كتب للقراءة

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلدالأول

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الأول

(إلزام الخلَف بمنهاج السلَف)

  • السؤال الخامس عشر: هل يلزمنا اتباعُ منهج السلف الصالح، أم يكفينا الكتاب والسنة فقط؟ ومن هم السلف الصالح؟ وإذا كان يلزمنا ذلك؛ فما هي طريقتهم التي أُمِرْنا باتباعها؟

الجواب:

«منهاج السلف» جملة مكونة من كلمتين، الأولى «منهاج» والثانية «السلف» و«المنهاج» هو الطريقة التي يسلكونها في القيام بالدين، و«السلف» تطلق على كل من تقدم، والمراد في هذا المقام: القرون المفضلة: الصحابة، والتابعون، وتابعو التابعين، والمنتسب للسلف يقال له: «سلفي» وطريقة السلف هي «السلفية».

وقد يعترض بعضهم فيقول: لماذا نقول: «سلفي» ألا يكفي أن نقول: «مسلم» وفقط، كما قال تعالى: [ﯗ ﯘ ﯙ ] {الحج:78}؟

والجواب: قد كان يكفي الانتساب للإسلام فقط لما كان الناس منحصرين في «مسلم» و«كافر»، أما بعد أن تفرَّق المسلمون إلى فِرقٍ شتى؛ فالانتساب للإسلام فقط غير كافٍ؛ وقد اعترض بهذا أحد الناس على شيخنا الألباني فقال له الشيخ: وما أنت؟

قال: مسلم.

فقال له: مسلم معتزلي أو قدري أو شيعي… إلخ؟

قال: لا، مسلم سُنِّي.

فقال له: سُنِّي أشعري.

فقال: لا، سُنِّي على منهج السلف.

فقال له الشيخ: ألا ترى أن نترك هذه المحاضرة الطويلة «سني على منهج السلف» ونقول: «سلفي»؟! فسكت السائل.

قلت: ومع وجاهة هذه النتيجة التي انتهت إليها هذه المناظرة اللطيفة، إلا أنه يُعكر عليها أن «السلفيين» أنفسهم تفرقوا فرقا، كل فرقة تتبع شيخا، ويبدِّع بعضهم بعضا -إلا من رحم الله- فهل سنقول: سلفية فلان أو فلان أو فلان… إلخ؟ وذلك: لأن كلمة «سلفي» وحدها لم تعُدْ كافية في الجواب؟

والجواب: لا حاجة لذلك؛ فليس كلما ابتدع أحدهم قولا أضفنا وصْفا جديدا، فقد اختلف أهل السنة من قبل، ومع ذلك بقُوا محتفظين بقولهم: «فلان سلفي» أو «أثري» أو «من أهل الحديث»؛ إشارة إلى السنة الصافية، وهكذا فلنكن، والله أعلم.

وبعد هذه المقدمة؛ فأرجع للجواب، فأقول:

أولًا: يجب اتباع طريقة السلف الصالح في المسائل والدلائل؛ لقول الله تعالى: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ] {النساء:115}.

فجعل الله -سبحانه وتعالى- اتباعَ غير سبيل المؤمنين سببًا للهلَكة، كمشاقة الرسول بعد وضوح الهُدى وبيان دلائله.

والذمُّ أو العقابُ إذا ترتَّبا على فِعْلِ أَمْرَيْن فأكثر؛ دَلَّ ذلك على اشتراك تَرْكِ كل هذه الأمور في وجوب الذم والعقاب، كما هو مقرر في الأصول([656]).

* ومن الأدلة على ذلك أيضًا: قوله تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ] {التوبة:100}.

* وقوله -جلَّ ثناؤُه-: [ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ [ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ] {الفاتحة:6، 7}.

* روى ابن أبي حاتم في «تفسيره»([657]) قال: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى قِرَاءَةً، أَنْبَأَ ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: «سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَوُلاةُ الأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ سُنَنًا: الأَخْذُ بِهَا تَصْدِيقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَاسْتِكْمَالٌ لِطَاعَةِ اللَّهِ، وَقُوَّةٌ عَلَى دِينِ اللَّهِ، لَيْسَ لأَحَدٍ تغييرها ولا تبديلها، وَلا النَّظَرُ فِيمَا خَالَفَهَا، مَنِ اقْتَدَى بِهَا؛ مُهْتَدٍ، وَمَنِ اسْتَنْصَرَ بِهَا؛ مَنْصُورٌ، وَمَنْ خَالَفَهَا؛ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ؛ وَلاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى، وَصَلَاهُ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا».([658])

قال الشاطبي في «الاعتصام»([659]) وهو يتحدث عن عمر بن عبد العزيز :

«وَمِنْ كَلَامِهِ الَّذِي عُنِيَ بِهِ، وَيَحْفَظُهُ الْعُلَمَاءُ، وَكَانَ يُعْجِبُ مَالِكًا جِدًّا، وَهُوَ أَنْ قَالَ: (سنَّ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَوُلَاةُ الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ سُنَنًا،… فذكره.

وَبِحَقٍّ كَانَ يُعْجِبُهُمْ؛ فَإِنَّهُ كَلَامٌ مُخْتَصَرٌ، جَمَعَ أُصُولًا حَسَنَةً مِنَ السُّنَّةِ، مِنْهَا مَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: (لَيْسَ لِأَحَدٍ تَغْيِيرُهَا، وَلَا تَبْدِيلُهَا، وَلَا النَّظَرُ فِي شَيْءٍ خَالَفَهَا)، قَطْعٌ لِمَادَّةِ الِابْتِدَاعِ جُمْلَةً.

وَقَوْلُهُ: (مَنْ عَمِلَ بِهَا مُهْتَدٍ) إِلَى آخِرِ الْكَلَامِ، مَدْحٌ لِمُتَّبِعِ السُّنَّةِ، وَذَمٌّ لِمَنْ خَالَفَهَا بِالدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ] {النساء:115}». اهـ

وقال القاضي عياض : قال مطرف: سمعت مالكًا إذا ذُكِرَ عنده فلانٌ من أهل الزيغ والأهواء يقول: قال عمر بن عبد العزيز تعالى-… فذكره.

قال: وكان مالك إذا حَدَّثَ بهذا ارْتَجَّ سرورًا. اهـ([660])

وقال الإمام ابن القيم … بعد أن أورد هذا الكلام عن عمر بن عبد العزيز: «كان مالك بن أنس وغيره من الأئمة يستحسنونه ويحدثون به دائمًا».([661])

وقد أورد العلماء هذه الآية في كتب العقيدة والسنة، مستدلين بها على وجوب التمسك بما كان عليه السلف الصالح، وسأورد شيئًا من أقوالهم، ومن استدلالهم بها على عدد كبير من مسائل الاعتقاد:

قال الإمام البخاري : «وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ بِكَلَامِهِ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ فَإِنَّهُ يُعَلَّمُ، وَيُرَدُّ جَهْلُهُ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَمَنْ أَبَى بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ؛ كَانَ مُعَانِدًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: [ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ] {التوبة:115}، وَلِقَوْلِهِ: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ] {النساء:115}». اهـ([662])

وقال الإمام الدارمي : «فَإِنْ كُنْتُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلَى مِنْهَاجِ أَسْلَافِهِمْ؛ فَاقْتَبِسُوا الْعِلْمَ مِنْ آثَارِهِمْ، وَاقْتَبِسُوا الْهُدَى فِي سَبِيلِهِ، وَارْضَوْا بِهَذِهِ الْآثَارِ إِمَامًا، كَمَا رَضِيَ بِهَا الْقَوْمُ لِأَنْفُسِهِمْ إِمَامًا، فَلَعَمْرِي، مَا أَنْتُمْ أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنْهُمْ وَلَا مِثْلَهُمْ، وَلَا يُمْكِنُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ إِلَّا بِاتِّبَاعِ هَذِهِ الْآثَارِ عَلَى مَا تُرْوَى، فَمَنْ لَمْ يَقْبَلْهَا؛ فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتَّبِعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: [ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ] {النساء:115}». اهـ([663])

وقال الإمامُ أبو حاتمٍ الرازي ؛ بعد أنْ بيَّنَ فضلَ الصَّحابةِ: «فكانوا عُدولَ الأُمَّةِ، وأئمَّةَ الهُدى، وحُجَجَ الدِّينِ، ونَقَلةَ الكِتابِ والسُّنةِ، وندَبَ اللهُ إلى التمسُّكِ بهَدْيِهم، والجَرْيِ على مِنهاجِهم، والسُّلوك لسَبيلهم، والاقتداءِ بهم، فقال: [ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ] {النساء:115}». اهـ([664])

وقال الآجري : فإن اعْتَرَضَ جاهلٌ ممن لا عِلْمَ معه، أو بعضُ هؤلاء الجهمية الذين لم يُوَفَّقُوا للرشاد؛ لَعِبَ بهم الشيطان، وحُرِمُوا التوفيق.

فقال: والمؤمنون يرون ربهم يوم القيامة؟

قيل له: نعم، والحمد لله تعالى على ذلك.

فإن قال الجهمي: أنا لا أومن بهذا.

قيل له: كَفَرْتَ بالله العظيم.

فإن قال: وما الحجة؟

قيل: لأنك رَدَدْتَ القرآنَ والسنةَ وقولَ الصحابة -رضي الله عنهم- وقولَ علماء المسلمين، واتَّبَعْتَ غير سبيل المؤمنين، وكُنْتَ ممن قال الله تعالى: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ] {النساء:115}… ثم ذكر بعض أدلة رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة». اهـ([665])

وفي «الشريعة» للآجري ([666]) في رَدِّهِ على الذين عَطَّلوا صفةَ الكلام لله -سبحانه وتعالى-: «مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ مُسْلِمٌ، ثُمَّ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى؛ فَقَدْ كَفَرَ، يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ؛ وَإِلَّا قُتِلَ.

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لِمَ؟ قِيلَ: لِأَنَّهُ رَدَّ الْقُرْآنَ وَجَحَدَهُ، وَرَدَّ السُّنَّةَ، وَخَالَفَ جَمِيعَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَزَاغَ عَنِ الْحَقِّ، وَكَانَ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ : [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ] {النساء:115}». اهـ

وفي «الشريعة» للآجري أيضًا([667]) في الكلام عن الشفاعة: «إِنَّ الْمُكَذِّبَ بِالشَّفَاعَةِ؛ أَخْطَأَ فِي تَأْوِيلِهِ خَطَأً فَاحِشًا، خَرَجَ بِهِ عَنِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ عَمَدَ إِلَى آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكُفْرِ، أَخْبَرَ اللَّهُ : أَنَّهُمْ إِذَا دَخَلُوا النَّارَ أَنَّهُمْ غَيْرُ خَارِجَيْنَ مِنْهَا، فَجَعَلَهَا الْمُكَذِّبُ بِالشَّفَاعَةِ فِي الْمُوَحِّدِينَ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى أَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ، أَنَّهَا إِنَّمَا هِيَ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ، وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى هَذَا، فَخَرَجَ بِقَوْلِهِ السُّوءِ عَنْ جُمْلَةِ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْأَيْمَانِ، وَاتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ، قَالَ اللَّهُ : [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ] {النساء:115}.

قَالَ: فَكُلُّ مَنْ رَدَّ سُنَنَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَسُنَنَ أَصْحَابِهِ؛ فَهُوَ مِمَّنْ شَاقَقَ الرَّسُولَ وَعَصَاهُ، وَعَصَى اللَّهَ تَعَالَى بِتَرْكِهِ قَبُولَ السُّنَنِ، وَلَوْ عَقَلَ هَذَا الْمُلْحِدُ وَأَنْصَفَ مِنْ نَفْسِهِ؛ عَلِمَ أَنَّ أَحْكَامَ اللَّهِ وَجَمِيعَ مَا تَعَبَّدَ بِهِ خَلْقَهُ إِنَّمَا تُؤْخَذُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ : أَنْ يُبَيِّنَ لِخَلْقِهِ مَا أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ مِمَّا تَعَبَّدَهُمْ بِهِ، فَقَالَ -جَلَّ ذِكْرُهُ-: [ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ] {النحل:44}.

وَقَدْ بَيَّنَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِأُمَّتِهِ جَمِيعَ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، وَبَيَّنَ لَهُمْ أَمْرَ الدُّنْيَا وَأَمْرَ الْآخِرَةِ، وَجَمِيعَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وَلَمْ يَدَعْهُمْ جَهَلَةً لَا يَعْلَمُونَ؛ حَتَّى أَعْلَمَهُمْ أَمْرَ الْمَوْتِ وَالْقَبْرِ وَمَا يَلْقَى الْمُؤْمِنُ، وَمَا يَلْقَى الْكَافِرُ، وَأَمْرَ الْمَحْشَرِ وَالْوُقُوفِ، وَأَمْرَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَالًا بَعْدَ حَالٍ، يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْحَقِّ». اهـ

وقال في سياق الرد على الروافض([668]): «فَقَدْ أَثْبَتُّ مِنْ بَيَانِ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- مَا إِذَا نَظَرَ فِيهَا الْمُؤْمِنُ؛ سَرَّهُ، وَزَادَهُ مَحَبَّةً لِلْجَمِيعِ، وَإِذَا نَظَرَ فِيهَا رَافِضِيُّ خَبِيثٌ، أَوْ نَاصِبِيُّ ذَلِيلٌ مَهِينٌ؛ أَسْخَنَ اللَّهُ الْكَرِيمُ بِذَلِكَ أَعْيُنَهُمَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُمَا خَالَفَا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- واتَّبَعَا غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ اللَّهُ : [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ] {النساء:115}، وَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوًا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ»، فَهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ بِإِحْسَانٍ». اهـ

وقال ابن قدامة : «ثمَّ لَا خلاف بَيْننَا: أَن الْإِجْمَاع حجَّة قَاطِعَة، فَإِذا اجْتمعتْ الصَّحَابَة -رَضِي الله عَنْهُم- على أَمر، ثمَّ اتَّبَعَهُم عَلَيْهِ أَئِمَّةُ التَّابِعين، واقْتَدَى بهم مَنْ بَعْدَهمْ من الْأَئِمَّة فِي كل عصر وزمان، وحَثَّ بَعضُهم بَعْضًا على التَّمَسُّك بِهِ، وحَذَّرُوا أَصْحَابهم من مُخَالفَته؛ فَكيف يُقَال لمُتَّبِعِ ذَلِك: أَحمَقُ مُغْتَرُّ، إِنَّمَا الأحمقُ المُغْتَرُّ الْمُخطئُ المبتدعُ: هُوَ الْمُخَالفُ لذَلِك، الرَّاغِبُ عَنهُ.

* قَالَ الله تَعَالَى: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ] {النساء:115}». اهـ([669])

وقال : «فَكَذَلِك كل من اتبع إِمَامًا فِي الدُّنْيَا فِي سُنَّةٍ أَو بِدعَة، أَو خيرٍ أَو شَرّ؛ كَانَ مَعَه فِي الْآخِرَة، فَمن أحَبَّ الْكَوْن مَعَ السّلف فِي الْآخِرَة، وَأَن يكون موعودًا بِمَا وُعِدُوا بِهِ من الجنات والرضوان؛ فَلْيَتَّبِعْهُم بِإِحْسَان، وَمن اتَّبَعَ غير سبيلهم؛ دخل فِي عُمُوم قَوْله تَعَالَى: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ] الْآيَة {النساء:115}». اهـ([670])

وقال أيضًا: «الْبَاب الثَّانِي فِي بَيَان وجوب اتباعهم، والحَثِّ على لُزُوم مَذْهَبهم، وسلوك سبيلهم، وَبَيَان ذَلِك من الْكتاب وَالسّنة وأقوال الْأَئِمَّة:

وَأما الْكتاب: فَقَوْل الله تَعَالَى: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ] {النساء:115} فتوَعَّدَ على اتِّبَاع غير سبيلهم بِعَذَاب جَهَنَّم، ووَعَدَ مُتَّبِعَهُم بالرضوان وَالْجنَّة، فَقَالَ تَعَالَى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ] {التوبة:100}، فوَعَدَ المُتَّبِعِين لَهُم بِإِحْسَان بِمَا وَعَدَهُم بِهِ من رضوانه وجنته والفوز الْعَظِيم.

قال وَمن السّنة: قَولُ النَّبِي -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم-: «عَلَيْكُم بِسنتي، وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين، من بعدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بالنواجذ، وَإِيَّاكُم ومُحْدَثَات الْأُمُور؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدعَة، وكُلَّ بِدعَةٍ ضَلَالَة».

فَأمر بالتمسك بِسنة خلفائه، كَمَا أَمر بالتمسك بسنته، وَأخْبر أَن المُحْدَثات بِدَعٌ وضلالةٌ، وَهُوَ مَا لم يُتَّبَعْ فِيهِ سنةُ رَسُول الله -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- وَلَا سنةُ أَصْحَابه». اهـ([671])

وقال ابن أبي العز الحنفي : «قَوْلُهُ -يعني الطحاوي : (وَنَتَّبِعُ السنة وَالْجَمَاعَة، وَنَجْتَنِبُ الشُّذُوذَ وَالْخِلَافَ وَالْفُرْقَة).

السُّنَّةُ: طَرِيقَة الرَّسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالْجَمَاعَة: جَمَاعَة الْمُسْلِمِينَ، وَهُمُ الصَّحَابَة وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، فَاتِّبَاعُهُمْ هُدًى، وَخِلَافُهُمْ ضَلَالٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ] {آل عمران:31}.

وَقَالَ: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ] {النساء:115}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ] {النور:54}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ] {الأنعام:153}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ] {آل عمران:105}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ] {الأنعام:159}.

وَثَبَتَ فِي السُّنَنِ الْحَدِيثُ الَّذِي صَحَّحَه التِّرْمِذِيُّ، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَة، قَالَ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَوْعِظَة بَلِيغَة، ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَة مُوَدِّعٍ؟ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ: «أُوصِيكُمْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي؛ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا؛ فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وسنة الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَة ضَلَالَة». وَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ افْتَرَقُوا فِي دِينِهِمْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّة، وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّة سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّة، يَعْنِي الْأَهْوَاءَ، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَة، وَهِيَ الْجَمَاعَة». وَفِي رِوَايَة: «قَالُوا: مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي». فَبَيَّنَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّ عَامَّة الْمُخْتَلِفِينَ هَالِكُونَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، إِلَّا أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَة.

وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عنه- حَيْثُ قَالَ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُسْتَنًّا؛ فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ؛ فَإِنَّ الْحَي لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَة، أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كَانُوا أَفْضَلَ هَذِهِ الْأُمَّة: أَبَرَّهَا قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَة نَبِيِّه، وَإِقَامَة دِينِه؛ فَاعْرَفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ، وَاتَّبِعُوهُمْ فِي آثَارِهِمْ، وَتَمَسَّكُوا بِمَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَدِينِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهَدْى الْمُسْتَقِيمِ)». اهـ([672])

وقال : «قَوْلُهُ: (وَعُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنَ السَّابِقِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ – أَهْلُ الْخَيْرِ وَالْأَثَرِ، وَأَهْلُ الْفِقْهِ وَالنَّظَرِ – لَا يُذْكَرُونَ إِلَّا بِالْجَمِيلِ، وَمَنْ ذَكَرَهُمْ بِسُوءٍ؛ فَهُوَ عَلَى غَيْرِ السَّبِيلِ).

ش: قَالَ تَعَالَى: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ] {النساء:115}، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَعْدَ مُوَالَاةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مُوَالَاةُ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ، خُصُوصًا الَّذِينَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، الَّذِينَ جَعَلَهُمُ اللَّهُ بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ، يُهْدَى بِهِمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَدِرَايَتِهِمْ؛ إِذْ كُلُّ أُمَّةٍ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عُلَمَاؤُهَا شِرَارُهَا، إِلَّا الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ عُلَمَاءَهُمْ خِيَارُهُمْ، فَإِنَّهُمْ خُلَفَاءُ الرَّسُولِ مِنْ أُمَّتِهِ، وَالْمُحْيُونَ لِمَا مَاتَ مِنْ سُنَّتِهِ، فَبِهِمْ قَامَ الْكِتَابُ، وَبِهِ قَامُوا، وَبِهِمْ نَطَقَ الْكِتَابُ، وَبِهِ نَطَقُوا، وَكُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ اتِّفَاقًا يَقِينًا عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-». اهـ([673])

  • ثانيًا: أن إجماعَ السلف -رضي الله عنهم- حجة، وقد أُمِرْنا باتباعهم، ودليلُ ذلك الآيةُ السابقة: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ] {النساء:115} وغيرها من الآيات السابقة أيضًا.

وقد احتج الإمام الشافعي بهذه الآية على حجية الإجماع.([674])

قال المزني والربيع – رحمهما اللَّه تعالى -:

«كنا يومًا عند الشَّافِعِي، إذ جاء شيخ، فقال له: أسألُ؟ قال الشَّافِعِي: سَلْ، قال: (إيش) الحجّة في دين اللَّه؟

فقال الشَّافِعِي: كتاب اللَّه.

قال: وماذا؟

قال: سُنَّة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.

قال: وماذا؟

قال: اتفاق الأمة.

قال: ومن أين قلت اتفاق الأمة، من كتاب اللَّه؛ فتدبر الشَّافِعِي ساعةً، فقال الشيخ: أَجَّلْتُكَ ثلاثَةَ أيام؛ فتغير لون الشَّافِعِي، ثم إنَّه ذهب فلم يَخْرُجْ أيامًا.

قال: فخرج من البيت في اليوم الثالث، فلم يكن بأسرع أن جاء الشيخ، فَسَلَّمَ، فجلس، فقال: حاجتي؟

فقال الشَّافِعِي تعالى-: نعم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، قال اللَّه : [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ] {النساء:115}.

لا يصليه جهنم على خلاف سبيل المؤمن إلا وهو فَرْضٌ.

قال: فقال: صَدَقْتَ. وقام وذهب.

قال الشَّافِعِي : قرأْتُ القرآن في كل يوم وليلة ثلاث مرات حتى وقفت عليه».([675])

قال الواحدي : «قال العلماء: هذه الآية من أقوى الحجج على صحة الإجماع، واحتج بها الشافعي ، وكان قد سئل عن دليل من كتاب الله على صحة الإجماع؟ فتلا هذه الآية.

وَوَجْهُ الاحتجاج: هو أن الله تعالى أوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين، كما أوعد على مشاقة الرسول ، فَسَوَّى بين مخالفة سبيل المؤمنين، وبين مشاقة الرسول بعد تَبَيُّنِ الهدى، والآية وإن نزلت في خائن الدرع؛ فهي عامة لكل من لَزِمَهُ هذا الوصفُ. اهـ([676])

وقال الزمخشري : «[ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ] {النساء:115} وهو السبيل الذي هم عليه من الدين الحنيفي القيم، وهو دليل على أن الإجماع حجة لا تجوز مخالفتها، كما لا تجوز مخالفة الكتاب والسنة؛ لأنّ اللَّه -عَزَّ وعَلا- جمع بين اتباع سبيل غير المؤمنين، وبين مشاقة الرسول في الشرط، وجعل جزاءه الوعيد الشديد؛ فكان اتباعُهُم واجبا، كموالاة الرسول -عليه الصلاة والسلام-». اهـ([677])

بل نقل ابن طاهر المقدسي الإجماع على ذلك، فقال : «وإجماع أصحاب الرسول وثيقةٌ… لأنهم أهل التلاوة والبصر، قال الله تعالى: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ] {النساء:115}.

وأَجْمَعَ المفَسِّرون أن الآية واردةٌ في لزوم اتباع الصحابة فيما أجمعوا عليه». اهـ([678])

وقال الحافظ ابن كثير : «أَيْ: وَمَنْ سَلَكَ غَيْرَ طَرِيقِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الرَّسُولُ -صلى الله عليه وسلم-، فَصَارَ فِي شِقٍّ، وَالشَّرْعُ فِي شِقٍّ، وَذَلِكَ عَنْ عَمْد مِنْهُ بَعْدَمَا ظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ، وَتَبَيَّنَ لَهُ، وَاتَّضَحَ لَهُ. وَقَوْلُهُ: [ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ] {النساء:115} هَذَا مُلَازِمٌ لِلصِّفَةِ الْأُولَى، وَلَكِنْ قَدْ تَكُونُ الْمُخَالَفَةُ لِنَصِّ الشَّارِعِ، وَقَدْ تَكُونُ لِمَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ، فِيمَا عُلِمَ اتِّفَاقُهُمْ عَلَيْهِ تَحْقِيقًا؛ فَإِنَّهُ قَدْ ضُمِنت لَهُمُ الْعِصْمَةُ فِي اجْتِمَاعِهِمْ مِنَ الْخَطَأِ، تشريفًا لهم، وتعظيما لنبيهم -صلى الله عليه وسلم-.

وَقَدْ وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ كَثِيرَةٌ، قَدْ ذَكَرْنَا مِنْهَا طَرَفًا صَالِحًا فِي كِتَابِ «أَحَادِيثِ الْأُصُولِ»، وَمِنِ الْعُلَمَاءِ مَنِ ادَّعَى تَوَاتُرَ مَعْنَاهَا، وَالَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الِاحْتِجَاجِ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً تَحْرُم مُخَالَفَتُهُ: هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، بَعْدَ التَّرَوِّي وَالْفِكْرِ الطَّوِيلِ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ الِاسْتِنْبَاطَاتِ وَأَقْوَاهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ قَدِ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ، وَاسْتَبْعَدَ الدِّلَالَةَ مِنْهَا عَلَى ذَلِكَ». اهـ([679])

وقال النيسابوري : «يُحكى أنّ الشافعي سئل عن آية في كتاب الله دالّة على أن الإجماع حجة، فقرأ القرآن ثلاثمائة مرة حتى وقف على هذه الآية.

ووجه الاستدلال: أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام؛ لأنه تعالى جمع بين اتباع غير سبيلهم وبين مشاقة الرسول، ورتب الوعيد عليهما، واتباع غير سبيل المؤمنين يلزمه عدم اتباع سبيل المؤمنين؛ لاستحالة الجمع بين الضدين أو النقيضين، فعدم اتباع سبيل المؤمنين حرام؛ فاتباع سبيلهم واجب، كموالاة الرسول». اهـ([680])

وقال الألوسي : مُبَيِّنًا وَجْهَ استدلال الإمام الشافعي بهذه الآية على حجية الإجماع…

وأوضح القاضي وجه الاستدلال بها على حجية الإجماع وحُرْمَةِ مخالفته: بأنه تعالى رَتَّبَ فيها الوعيد الشديد على المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين، وذلك إما لحرمة كل واحد منهما، أو أحدهما، أو الجمع بينهما، والثاني باطل؛ إذ يَقْبُح أن يقال: من شرب الخمر وأكل الخبز؛ اسْتَوْجَبَ الحدّ، وكذا الثالث؛ لأن المشاقة مُحَرَّمَةٌ، ضُمَّ إليها غيرها أو لم يُضَمَّ، وإذا كان اتباع غير سبيلهم مُحَرَّمًا؛ كان اتباع سبيلهم واجبا؛ لأن تَرْكَ اتباع سبيلهم ممن عَرَفَ سبيلَهُم اتباعُ غيرِ سبيلِهِم». اهـ([681])

وقال السعدي : «وقد اسْتُدِلَّ بهذه الآية الكريمة على أن إجماع هذه الأمة حجة، وأنها معصومة من الخطأ.

ووجه ذلك: أن الله توعد من خالف سبيل المؤمنين بالخذلان والنار، و[ﭹ ﭺ ] {النساء:115} مفرد مضاف يشمل سائر ما المؤمنون عليه من العقائد الباطنة والأعمال الظاهرة، فإذا اتفقوا على إيجاب شيء أو استحبابه، أو تحريمه أو كراهته، أو إباحته؛ فهذا سبيلهم، فمن خالفهم في شيء من ذلك بعد انعقاد إجماعهم عليه؛ فقد اتبع غير سبيلهم، ويدل على ذلك قوله تعالى: [ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ] {آل عمران:110}.

ووجه الدلالة منها: أن الله تعالى أخبر أن المؤمنين من هذه الأمة لا يأمرون إلا بالمعروف، ولا يَنْهَوْن إلا عن المنكر، فإذا اتفقوا على إيجاب شيء، أو استحبابه؛ فهو مما أَمَروا به، فيتعين بنص الآية أن يكون معروفا، ولا شيء بعد المعروف غير المنكر، وكذلك إذا اتفقوا على النهي عن شيء؛ فلا يكون إلا منكرا، ومثل ذلك قوله تعالى: [ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ] {البقرة:143} فأخبر تعالى أن هذه الأمة جعلها الله وسطا، أي: عدلا خيارا؛ ليكونوا شهداء على الناس، أي: في كل شيء، فإذا شَهِدُوا على حُكْمٍ بأن الله أمر به، أو نَهى عنه، أو أباحه؛ فإن شهادتهم معصومة؛ لكونهم عالمين بما شَهِدُوا به، عادِلِين في شهادتهم، فلو كان الأمر بخلاف ذلك؛ لم يكونوا عادلين في شهادتهم، ولا عالمين بها، لكن الشأن كل الشأن في التأكد من ثبوت إجماعهم.

ومثل ذلك قوله تعالى: [ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ] {النساء:59} يُفْهم منها: أن ما لم يتنازعوا فيه، بل اتفقوا عليه؛ أنهم غير مأمورين برده إلى الكتاب والسنة، وذلك لا يكون إلا موافقا للكتاب والسنة؛ فلا يكون مخالفا.

فهذه الأدلة ونحوها تفيد القطع على أن إجماع هذه الأمة حجة قاطعة». اهـ([682])

وقال ابن حجر الهيتمي : «الْإِجْمَاع حجَّة على كل أحد، وَإِن لم يَعْرِفْ مُسْتَنده؛ لِأَن الله عصم هَذِه الْأمة من أَن تَجْتَمِع على ضَلَالَة، وَيدل لذَلِك بل يُصَرح بِهِ قَوْله تَعَالَى: [ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ] {النساء:115}». اهـ([683])

ثالثًا: سبيل المؤمنين: هو منهجهم الذي سَلَكُوه، وهو مُتَمَثِّلٌ في إجماعهم، واعتقادهم، وقواعدهم العامة، ومرجعيتهم التي يسْتقون منها دينهم، وهي الكتاب المحكم والسنة الثابتة، والإجماع الثابت، لا مجرد اجتهادات آحادهم، كما يشمل طريقتهم في الفهم والاستنباط، والاستدلال والتقرير، والتصحيح والتعليل والترجيح، وأسباب الرد والقبول…إلخ

قال ابنُ مسعود -رضي الله عنه-: «إنَّ الله نظَرَ في قلوب العباد؛ فوجد قلبَ محمَّدٍ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خيرَ قلوبِ العباد؛ فبَعَثه برسالته، ثمَّ نظر في قلوبِ العبادِ بعد قلبِ محمَّدٍ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فوجد قلوبَ أصحابه خيرَ قلوبِ العباد، فاختارهم لصُحبةِ نبيِّه ونُصرةِ دينه؛ فما رآه المسلمون حَسَنًا؛ فهو عند الله حَسَنٌ، وما رآه المسلِمون قبيحًا؛ فهو عند اللهِ قبيحٌ»([684]).

ومن المعلومِ أنَّ ابنَ مسعود -رضي الله عنه- لا يقصُدُ أفرادَ الصَّحابة، وإنَّما يقصُدُ ما كان عليه مجموعُهم: إمَّا اتِّفاقًا أو سُكوتًا (الإجماع السكوتي)، بدليلِ أنَّ بعضَ الصَّحابة كان يردُّ على بعضٍ، ويخطِّئ بعضُهم بعضًا، وهذا ما قرَّره الإمام ابنُ القيِّم فإنَّ ظاهِرَ شَرحِه لوجهِ الدَّلالة من الأثر متعلِّقٌ بالإجماعِ السكوتي.

فقد قال : «وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُخْطِئَ الْحَقَّ فِي حُكْمِ اللَّهِ خَيْرُ قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَيَظْفَرَ بِهِ مَنْ بَعْدَهُمْ، وَأَيْضًا: فَإِنَّ مَا أَفْتَى بِهِ أَحَدُهُمْ، وَسَكَتَ عَنْهُ الْبَاقُونَ كُلُّهُمْ؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ رَأَوْهُ حَسَنًا، أَوْ يَكُونُوا قَدْ رَأَوْهُ قَبِيحًا، فَإِنْ كَانُوا قَدْ رَأَوْهُ حَسَنًا؛ فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ رَأَوْهُ قَبِيحًا، وَلَمْ يُنْكِرُوهُ؛ لَمْ تَكُنْ قُلُوبُهُمْ مِنْ خَيْرِ قُلُوبِ الْعِبَادِ، وَكَانَ مَنْ أَنْكَرَهُ بَعْدَهُمْ خَيْرًا مِنْهُمْ وَأَعْلَمَ، وَهَذَا مِنْ أَبْيَنِ الْمُحَالِ…

وقال : وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَحْرِمَ اللَّهُ أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، وَأَقْوَمَهَا هَدْيًا الصَّوَابَ فِي أَحْكَامِهِ، وَيُوَفِّقَ لَهُ مَنْ بَعْدَهُمْ». اهـ([685])

وقال حذيفةُ بن اليَمان -رضي الله عنه-: «كلُّ عبادةٍ لم يتعبَّدْها أصحابُ محمَّدٍ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ورضي الله عنهم- فلا تَعبَّدوها؛ فإنَّ الأوَّلَ لم يدَعْ للآخِرِ مَقالًا؛ فاتَّقوا اللهَ يا مَعشرَ القُرَّاءِ، وخُذُوا بطريقِ من كان قبلَكم».([686])

وقال ابنُ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- للخوارج: «أتيتُكم من عند أصحابِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ورضي الله عنهم-: المهاجرينَ والأنصارِ، ومِن عند ابنِ عمِّ النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ورضي الله عنه- وعليهم نزل القرآنُ؛ فهم أعلَمُ بتأويلِه منكم».([687])

وقال عمر بن عبد العزيز : «قِفْ حيث وَقَفَ القومُ، وقُلْ كما قالوا، واسْكُتْ عمَّا سَكَتُوا؛ فإنَّهم عن عِلمٍ وقَفوا، وببصَرٍ نافذٍ كَفُّوا، وهم على كَشْفِها كانوا أقوى، وبالفَضلِ لو كان فيها أَحْرَى، فلئِنْ كان الهدى ما أنتم عليه؛ فلقد سَبَقْتُموهم إليه، ولئن قُلتم: حَدَث بعدهم؛ فما أحدثَه إلَّا مَنْ سَلَكَ غيرَ سَبِيلِهم، ورَغِبَ بنفسِه عنهم، وإنَّهم لهُم السَّابقونَ، ولقد تكلَّموا منه بما يَكْفِي، ووصَفُوا منه ما يَشْفِي، فما دونَهم مَقْصَرٌ، ولا فوقهم مَحسَرٌ([688])، لقد قصَّرَ عنهم قومٌ فجَفَوْا، وطَمَح آخرون عنهم فغَلَوْا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدًى مستقيمٍ».([689])

ويقول الأوزاعي : «اصْبِر نفسَك على السُّنَّة، وقِفْ حيث وقف القومُ، واسلُكْ سبيلَ السَّلَفِ الصَّالح؛ فإنَّه يَسَعُك ما وَسِعَهم، وقُلْ بما قالوا، وكُفَّ عما كفُّوا، ولو كان هذا خيرًا؛ ما خُصِصْتُم به دون أسلافِكم؛ فإنه لم يُدَّخَر عنهم خيرٌ خُبِّئ لكم دونهم؛ لفضلٍ عندكم».([690])

ويقول أبو العالية : «عليكم بالأمرِ الأوَّلِ، الذي كانوا عليه قبل أن يفتَرِقوا».([691])

ويقول الإمام أحمد : «أصولُ السُّنَّة عندنا: التمسُّكُ بما كان عليه أصحابُ رَسولِ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ورضي الله عنهم- والاقتداءُ بهم».([692])

ويلخِّص اللَّالَكائي جملةَ ذلك فيقولُ: «أوجَبُ ما على المرءِ: مَعرفةُ اعتقاد الدِّينِ، وما كلَّف اللهُ به عبادَه مِن فَهمِ توحيده، وصفاته، وتصديقُ رسُلِه بالدَّلائلِ واليقين، والتوصُّلُ إلى طُرُقِها، والاستدلالُ عليها بالحُجَج والبراهين، وكان من أعظمِ مَقولٍ، وأوضَحِ حُجَّةٍ ومَعقولٍ: كتابُ الله الحقُّ المُبينُ، ثمَّ قولُ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابتِه الأخيار المتَّقين -رضي الله عنهم- ثم ما أجمع عليه السَّلَفُ الصَّالحون، ثم التمسُّكُ بمجموعِها، والمُقَامُ عليها إلى يوم الدين، ثم الاجتنابُ عن البِدَع والاستماعِ إليها ممَّا أحدثَها المضِلُّون».([693])

وممَّن استدلَّ بهذه الآثار وغيرها على حُجِّية إجماع السَّلَف من الصَّحابة والتَّابعين: ابنُ قدامة ؛ فإنَّه حين تحدَّث عن وجوبِ اتِّباع السَّلَف؛ ذكَر جملةً من النُّصوصِ الشَّرعيَّةِ، وتلك الآثار عن السَّلَف، ثم قال: «فقد ثَبَتَ وجوبُ اتِّباع السَّلَف -رحمةُ الله عليهم- بالكتاب، والسُّنَّة، والإجماع» ثم استدلَّ على ذلك بالعقل والعبرة.([694])

وممَّا يدلُّ على أنَّ أئمَّةَ السَّلَف يَقصُدون بذلك الإجماعَ، وليس قولَ الأفرادٍ: أنَّهم رتَّبوا على مخالفة ما كان عليه الصَّحابةُ الضَّلالَ والتَّفسيقَ، والخروجَ عن السُّنَّة إلى الضَّلالِ والانحراف، بل رتَّبوا في بعض المسائِلِ الكُفرَ الأكبرَ.

فهم لا يقصُدون بذلك أفرادَ الصَّحابة والتَّابعين؛ لأنَّهم لم يحكُموا على من خالف الأفرادَ منهم بالفِسقِ والضَّلال؛ فالإمامُ أحمد -مع أخذِه بقولِ الصَّحابيِّ- لم يحكُمْ على كلِّ من خالفه في ذلك بالخروجِ عن السُّنَّةِ، والوُقوعِ في الضَّلالِ والتفرُّقِ، كما حكَمَ على من خالفَ إجماعَ الصَّحابةِ في أصولِ الدِّينِ العِلميَّةِ والعَمَليَّةِ.

وأقوالُ شيخ الإسلام ابن تيمية متضافرةٌ على القولِ بأن المرادَ بحُجِّيَّة فَهمِ السَّلَف: إجماعُهم وما اتَّفقوا عليه؛ وِمن أقواله في ذلك:

«فمذهبُ أهل السُّنَّة والجماعة: ما دلَّ عليه الكتاب، والسُّنَّة، واتَّفق عليه سلَفُ الأمَّة». اهـ([695])

ويقول : «ومذهبُ أهلِ السُّنَّة والجماعة مذهبٌ قديمٌ معروف قبل أن يخلُقَ اللهُ أبا حنيفةَ ومالكًا والشافعيَّ وأحمدَ؛ فإنَّه مذهبُ الصَّحابة الذين تَلَقَّوْهُ عن نبيِّهم، ومن خالف ذلك؛ كان مُبتدِعًا عند أهل السُّنَّة والجماعة؛ فإنَّهم مُتَّفِقون على أنَّ إجماعَ الصَّحابة حُجَّةٌ، ومتنازِعون في إجماعِ من بَعدَهم». اهـ([696])

ويقول : «الذي يجبُ على الإنسان اعتقادُه في ذلك وغيرِه: ما دلَّ عليه كتابُ الله، وسُنَّةُ رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، واتَّفق عليه سَلَفُ المؤمنين الذين أَثْنَى الله تعالى عليهم وعلى مَنْ اتَّبَعهم، وذمَّ مَن اتَّبع غيرَ سبيلهم». اهـ([697])

وقال بعد أن ذكَرَ جُملةَ أصول أهل السُّنَّة في «العقيدة الواسطيَّة»، وذَكَرَ مصادِرَ الاستدلال المعتمَدِ عندهم، فذكر الكتابَ والسُّنَّة، ثم قال: «والإجماعُ هو الأصلُ الثَّالثُ، الذي يُعتمَدُ عليه في العِلمِ والدين، وهم يَزِنون بهذه الأصولِ الثَّلاثة جميعَ ما عليه النَّاسُ من أقوالٍ وأعمال باطنةٍ أو ظاهرةٍ، ممَّا له تعلُّقٌ بالدِّين، والإجماعُ الذي ينضبط: هو ما كان عليه السَّلَفُ الصَّالح؛ إذ بَعدَهم كَثُر الاختلافُ، وانتشرت الأمَّةُ». اهـ([698])

فهذا القولُ يفسِّرُ مرادَه بفهم السَّلَف، وأنَّه الإجماعُ، ويُبَيِّنُ أنَّه يقصُدُ إجماعَ القرون الثَّلاثة، وبالذات إجماع الصحابة.

ويقول مُصرِّحًا بذلك: «ولا يجوز لأحدٍ أن يَعدِلَ عمَّا جاء في الكتابِ والسُّنَّة، واتَّفق عليه سلفُ الأمة وأئمَّتُها، إلى ما أحدثَه بعضُ النَّاسِ ممَّا قد يتضمَّنُ خلافَ ذلك، أو يوقِعُ الناسَ في خلاف ذلك، وليس لأحدٍ أن يضَعَ للنَّاسِ عقيدةً ولا عبادةً من عندِه، بل عليه أن يتَّبِعَ ولا يَبْتَدِعَ، ويَقْتَدِيَ ولا يَبْتَدِئَ». اهـ([699])

ويزيدُ الأمرَ وضوحًا أنَّه طرح على نفسِه سُؤالًا حاصِلُه: إذا كان أئمَّة السَّلَف (أهل الحديث) لا يتَّفِقون على خلافِ الصَّحابة؛ فلماذا لم يُذْكَر إجماعُهم في أصولِ الفقه؟ وأجاب عنه؛ حيث يقول: «لم يجتمِعْ قطُّ أهلُ الحديث على خلافِ قولِهم في كلمةٍ واحدة، والحقُّ لا يخرُجُ عنهم قطُّ، وكُلُّ ما اجتمعوا عليه؛ فهو ممَّا جاء به الرَّسولُ، وكلُّ من خالفهم مِن: خارجيٍّ، ورافضيٍّ، ومعتزليٍّ، وجهميٍّ، وغيرِهم من أهل البدع: فإنما يخالِفُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-…

فإنْ قيل: فإذا كان الحقُّ لا يخرجُ عن أهل الحديثِ؛ فلِمَ لم يُذْكَرْ في أصولِ الفِقهِ أنَّ إجماعهم حُجَّة؟ وذَكَرَ الخلافَ في ذلك، كما تكلَّم على إجماع أهل المدينة وإجماعِ العِترة؟

قيل: لأنَّ أهلَ الحديثِ لا يتَّفقون إلَّا على ما جاء عن الله ورسولِه، وما هو منقولٌ عن الصَّحابة، فيكونُ الاستدلالُ بالكتاب والسُّنَّة وبإجماعِ الصَّحابة مُغنيًا عن دعوى إجماع يُنازِعُ في كونِه حُجَّةً بعضُ النَّاسِ». اهـ([700])

وبيَّن شيخ الإسلام ابنُ تيميَّة أنَّ إجماعَ السَّلَفِ الملزِمَ يَشملُ ما كان منصوصًا، وما كان مُستنبَطًا منهم؛ حيث يقول : «فما ثبت عنه من السُّنَّة؛ فعلينا اتِّباعُه، سواءٌ قيل: إنَّه في القرآن، ولم نَفْهَمْه نحن، أو قيل: ليس في القرآن؛ كما أنَّ ما اتَّفق عليه السَّابقون الأوَّلون والذين اتَّبعوهم بإحسانٍ؛ فعلينا أن نتَّبِعَهم فيه، سواءٌ قيل: إنَّه كان منصوصًا في السُّنَّة ولم يبلُغْنا ذلك، أو قيل: إنَّه ممَّا استنبطوه واستخرجوه باجتهادِهم من الكتاب والسُّنَّة». اهـ([701])

وبيَّن أنَّ أصولَ أهل السُّنَّة الاستدلالية ثلاثة؛ حيث يقول : «فالأصولُ الثَّابتة بالكتاب والسُّنَّة والاجماع: هي بمنزلة الدِّين المشترَك بين الأنبياء، ليس لأحدٍ خروجٌ عنها، ومن دخل فيها؛ كان من أهل الاسلام المحضِ، وهم أهل السُّنَّة والجماعة». اهـ([702])

وقد تحدَّث علماء ورموزُ السَّلَفيَّة المُعاصِرة عن مرجعيَّةِ ما كان عليه السَّلَفُ كثيرًا، ولكنَّ التعبيرَ بلفظ (فَهْم السَّلَف) ليس مُستعمَلًا عند جميعِهم، ومن أكثر من استعمله شيخنا الألبانيُّ .

وهم في كلامِهم لا يخرُجون عما قرَّره أئمَّةُ السَّلَف المتقدِّمون، ولا ما قرَّره شيخ الإسلام ابنُ تيميَّة فمقصودُهم بفَهمِ السَّلفِ الملزِم الذي توجِبُ مخالفتُه الوقوعَ في الضَّلالِ: ما كانوا عليه من الفهم للنُّصوص الشَّرعيَّة بمجموعِهم لا بأفرادِهم.

فقد قال سليمان بن سحمان : «فإن سبيل المؤمنين هو ما كان عليه أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما قال عبد الله بن مسعود _رضي الله عنه_: من كان منكم مُسْتَنًّا؛ فَلْيَسْتَنَّ بمن قد مات؛ فإن الحيَّ لا تُؤْمَنُ عليه الفتنة, أولئك أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- أَبَرُّ هذه الأمة قلوبًا، وأَعْمَقُهَا عِلْمًا، وأَقَلُّهَا تَكَلُّفًا, قوم اختارهم الله لصحبة نبيه, ولإظهار دينه؛ فَخُذُوا بهَدْيِهِم, واعْرِفُوا لهم فَضْلَهُم؛ فإنهم كانوا على الصراط المستقيم, وكذلك ما كان عليه التابعون ومن بعدهم من الأئمة المهتدين». اهـ([703])

وقال العلامة المعلمي : «فالصراط المستقيم: هو ما كان عليه محمد – صلى الله عليه وسلم – وأصحابُهُ…

فما اتضح من المَأْخَذَيْنِ السَّلَفِيَّيْنِ – أي الكتاب والسنة – بحسب النظر الذي كان متيسرًا للصحابة وخيار التابعين؛ فهو من الصراط المستقيم، وما خَفِيَ أو تَرَدَّدَ فيه النظر؛ فالصراط المستقيم هو السكوت عنه، قال الله تعالى لرسوله: [ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ] {الإسراء:36}.

وقال تعالى: [ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ] {ص:86}.

فإن كان من الأحكام العملية، والقضية واقِعَةٌ؛ ساغ الاجتهاد فيه على الطريق التي كانت يجري عليها من أمثال ذلك الصحابة وأئمة التابعين.

فمَنْ لَزِمَ هذه السبيلَ؛ فهو الثابت على سبيل الحق والصراط المستقيم، ومَنْ لَزِمَ ذلك في المقاصد، وخاض في النظر المتعمق فيه؛ لتأييد الحق وكَشْف الشبهات، وقد تَحَقَّقَتْ الحاجةُ إلى ذلك؛ فلا يُقْضَى عليه بالخروج على الصراط؛ ما لم يَتَبَيَّنْ خروجُه عنه في المقاصد، فَتَلْحَقَه تَبِعَةُ ذلك بحسب مقدار خروجه.

قال العلماء: من لم يكن متبعًا سبيلهم؛ كان متبعًا غير سبيلهم، فاسْتَدَلُّوا بذلك على أن اتباع سبيلهم واجب؛ فليس لأحد أن يخرج عما أجمعوا عليه.

وكذلك من لم يفعل المأمور؛ فَعَلَ المحظور، ومَنْ فَعَلَ المحظورَ؛ لم يَفْعَلْ جميعَ الأمور، فلا يمكن الإنسانُ أن يفعل جميع ما أُمِرَ به مع فِعْلِهِ لبعض ما حُظِرَ، ولا يُمْكِنُه تَرْكُ كل ما حُظِرَ مع تَرْكِهِ لبعض ما أُمِر؛ فإن تَرْكَ ما حُظِر عليه من جملة ما أُمِرَ به، فهو مأمور، ومن المحظور تَرْكُ المأمور، فكل ما شغله عن الواجب؛ فهو مُحَرَّمٌ، وكل ما لا يمكن فِعْلُ الواجبِ إلا به؛ فعليه فِعْلُهُ». اهـ([704])

 ويقولُ سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز : «عقيدةُ الوهَّابيَّة: هي التمسُّكُ بكتاب الله وسُنة رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والسَّيرُ على هَدْيه وهَدْيِ خلفائه الرَّاشدين، والتَّابعين لهم بإحسان، وما كان عليه السَّلَفُ الصالح، وأئمَّةُ الدين والهدى؛ أهلُ الفِقه والفتوى في باب معرفة الله، وإثباتِ صفاتِ كماله ونعوت جلاله، التي نطق بها الكتابُ العزيز، وصحَّتْ بها الأخبارُ النَّبويَّةُ، وتلقَّتْها صحابةُ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالقَبول والتَّسليم؛ يُثبِتونها، ويُؤمنون بها، ويُمِرُّونها كما جاءتْ، من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومن غير تكييفٍ ولا تمثيلٍ، ويتمسَّكون بما درج عليه التَّابعون وتابِعوهم من أهل العلم والإيمانِ والتقوى». اهـ([705])

وكثيرًا ما يكرِّرُ سماحة العلامة ابنُ باز : أنَّ الصَّحابةَ والتَّابعين أجمعوا على كذا وكذا، ومن ذلك قولُه: «أهلُ السُّنَّة والجماعة من أصحاب الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- والتَّابعين لهم بإحسان: مُجمِعون على أنَّ الله في السَّماءِ، وأنَّه فوق العَرشِ». اهـ([706])

وأمَّا شيخنا العلامة الألباني فالأمرُ عِندَه واضِحٌ جليٌّ؛ فإنَّه من أكثر من تحدَّث من رموز السَّلَفيَّة المعاصِرة عن فَهمِ السَّلَف، وفسَّره مراتٍ كثيرةً بأنَّ المقصودَ به جماعتُهم وإجماعُهم، وما هم عليه بجُملتِهم، ومن ذلك قولُه :

«قولُه -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «وأصحابي» هذا الحديثُ وهذا اللفظ تفسيرُه بالرِّواية الأخرى، وهي الأشهرُ والأقوى سَندًا، وهي التي تقولُ جوابًا عن سؤال السَّائلين عن الفرقة النَّاجية؛ قال -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «هي الجماعةُ»، هي الجماعةُ، فقولُه هذا تفسيرٌ للآيةِ السابقة، [ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ] {النساء:115} فسبيلُ المؤمنين هي الجماعةُ، والجماعةُ هي سبيلُ المؤمنين». اهـ([707])

ويقول : «دعوتُنا -هنا الشَّاهدُ وهنا بيتُ القصيد- تقومُ على ثلاثة أركان: على الكتاب، والسُّنَّة، واتِّباع السَّلَف الصَّالح، فمن زعم بأنَّه يتِّبِع الكتابَ والسُّنَّة، ولا يتَّبع السَّلَف الصَّالح، ويقول بلسانِ حاله -وقد يقولُ بلسان قالِه وكلامِه-: هم رجالٌ ونحن رجالٌ!! فإنَّه يكونُ في زيغٍ وفي ضلالٍ، لماذا؟ لأنَّه ما أخذ بهذه النُّصوصِ التي أسمعناكم إيَّاها آنفًا، لقد اتَّبع سبيلَ المؤمنين؟ لا. لقد اتَّبع أصحابَ الرسول الكريم؟ لا. ما اتَّبع؟ اتَّبَع -إن لم أقُلْ: هواه- فقد اتَّبع عَقلَه، والعَقلُ معصوم؟ الجوابُ: لا. إذن فقد ضَلَّ ضلالًا مُبينًا». اهـ([708])

ولا يكادُ شيخنا الألباني يذكُرُ قضيةَ فهمِ السَّلَفِ، إلا ويستدِلُّ عليها بتلك الآيةِ، فقد استدلَّ بها عَشَراتِ المراتِ، ومن ذلك قولُه :

«مَنشأُ الخلافِ: هو أنهم خالفوا سبيلَ المؤمنين؛ فربنا حينما ذكَرَ سبيلَ المؤمنين في قولِه تعـــالى: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ] {النساء:115}، كان يُمكِن أنْ يُقال: «وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى»، لكنه لحكمةٍ بالغةٍ عطَفَ على مُشاقَقةِ الرسولِ قولَه : [ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ] {النساء:115} والحكمةُ واضِحةٌ جدًّا: أنَّ هؤلاء المؤمنين همُ الذين بيَّنوا لنا القُرآنَ والسُّنةَ؛ ولذلك قال رسولُ اللهِ
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في بيانِهِ لمِثلِ هذه الآيةِ، وجوابًا عن سؤالِ السَّائِل حينما ذكَرَ أنَّ الفِرقةَ النَّاجيةَ هي واحدةٌ من بيْنِ ثلاثٍ وسبعين فِرْقةً، لمَّا سُئِل ما هي الفِرْقةُ النَّـاجيةُ؟ قال -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «ما أنا عليه وأصْحابي»، ما قال ما أنا عليه فقط، وإنَّما أضاف إلى ذلك «وأصْحابي»». اهـ([709])

وحين قرَّر شيخنا الألباني حُجيةَ فهمِ الصَّحــابةِ -ناقِلًا عن الإمام ابنِ القيِّمِ قال: «هذا ليس من الاستنباطِ، ولا هو من الاجتهادِ الذي يقبلُ احتمالَ أن يكونَ خطأً، وإنَّما هو اعتـــمادٌ على كتابِ اللهِ، وعلى حديثِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، أمَّا الكِتابُ: فقولُ ربنا في القُرآنِ الكريم: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ] {النساء:115}، ثم أطالَ في شرحِ دَلالةِ الآيةِ». اهـ([710])

ويقولُ عن المُنحرِفين: «هُم يقولون بالكِتابِ والسُّنةِ، لكنْ يُخالفون ما كان عليه السَّلَفُ الصالحُ، هذا السَّلَفُ، هُمُ المَعْنيُّون بقولِهِ -تبارك وتعالى-: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ] {النساء:115}، فالمؤمنون: هم السَّلَفُ الصالحُ». اهـ([711])

وقال الشَّيخِ الدميجي في معرض الاستدلالِ بقولِهِ تعالى: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ] {النساء:115}: «مما لا شكَّ فيه: أن السَّلَفَ الصَّالِحَ من الصَّحابةِ والتَّابعينَ وأتباعِهم بإحسانٍ هم (أَوْلَى الناسِ) دُخولًا فيمَن سمَّاهمُ اللهُ هنا المؤمنين». اهـ([712])

رابعًا: والسلفُ الصالحُ الذين يَلْزَمُنا اتّباعُ طريقتهم: هُم القرونُ المفضَّلَةُ، ومن سار على نهجهم من الأئمة بعدهم، لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «خيرُ الناسِ قَرْنِي، ثم الذين يَلُونَهم، ثم الذين يَلُونَهم…» الحديث، أي: فَهْمُ الصحابة -رضي الله عنهم- وبعدهم التابعون، وتابعو التابعين والله يقول: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ] {التوبة:100} فما كانت الخيرية هذه لهم، ولا نالوا رِضي الله عنهم، وما أَعَدَّهُ لهم من عظيم وجزيل الثواب؛ إلا بسبب لُزُومِهِم الحقَّ، وتحقِيقِهِم العبوديةَ الخالصةَ لله رب العالمين.

فالطوائف المرضيُّ عنهم ثلاث: المهاجرون، والأنصار، والتابعون لهم بإحسان.

وإذا كانوا كذلك؛ تعيَّن على الخلَف الرجوعُ إلى فَهْمِهِم وعَمَلِهِم؛ حتى يكونوا من التابعين لهم بإحسان، ويحققوا مراد الله منهم، وإلا تَشَتَّتَتْ بهم الأهواء، واجْتَالَتْهُم رؤوسُ البدع عن دينهم الحق، وزَيّنَتْ لهم شياطينُ الإنس والجن الباطلَ؛ فرأَوْه حَسَنا، وفَتَحَتْ عليهم أبواب الهوى والجدل، وأَغْلَقَتْ أمامهم أبواب الهُدَى والعَمَل.

فالقرون المفضَّلة والسلف الصالح لا يمثلون حِقْبَةً مباركةً في تاريخنا فقط، بل يمثّلون المنهجَ الوافي، والمَشْرَبَ النقيَّ الصافي، الذي يجب علينا وُرُودُه، والتَّضَلُّعُ منه، والاكْتِفَاءُ به عن غيره في فَهْمِ كتاب ربنا، وسنة نبينا -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وعَدَمِ الالتفاتِ إلى كل ما يتنافر معه في كثير أو قليل؛ لأن الله ما مَدَحَ المهاجرين والأنصار والقرون المفضَّلة لذواتهم، أو لأجسامهم وأشكالهم، أو لفصاحة بيانهم، إنما أَثْنَى عليهم لسلامة مَنْهَجِهِم، وقلوبهم من الشكوك والأهواء، وصِحَّةِ عبوديَّتِهِم لله ظاهرًا وباطنًا، وتحقيقِهِم مرادَ الله منهم، فرحِمَهُم الله ورضي عنهم وأرضاهم، وأجزل لهم العطاءَ والمثوبةَ.

وقد كان الرجل من العلماء يفتخر باتباعه أقوالَ العلماءِ، ويَنْفِي عن نفسه تُهمة خَرْق الإجماع، أو الانفراد بقول لم يُسْبَق إليه من بعض العلماء المعتبرين، وهذا يدلّ على مكانة فَهْمِ علماء السلف عند مَنْ تَبِعَهُم من علماء الخلف، وليس هذا من باب التقليدِ المذمومِ، كما يَظُنُّهُ بعضُ الناس؛ فإن الحقَّ لا يفوتُ الأمةَ جميعَها، ثم يقف عليه رجل ممن بعدهم بمئات السنين؛ ولأن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا على خطأ، ولا على خلاف الأرجح أو خلاف الصواب -كما قد يظنه بعضهم، كالصنعاني ([713])- فإن من تكرمة الله لهذه الأمة: أنها لا تجتمع على ضلالة، ومن جملتها الطائفة المنصورة الظاهرة على الحق، ولا يضرها من خالفها ولا من خذلها حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، فكيف يجوز اجتماعهما على خلاف الصواب -وإن لم يكن ضلالة- وفيها هذه الطائفة الموصوفة بهذه الأوصاف؟

فإذا اختلف علماء الأمة على قولين في المسألة؛ فما على العالم من الخلف إلا أن يُرَجِّح بين أحد القولين، ويُفْتي بالراجح منهما، ولا يخترع قولًا ثالثًا ليس له أَصْلٌ في أحد القولين، وإذا أَجْمَعَ علماءُ الأمة على قول؛ فلا يخترع ثانيًا؛ لأن هذا معناه أنهم ضلُّوا عن الحق، ولم يَعْرِفْه إلا ذاك المتأخر عنهم بمئات السنين أو أكثر!!! والأمة معصومة من الإجماع على ضلالة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «ولم يتنازعْ أهلُ العلم والإيمان فيما استفاض عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من قوله: «خير القرون القرن الذي بُعِثْتُ فيهم، ثم الذين يَلُونهم» وكل من له لِسَانُ صِدْقٍ، مَشْهُورٍ بِعِلْمٍ أو دينٍ، مُعْتَرِفٌ بأن خير هذه الأمة هم الصحابة، وأن المتبع لهم أفضل من غير المتبع لهم، ولم يكن في زمنهم أحد من هذه الصنوف الأربعة، ولا تجد إماما في العلم والدين: كمالك، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ومثل الفضيل، وأبي سليمان، ومعروف الكرخي، وأمثالهم إلا وهم مُصَرِّحُون بأن أَفْضَلَ عِلْمِهِم ما كانوا فيه مُقْتَدِين بعِلْمِ الصحابة، وأَفْضَلَ عَمَلِهِم ما كانوا فيه مُقْتَدِين بعَمَلِ الصحابة، وهم يرون أن الصحابة فوقهم في جميع أبواب الفضائل والمناقب، والذين اتبعوهم من أهل الآثار النبوية، وهم أهل الحديث والسنة، العالِمُون بطريقهم، المُتَّبِعُون لها، وهم أهل العلم بالكتاب والسنة في كل عَصْرٍ ومَصْرٍ، فهؤلاء الذين هم أفضل الخلق من الأولين والآخرين». اهـ([714])

قال قتادة في قوله تعالى: [ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ] {سبأ:6}: أصحاب محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. اهـ([715])

وقال سفيان في قوله تعالى: [ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ] {النمل:59}:هم أصحاب محمد -صلى الله عليه وعلى آله
وسلم-». اهـ([716])

وفي مَنْزِلَةِ عِلْمِهِم واجتهادهم وفتاواهم، قال الإمام الشافعي : «… فَعَلِمُوا ما أراد رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عامًّا وخاصًّا، وعَزْمًا وإرشادًا، وعَرَفُوا من سنته ما عَرَفْنَا وجَهِلْنَا، وهم فوقنا في كل عِلْمٍ واجتهادٍ، ووَرَعٍ وعَقْلٍ، وآراؤهم لنا أَحْمَدُ وأَوْلَى بنا من رأينا عند أنفسنا، ومَنْ أَدْرَكْنا ممن يُرْتَضَى، أو حُكِىَ لنا عنه ببلدنا؛ صاروا فيما لم يَعْلَمُوا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيه سُنَّةً إلى قولهم إن اجتمعوا، أو قول بعضهم إن تَفَرَّقوا، وهكذا نقول، ولم نخرج عن أقاويلهم، وإن قال أحدهم، ولم يخالفه غيره؛ أخذنا بقوله». اهـ([717])

وقال شيخ الاسلام ابن تيمية : «وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ لَمْ يَصِيرُوا يَعْتَمِدُونَ فِي دِينِهِمْ لَا عَلَى الْقُرْآنِ، وَلَا عَلَى الْإِيمَانِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِخِلَافِ السَّلَفِ؛ فَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ أَكْمَلَ عِلْمًا وَإِيمَانًا، وَخَطَؤُهُمْ أَخَفَّ، وَصَوَابُهُمْ أَكْثَرَ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ.

وَكَانَ الْأَصْلُ الَّذِي أَسَّسُوهُ: هُوَ مَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ: [ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ] {الحجرات:1} فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَا وَصَفَ بِهِ الْمَلَائِكَةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: [ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ] { الأنبياء:26-29 } فَوَصَفَهُمْ -سُبْحَانَهُ- بِأَنَّهُمْ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ، وَأَنَّهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ، فَلَا يُخْبِرُونَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ وَلَا غَيْرِ صِفَاتِهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُخْبِرَ -سُبْحَانَهُ- بِمَا يُخْبِرُ بِهِ؛ فَيَكُونُ خَبَرُهُمْ وَقَوْلُهُمْ تَبَعًا لِخَبَرِهِ وَقَوْلِهِ، كَمَا قَالَ: [ﭬ ﭭ ﭮ] {الأنبياء:27} وَأَعْمَالُهُمْ تَابِعَةٌ لِأَمْرِهِ، فَلَا يَعْمَلُونَ إلَّا مَا أَمَرَهُمْ هُوَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهِ، فَهُمْ مُطِيعُونَ لِأَمْرِهِ -سُبْحَانَهُ-، وَقَدْ وَصَفَ -سُبْحَانَهُ- بِذَلِكَ مَلَائِكَةَ النَّارِ، فَقَالَ: [ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ] {التحريم:6}، وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا تَوْكِيدٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَا يَعْصُونَهُ فِي الْمَاضِي، وَيَفْعَلُونَ مَا أُمِرُوا بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا وَهَذَا: أَنَّ الْعَاصِيَ هُوَ الْمُمْتَنِعُ مِنْ طَاعَةِ الْأَمْرِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الِامْتِثَالِ؛ فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ مَا أُمِرَ بِهِ لِعَجْزِهِ؛ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا، فَإِذَا قَالَ: [ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ] لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا بَيَانُ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ؛ فَإِنَّ الْعَاجِزَ لَيْسَ بِعَاصٍ وَلَا فَاعِلٍ لِمَا أُمِرَ بِهِ، وَقَالَ: [ﯮ ﯯ ﯰ] لِيُبَيِّنَ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى فِعْلِ مَا أُمِرُوا بِهِ، فَهُمْ لَا يَتْرُكُونَهُ لَا عَجْزًا وَلَا مَعْصِيَةً، وَالْمَأْمُورُ إنَّمَا يَتْرُكُ مَا أُمِرَ بِهِ لِأَحَدِ هَذَيْنِ: إمَّا أَنْ لَا يَكُونَ قَادِرًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَاصِيًا، لَا يُرِيدُ الطَّاعَةَ، فَإِذَا كَانَ مُطِيعًا يُرِيدُ طَاعَةَ الْآمِرِ، وَهُوَ قَادِرٌ؛ وَجَبَ وُجُودُ فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ، فَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ الْمَذْكُورُونَ، لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ، وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ». اهـ([718])

قلت: وفي هذا -أي اتباع منهج السلف- ضبْطٌ وتوحيدٌ للمسار، وسدٌّ لباب الفُرْقة والتنازع، ولكنَّ الشأنَ كلَّ الشأنِ في سَعَةِ الاطلاعِ، وطُولِ النَّفَس في البحث عن أقوال العلماء، ومعرفة مواضع الإجماع والنزاع؛ حتى لا يُحَجِّروا واسِعًا، ويَدَّعُوا الإجماعَ في مواضع اشتهر فيها النزاع، وهذا سبب الاختلاف والانفلات.

  • خامسًا: صَرَّحَ بعض الأئمة بمقولةٍ شهيرةٍ: (إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام) أو نحوها.

وقد أسند ابن الجوزي ، عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: «إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام».([719])

وقد أورد ابن الجوزي فصلًا في تعظيم الإمام أحمد للسنة وأقوال السلف، ومما أورده في ذلك:

ما قال : أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرني أبو الفضل عبد الصمد ابن محمد الخطيب، قال: حدثنا الحسن بن الحسين الهمذاني، قال: حدثني أبو محمد الحسن بن عثمان بن عبدويه، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت عبد الرحمن الطبيب، قال: اعتلَّ أحمد بن حنبل وبِشْر بن الحارث، فكُنْتُ أَدْخُلُ على بِشْر، فأقول: كيف تَجِدُكَ؟ فيحمد الله، ثم يخبرني فيقول: أحمد الله إليك، أَجِدُ كذا وكذا، وأَدْخُلُ على أبي عبد الله أحمد بن حنبل، فأقول: كيف تَجِدُكَ يا أبا عبد الله؟ فيقول: بخير، فقلت له يوما، إن أخاك بشرًا عليلٌ، وأسأله عن حاله؛ فيبدأ بحمد الله، ثم يخبرني، فقال لي: سَلْهُ عمن أَخَذَ هذا؟ فقلت له: إني أهاب أن أسأله، فقال: قُلْ له: قال لك أخوك أبو عبد الله: عمن أَخَذْتَ هذا؟ قال: فدخَلْتُ إليه، فَعرَّفته ما قال، فقال لي: أبو عبد الله لا يريد الشيء إلا بإسناده؟ عن ابن عَون، عن ابن سيرين: إذا حَمِدَ اللهَ العبدُ قبلَ الشَّكْوى؛ لم تَكُنْ شَكْوى، وإنما أقول لك: أَجِدُ كذا أُعَرِّف قدرةَ الله فيّ. قال: فخرجتُ من عنده، فمضيتُ على أبي عبد الله، فَعرَّفْتُهُ ما قال؛ فكنت بعد ذلك إذا دخلت إليه يقول: أحمد الله إليك، ثم يَذْكُر ما يَجِدُهُ…

وقال : أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا أبو طالب بن يوسف، قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا أبو عمر بن حَيّويه، قال: حدثنا عبد الرحمن ابن محمد الزهري، قال: حدثني أبو يعقوب إسحاق بن حبَّة الأعمش، قال: سمعت أحمد بن حنبل سئل عن الوَسَاوِس والخَطَرات، فقال: ما تَكَلَّم فيها الصحابة ولا التابعون.

وقال : أخبرنا أبو الحُسين عبد الحق بن يوسف، أخبرنا محمد بن مرزوق، أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي، أخبرنا محمد بن عُبيد الله بن خلف، حدثنا عمر بن محمد بن الجوهري، حدثنا أبو بكر الأثرم قال: سمعتُ أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: إنما هو السنة والاتباع، وإنما القياس أن تَقيس على أَصْلٍ، أمَّا أن تجيء إلى الأصل فتهدمَهُ، ثم تقول: هذا قياس، فعلى أي شَيءٍ كان هذا القياس؟ قيل لأبي عبد الله: لا ينبغي أن يقيس إلا رجلٌ عالم كبير يَعْرِف كيف يُشَبَّهُ الشيءُ بالشيءِ، قال: أجل، لا ينبغي.

ورأيت أبا عبد الله فيما سَمعنا منه من المسائل، إذا كان في المسألة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حديث؛ لم يأخذ فيها بقول أحدٍ من الصحابة ولا من بعده خلافه، وإذا كان في المسألة عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قول مُخْتَلِفٌ، تَخَيَّرَ من أقاويلهم، ولم يَخْرُجْ من أقاويلهم إلى قول مَن بعدهم، وإذا لم يكن فيها عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أصحابه قول؛ تَخيّر من أقوال التابعين، وربما كان الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفي إسناده شيء؛ فيأخذ به إذا لم يَجِيء خلافُهُ أثبتُ منه، مثل حديث عمرو بن شعيب، ومثل حَديث إبراهيم الهَجَري، وربما أخذ بالحديث المرسل إذا لم يَجِيء خِلافُهُ.([720])

وقال أبو عبد الله ابن حامد : «وقال حرب بن إسماعيل: قلت: الرجل يفسر إعراب القرآن، فيقول: [ﭖ ﭗ ] {الفاتحة:2} رُفِعَ لأنه ابتداء، و[ﮉ] {الإخلاص:1}: جُزِمَ لأنه أَمْرٌ [ﭑ ﭒ ﭓ] {التين:1}، [ﮢ ] {النازعات:1} قَسَمٌ، ونحو هذا؟ قال -أي ابن حنبل : إذا كان شيئا قد تُكُلِّم فيه مِنْ قَبْلُ؛ رَجَوْتُ.

ونظائرُ هذا يكْثر بالحث من أبي عبد الله -رضي الله عنه- على الاتباع، وإنه لا يَقْدُم على جواب لم يُسْبَقْ به، وأن لا يُحْدِثَ مذهبًا لم يَتَقَدَّم به، وليس هذا من إمامنا على أنه أباح التقليد، ولا أنه منع من الاجتهاد عند الحادثة، ويصير إلى موجَب الدليل». اهـ([721])

وقال إبراهيم النخعي : «لم يُدَّخَر لكم شيء خُبِئ عن القوم لِفَضْلٍ عندكم».([722])

وقال الإمام أبو نصر السجزي : «كل مُدَّعٍ للسنة يجب أن يطالَب بالنقل الصحيح بما يقوله، فإن أتى بذلك؛ عُلِمَ صِدْقُهُ، وقُبِلَ قولُه، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف؛ عُلِمَ أنه مُحْدِثٌ زائغ، وأنه لا يستحق أن يُصغَى إليه، أو يُناظَر في قوله» اهـ.([723])

وقال ابن قدامة : «فقد ثبت وجوب اتباع السلف -رحمة الله عليهم- بالكتاب والسنة والإجماع، والعبرةُ دَلَّتْ عليه؛ فإنّ السلف لا يخْلوا من أن يكونوا مصيبين أو مخطئين، فإن كانوا مصيبين؛ وجَبَ اتباعُهم؛ لأنّ اتباع الصواب واجب، ورَكُوبَ الخطأ في الاعتقاد حرام، ولأنهم إذا كانوا مصيبين؛ كانوا على الصراط المستقيم، ومخالِفُهُم مُتَّبِعٌ لسبيل الشيطان، الهادي إلى صراط الجحيم، وقد أمر الله تعالى باتباع سبيله وصراطه، ونهى عن اتباع ما سواه، فقال: [ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ] {الأنعام:153}. وإن زعم زاعم أنهم مخطئون؛ كان قادحًا في حَقِّ الإسلام كلِّه؛ لأنه إن جاز أن يخطئوا في هذا؛ جاز خطؤهم في غيره من الإسلام كُلِّه، وينبغي أن لا تُنْقَل الأخبار التي نقلوها، ولا تَثْبُتُ معجزاتُ النبي التي رَوَوْهَا، فتَبْطُلَ الروايةُ، وتزولَ الشريعةُ، ولا يجوز لمسلم أن يقول هذا ولا يعتقده». اهـ([724])

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : «وَأَحْمَد يَقُولُ: إيَّاكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي مَسْأَلَةٍ لَيْسَ لَك فِيهَا إمَامٌ، وَكَانَ فِي الْمِحْنَةِ يَقُولُ: كَيْفَ أَقُولُ مَا لَمْ يُقَلْ؟ وَاتِّبَاعُ أَحْمَد لِلسُّنَّةِ وَالْآثَارِ، وَقُوَّةُ رَغْبَتِهِ فِي ذَلِكَ، وَكَرَاهَتُهُ لِخِلَافِهِ؛ مِنْ الْأُمُورِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَنْهُ، يَعْرِفُهَا مَنْ يَعْرِفُ حَالَهُ مِنْ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ». اهـ([725])

وقال أيضًا: «وَكُلُّ قَوْلٍ يَنْفَرِدُ بِهِ الْمُتَأَخِّرُ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَلَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ خَطَأً، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إيَّاكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي مَسْأَلَةٍ لَيْسَ لَك فِيهَا إمَامٌ». اهـ([726])

وقال أيضًا في مَعْرِض ردِّه على ابن سينا، حيث فَسَّرَ «الجود» بتفسير لم يَقُلْهُ أحدٌ قبله: «الوجه السادس أن يقال: هذا التفسيرُ عَمَّن نَقَلْتَهُ؟! ومَن ذَكَرَهُ من أهل التفسير للنصوص، أو مِن أهل اللغة العربية… ومن المعلوم أن هذا لم يَقُلْه أحد من أهل العلم بالنصوص الشرعية واللغة العربية، فصار ذلك افتراء على النصوص واللغة» اهـ.([727])

وقال الإمام ابن القيم : «ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في «الصحيح» من وجوه متعددة أنه قال: «خير القرون القرنُ الذي بُعِثْتُ فيهم، ثم الذين يَلُونَهُم، ثم الذين يَلُونَهُم».

فأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن خير القرون قرنُهُ مطلقًا، وذلك يقتضي تقديمَهُم في كل باب من أبواب الخير، وإلا لو كانوا خيرًا من بعض الوجوه؛ فلا يكونون خيْرَ القرون مطلقًا، فلو جاز أن يخطئ الرجل منهم في حُكْمٍ، وسائرهم لم يُفْتُوا بالصواب، وإنما ظَفَرَ بالصواب مَنْ بعدهم، وأخطئوا هم؛ لزم أن يكون ذلك القرن خيرًا منهم من ذلك الوجه؛ لأن القرن المشتمل على الصواب خير من القرن المشتمل على الخطأ في ذلك الفن… ومعلوم أن فضيلة العلم ومعرفة الصواب أَكْمَلُ الفضائل وأشرفُها، فيا سبحان الله! أي وَصْمَةٍ أعظمُ من أن يكون الصِّدِّيق، أو الفاروق، أو عثمان، أو علي، أو ابن مسعود، أو سلمان الفارسي، أو عبادة بن الصامت، وأضرابهم -رضي الله عنهم- قد أخبر عن حكم الله أنه كَيْتٌ وكَيْتٌ في مسائل كثيرة، وأخطأ في ذلك، ولم يشتمل قرنُهم على ناطق بالصواب في تلك المسائل، حتى نَبَغَ مَنْ بعدهم، فعرفوا حُكْمَ الله الذي جَهِلَهُ أولئك السادةُ، وأصابوا الحقَّ الذي أخطأه أولئك الأئمةُ؟! سبحانك هذا بهتان عظيم» اهـ.([728])

وقال الإمام ابن القيم أيضًا: «… وقال الإِمام أحمد لبعض أصحابه: «إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام». قال : والحقُّ التفصيل: فإن كان في المسألة نَصٌّ من كتاب اللَّه، أو سنة عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أو أثر عن الصحابة -رضي اللَّه عنهم- لم يُكْرَهْ الكلامُ فيها، وإن لم يكن فيها نصٌّ، ولا أثر؛ فإن كانتْ بعيدةَ الوقوع، أو مُقَدَّرَةً لا تقع؛ لم يُسْتَحَبَّ له الكلام فيها، وإن كان وقوعها غير نادر، ولا مُسْتَبْعَدٍ، وغَرَضُ السائل الإحاطةُ بعِلْمِها؛ ليكون منها على بصيرة إذا وَقَعَتْ؛ اسْتُحِبَّ له الجواب بما يَعْلَم، لا سيما إن كان السائل يتفقه بذلك، ويَعْتَبِرُ بها نظائرها، ويُفَرِّعُ عليها، فحيث كانت مصلحةُ الجواب راجحةً؛ كان هو الأَوْلَى، واللَّه أعلم». اهـ([729])

ويقول الإمام الشاطبي في معرض بيانه لطرق أَخْذِ العلم عن أهله:

«… أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد؛ فإنهم أَقْعَدُ به من غيرهم من المتأخرين، وأَصْلُ ذلك التجربةُ والخَبَرُ:

أما التجربة: فهو أمر مشاهد في أي علم كان، فالمتأخر لا يبلغ من الرسوخ في علم ما بلغه المتقدم، وحَسْبُك من ذلك أهلُ كلِّ عِلْمٍ عَمَلي أو نظري، فأعمال المتقدمين في إصلاح دنياهم ودينهم على خلاف أعمال المتأخرين، وعلومهم في التحقيق أَقْعَدُ، فتحقُّق الصحابة بعلوم الشريعة ليس كتحقُّق التابعين، والتابعون ليسوا كتابعيهم، وهكذا إلى الآن، ومن طالع سِيَرهم وأقوالهم وحكاياتهم؛ أَبْصَرَ العَجَبَ في هذا المعنى.

وأما الخبر: ففي الحديث: «خير القرون قرني، ثم الذين يَلُونهم، ثم الذين يَلُونهم».

وفي هذا إشارة إلى أن كل قَرْنٍ مع ما بعده كذلك.

وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أول دينِكُم نُبُوَّةٌ ورَحْمة، ثم مُلْكٌ ورَحْمة، ثم مُلْكٌ وجَبْرِية، ثم مُلْكٌ عَضُوض».([730])

ولا يكون هذا إلا مع قلة الخير، وتكاثر الشر شيئًا بعد شيء، ويندرج ما نحن فيه تحت الإطلاق.

وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: «ليس عام إلا الذي بعده شَرٌّ منه، لا أَقُول عامٌ أَمْطَر من عام، ولا عامٌ أَخْصَبُ من عام، ولا أمير خير من أمير، ولكن ذهابُ خياركم وعلمائكم، ثم يَحْدُث قومٌ يقيسون الأمور برأيهم، فَيُهْدَمُ الإسلامُ ويُثْلَمُ». ومعناه موجود في «الصحيح» في قوله: «ولكن ينتزعه مع قبض العلماء بعلمهم؛ فيبقى ناس جُهَّالٌ؛ يُسْتَفْتَوْن فيُفتُون برأيهم؛ فيَضِلُّون ويُضِلُّون»…

والأخبار هنا كثيرة، وهي تدل على نقص الدين والدنيا، وأَعْظَمُ ذلك العلم، فهو إذًا في نقص بلا شك، فلذلك صارتْ كتبُ المتقدمين وكلامُهم وسِيَرُهُم أَنْفَعَ لمن أراد الأخْذَ بالاحتياط في العلم على أي نوع كان، وخصوصًا علم الشريعة، الذي هو العروة الوثقى، والوَزَر الأحمى. وبالله تعالى التوفيق» اهـ.([731])

وقال الإمام الشاطبي : «يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاةُ ما فَهِمَ منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به، فهو أَحْرَى بالصواب، وأَقْوَمُ في العلم والعمل» اهـ.([732])

وقال : «فالحذَرَ الحذَرَ من مخالفة الأولين؛ فلو كان ثَمَّ فَضْلٌ ما؛ لكان الأولون أَحَقَّ به، والله المستعان» اهـ.([733])

وقد رَدَّ الإمامُ ابن رجب الحنبلي : على من ظن في شخص من المتأخرين أنه أَعْلَمُ من السلف الصالح بكلام قويٍّ، رأيت نقله هنا لنفاسته، فقد قال :

«وقد ابْتُلِينَا بجَهَلَةٍ من الناس يعتقدون في بعض مَنْ تَوَسَّعَ في القول من المتأخرين أنه أَعْلَمُ ممن تَقَدَّم، فمنهم من يظن في شخص أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم؛ لكثرة بيانه ومقاله، ومنهم من يقول: هو أعلم من الفقهاء المشهورين المتبوعين، وهذا يلزم منه ما قبله؛ لأن هؤلاء الفقهاء المشهورين المتبوعين أكثر قولًا ممن كان قبلهم، فإذا كان من بعدهم أعلم منهم لاتساع قوله؛ كان أَعْلَمَ ممن كان أَقَلَّ منهم قولًا بطريق الأَوْلَى: كالثوري والأوزاعي والليث وابن المبارك وطبقتهم، وممن قبلهم من التابعين والصحابة أيضًا؛ فإن هؤلاء كلَّهم أَقَلُّ كلامًا ممن جاء بعدهم.

وهذا تَنَقُّصٌ عظيمٌ بالسلف الصالح، وإساءةُ ظَنٍّ بهم، ونِسْبَةٌ لهم إلى الجهل وقصور العلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله!! ولقد صَدَقَ ابنُ مسعود في قوله في الصحابة: «إنهم أَبَرُّ الأمةِ قلوبًا، وأَعْمَقُها علومًا، وأَقَلُّها تكَلُّفًا»، ورُوِيَ نحوُهُ عن ابن عمر أيضًا، وفيه إشارة إلى أن من بعدهم أَقَلُّ علومًا، وأَكْثَرُ تكَلُّفًا.

وقال ابن مسعود أيضًا: «إنكم في زمانٍ كثيرٌ علماؤه، قليلٌ خطباؤه، وسيأتي بعدكم زمانٌ قليلٌ علماؤه، كثيرٌ خطباؤه». فمن كَثُرَ عِلْمُه، وقَلَّ قَوْلُه؛ فهو الممدوح، ومن كان بالعكس؛ فهو مذموم».

قال: وقد شهد النبي -صلى الله عليه وسلم- لأهل اليمن بالإيمان والفقه، وأهل اليمن أَقَلُّ الناس كلامًا وتوسعًا في العلوم، لكن علمهم علم نافع في قلوبهم، ويعبرون بألسنتهم عن القدر المحتاج إليه من ذلك، وهذا هو الفقه والعلم النافع، فأفضل العلوم في تفسير القرآن، ومعاني الحديث، والكلام في الحلال والحرام؛ ما كان مأثورًا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم، إلى أن ينتهي إلى زمن أئمة الإسلام المشهورين المُقْتَدَى بهم، الذين سَمَّيْناهم فيما سبق.

فَضَبْطُ ما رُوي عنهم في ذلك أَفْضَلُ العلوم مع تَفَهُّمِهِ وتَعَقُّلِهِ والتفقه فيه، وما حَدَثَ بعدهم من التوسع لا خير في كثير منه، إلا أن يكون شرحًا لكلام يتعلق من كلامهم، وأما ما كان مخالفًا لكلامهم؛ فأكثره باطل، أو لا منفعة فيه، وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة، فلا يوجَد في كلام مَنْ بعدهم مِنْ حَقٍّ؛ إلا وهو في كلامهم موجود بأوجز لَفْظٍ وأَخْصَرِ عبارة، ولا يوجَد في كلام من بعدهم من باطل؛ إلا وفي كلامهم ما يبين بطلانه لمن فهمه وتأمله، ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة والمآخذ الدقيقة ما لا يهتدي إليه من بعدهم، ولا يُلِمُّ به، فمن لم يأخذ العلم من كلامهم؛ فاته ذلك الخير كلُّه، مع ما يقع في كثيرٍ من الباطل متابعةً لمن تأخر عنهم…» اهـ.([734])

وقال أيضًا : «… وأما مَنْ عِلْمُهُ غير نافع؛ فليس له شُغْل سوى التكبر بعلمه على الناس، وإظهار فضل علمه عليهم، ونسبتهم إلى الجهل، وتنقصهم ليرتفع بذلك عليهم، وهذا من أقبح الخصال وأردئها.

وربما نسب من كان قبله من العلماء إلى الجهل والغفلة والسهو، فيوجب له حُبَّ نَفْسِه، وحُبَّ ظُهُورِها، وإحسانَ ظنه بها، وإساءةَ ظنه بمن سلف من العلماء.

وأهلُ العلم النافع على ضد هذا: يسيئون الظنَّ بأنفسهم، ويُحْسِنون الظن بمن سلف من العلماء، ويُقِرُّون بقلوبهم بفضل مَن سلف عليهم، وبعجزهم عن بلوغ مراتبهم، والوصول إليها، أو مقاربتها.

وما أحسن قولَ أبي حنيفة! وقد سئل عن علقمة والأسود أيهما أفضل؟ فقال: «والله ما نحن بأهل أن نَذْكُرَهُم، فكيف نُفَضِّل بينهم؟!».

وكان ابن المبارك إذا ذكر أخلاق من سلف ينشد:

لا تَعْرِضَنَّ بِذِكْرنا مَعْ ذِكْرِهمليس الصحيحُ إذا مَشَى كالمُقْعَد

ومَن عِلْمُهُ غير نافع: إذا رأى لنفسه فضلًا على مَن تقدمه في المقال، وتَشَقُّق الكلام؛ ظَنَّ لنفسه عليهم فضلًا في العلوم، أو الدرجة عند الله لفَضْلٍ خُصَّ به عمن سبق، فاحْتَقَر من تقدمه، وأزرى عليه بقلة العلم، ولا يعلم المسكين أن قِلَّة كلام من سلف إنما كان ورعًا وخشية لله، ولو أراد الكلام وإطالته؛ لما عجز عن ذلك…» اهـ.([735])

وقال : «أمّا الأئمة وفقهاء أهل الحديث: فإنهم يتَّبِعونَ الحديث الصحيح حيث كان، إذا كان معمولًا به عند الصحابة ومَنْ بعدهم، أو كان عند طائفة منهم.

فأمّا ما اتُفِق على ترْكِهِ؛ فلا يجوز العمل به؛ لأنهم ما تركوه إلّا على عِلْمٍ أنّه لا يُعْمَلُ به، قال عمر بن عبد العزيز: خُذُوا من الرأي ما كان يوافق من كان قبلكم؛ فإنهم كانوا أَعْلَمَ منكم». اهـ

وقد اتَّهم من لم يعرف أقوالَ العلماء شيخَ الإسلام ابن تيمية بأنه يَخْرِقُ الإجماع، ويَشِذّ عن العلماء بأقوال لم يُسْبَقْ إليها، ولم يدَّعِ شيخ الإسلام أن هذا إنْ ثَبَت عنه؛ فلا غُبار عليه في ذلك، وأنه لا يلزمه أن يقول بقول من سبقه، أو أن هذه دعوة للتقليد المذموم، وأن العبرة بالدليل لا بالأقاويل… إلخ هذه الأجوبة!!!

بل نفى عن نفسه هذه التهمة بقوة، وأَثْبَتَ أنه لم يخالفْ قطُّ الإجماعَ، ولم يَخْرُجْ من مجموع أقاويل العلماء، ففي «الإخنائية»([736])، أورد عدّة وجوه في دَحْر هذه التهمة، فقال :

«الوجه السابع: أن لفظ (كم) – يعني قوله: «كم» الذي ادعاه المعترض عليه – يقتضي التكثير، وهذا يوجِبُ كثرةَ المسائل التي خَرَق المجيبُ-يعني نفسه فيها الإجماعَ، والذين هم أَعْلَمُ من هذا المعترِضِ، وأكثرُ اطِّلاعًا اجتهدوا في ذلك غاية الاجتهاد -أي العلماء الذين ناظروا ابن تيمية اجتهدوا في إثبات خَرْق شيخ الإسلام الإجماعَ بأقوالٍ لم يُسْبَق إليها-؛ فلم يَظْفَرُوا بمسألة واحدة خَرَقَ فيها الإجماع، -يعني نفسه بل غايتهم أن يظنوا في المسألة أنه خَرَقَ فيها الإجماع، كما ظنّه بعضهم في مسألة الحلف بالطلاق، وكان فيها من النزاع نَقْلًا، ومن الاستدلال فقهًا وحديثا ما لم يطّلع عليه.

الوجه الثامن: أن المجيب -ولله الحمد- لم يقُلْ قَطُّ في مسألةٍ إلا بقولٍ قد سَبَقَهُ إليه العلماءُ، فإن كان قد يخْطُر له، ويتوجَّهُ له؛ فلا يقوله ويَنْصُره إلا إذا عرف أنه قد قاله بعض العلماء، كما قال الإمام أحمد: «إياك أن تَتَكَلَّم في مسألةٍ ليس لك فيها إمام» فمن كان يَسْلُكُ هذا المسْلَكَ، كيف يقول قولًا يَخْرُقُ فيه إجماعَ المسلمين، وهو لا يقول إلا ما سبقه إليه علماء المسلمين؟ فهل يُتصَوّر أن يكون الإجماع واقعًا في موارد النزاع؟ ولكن من لم يعرف أقوالَ العلماء؛ قد يظنّ الإجماعَ من عَدَم عِلْمِهِ النزاعَ، وهو مخطئ في هذا الظن لا مصيب، ومن عَلِمَ حُجَّةٌ على من لم يَعْلَمُ، والمثْبِتُ مُقدّمٌ على النافي» اهـ.

فمن وقف على كلام هذا الإمام، هل يظن أن الدعوة إلى اتّباع منهج السلف دعوة إلى التقليد، والتعصُّب لأقوال الرجال؟! وكيف يُظنُّ هذا برجل قد عُرِف بذمِّ التقليد الأعمى، والتحذير منه، والحثِّ على معرفة الدليل، واتّباعِهِ، والانتصارِ له؟ لكنّ الناس في ذلك بين مُفْرِط ومُفَرِّط، ومن هُدِي إلى الوسط الصحيح؛ فقد هُدِي إلى صراط مستقيم، والله الموفِّق.

* (تنبيه): يرى بعض الناس أن «السلفية» فترة زمنية مباركة لصلاح أهلها، لكن لا يلزمنا أن نتبع منهجهم، أو أن نبحث عن آثارهم وفتاواهم وطريقتهم في التلقِّي والاستدلال، ونلزم ذلك!!

والجواب: نعم هي فترة مباركة حقا من جميع الوجوه، وهذا يدل على أنهم كانوا على الحق، والحق لا يتعدد بتعدد الفترات، وكل فترة لها حق خاص بها، بل حجية الكتاب والسنة والإجماع والقواعد والأصول التي كانوا عليها باقية ما بقي الزمان، بخلاف الفتاوى الاجتهادية، التي يلزمنا أن نبحث عن الراجح منها فنأخذه أو نقيس عليه أشباهه ونظائره من المستجدات، وما خالف الراجح فلا يلزمنا العمل به، وأؤكد هذا بالإشارة إلى ما سبق من أدلة تقضي بضرورة التزام منهج السلف –رضي الله عنهم، ورحمهم الله-، والله أعلم.

هذا، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني

٦ شعبان ١٤٣٩ هجرية.

A

A

[16]

الاستشهادُ أحيانًا بكلام المخالف -مهما كانت مخالفته- إذا كان كلامُهُ حقًّا