كَوْنَه، فَسَمَّى ذَلِكَ تَرَدُّدًا، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِ ذَلِكَ؛ إِذْ هُوَ مُفْضٍ إِلَى مَا هُوَ أَحَبُّ مِنْهُ». اهـ
وقال الشيخ سليمان بن سحمان ([643]):
قول السائل: ما الشخص الذي يُحَبُّ جُمْلَةً، ومن الذي يُحَبُّ مِنْ وَجْهٍ، ويُبْغَضُ مِنْ وَجْهٍ، والذي يُبْغَضُ جُملةً؟
والجواب أن نقول:
الشخص الذي يُحَبُّ جُملةً: هو من آمن بالله ورسوله، وقام بوظائف الإسلام ومبانيه العظام: علمًا وعملًا واعتقادًا، وأَخْلَصَ أعمالَهُ وأقوالَهُ، وانْقَاد لأوامر الله، وانتهى عما نَهَى الله عنه ورسوله، وأَحَبَّ في الله، ووالى في الله، وأَبْغَضَ في الله، وعادى في الله، وقَدَّمَ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- على قول كل أحد كائنًا من كان، إلى غير ذلك من القيام بحقوق الإسلام وشرائعه.
وأما الذي يُحَبُّ مِنْ وَجْهٍ ويُبْغَضُ مِنْ وَجْهٍ آخر: فهو المسلم الذي خَلَطَ عملًا صالحًا وآخر سيئًا، فَيُحَبُّ ويُوَالَى على قَدْرِ ما معه من الخير، ويُبْغَضُ ويُعَادَى على قَدْرِ ما معه من الشر، ومن لم يَتَّسِعْ قلبُهُ لهذا؛ كان يُفْسِد أكثر مما يُصْلِحُ، وهلاكُه أَقْرَبُ إليه من أن يُفْلح([644])، وإذا أردت الدليل على ذلك فهذا عبد الله «حمار» وهو رجل من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يشرب الخمر، فأُتِيَ به إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَلَعَنَهُ رجل، وقال: ما أكثر ما يُؤْتَى به، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تَلْعَنْهُ؛ فإنه يحب الله ورسوله» مع أنه لعن الخمر وشاربها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه، وتأمل قصة حاطب بن أبي بلتعة، وما فيها من الفوائد: فإنه هاجر إلى الله ورسوله، وجاهد في سبيله، لكن حَدَثَ منه أنه كَتَبَ بِسِرِّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المشركين من أهل مكة، يخبرهم بشأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومَسِيرِهِ لجهادهم؛ ليتخذ بذلك يدًا عندهم، يَحْمِي بها أَهْلَهُ ومَالَهُ بمكة، فنزل الوحي بخبره، وكان قد أَعْطَي الكتاب ظعينةً؛ جَعَلَتْهُ في شَعْرِهَا، فأرسل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عليًا والزبير في طلب الظعينة، وأخبرهما أنهما يجدانها في روضة خاج، فكان ذلك، فتهدداها حتى أَخْرَجَتْ الكتاب من ضفائرها، فأتيا به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فدعا حاطب بن أبي بلتعة، فقال له: «ما هذا؟» فقال: يا رسول الله، لم أَكْفُرْ بعد إيمان، ولم أَفْعَلْ هذا رغبة عن الإسلام، وإنما أَرَدْتُ أن تكون لي عند القوم يَدٌ أَحْمِي بها أهلي ومالي، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «صَدَقَكُم؛ خَلُّوا سبيله» واستأذن عمر في قتله، فقال: دعني أَضْرِبْ عُنق هذا المنافق، فقال: «وما يدريك؛ أن الله اطلع على أهل بدرـ فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غَفَرْتُ لكم» وأنزل الله في ذلك صَدْر صورة الممتحنة، فقال: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ] {الممتحنة:1} الآيات، فدخل حاطب في المخاطبة باسم الإيمان، ووَصْفَهُ به، وتناولَهُ النهيُ بعمومه، وله خصوصُ السبب الدالُّ على إرادته، مع أن في الآية الكريمة ما يُشْعِر أن فِعْلَ حاطب نوعُ موالاة، وأنه أَبْلَغَ بالمودة، فإنَّ كل من فَعَلَ ذلك؛ قد ضل سواء السبيل» قال: لكن قوله: «صَدَقَكُم؛ خَلُّوا سبيله» ظاهر في أنه لا يَكْفُر بذلك؛ إذ كان مؤمنًا بالله ورسوله، غير شاكٍّ ولا مرتابٍ، وإنما فَعَلَ ذلك لغرض دنيوي، ولو كَفَرَ؛ لما قيل: «خَلُّو سبيله»، لا يقال: قوله -صلى الله عليه وسلم- لعمر: «وما يدريك؛ لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غَفَرْتُ لكم» هو المانع من تكفيره؛ لأنا نقول: لو كَفَرَ؛ لما بقي من حسناته ما يمنعه من إلحاق الكفر وأحكامه؛ فإن الكفر يَهْدِمُ ما قبله؛ لقوله تعالى: [ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ] {المائدة:5}، وقوله تعالى: [ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ] {الأنعام:88} والكفر مُحْبِطٌ للحسناتِ والإيمانِ بالإجماع، فلا يُظَنُّ هذا.
ومن الأدلة على ذلك: قوله تعالى: [ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ] – إلى قوله:- [ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ] {الحجرات:9، 10} فجعلهم إخوة مع وجود الاقتتال والبغي، وأَمَرَ بالإصلاح بينهم، وكان مسطح بن أثاثة من المهاجرين والمجاهدين مع رسول -صلى الله عليه وسلم-، وكان ممن سَعَى بالإفك، فأقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الحَدَّ عليه، وجَلَدَه، وكان أبو بكر
-رضي الله عنه – يُنْفِق عليه لقرابته وفَقْرِه، فآلى أبو بكر أن لا يُنْفِقَ عليه بعدما قال لعائشة ما قال، فأنزل الله: [ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ] {النور:22} }أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فقال أبو بكر: بلى والله؛ إني أحب أن يغفر الله لي؛ فأعاد عليه نفقته، وأمثال هذا كثير، لو تَتَبَّعْنَاه؛ لطال الكلام«.
ثم أورد كلاما لشيخ الإسلام في ذلك، ثم قال: وأما الذي يُبْغَضُ جُملةً؛ فهو من كَفَرَ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولم يؤمن بالقَدَر خيره وشره، وأنه كُلَّه بقضاء الله وقَدَرِهِ، وأنكر البعث بعد الموت، وتَرَكَ أحد أركان الإسلام الخمسة، وأشرك بالله -سبحانه- في عبادته أحدًا من الأنبياء والأولياء والصالحين، وصَرَفَ لهم نوعًا من أنواع العبادة: كالحب، والدعاء، والخوف، والرجاء، والتعظيم، والتوكل، والاستعانة، والاستعاذة، والاستغاثة، والذبح، والنذر، والإنابة، والذل، والخضوع، والخشوع، والخشية، والرغبة، والرهبة، والتعلق على غير الله في جميع الطلبات، وكَشْفِ الكُربات، وإغاثة اللهفات، وجميع ما كان يفعله عُبَّاد القبور اليوم عند ضرائح الأولياء والصالحين، وجميع المعبودات، وكذلك من أَلْحَدَ في أسمائه وصفاته، واتَّبَعَ غير سبيل المؤمنين، وانْتَحَلَ ما كان عليه أهل البدع والأهواء المُضِلَّة، وكذلك من قامَتْ به نواقضُ الإسلام، والله أعلم». اهـ
وقال الشيخ القاسمي ([645]): «فإن هذه الكبائر كُلَّها من شُعَب الكُفْر، كما في الصحاح: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»
إلخ. ففيهم مِنْ نَقْصِ الإيمان ما يوجب زوالَ الرأفة بهم، ولا منافاة بين كون الواحد يُحَبُّ مِنْ وَجْهٍ ويُبْغَضُ مِنْ وَجْهٍ، ويُثَابُ مِنْ وَجْهٍ ويُعَاقَبُ مِنْ وَجْهٍ؛ خلافا للخوارج والمعتزلة، ولهذا جاء في السنة أن من أقيم عليه الحد، يُرْحَمُ مِنْ وَجْهٍ آخر، فيُحْسَنُ إليه، ويُدْعَى له.
وهذا الجانب أغلب في الشريعة، كما في صفة الرب -سبحانه وتعالى-.
ففي «الصحيح»: «إن رحمتي تغلب غضبي»، وقال: [ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ] {الحجر:49، 50}، وقال: [ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ] {المائدة:98}، فجعل الرحمة صفة مذكورة في أسمائه. وأما العذاب والعقاب فجعلهما من مفعولاته. ومن هذا ما أمر الله تعالى به من الغلظة على الكفار والمنافقين». اهـ
وقال معالي الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله- في «الولاء والبراء في الإسلام»([646]):
«الناسُ في الولاءِ والبراءِ على ثلاثةِ أقسامٍ:
القسمُ الأولُ: منْ يُحَبُ محبةً خالصةً لا معادةَ معها:
وهم المؤمنونَ الخُلَّصُ منْ الأنبياءِ والصديقينَ والشهداءِ والصالحينَ.
وفي مقدمتِهِمْ رسولُ اللهِ؛ فإنَّه تجبُ محبتُهُ أكثرَ منْ محبةِ النفسِ والوالدِ والولدِ والناسِ أجمعينَ.
ثم زوجاتُه أمهاتُ المؤمنينَ، وأهلُ بيتِهِ الطيبونَ، وصحابتُه الكرامُ
-خصوصًا – الخلفاءُ الراشدونَ، وبقيةُ العشرةِ، والمهاجرونَ، والأنصارُ، وأهلُ بدرٍ، وأهلُ بيعةِ الرضوانِ، ثم بقيةُ الصحابةِ – رضي اللهُ عنهم -أجمعين.
ثمَّ التابعونَ، والقرونُ المفضلةُ، وسلفُ هذه الأمةِ، وأئمتُها، كالأئمةِ الأربعةِ.
* قال تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ] {الحشر:10}.
ولا يُبغضُ الصحابةَ وسلفَ هذه الأمةِ مَنْ في قلبِه إيمانٌ
وإنما يُبغِضهمْ أهلُ الزَّيْغِ والنفاقِ، وأعداءُ الإسلامِ: كالرافضةِ، والخوارجِ، نسألُ اللهَ العافيةَ.
القسمُ الثاني: منْ يُبغَضُ ويُعادَى بُغضًا ومعاداةً خالصيْنِ لا محبةَ ولا موالاةَ معهما:
وهم الكفارُ الخُلَّصُ: من الكفارِ، والمشركينَ، والمنافقينَ، والمرتدينَ والملحدينَ، على اختلافِ أجناسِهمْ.
* كما قال اللهُ تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ] {المجادلة:22}.
* وقال تعالى عائبًا على بني إسرائيل: [ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] {المائدة:80، 81}.
القسم الثالث: من يُحَبُ مِنْ وَجْهٍ ويُبغَضُ مِنْ وَجْهٍ:
فتجتمعُ فيه المحبةُ والعداوةُ، وهمْ عصاةُ المؤمنينَ، يُحَبونَ لِمَا فيهمْ منْ الإيمانِ، ويُبْغَضونَ لما فيهم منْ المعصيةِ التي هي دونَ الكفرِ والشركِ.
ومحبتُهمْ تَقتضي مُناصحَتَهمْ والإنكارَ عليهمْ، فلا يجوزُ السكوتُ على معاصيِهِمْ، بلْ يُنكَرُ عليهِمْ، ويُؤْمَرُونَ بالمعروفِ، ويُنْهَوْنَ عنْ المُنكرِ، وتُقامُ عليهم الحدودُ والتعزيراتُ؛ حتى يكفُّوا عنْ معاصيِهم، ويتوبوا منْ سيئاتِهمْ.
ولكنْ لا يُبْغَضُونَ بُغضًا خالصًا، ويُتبرأُ منْهم؛ كما تقولُه الخوارجُ في مرتكبِ الكبيرةِ، التي هي دونَ الشركِ.
ولا يُحَبُّونَ ويُوَالَوْنَ حُبًّا وموالاةً خالصَيْن، كما تقولُه المرجئةُ، بل يُعْتَدَلُ في شأنِهم على ما ذكرنا، كما هو مذهبُ أهلِ السنةِ والجماعةِ.
والحُبُّ في اللهِ، والبُغضُ في اللهِ أَوْثَقُ عُرى الإيمانِ، والمرءُ مع منْ أَحبَّ يومَ القيامةِ، كما في الحديثِ». اهـ
3- ومن تأويلاتهم الباطلة لكلام شيخ الإسلام وغيره من العلماء
– تعالى- قولُهم: إن كلام شيخ الإسلام خاصٌّ بالعصاة الموحدين، ولا يدخل فيه أهلُ البدع.
والجواب: أن البدعة والمعصية يَجْمَعُ بينهما مُطْلَقُ المخالفة لِمَا جاء به الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ثم إن كلام شيخ الإسلام صريح كما في قوله: «بحسَب ما فيه من طاعة وفجور، وسنة وبدعة» ثم إن البدعة منها الكبرى والصغرى كالمعصية، وأكثر ما وقع فيه العلماء من أهل الإسلام من مخالفات من جانب الشبهة لا من جانب الشهوة، فإن مَحلَّهم يقتضي أنهم لا يتعمدون المخالفة بالشهوة غالبا، إنما تقع المخالفة منهم بسبب سوء الفهم والتأويل، فتخصيص كلام شيخ الإسلام بالعصاة تخصيص بلا مُخَصِّص، بل مخالف لصريح كلامه وصنيعه، وقد سبق مدحه لعدد ممن تلوَّثُوا بنوع أو أكثر من البدع، ودفاعه عنهم ضد من بالغ في ذمِّهم، ورماهم بالزندقة والمروق… إلخ.
وقد سبق من كلام العلماء ما يدل على أن هذا الكلام ليس خاصا بالمعاصي، إنما هو شامل لأهل البدع أيضًا، وذلك في تقسيمهم الناس من حيث الحب والبغض والولاء والبراء إلى ثلاثة أقسام، وجعلوا البغض المطلق للكفار فقط، ولم يجعلوا لأهل البدع من المسلمين قسمًا مستقلًا، مما يدل على أنهم يدخلون ضمنا في قسم العصاة من الموحدين.
ومما يدل على ذلك: ما أورده الشاطبي في تقسيم البدع إلى رتب ودرجات، حيث قال: «إن البدع إِذا تُؤُمِّل معقولُها؛ وُجِدَتْ رُتَبُهَا مُتَفَاوِتَةً.
فَمِنْهَا مَا هُوَ كُفْرٌ صُرَاحٌ: كَبِدْعَةِ الْجَاهِلِيَّةِ، الَّتِي نَبَّه عَلَيْهَا الْقُرْآنُ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: [ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ] {الأنعام:136} الآية، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: [ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ] {الأنعام:139}، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: [ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ] {المائدة:103}، وَكَذَلِكَ بِدْعَةُ الْمُنَافِقِينَ حَيْثُ اتَّخَذُوا الدِّينَ ذَرِيعَةً لِحِفْظِ النَّفْسِ وَالْمَالِ، وَمَا أَشبه ذَلِكَ مِمَّا لا يُشَكّ أَنه كُفْرٌ صُرَاحٌ.
وَمِنْهَا مَا هُوَ مِنَ الْمَعَاصِي الَّتِي لَيْسَتْ بِكُفْرٍ، أَو يُخْتَلَفُ: هَلْ هِيَ كُفْرٌ أَم لَا: كَبِدْعَةِ الْخَوَارِجِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَمَنْ أَشبههم مِنَ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ.
ومنها ما هو معصية، ويُتَّفَقُ على أَنها ليست بِكُفْرٍ: كَبِدْعَةِ التَّبَتُّل، وَالصِّيَامِ قَائِمًا فِي الشَّمْسِ، والخِصَاءِ بِقَصْدِ قَطْعِ شَهْوَةِ الْجِمَاعِ.
وَمِنْهَا مَا هُوَ مَكْرُوهٌ: كَمَا يَقُولُ مَالِكٌ فِي إِتْباع رَمَضَانَ بسِتٍّ مِنْ شَوَّالَ، وقراءَةُ الْقُرْآنِ بالإِدارة، وَالِاجْتِمَاعُ للدعاءِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وَذِكْرُ السَّلَاطِينِ فِي خُطْبَةِ الْجُمْعَةَ، عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيُّ، وَمَا أَشبه ذَلِكَ.
فَمَعْلُومٌ أَن هذه البدع ليست في رتبة واحدة، ولا على نسبة واحدة، فلا يصح على هَذَا أَن يُقَالَ: إِنها عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ: هُوَ الْكَرَاهَةُ فَقَطْ، أَو التَّحْرِيمُ فَقَطْ.
وَوَجْهٌ ثَالِثٌ: أَن الْمَعَاصِيَ مِنْهَا صَغَائِرُ، وَمِنْهَا كَبَائِرُ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِكَوْنِهَا وَاقِعَةً فِي الضَّرُورِيَّاتِ، أَوِ الْحَاجِيَّاتِ، أَو التَّكْمِيلِيَّاتِ، فإِن كَانَتْ فِي الضَّرُورِيَّاتِ؛ فهي أَعظم الكبائر، وإِن وقعت في التحسينّيات؛ فَهِيَ أَدنى رُتْبَةٍ بِلَا إِشكال، وإِن وَقَعَتْ في الحاجيّات؛ فمتوسطة بين الرتبتين.
ثُمَّ إِن كُلَّ رُتْبَةٍ مِنْ هَذِهِ الرُّتَب لَهَا مُكَمِّل، وَلَا يُمْكِنُ فِي المُكَمِّل أَن يَكُونَ فِي رُتْبَةِ المكمَّل؛ فإِن المُكَمِّل مَعَ المُكَمَّل فِي نِسْبَةِ الْوَسِيلَةِ مَعَ الْمَقْصَدِ، وَلَا تَبْلُغُ الْوَسِيلَةُ رُتْبَةَ الْمَقْصَدِ، فَقَدْ ظَهَرَ تَفَاوُتُ رُتَب المعاصي والمخالفات». اهـ([647])
4- ومن أجوبة الغلاة على النصوص السابقة في تَبَعُّض الولاء والبراء… إلخ: قولهم إن عددًا من السلف أطلقوا هَجْرَ المبتدع وذمَّه -وإن كان من المسلمين- ولم يُفَصِّلوا هذا التفصيل!!
وجوابه: أن كلام هؤلاء السلف يُعْمل بكُلٍّ منه في موضعه، فما نقله شيخ الإسلام يُعْمل به في موضعه، وما سبق عن السلف في إطلاق الذم والهَجْر يُعمل به في موضعٍ آخر، فالأصل التحذير من المبتدع، لكن قد يُستفاد من المبتدع في باب العلم، كما أخذ علماء السلف الحديث وكثيرًا من العلوم عن الرواة الذين مُسُّوا ببدعة.
وقد سئل سفيان الثوري عن ثور بن يزيد الكلاعي، وكان ثقة في الحديث، لكنه رُمِيَ بالقَدَر، فقال : (خُذُوا عن ثَوْر، واتَّقُوا قَرْنَيْه).([648])
ولو تركنا أحاديث أهل البدع الثقات في نقلهم، وقلنا: جميع أهل البدع لا نحتاج إليهم في شيء، كما يقول كثير من هؤلاء الغلاة؛ لخربتْ كتب السنة، وانتشر الجهل، وخَطَبَتْ الدجاجلةُ فوق المنابر!! وقد يستفاد ممن عنده بدعة في الرد على من عندهم بدع أشدُّ وأغلظ، ويُمدح لذلك، والأمير الفاجر المبتدع يُسْمع ويُطاع له في المعروف، ويُجاهَد معه الكفارُ تحت رايته، ويُمْدَحُ لشجاعته، وذَوْدِهِ عن حياض الإسلام، ونحو ذلك، فلا نُفَوِّت مصلحة السنة أو الجماعة بسبب بِدْعَةِ عند عالم أو أمير.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «… فإذا تعذَّر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك، إلا بمن فيه بدعة، مَضَرَّتُها دون مَضَرَّة تَرْكِ ذلك الواجِب؛ كان تحصيلُ مصلحةِ الواجِبِ مع مَفْسَدَةٍ مرجوحةٍ معه خيرًا من العكس، ولهذا كان الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل…».
قال :… «وكثير من أجوبة الإمام أحمد، وغيره من الأئمة، خرج على سؤال سائل قد عَلِم المسؤولُ حالَهُ، أو خرج خطابًا لمعين قد عُلِم حالُهُ، فيكون بمنزلة قضايا الأعيان الصادرة عن الرسول -صلى الله عليه وسلّم-، إنما يَثْبُتُ حُكْمُها في نظيرها».
… «فإن أقوامًا جعلوا ذلك عامًا، فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لم يؤمروا به، فلا يَجِبُ ولا يُسْتَحَبُّ، وربما تركوا به واجبات أو مستحبات، وفَعَلُوا به محرمات، وآخرون أعرضوا عن ذلك بالكلية؛ فلم يهجروا ما أُمروا بهجره من السيئات البدعية…»([649]).
وقال قبلها([650]): «… وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم؛ فإن المقصود به زَجْرُ المهجور وتأديبهُ، ورجوعُ العامة عن مثل حاله؛ فإن كانت المصلحة في ذلك راجحةً، بحيث يُفْضِي هَجْرُه إلى ضَعْف الشر وخِفْيَتِهِ؛ كان مشروعًا، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك؛ بل يزيد الشر، والهاجر ضعيفٌ، بحيث يكون مفسدةُ ذلك راجحةً على مصلحته؛ لم يشرع الهجر؛ بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر…».
وقال : «…والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف؛ ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلّم- يتألف قومًا ويهجر آخرين، كما أن الثلاثة الذين خُلِّفوا كانوا خيرًا من أكثر المؤلفة قلوبهم؛ لمَّا كان أولئك كانوا سادةً مطاعين في عشائرهم؛ فكانت المصلحةُ الدينيةُ في تأليف قلوبهم، وهؤلاء كانوا مؤمنين، والمؤمنون سواهم كثير؛ فكان في هجرهم عِزُّ الدين، وتطهيرُهُم من ذنوبهم، وهذا كما أن المشروع في العدو القتالُ تارة، والمهادنةُ تارة، وأَخْذُ الجزية تارة، كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح…».
وقال : «…وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل؛ ولهذا كان يُفَرَّق بين الأماكن التي كَثُرَتْ فيها البدع؛ كما كَثُر القَدَر في البصرة، والتجهم بخراسان، والتشيع بالكوفة، وبين ما ليس كذلك، ويُفَرَّقُ بين الأئمة المطاعين وغيرهم، وإذا عُرِفَ مقصود الشريعة؛ سُلِكَ في حصوله أَوْصَلُ الطرق إليه..». اهـ
وقال ([651]): «وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار، فأسلم على يديه خَلْقٌ كثير، وانتفعوا بذلك، وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفارا، وكذلك بعض الملوك، قد يغزو غَزْوا يَظْلم فيه المسلمين والكفارَ، ويكون آثما بذلك، ومع هذا فيحصل به نفع خَلْقٍ كثيرٍ كانوا كفارا؛ فصاروا مسلمين، وذلك كان شرا بالنسبة للقائم بالواجب، وأما بالنسبة إلى الكفار؛ فهو خير.. ودخولُه في حُكْم المسلمين خير من أن يَبْقَى كافرا؛ فانتقل إلى خير مما كان عليه..» ا. هـ.
وقال كما في «مجموع الفتاوى»([652]) بعد أن ذكر مخالطة بعض الفرق الصوفية: «… قد يقترن بالحسنات سيئات إما مغفورة، أو غير مغفورة، وقد يتعذر أو يتعسر على السالك سلوك الطريق المشروعة المحضة إلا بنوع من المُحْدَث؛ لعدم القائم بالطريق المشروعة عِلْمًا وعَمَلًا؛ فإذا لم يحصل النور الصافي، بأن لم يوجَدْ إلا النور الذي ليس بصافٍ؛ وإلا بَقِيَ الإنسانُ في الظلمة؛ فلا ينبغي أن يعيب الرجل، ويَنْهَي عن نور فيه ظلمة؛ إلا إذا حَصَل نور لا ظلمة فيه، وإلا فكم ممن عَدَلَ عن ذلك يَخْرُجُ عن النور بالكلية؛ إذا خرج غيره عن ذلك؛ لما رآه في طرق الناس من الظلمة…».
وقال : «.. وإنما قررت هذه القاعدة؛ لِيُحْمَلَ ذَمُّ السلف والعلماء للشيء على موضعه، ويُعْرَفَ أن العدول عن كمال خلافة النبوة المأمور به شرعا: تارة يكون لتقصيرٍ بترك الحسنات عِلْمًا وعَمَلًا، وتارة بعدوانٍ بفعل السيئات عِلْمًا وعَمَلًا، وكل من الأمرين قد يكون عن غلبة، وقد يكون مع قدرة؛
فالأول: قد يكون لعجز وقصور، وقد يكون مع قدرة وإمكان. والثاني: قد يكون مع حاجة وضرورة، وقد يكون مع غنى وسعة، وكل واحد من العاجز عن كمال الحسنات. والمضطر إلى بعض السيئات معذور…».
إلى أن قال: «.. فهذا طريق الموازنة والمعادلة، ومن سلكه كان قائما بالقسط الذي أنزل الله له الكتاب والميزان». اهـ
قلت: فتأمل هذه التفصيلات من هذا العالِم الربَّانيّ، والذي يمكن حَمْلُ إطلاق السلف في مواضع، وتفصيلاتهم في مواضع أخرى على شيء من هذه التفاصيل؛ حتى لا يظن جاهل أو غالٍ مسرف أن السلف منهجهم متناقض ومضطرب!!
فهذه التفاصيل من هذا العالم الخبير بمنهج السلف، الجامع لأطرافه، والذي سار عليه من بعده من علماء السنة إلى هذا العصر -ولله الحمد-مما تحمرَّ به أنوفُ الغلاة المتهورين، وتضيقُ به صدورهم، وإذا سمعوه أو وقفوا عليه تدور أعينهم كالذي يُغْشّى عليه من الموت، فالحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وجاء في «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية»([653]) فتوى للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب -رحمة الله عليهم جميعًا-.
فقد قال تعالى-: «وأما الرجل الذي يخالطُ أهلَ بلَدِهِ ومَحَلَّتِهِ، ويرجو بمخالطَتِهم أنْ يُجيبوه إلى الإسلام وإلى السُنَّة، ويتركوا ما هم عليه من شركٍ أو بدعة أو فواحش؛ فهذا يلزمه خِلْطَتُهم ودعوتُهم -إنْ أَمِنَ الفتنة- لما في ذلك من المصلحة الراجحة على مصلحة الهجر والاعتزال، ورؤيةُ المنكر، إذا رجا بها إزالته وتغييره، وأَمِنَ الفتنةَ به، ولم يمكن تحصيلُ المصالح الدينية إلا بذلك؛ فلا حَرَج عليه، بل ربما تأكَّدَ واسْتُحِب».
قال: «وبلغني أنّ شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- كان يخرج إلى عسكر التتار لما نزلوا الشام المرة الأولى حول دمشق، ويجتمع بأميرهم ويأمره وينهاه، ويرى في خروجه عندهم أشياء من المنكرات».
قال: «وقد أراد بعضُ الأفاضل ممنْ صَحِبَهُ في إحدى تلك المرات أنْ يُنْكِرَ على جماعةٍ منهم ما رَأَوْه يدور بينهم من كاسات الخمر؛ فقال له الشيخ: «لا تفعل»؛ إنهم لو تركوا هذا؛ لزاد شَرُّهُم على المسلمين وجُرْمُهم».
وفي «مجلة البحوث الإسلامية»([654]) فتوى لسماحة المفتي العام للمملكة: الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ، سُئل -حفظه الله تعالى-: ما هو الضابط في التعامل مع المبتدع؟ وهل يُهْجَرُ بمجرد فِعْلِهِ بدعةً أو أكثر؟
قال -حفظه الله-: «من أَعْلَن بدعةً؛ وَجَبَ أنْ ننصحَه ونُوَجِّهَه، ونناقشه؛ فلعلّ شُبْهَةً عَرَضَتْ له، وتأويلًا خَطَر بباله، وعليه: يجب أنْ نُزيلَ شبهته، ونُبينَ خطأ تأويله، ونوضحَ له الحق، فإنّ هذا هو الواجب علينا؛ لأنّ كُلًّا عُرضةٌ للخطأ، وربما هو أخطأ ويظن أنه مصيب، وتُعْرَض عليه شبهةٌ أو تأويل وظَنَّ أنّ ذلك خيرٌ، فيجب أنْ ننصحه أولًا، ونوجهه، ونقنعه، ونجادله بالتي هي أحسن؛ لِنُحِقَّ الحقَّ ونُبْطِلَ الباطل.
فإنّ كثيرًا من الناس قد يقع في الخطأ من غير قَصْد، ولكن لأجل سوء فَهْمٍ، وقِلَّةِ إدراكٍ، وشبهةٍ عَرَضَتْ له، وتأويلٍ لبعض النصوص، ظنّ أنّ هذا التأويل تأويلٌ سائغ، فلا بُدَّ من النصيحة والإقناع، فعسى الله أنْ يفتحَ على قلبه، ويُخَلِّصَه من تلك الشبهات، ويصرفَ قلْبَه عن تلك التأويلات الباطلة).
ثم قال بعد ذلك: (وإذا أُقيم الحق عليه، وأَبَى واستكبر، ولم يَنْقَدْ إلى الحق؛ وجب أنْ نهجره على قَدْرِ بدعته، ونَكْرَهَه على قَدْر ما قام به من الشر».ا.هـ
وقد سُئل شيخنا الشيخ مقبل الوادعي -رحمة الله عليه- كما في «الأجوبة السديدة في فتاوى العقيدة»([655]) عن هجر المبتدعة، فقال السائل: «عَلِمْتُ أنّ هجر المبتدع واجبٌ إذا أَصَرّ على بدعته، ولكن هل يَصِحُّ هَجْرُ من لم يَهْجُر المبتدع؟ وهو لا يعمل بعمله؟ ولكن يخالطُه، ولم يَهْجُرْهُ؟».
فأجاب الشيخ : «قَبْل هذا، هَجْر المبتدع كان ضَيِّقًا على عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- وتوسَّع فيه الناس، كيف ذلك؟
مثلًا مبتدع، وأنت ترى أنك تدعوه إلى الله، وربما يرجع، أو ترى أنك إنْ تركته وهجرته ربما يتمادى في ضلاله، أو ربما تَحْتَضِنُهُ الأحزابُ الأخرى، وأنت تنظر إلى مصلحة الإسلام والمسلمين، ولا تهجره من أجل مصلحة نفسك، فالرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: «حَقُ المُسْلِمُ عَلَى المُسْلِم خَمْس» ومنها: «إِذَا لَقِيتَه؛ فَسَلِّم عليه».
أما إذا كُنْتَ ترى أنك إذا هجرتَهُ سيرجع إلى الله -سبحانه وتعالى- ويتوب؛ فلك أنْ تهجره، والهجر كما سمعتَ كان مُضَيَّقًا على عهد النبي
-عليه الصلاة والسلام- فالنبي -صلى الله عليه وسلم- هَجَر الثلاثةَ الذين خُلِّفوا، وهَجَر نساءه شهرًا، وهجر من تَضَمَّخَ بالخَلوق، والله المستعان، فما ينبغي أنْ نتوسع في الهجر؛ حتى ما نكون سببًا لنفور الناس عن السُنَّة وعن الخير».ا.هـ
وبعد وقوفك أيها الباحث عن الحق على هذه النصوص، والتفاصيل التي يُحْمَل عليها كلام مَن أَجْمَل وأَطْلَق، لَزِمك أن تفرق بين المخالف الباحث عن الحق، إلا أنه ضلَّ لشبهة عرضت له، مع حُسْن بلائه في خدمة الإسلام في جوانب أخرى، وبين صاحب الهوى والحسد والعناد والأطماع الدنيوية الدنيئة، وتفرق بين زمن ظهور السنة وانتشارها، ووضوح الحق لأكثر الناس، وزمن خفاء السنة وضَعْف أهلها، وشيوع البدع والجهالات، وتُفرق بين من هَجْره ينفع الإسلام، ومن هجْره يضره، فيزداد شره على الإسلام وأهله، وتُفَرِّق بين من خالف الحق في أصلٍ أصيل مُجمع عليه، ومن خالف في أمرٍ خفيٍّ دقيق، وتُفَرِّق بين من انحرف، لكنه من جهة أخرى فإنه يردّ على من هو أشد انحرافا، وأضْعف الله به شوْكة صاحب البدعة الغليظة، وبين من دونه، وتُفَرِّق بين الداعية لبدعة وبين العاميّ الساكت… إلى غير ذلك من القرائن التي لا يراعيها إلا أهل العلم والحلم والعدل والفهم، أما غلاة التبديع شيبًا وشبانًا فهم في أمرٍ مريج، والله أعلم.
فالْزَم العدل يا طالب النجاة في حبك وبغضك، ومدحك وذمك، واحذر من دعاة الإفراط أو التفريط، والْمُوَفَّقُ من وَفَّقَهُ اللهُ، والمخذولُ مَنْ خَذَلَهُ اللهُ.
وصلِّ اللهم وسَلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه/
أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني
4/ شعبان 1439 هجرية.
A
A
[15]إلزام الخلَف بمنهاج السلَف













