(التعاون على البر والتقوى مع الموافق والمخالف)
- السؤال السابع عشر: هل يجوز للمتمسك بالسنة أن يتعاون مع المخالفين في المنهج في ما وافقوا فيه الحق؟
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فمن القضايا التي حَصَل فيها إفراط وتفريط -أيضًا-: قضية التعاون مع المخالف، أما التعاون مع الموافق فأكثر الناس يرون ذلك، وأما الخلاف الشديد فواقع في التعاون مع المخالف، سواء كان المخالف حَقًّا مخالفا، أم أنه مخالفٌ فقط في نظر خصمه!!!
والجواب عن هذا السؤال في النقاط الآتية -إن شاء اله تعالى-:
أولًا: اتجاهات الناس في هذه القضية:
1- هناك مَنْ أَغْلَقَ الباب بالكلية، ومَنَع من ذلك، حتى وإن كان المخالف له يتصدَّى لمن هو أَكْثرُ شرًّا وفسادًا منه في الدين والدنيا، بل حتى وإن ترجَّح لصاحبِ هذا الرأْيِ ولغيره أَنَّ ترْكَ مناصرة المخالف في هذا الموضع؛ يُفْضي إلى ظهور من هو أشرّ منه وأكثر فسادا، ولا تَخْفَى عاقبة هذا الظهور، من تَسَلُّط الأشرار الكبار على الدماء والأموال والأعراض، وحجةُ هذا الخصم في ذلك: أن هذا المخالف أو المبتدع يقول كذا، ويفعل كذا مما يخالف الشريعة المطهرة، فكيف نتعاون معه في جزئية أخرى، وإن كان مصيبا فيها، وهو لم يُعْلِنْ توبته من خطئه الذي خالف فيه الحقَّ وأهَلَهُ!!
ومثال ذلك: من يرفض بشدة التعاون مع جماعة «الإخوان المسلمين» مثلا ضد الحوثية الروافض في اليمن، مع الفَرْق الواضح بين الفريقين، وأن الحوْثية لو سيطروا على كل البلاد سيبيدون الأخضر واليابس -إلا أن يَدْحَر الله شرَّهم، ويكسر شوكتهم؛ فإنه على كل شيء قدير- هذا مع الخلافات المعروفة تقعيدًا أو تطبيقًا بيننا وبين هذه الجماعة، فنعوذ بالله من اتباع الهوى والنفوس الممتلئة بالحقد والغل.
فأين العمل بقاعدة ارتكاب أدنى المفسدتين بدفع أعلاهما وأشدهما عند أصحاب هذا القول؟!
2- وفي المقابل: فهناك طائفة أخرى اغْتَرَّتْ بما عند المخالفين من جوانب جيدة، وأمور قد أَحْسَنُوا فيها، فَمَدُّوا اليد إليهم دون معرفة بحقيقة مخالفاتهم، وإن عرفوها؛ هَوَّنوا من خطرها، واغْتَرُّوا بصلاح بعضهم، أو حُسْن سَمْته، أو قوة حِفْظه وذكائه، أو خُطَبِهِ البليغة المؤثرة، أو عبادته وزهده، وخشوعه وحُسْن تلاوته، أو جمال أسلوبه ومَنْطِقِه، ورُقِيِّ معاملاته، ولِينِ جانبه،… الخ، فانْمَاعُوا وذابوا مع المخالف، ولم يستطيعوا أن يميزوا بين ما عند المخالفين من حق، وما اشتملتْ عليه طريقَتُهم من باطلٍ ومخالفات.
3- والحقُّ وَسَطٌ بين هؤلاء وأولئك: فالواجب في بعض المواضع: إعانةُ المخالفين -في الجملة- على ما كانوا فيه من خير، لكن مع ضرورة مراعاة شروط هذا التعاون، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- ونُصْحُهُم فيما أخطؤوا فيه، فإن قَبِلوا النصيحة؛ وإلا حَذَّر أهلُ الحقِّ من أخطائهم، مع مراعاة تفاصيل في ذلك، ترجع إلى ما يترجح من حال ومآل هذا التحذير، فإن كان سيُفضي إلى شر أكبر؛ فلا يجوز هذا التحذير، وإن كان سيفضي إلى تعطيل الشر أو تقليله؛ فيجب البيان، وهذه التفاصيل قد بيّنْتُها في غير موضع من هذه السلسلة المباركة، ولله الحمد والمنَّة.
ثانيًا: الأدلة على مشروعية هذا التعاون بضوابطه وقيوده:
فمن الأدلة على صِحَّةِ ما ذَكَرْتُه:
1- قولُ الله -تبارك وتعالى-: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ] {المائدة:2}.]
وهذا خطابٌ عامٌّ للمؤمنين، ومن خصّه بطائفةٍ، أو استثنى منه طائفةً؛ فعليه الدليل!!!
فإن الآية لم تَذْكُر شَرْطًا لهذا التعاون، إلا شرطًا واحدًا، وهو أن يكون الأمر الذي يَتَعاون معهم عليه أهلُ الإيمان من أمور البر والتقوى، لا من أمور الإثم والعدوان.
قال القرطبي : «قوله تعالى: [ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ] {المائدة:2} قال الأخفش: هو مقطوع من أول الكلام، وهو أمرٌ لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى، أي: لِيُعِنْ بعضُكم بعضًا، وتحاثُّوا على ما أمر الله تعالى، واعملوا به، وانتهوا عما نهى الله عنه، وامتنعوا منه، وهذا موافق لما رُوِيَ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «الدال على الخير كفاعله»، وقد قيل: الدال على الشر كصانعه…
وقال الماوردي: ندب الله -سبحانه- إلى التعاون بالبر، وقَرَنَهُ بالتقوى له؛ لأن في التقوى رضا الله تعالى، وفي البر رضا الناس، ومن جَمَعَ بين رضا الله تعالى ورضا الناس؛ فقد تَمَّتْ سعادتُه، وعَمَّتْ نعمتُهُ.
وقال ابن خويز منداد في «أحكامه»: والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه، فواجب على العالم أن يُعِينَ الناسَ بعلمه، فَيُعَلِّمَهم، ويُعِينَهم الغنيُّ بماله، والشجاعُ بشجاعته في سبيل الله، وأن يكون المسلمون متظاهرين، كاليد الواحدة «المؤمنون تتكافؤ دماؤهم، ويَسْعَى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم»([805])، ويجب الإعراضُ عن المتعَدِّي، وتَرْكُ النصرة له، وردُّه عما هو عليه». اهـ([806])
وقال الرازي : «قَالَ الْقَفَّالُ : هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: [ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ] إِلَى قَوْلِهِ: [ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ] {المائدة:2} يَعْنِي: وَلَا تَحْمِلَنَّكُمْ عَدَاوَتُكُمْ لِقَوْمٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى أَنْ تَعْتَدُوا، فَتَمْنَعُوهُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ فَإِنَّ الْبَاطِلَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَدَى بِهِ، وَلَيْسَ لِلنَّاسِ أَنْ يُعِينَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى الْعُدْوَانِ، حَتَّى إِذَا تَعَدَّى وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى الْآخَرِ؛ تَعَدَّى ذَلِكَ الْآخَرُ عَلَيْهِ، لكن الجواب: أَنْ يُعِينَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى مَا فِيهِ الْبِرُّ وَالتَّقْوَى، فَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْآيَةِ». اهـ([807])
وقال السعدي : «[ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ] {المائدة:2} أي: لِيُعِنْ بعضُكم بعضًا على البر، وهو: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأعمال الظاهرة والباطنة، من حقوق الله وحقوق الآدميين.
والتقوى في هذا الموضع: اسم جامع لترك كل ما يكرهه الله ورسوله، من الأعمال الظاهرة والباطنة. وكلِّ خَصْلَة من خصال الخير المأمور بفعلها، أو خَصْلَة من خصال الشر المأمور بتركها؛ فإن العبد مأمور بفعلها بنفسه، وبمعاونة غيره من إخوانه المؤمنين عليها، بكل قَوْلٍ يَبْعَثُ عليها، ويُنَشِّط لها، وبكل فِعْلٍ كذلك.
[ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ] وهو التجرؤ على المعاصي التي يأثم صاحبها… [ﯶ] {المائدة:2} وهو التعدي على الخَلْق في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، فكل معصية وظلم يجب على العبد كَفُّ نَفْسِهِ عنه، ثم إعانة غيره على تركه». اهـ([808])2- وفي الحديث الصحيح بمجموع طرقه: أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لقد شَهِدْتُّ في دار عبد الله بن جُدْعَان حِلْفا، ما أُحِبُّ أن لي به حُمْرَ النَّعَمِ، ولو أُدْعَى به في الإسلام؛ لأجَبْتُ»([809]).
وهذا الحلف كان لنصرة المظلوم، والذين تحالفوا عليه كانوا جماعة من مشركي قريش، وشَهِدَهُم في ذلك رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مع عمومته وهو صغير السِّن آنذاك، ويُسَمَّى هذا الحلف بحلف الفُضُول أو المُطَيِّبين، وتعاهَدوا وتعاقدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها أو غيرهم ممن دخلها من سائر الناس؛ إلا قاموا معه، وكانوا على مَنْ ظَلَمه، حتى تُردَّ عليه مظلمتُه، فَسَمَّتْ قريشٌ ذلك الحلفَ: حِلْفَ الفُضول([810])، ومع ذلك فالرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يمدحه، ويُثْنِي عليه، ولا يَنْفُضُ يده منه، أو يَنْكُثُه، ولو عُرِضَتْ عليه حُمر النعم في مقابل التملّص منه، مما يدل على أن التعاون في نصرة المظلوم -ولو كان مع مشرك- أمر تُوجِبُه شريعتنا، وإن تعاون عليه معنا أهلُ البدع والشرك، طالما أن ذلك التعاون على البر والتقوى، ولا يُفْضِي إلى شرٍّ أكبر في الحال أو المآل.
فالتعاون مع أهل البدع -وغيرهم ولو من الكفار- إذا كان فيه مصلحة خالصة أو راجحة للإسلام وأهله؛ فلا بأس به للأدلة السابقة: من كتاب وسنة، ومن أقوال لبعض أهل العلم المؤتمنين على منهج أهل السنة، وعلى ذلك يسير حكام المسلمين في إدارتهم لدُوَلهم، وهذا لا ينكره العقلاء إذا رُوعيتْ شروطه؛ فلا تبالِ بما عليه الطائشون المتهوِّرون!!
ثالثًا: إيراد بعض أقوال أهل العلم المؤتمنين في ذلك:
ومن ذلك:
ما قاله الإمام ابن القيم في «زاد المعاد»: «ومنها: -أي من الفوائد المستفادة من الصلح يوم الحديبية- أن المشركين وأهلَ البدع والفجور والبغاة والظلمة، إذا طلبوا أمرًا يُعَظِّمون فيه حُرْمَةً مِنْ حُرمات الله تعالى؛ أُجِيبُوا إليه، وأُعْطُوه، وأُعِيُنوا عليه، وإن مُنِعُوا غَيْرَه، فيُعَاوَنُون على ما فيه تعظيمُ حُرماتِ الله، لا على كُفْرِهِم وبَغْيِهِم، ويُمْنَعُون ما سوى ذلك، فَكُلُّ مَنِ الْتَمَس المُعاونةَ على مَحْبوبٍ لله تعالى، مُرْضٍ له؛ أُجِيبَ إلى ذلك، كائنًا من كان؛ ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوبِ مَبْغُوضٌ لله أعظمُ منه، وهذا مِنْ أَدَقِّ المواضع، أو أَصْعَبِها، وأَشَقِّها على النفوس». اهـ([811]).
فتأمل هذا النص الذي هو أَغْلَى وأَنْفَس من الجواهر، وقِسْ عليه حال المخالفين، واحْمَدِ اللهَ على العافية مما ابتلاهم به من الهوى وضيق الأفق والتدبير!!!
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : «وليس للمعلِّمين أن يُحَزِّبُوا الناسَ، ويَفْعَلُوا ما يُلْقِي بينهم العداوةَ والبغضاء، بل يكونون مثلَ الإخوة المتعاونين على البرِّ والتقوى، كما قال الله تعالى: [ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ] {المائدة:2}. اهـ([812])
وأيضًا: فشيخ الإسلام ابن تيمية لم يتردَّد في الشفاعة في دَفْع بعض الظلم عن بعض أهل البدع([813]) فقد شَفَعَ عند القاضي حسام الدين الحنفي([814]) عندما أراد حَلْقَ لحية الأذرعي([815])، وأحْضَرَ الموسَى والحمارَ لِيُرْكِبَه -أي الأذرعيَّ- ويَطُوفَ به (وهذا من باب الإهانة له، والحطِّ من قَدْرِهِ ومكانتِهِ بين الخاصة والعامة!!)، وهو خَصْمٌ لشيخ الإسلام، فجاء أخو الأذرعي، وعَرَّف شيخ الإسلام بذلك، فقال : «فَقُمْتُ إليه -أي إلى القاضي- ولم أَزَلْ به حتى كَفَّ عن ذلك -أي: عن حلق لحية الأذرعي، ورَكوبه الحمار؛ ليُطَاف به- قال: «وجَرَتْ أمور، لم أَزَلْ فيها مُحْسِنًا إليهم، وهذه الأمور ليستْ مِنْ فِعْلِي ولا فِعْل أمثالي، نحن إنما نَدْخُل فيما يحبه الله ورسوله والمؤمنون، ليس لنا غرضٌ مع أحد، بل نَجْزِي بالسيئة الحسنةَ، ونَعْفُو ونَغْفِر، وهذه القضية قد انتشرت، وظهر ما فُعِلَ فيها، وعَلِمَهُ الخاصُّ والعامُّ».
ثم قال: «وأنا والله، من أعظم الناس مُعَاوَنَةً على إطفاء كل شر فيها -أي في هذه القضية- وفي غيرها، وإقامةِ كُلِّ خير، وابن مَخْلُوف([816]) لو عَمِل مَهْما عَمِلَ، والله، ما أَقْدِر على خير إلا وأعْمَلُه معه، ولا أُعِينُ عليه عَدُوَّهُ قَطُّ، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هذه نِيَّتِي وعَزْمِي…».([817])([818])
وفي «مجموع الفتاوى»([819]) قال : «ومما ينبغي أن يَعْرِف به الشيخُ([820]): أني أخاف أن القضية تخرُجُ عن أمره بالكلية، ويكون فيها ما فيه ضرر عليه وعَلَى ابن مخلوف، ونحوهما… وأنا مُسَاعِدٌ لهما على كل بِرٍّ وتقوى». اهـ.
هذا، مع أنه قد قال في ابن مخلوف المالكي هذا في موضع آخر: «إن ابن مخلوف رَجُلٌ كَذَّابٌ فاجِرٌ، قليلُ العِلْمِ والدين». اهـ.([821])
وقد كان أهل الحديث والحنابلة مع الأشعرية والماتريدية يدًا واحدةً على المبتدعة والزنادقة، وكانوا كالشيء الواحد حتى حصلت في القرن الخامس الهجري حادثة، عُرِفَتْ «بفتنة ابن القشيري»، تَسَبَّبَتْ في الفُرقة بين الطائفتين.
قال الحافظ ابن عساكر : «ولم تَزَلْ الحنابلةُ ببغداد في قديم الدهر على ممر الأوقات تعتضد بالأشعرية على أصحاب البدع؛ لأنهم المتكلمون من أهل الإثبات، فمن تكلم منهم في الرد على مبتدع؛ فبلسان الأشعرية يتكلم، ومن حَقَّقَ منهم في الأصول في مسألة؛ فمنهم يَتَعَلَّم؛ فلم يزالوا كذلك حتى حَدَثَ الاختلاف في زمن أبي نصر القشيري». اهـ.([822])
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : «ومع هذا؛ فأهل السنة يستعملون معهم العدل والإنصاف, ولا يظلمونهم؛ فإن الظلم حرام مطلقا، كما تقدم، بل أهل السنة لكل طائفة من هؤلاء خير من بعضهم لبعض! بل هم للرافضة خير وأعدل من بعض الرافضة لبعض، وهذا مما يعترفون هم به، ويقولون: أنتم تُنْصِفوننا ما لا يُنْصِف بعضُنا بعضا.. ولا ريب أن المسلم العالم العادل أعدل عليهم وعلى بعضهم من بعض، والخوارج تُكَفِّر أهل الجماعة، وكذلك أكثر المعتزلة يُكَفِّرُون من خالفهم، وكذلك أكثر الرافضة، ومن لم يُكَفِّر فَسَّقَ، وكذلك أكثر أهل الأهواء يبتدعون رأيا، ويكَفِّرون من خالفهم فيه، وأهل السنة يتبعون الحق من ربهم الذي جاء به الرسول، ولا يُكَفِّرون من خالفهم فيه؛ بل هم أعلم بالحق وأرحم بالخلق، كما وصف الله به المسلمين بقوله: [ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ] {آل عمران:110}. قال أبو هريرة: كنتم خير الناس للناس، وأهل السنة نقاوة المسلمين، فهم خير الناس للناس». اهـ([823])
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : «وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْحَنْبَلِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَحْشَةٌ وَمُنَافَرَةٌ، وَأَنَا كُنْت مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، وَطَلَبًا لِاتِّفَاقِ كَلِمَتِهِمْ، وَاتِّبَاعًا لِمَا أُمِرْنَا بِهِ مِنْ الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللَّهِ، وَأَزَلْتُ عَامَّةَ مَا كَانَ فِي النُّفُوسِ مِنْ الْوَحْشَةِ، وَبَيَّنْتُ لَهُمْ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ كَانَ مِنْ أَجَلِّ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَنَحْوِهِ، الْمُنْتَصِرِينَ لِطَرِيقِهِ، كَمَا يَذْكُرُ الْأَشْعَرِيُّ ذَلِكَ فِي كُتُبِهِ، وَكَمَا قَالَ أَبُو إسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ: إنَّمَا نَفَقَتْ الْأَشْعَرِيَّةُ عِنْدَ النَّاسِ بِانْتِسَابِهِمْ إلَى الْحَنَابِلَةِ، وَكَانَ أَئِمَّةُ الْحَنَابِلَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ: كَأَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ، وَنَحْوِهِمَا يَذْكُرُونَ كَلَامَهُ فِي كُتُبِهِمْ، بَلْ كَانَ عِنْدَ مُتَقَدِّمِيهِمْ كَابْنِ عَقِيلٍ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ، لَكِنَّ ابْنَ عَقِيلٍ لَهُ اخْتِصَاصٌ بِمَعْرِفَةِ الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ، وَأَمَّا الْأَشْعَرِيُّ فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى أُصُولِ أَحْمَدَ مِنْ ابْنِ عَقِيلٍ، وَأَتْبَعُ لَهَا؛ فَإِنَّهُ كُلَّمَا كَانَ عَهْدُ الْإِنْسَانِ بِالسَّلَفِ أَقْرَبَ؛ كَانَ أَعْلَمَ بِالْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ، وَكُنْتُ أُقَرِّرُ هَذَا لِلْحَنْبَلِيَّةِ، وَأُبَيِّنُ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ، -وَإِنْ كَانَ مِنْ تَلَامِذَةِ الْمُعْتَزِلَةِ ثُمَّ تَابَ-؛ فَإِنَّهُ كَانَ تِلْمِيذَ الجُبَّائي، وَمَالَ إلَى طَرِيقَةِ ابْنِ كُلَّابٍ، وَأَخَذَ عَنْ زَكَرِيَّا الساجي أُصُولَ الْحَدِيثِ بِالْبَصْرَةِ، ثُمَّ لَمَّا قَدِمَ بَغْدَادَ؛ أَخَذَ عَنْ حَنْبَلِيَّةِ بَغْدَادَ أُمُورًا أُخْرَى، وَذَلِكَ آخِرُ أَمْرِهِ، كَمَا ذَكَرَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِي كُتُبِهِمْ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ كَانَ تِلْمِيذَ ابْنِ الْوَلِيدِ وَابْنِ التَّبَّانِ الْمُعْتَزِلِيَّيْن، ثُمَّ تَابَ مِنْ ذَلِكَ، وَتَوْبَتُهُ مَشْهُورَةٌ بِحَضْرَةِ الشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَكَمَا أَنَّ فِي أَصْحَابِ أَحْمَدَ مَنْ يُبْغِضُ ابْنَ عَقِيلٍ وَيَذُمُّهُ؛ فَاَلَّذِينَ يَذُمُّونَ الْأَشْعَرِيَّ لَيْسُوا مُخْتَصِّينَ بِأَصْحَابِ أَحْمَدَ، بَلْ فِي جَمْيعِ الطَّوَائِفِ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ. وَلَمَّا أَظْهَرْتُ كَلَامَ الْأَشْعَرِيِّ – وَرَآهُ الْحَنْبَلِيَّةُ – قَالُوا: هَذَا خَيْرٌ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ الْمُوَفَّقِ، وَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِاتِّفَاقِ الْكَلِمَةِ، وَأَظْهَرْتُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي مَنَاقِبِهِ: أَنَّهُ لَمْ تَزَلْ الْحَنَابِلَةُ وَالْأَشَاعِرَةُ مُتَّفِقِينَ إلَى زَمَنِ القشيري، فَإِنَّهُ لَمَّا جَرَتْ تِلْكَ الْفِتْنَةُ بِبَغْدَادَ؛ تَفَرَّقَتْ الْكَلِمَةُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي جَمِيعِ الطَّوَائِفِ مَنْ هُوَ زَائِغٌ وَمُسْتَقِيمٌ، مَعَ أَنِّي فِي عُمُرِي إلَى سَاعَتِي هَذِهِ لَمْ أَدْعُ أَحَدًا قَطُّ فِي أُصُولِ الدِّينِ إلَى مَذْهَبٍ حَنْبَلِيٍّ وَغَيْرِ حَنْبَلِيٍّ، وَلَا انْتَصَرْتُ لِذَلِكَ، وَلَا أَذْكُرُهُ فِي كَلَامِي، وَلَا أَذْكُرُ إلَّا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا، وَقَدْ قُلْتُ لَهُمْ غَيْرَ مَرَّةٍ: أَنَا أُمْهِلُ مَنْ يُخَالِفُنِي ثَلَاثَ سِنِينَ، إنْ جَاءَ بِحَرْفِ وَاحِدٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ يُخَالِفُ مَا قُلْته؛ فَأَنَا أُقِرُّ بِذَلِكَ، وَأَمَّا مَا أَذْكُرُهُ فَأَذْكُرُهُ عَنْ أَئِمَّةِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ بِأَلْفَاظِهِمْ وَبِأَلْفَاظِ مَنْ نَقلَ إجماعهُم مِنْ عَامَّةِ الطَّوَائِفِ، هَذَا مَعَ أَنِّي دَائِمًا وَمَنْ جَالَسَنِي يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنِّي: أَنِّي مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ نَهْيًا عَنْ أَنْ يُنْسَبَ مُعَيَّنٌ إلَى تَكْفِيرٍ وَتَفْسِيقٍ وَمَعْصِيَة؛ إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الرسالية الَّتِي مَنْ خَالَفَهَا كَانَ كَافِرًا تَارَةً، وَفَاسِقًا أُخْرَى، وَعَاصِيًا أُخْرَى». اهـ([824])
* وهؤلاء كبار علماء زماننا قد ذكروا التعاون على البر والتقوى مع الجماعات التي عندها مخالفات شرعية في عدد من المسائل، ولم يكن ذلك خافيًا على هؤلاء العلماء، فمن ذلك:
ما جاء في «فتاوى اللجنة الدائمة»([825]):
س1: في العالم الإسلامي اليوم عدة فِرَق وطُرُق: الصوفية مثلًا، هناك جماعة التبليغ، الإخوان المسلمين، السنيين، الشيعة، فما هي الجماعة التي تُطَبِّق كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -؟
ج1: «أَقْرَبُ الجماعات الإسلامية إلى الحق، وأَحْرَصُها على تطبيقه: أهلُ السنة، وهم أهلُ الحديث، وجماعةُ أنصار السنة، ثم الإخوان المسلمون، وبالجملة: فكل فرقة من هؤلاء وغيرهم، فيها خطأ وصواب، فعليك بالتعاون معها فيما عندها من الصواب، واجتنابِ ما وَقَعَتْ فيه من أخطاء، مع التناصح والتعاون على البر والتقوى».
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الأعضاء: عبد الله بن قعود، وعبد الله بن غديان، وعبد الرزاق عفيفي، والرئيس: عبد العزيز بن باز.
قلت: الجماعات التي تَنْتَسِبُ إلى السنة لا شك أنها أَقْرَبُ إلى الحق من الشيعة، الذين يتبرؤون من السنة وأهلها، وفي الجماعات التي تنتسب إلى السنة تفاصيل تختلف من بلدٍ لآخر، ومن زمنٍ لآخر، ومن قائدٍ أو فرد لآخر، ومن منهجٍ لآخر، وقد جعل الله لكلِّ شيءٍ قدْرًا، وأما التعاون معهم وغيرهم على الخير المحض أو الراجح؛ فله حُكْم آخر، يختلف عن الحكم على الجماعة، فلا تلازم بينهما مَدْحًا وذمًّا، وقبولا ورَدًّا، واستجابةً وامتناعًا.
أما الشيعة، فلعل السؤال قد وُجِّه إلى هؤلاء السادة العلماء في غير الغلاة الروافض، ومعلوم أن الشيعة فِرَق متباينة ومتفاوتة في القُرب من الحق والبُعد عنه، أما الروافض الإثنا عشرية؛ فقد جُرِّب أن من اقترب منهم لا يكاد يسْلَم، أو يَصْبِر على ما يراه عندهم مِنْ نقْضٍ لأصول الإسلام، واجتثاثٍ لأصول العقيدة الصحيحة، وتدمير وتشويه للسننِ ومكارمِ الأخلاقِ، ولهم أحوال ووسائل تَفْتِنُ مَنْ جالسهم، فما أشْبه حِيَل دجاجلتهم بالدجال الأكبر، الذي حذّر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- المؤمنين من الاقتراب منه، فقال فيما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود، واللفظ لأحمد([826]): عن عمران بن حصين رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «مَنْ سمع بالدجال؛ فَلْيَنْأَ منه، مَنْ سمع بالدجال؛ فَلْيَنْأَ منه، من سمع بالدجال؛ فَلْيَنْأَ منه؛ فإن الرجل يأتيه، وهو يَحْسَب أنه مؤمن؛ فلا يزال به لما معه من الشُّبَه حتى يَتَّبِعَه»، ولفظ أبي داود([827]): عن عمران بن حصين-رضي الله عنه- يُحَدِّث، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من سمع بالدجال؛ فَلْيَنْأَ عنه؛ فواللهِ، إنَّ الرجل ليأتيه، وهو يَحْسَب أنه مؤمن؛ فَيَتَّبِعَه، مما يَبْعَثُ به من الشُّبهات»، أو «لما يَبْعَثُ به من الشبهات» وهو موجود عند ابن بشران في «الأمالي»([828]) بسند حسن، ولو سلّمنا -جدلا- بأن التعاون مع الشيعة ليس وراءه شَرٌّ أكبر من الخير الذي يُراد تحقيقه -حالًا ومآلا- وكان ذلك في أمر يحتاج إليه المسلمون؛ فلا بأس بذلك -عند ذاك- لكني على شِبْه إِياسٍ من ذلك، كفانا الله شَرَّهُم وشَرَّ كُلِّ ذي شَرٍّ هو آخذ بناصيته!!!
وهناك فتوى أخرى لِلَّجْنة الدائمة بعد هذه الفتوى في (2/238-239) السؤال الرابع من الفتوى رقم (6280):
س4: الجماعاتُ والفِرَقُ الموجودة الآن، أقصد بها جماعةَ الإخوان المسلمين، وجماعةَ التبليغ، وجماعةَ أنصار السنة المحمدية، والجمعيةَ الشرعية، والسلفيين، ومن يسمونهم: «التكفير والهجرة»، وهذه كلها وغيرها قائمة بمصر، أسأل: ما موقف المسلم منها؟ وهل ينطبق عليها حديث حذيفة -رضي الله عنه-: «فاعْتَزِلْ تلك الفرقَ كُلَّها، ولو أن تَعَضَّ بأصْل شجرة؛ حتى يُدْركَكَ الموت وأنت على ذلك» رواه الإمام مسلم في «الصحيح»؟
ج4: «كلٌّ مِنْ هذه الفِرَق فيها حقٌّ وباطل، وخطأ وصواب، وبعضُها أَقْرَبُ إلى الحق والصواب، وأَكْثَرُ خيرًا وأَعَمُّ نَفْعًا من بعض، فعليك أن تتعاون مع كل منها على ما معها من الحق، وتنصح لها فيما تراه خطأً، و«دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ»، وبالله التوفيق».
الأعضاء: عبد الله بن قعود، وعبد الله بن غديان، وعبد الرزاق عفيفي، والرئيس: عبد العزيز بن باز.
قلت: هكذا أطلق هؤلاء العلماء في هذا الموضع؛ لأن الكلام حول شرعية التعاون على جُزء من الخير، وهذا جائز حتى مع الكفار والمشركين، كما مَرَّ من كلام الإمام ابن القيم مع ضرورة مراعاة شروط ذلك، أما الحكم على جماعة ما؛ ففيه تفاصيل معروفة، وأما التكفير والهجرة فيقولون بقول الخوارج الذي يُكَفِّرون بالكبيرة، وقد ناظرتُ كثيرا منهم، فرأيتُهم يُصَرِّحون بذلك، ويستدلون عليه بعمومات أُطْلِقَتْ في المشركين، وغير ذلك من المتشابهات التي يتتبعها أهل البدع والأهواء، ويَدَعُون الْمُحْكَمَاتِ، والله المستعان.
وقد سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ([829]) عن «الجبهة الإسلامية السودانية» التي تضم مختلف الاتجاهات: الحركية، والصوفية، والسلفية، وذُكِرَ له أنها قامت بعمل سياسي، ومجابهة واسعة مع الشيوعيين والتغريبيين.
فأجاب تعالى-: بأن التعاون بين المسلمين في محاربة المذاهب الهدامة، والدعوات المُضَلِّلَة، والنشاط التنصيري والشيوعي والإباحي؛ مِنْ أَهَمِّ الواجبات، ومِنْ أعظم الجهاد في سبيل الله؛ لقول الله : [ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ] {المائدة:2} ونَصَحَهم سماحته بتقوى الله، وتصفية صفوفهم من كل ما يخالف الشرع المطهَّر، كما نصحهم بالتحاكمِ إلى شرع الله والثبات عليه…». اهـ. من لقاء «صحيفة الراية» السودانية.
هذا، مع أن موقفي معروف من «المجالس النيابية»، ولي فيها تفصيلٌ بعيدٌ عن الغلو والجفاء، ومقيَّدٌ بقاعدة السعْي في تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وتعطيل أعظم المفسدتين بارتكاب أدناهما، فماذا عسى أن يقول المخالفون في سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – من أجل فتواه بالتعاون مع الاتجاهات الحركية -وهم الإخوان المسلمون ونحوهم- والصوفية، في مواجهة الشيوعيين، والتغريبيين، والتنصيريين… الخ، وجَعْلِهِ ذلك من أهمِّ الواجبات، وأعظمِ الجهاد في سبيل الله؟!!
فهل يروْن سماحته ليس من أهل السنة، أو على الأقل يرونه مميِّعا؟ أم سيقولون: لا يعرف ماذا في هذه الجماعات من مخالفات؟ ومع كون هذا القول فرية؛ ففيه اتهام لسماحته؛ إذ كيف يفتي بذلك وهو لا يعرف حال من سُئل عنهم؟ ومما يلزم المفتي: أن يعرف حال من سُئل عنهم؟!
ويرد على هذه المزاعم -التي يختلقها الغلاة؛ ليغطُّوا بها خِزْيهم وإفكهم في ادعائهم أنهم على منهج هؤلاء العلماء يسيرون- نُصْحَه لهذه الجماعات بتصفية صفوفهم من كل ما يخالف الشرع المطهر؛ فالباطل باطل مهما تزيَّن بلباس الحق!!
وقد قال شيخنا الألباني -رحمة الله عليه- في شريط ضمن: «سلسلة الهدى والنور» وقد سئل عن التعاون مع «الإخوان المسلمين» في الانتخابات؛ فلم يرخِّص في ذلك، بحجة عدم وجود مصلحة في ذلك، مع مخالفة الشرع -وموقفه في المنع من خوض الانتخابات واضحٌ جليّ تعالى- ثم قال: «لذلك نحن ننصحكم وننصح كل المسلمين: ألا يتعاونوا مع الحزبيين في دخول البرلمانات، أما التعاون معهم على البر والتقوى؛ فهذا أمر واجبٌ…». اهـ.
وكلام شيخنا الألباني فرْعٌ عما ترجّح عنده في أن الدخول في البرلمانات -مطلقًا- ضرره أكبر من نفعه، وهذه مسألة للعلماء فيها تفصيل، وإلا فأصل مسألة التعاون مع المخالف إذا اسْتوفَتْ شروطَها، وكان التعاونُ على حَقٍّ خالصٍ أو راجحٍ حالًا ومآلًا؛ فلا يَمْنَع من ذلك.
فتأمَّلْ هذا الكلامَ، وقارِنْ بينه وبين ما يقوله المخالفون -هدانا الله وإياهم- مع حِرْصِهم على انتحالهم هؤلاء العلماءَ، وحَشْرِ أسمائهم في جملة من يتشبعون باتباعهم في هذه المسائل، إذا تأملت هذه الفتاوى وواقعَ هؤلاء المخالفين؛ يَظْهَرُ لك صحةُ قَوْلِ مَنْ قال([830]):
| سَارتْ مُشَرِّقةً وسِرْتَ مغَرِّبًا | شَتَّانَ بين مُشَرِّقٍ ومُغَرِّبِ!!! |
وبمعنى هذه الفتاوى قال صاحب الفضيلة: شيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمة الله عليه- كما في شريط: «لقاء الشيخين ابن عثيمين وربيع» (2/ ب) فقد ذكر : «أن الموقف الصحيح من الجماعات الدعوية: أن نتعاون معهم، وأن نكون جميعًا دعاة إلى الحق، متآلفين؛ لأن أوْلى الناس بالتعاون والتآلف: هم دعاة الحق…» إلى أن قال: «فواجِبُنَا نحو الفئات الدعوية: أن نتعاون معهم…»، وذكر أن من التعاون معهم نُصْحَهُم ومَنْعَهُم من الظلم، ثم قال: «ولا شك أن الفئات الدعوية التي تنهج منهجًا معينًا، لا شك أن فيهم الخطأ والصواب، فالواجب بيانُ الخطأ، والتحذيرُ منه، وبيانُ الصواب، والحثُّ عليه». اهـ
وقال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي -رحمة الله عليه- في رسالة «هذه دعوتنا وعقيدتنا»([831]): «ونرى وجوب التعاون مع أي مسلم في الحق، ونبرأ إلى الله من الدعوات الجاهلية». اهـ.
فهذا كلام العلماء آخِذٌ بعضُه بِحُجَزِ بعض([832]).
فالْزَمْ طريقَهم وأصولَهم يا طالب الهدى؛ تَنْجُ وتُفْلِحْ، ودعْ عنك الخَبْط والخلْط، ولا شك أن من يرى حِيل وألاعيب ومَكْرَ كثير من المخالفين؛ فإن التعاون معهم يكون شاقًّا على نفسه، كما سبق عن الإمام ابن القيم أنه قال: «… وهذا مِنْ أدقِّ المواضع وأَصْعَبها، وأشقّها على النفوس»([833]).
لكن: هل يجوز مع هذا كله تفويتُ الحق الخالص أو الراجح من أجل مشقة وصعوبة ودقَّة أمر التعاون مع المخالف على النفوس؟!
ألسْنا نرى دول الكفر على اختلاف أديانها ومللها، وشدة العداوة فيما بينها يجتمعون على حَرْبِ وكَيْدِ الإسلام وأهله؟ كم بين اليهود والنصارى من كراهية، حتى إن كل طائفة تقول في الأخرى: «ليست على شيءٍ»، وقد أُلْقِيَتْ بينهم العداوةُ والبغضاءُ إلى يوم القيامة؟ ومع ذلك نراهم يجتمعون مع الشيوعيين، واللادينيين، والبوذيين والوثنيين في مجلس واحد، ويَعْقِدون أمرهم دون تَهارُشٍ أو تَعْيِير، أو سباب، أو نَبْشٍ للماضي والإِحن والأحقاد، ويقدِّمون ما اجتمعوا من أجله على كل اعتبار، ويُراعُون أولوياتهم -وإن كانت ضد إسلامنا- ثم يخرجون برأيٍ واحدٍ، في مدةٍ قصيرةٍ جدًا، ويَعْرِف كل منهم ما يلزمه من مهامٍّ لتنفيذ ما اجتمعوا عليه، هذا مع اختلافهم فيما بينهم، وحِرْص كل منهم على تحقيق مصالح بلاده دون الآخرين؟ لكن هناك مصالح مشتركة -وإن كانت لحرب الإسلام- بين الأعداء المتشاكسين تجمعهم، فيغُضُّون الطَّرْفَ عن اختلافاتهم المزْمِنَة، من أجل التقاط مصالحهم العابرة، ثم يعود كل منهم في خنْدقه الذي حَفَره لخَصْمِه، وتَخَنْدَق فيه أسلافُهُ مِنْ قَبْلِهِ!!!
أليس اجتماعنا على الحق مع من نختلف معه من المسلمين أولى وآكد؟ لا سيما في وقت نَشْعُر فيه بأن عَدَمَ اتفاقِنَا يَسْتَغِلُّه خُصُومُنا لتفريقِ كلمتنا، وإراقةِ دمائنا، وهَتْكِ أعراضنا، واحتلال بلادنا، وضياع أَمْنِنَا واستقرارِنا، ونهْب ثرواتنا، وفَقْد سيادتنا على أرضنا ومجتمعاتنا؟ ما أظن أحدًا يخالف في هذا إلا من هو مسلوب العقل والفهم وحُسن التدبير!!
رابعًا: ضوابط التعاون مع المخالفين:
هذا، وأُلْفِتُ النظر لضرورة مراعاة ضوابط التعاون مع المخالفين، وعليها يُحْمَلُ كلامُ مَنْ أَطْلَقَ وجوبَ التعاون من العلماء الكبار، وبدون مراعاة هذه الضوابط؛ فالتعاون سيُفْضي إلى الإثم والعدوان، لا إلى البر والتقوى، وخلاصة هذه الضوابط أو القيود أمور، منها:
1- أن يكون هذا التعاون على الخير بالنظرة الشرعية الصحيحة، ولتحقيق مصلحة متحققة أو راجحة، أو لدفْع مفسدة أكبر من المفسدة المتوقَّعة من وراء هذا التعاون.
2- أن يكون تقديرُ المصلحة أو المفسدة وتوصيفُهما بميزان الشرع، لا بالموازين الحزبية والبدعية، فيُرجَعُ في ذلك إلى العلماء الراسخين في العلم، والفاقهين في الشريعة، وأصولها، وكلياتها، بضميمة أَهْلِ الاختصاصِ العدولِ في الأمر الذي يُرادُ التعاونُ عليه: دعويًّا كان، أو عسكريًّا، أو سياسيًّا، أو اقتصاديًّا…. الخ، ولا يُفْتَحُ الباب في هذا الأمر أمام كل مَنْ هَبَّ ودَبَّ ودَرَج، فَيُقَرِّرُ المصلحةَ أو المفسدةَ من عند نفْسه -مع كونه متأثرا في ذلك بنظرة حزبية ضيقة، أو بدعية مارقة- دون فِقْهٍ للشريعة وكلياتها وأساليبها؛ لأنه
-لجهله أو ضلالته- قد يرى أن المصلحةَ كائنةٌ في الابتعاد عن الدين أو أَصْلٍ من أُصوله، أو يرى أن التمَسُّكَ بالدين في هذه الظروف التي تَمُرُّ بها أُمَّتنا مَفْسَدَةٌ أكبرُ…الخ!! أو أن التمسك بالتوحيد والسنة والآثار تمسُّكٌ بالقشور، وتَضْييعٌ للُّباب؛ فيقلب الدينَ رأْسًا على عقِب، ويوجِبُ العمَل بالأمور المشتبهة، ويُحَرِّمَ التمسكَ بالأصول المحكمة الأصيلة العتيقة!!
3- الأَمْنُ من وقوع مفسدة مساوية للمصلحة، أو غالبة عليها في الحال أو في المآل، وذلك بالميزان الشرعي أيضًا، وبنظرة أهل العلم الدقيقة، فتحصيل مصلحة تجرُّ إلى مفسدة مساوية لها؛ أمْرٌ لا فائدة منه، وفي هذه الحالة يُقال: «دَرْءُ المفاسد مُقَدَّمٌ على جَلْب المصالح»، وأما إذا كان التعاون سيجُرُّ إلى مفسدةٍ أكْبَرَ من الخير الذي يُرادُ تحقيقُهُ؛ فصحيحُ النقلِ وصريحُ العقلِ يمنعانِهِ.
4- أن باب التعاون مع المخالف لا يُفتح جوازه لكل أحد، بل هذا للعلماء وطلاب العلم الذين لا يُخْشَى عليهم أن يُفْتَنُوا بما عند المخالفين من محاسن وتنظيم، فهم الذين يُحْسِنون تقدير المصالح والمفاسد في الجملة، كما أنهم الذين يتمكنون من تمييز الحق من الباطل حالًا ومآلًا، وكذلك يحسنون الترجيح بين المصالح والمفاسد عند تزاحمهما، أما من لم يميِّز هذا من ذاك؛ فإنه يأكل التمر بنواه!!! وهُمُ المجال الرَّحْبُ الفسيحُ لاستثمار المخالفين جهودَهُم لصالحهم.
5- أن يترتَّب على تَرْكِ التعاونِ مع المخالف مفسدةٌ على الإسلام وأَهْلِهِ، أو تَفُوتُهم مصلحةٌ أعظمُ نفعًا مما يستفيده المخالفون من التعاون معهم، وحُلُولُ هذه المفسدة بالمسلمين بسبب خِذلانِ إخوانِهِم لهم، وتَرْكِهِم فريسةً لعدوٍّ أكْبَرَ!!
6- ألا يكون هناك سبيل آخرُ أكثر صفاءً ونقاءً، وآمَنُ عاقبةً في تحصيل أعظم المصلحتين، أو دَفْع أعظم المفسدتين إلا بالتعاون مع المخالف.
وهذه الشروط مستفادة من مجموع الأدلة، ونصوص العلماء في هذا المقام، والله تعالى أعلم وأحكم.
والقاعدة العامة في هذا: تظهر مما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى»([834]) في سياق كلامه عن الهجر للمخالف، وأنه مشروط بتحصيل المصالح ودَفْع المفاسد، وإلا فلا، وأشار إلى أننا لو تركْنا أخْذَ العِلْمِ الذي عند أهل البدع؛ لانْدَرَسَ العلمُ وماتَتْ السننُ، ثم قال: «فإذا تَعَذَّر إقامةُ الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بِدْعَةٌ، مَضَرَّتُها دون مَضَرَّةِ تَرْكِ ذلك الواجبِ؛ كان تحصيلُ مصلحةِ الواجبِ مع المفسدةِ المرجوحةِ معه خيرًا من العكس، ولهذا كان الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل». اهـ
فتأمل قوله: «فإذا تَعَذَّر إقامةُ الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك…الخ».
ويدل على صحة ما قال ما حَوتْهُ كُتُبُ الصحاح، والسنن، والمسانيد، والمعاجم، وغيرها من أحاديث في أسانيدها رجال وُصِمُوا ببعض البدع، وهذه كُتبُ الجرح والتعديل طافحة بتوثيقهم، وبجواز الأخذ عن رواةٍ مُسُّوا ببدعة لمزيد ضبطهم وإتقانهم، كل ذلك من أجل الحفاظ على السنة من الاندثار، فالمصلحة الكبرى من وراء ذلك متحققة، ولاشك أن من أتى إلى بابِ شيخٍ مُحْدِّثٍ فيه بدعة، ليسأله عن الحديث، فيأخُذَه عنه؛ فإنه لا يأتيه بوجْه عَبُوس مُكْفهر، ومَنْكِبٍ جافٍ، وغير ذلك مما يُعامَل به أهلُ البدع، وهذا كله للحفاظ على السنة من الاندثار، ومن باب التعاون على البر والتقوى، مع ضرورة مراعاة الضوابط السابقة.
فإن قيل: إن أهل الأهواء هؤلاء يتعاونون مع أهل البدع والملاحدة، ولا يتعاونون مع أهل السنة.
فالجواب: هذا واقع وموجود في كثير من الحالات، لكن النـزاع ليس في هذا الباب، إنما النزاع فيما إذا طلبوا أن يتعاون معهم أهلُ السنة على جزءٍ من الخير، فهل يمتنع أهلُ السنة من هذا التعاون-وإن غَلَبَ على الظن وجودُ مصلحةٍ راجحةٍ، بحجة هَجْرِ وبُغْضِ أهلِ الأهواء؟- وغير ذلك من تعليلات، أم لا؟ هذا موضع النـزاع، أما إذا رفض أهلُ الأهواء التعاونَ مع أهل السنة؛ فهذا أمر آخر، وله نظرة أخرى، والله أعلم.
وكذلك إذا قيل: لوكان التعاون مع أهل البدع في الحق صوابًا؛ لسبقنا إليه الأئمة، ولم يُطْلِقُوا القول بهجر المبتدعة، والتحذير منهم، فإن كتب الأئمة الذين صنَّفُوا في العقائد طَافِحَةٌ بإطلاق التحذير من الاقتراب من أهل الأهواء.
فالجواب: إطلاقُ دعوى أن الأئمة لم يتعاونوا مع أهل الأهواء أبدًا إطلاقٌ غير صحيح:
فالأئمة أَفْتَوْا بأخذ العلم عن المبتدعة بشروط ذكروها لمن سألهم عن ذلك، ومن ذلك قول سفيان الثوري لما سأله بعضهم عن أخْذ الحديث عن ثَوْر بن يزيد الكلاعي، وهو ثقة ثبْتٌ في الحديث، لكنه رُمِي بالقَدَر، فقال: «خُذُوا عن ثَوْرٍ، واتَّقُوا قَرْنَيْهِ».([835])
وما قاله الحافظ الذهبي في أبان بن تغْلب: «شيعيٌّ جَلْد، لكنه صدوق، فَلَنَا صِدْقُه، وعليه بِدْعَتُه»([836])
وجاء في «المنثور من الحكايات والسؤالات» لابن طاهر المقدسي ([837]): سألت الإمام أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري بهراة عن أبي عبد الله الحاكم النيسابوري، فقال: «ثقة في الحديث، رافضي خبيث». اهـ
هذا مع أن الحاكم ليس رافضيًّا، إنما هو شيعيٌّ فقط.
وروى الحافظ الذهبي بسنده عَنِ الطَّرَسُوسيّ، أن محمد بْن طاهر الحافظ كتب إليهم أنه سَأَلَ أبا إسماعيل عبد الله بْن محمد الأنصاريّ عَنِ الحاكم أَبِي عَبْد الله النَّيْسابوريّ فقال: «ثقة في الحديث، رافضيّ خبيث». اهـ([838])
وقد نقل الحافظ الذهبي هذا الأثر في «السير»، ثم قال عقبه: «أما انحرافه عن خصوم علي؛ فظاهر، وأما أَمْرُ الشيخين فَمُعَظِّم لهما بكل حال، فهو شيعي لا رافضي».([839])
وفي «معجم الشيوخ الكبير» للذهبي: «كَذَا قَالَ شَيْخُ الإِسْلامِ الأَنْصَارِيُّ، وَلَمْ يُصِبْ؛ فَإِنَّ الْحَاكِمَ لَيْسَ بِرَافِضِيٍّ، بَلْ هُوَ شِيعِيٌّ مُعَظِّمٌ لِلشَّيْخَيْنِ بِيَقِينٍ، وَلِذِي النُّورَيْنِ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ فِي مُعَاوِيَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَأُوذِيَ». اهـ([840])
– وفي ترجمة أَبي بَكْرٍ مُحَمَّد بن الفَرَجِ بنِ مَحْمُوْدٍ الأَزْرَق البَغْدَادِيّ، من «سير أعلام النبلاء»: «قَالَ الحَاكِمُ: سَمِعْتُ الدَّارَقُطْنِيّ يَقُوْلُ: لاَ بَأْسَ بِهِ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ حُسَيْن الكَرَابِيْسِيّ، يُطعن عَلَيْهِ فِي اعْتِقَاده.
قَالَ الخَطِيْبُ: أَمَّا أَحَادِيْثه فصِحَاح.
– قال الحافظ الذهبي : «قُلْتُ: لَهُ أُسْوَة بخلقٍ كَثِيْرٍ مِنَ الثِّقَات، الَّذِيْنَ حَدِيْثهُم فِي «الصَّحِيْحَيْنِ» أَوْ أَحَدهُمَا، مِمَّن لَهُ بِدعَةٌ خفيفَةٌ، بَلْ ثقيلَة، فَكَيْفَ الحيلَة؟ نَسْأَل اللهَ الْعَفو وَالسمَاح». اهـ([841])
ونحو ذلك من صنيع العلماء؛ لأن مصلحة تحصيل العلم والروايات التي عندهم مع تيقظهم وإتقانهم أَعْظَمُ من مفسدة القُرْب منهم، إذا رُوعيت شروط ذلك.
وكذلك فقد أفتى الأئمة بالجهاد مع ولاة الأمور: البَرِّ منهم والفاجِرِ، وجعلوا هذا من أصول أهل السنة، التي خالفوا بها أهل الأهواء والفتن، والفجورُ قد يكون بشهوة أو بشبهة؛ لأن مصلحة الجهاد وراء أئمة الفجور أكبر بكثير من مفسدة الجهاد معهم، أو مصلحة اعتزالهم، كما لا يخفى على من له أدنى حَظٍّ من الفقه في الشريعة، بل قد عدّ علماء السنة الجهاد وراء البر والفاجر من أصول معتقد أهل السنة والجماعة، وقِسْ على هذين المثالين غيرهما مع استحضار الشروط السابقة.
وأما إطلاقُ العلماءِ التحذيرَ أو الهجرَ لأهلِ البدع في مواضع كثيرة من كتبهم؛ فَمَحْمُولٌ على عَدَمِ تَحَقُّقِ مصلحةٍ راجحة من التعاون مع أهل الأهواء الذين سُئل عنهم الأئمة، أو القرْبِ منهم، بل قد تكون المفسدة من ذلك أعظم، وقد يكون المبتدع خامل الذِّكْر -حقيقة لا زعما أو توهُّمًا كما يقول الغلاة في من خالفهم من أهل السنة، وأظهروا باطلهم-، ويكون التعاونُ معه مُحْييًا لبدعته، مُرَوِّجًا لذِكْره، مُنَوِّهًا لمكانته، وتكونُ المصلحةُ المرجوّةُ من وراء التعاون معه، كَلَحْمِ جَمَلٍ غَثٍّ، على رأْس جَبَلٍ وعِرٍ، لا هو سَهْلٌ فيُرْتَقَى، ولا سمين فيُنْتقى!! أو يُحمل على أن العالم الذي أطلق الهجر يرى من حال السائل أنه ليس أهلًا لمعرفة وتمييز ما عند المبتدع من فتنة؛ فالأسلم في حقه بعينه الابتعاد، أو يُقال -جمعًا بين كلام أهل العلم-: هذا التحذير المطلق هناك ما يقيِّده، فيُحمل كل قول على ما يليق به في موضعه، والأمر كما سبق من شيخ الإسلام ابن تيمية قوله بعد ذكر ما سبق عنه: «ولهذا كان الكلام في هذه المسائل فيه تفصيلٌ»، فلا تَكُنْ من الغافلين!!
وقد سبق ما جرى من شيخ الإسلام في الجمع والتأليف بين الحنابلة والأشاعرة في زمانه، وهذا أيضًا ليس على اطلاقه إذا راعينا الشروط السابقة، والله أعلم.
وفي النهاية: أُقرر في هذا المقام: أن الله قال: [ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ] {النحل:125}، والحكمةُ: وضْع الشيء في موضعه الصحيح، فَنُطْلِقُ القولَ إذا كانت المصلحةُ في الإطلاق، ونُفَصِّلُ إذا كان في التفصيل تحصيلُ المصلحة، أو دَرْءُ المفسدة، فهذا ما دلّتْ عليه شريعتنا، وقرره أئمتنا سلفًا وخلفًا، ومعلوم أن علماءنا يُفَرِّقون في الإطلاق والتفصيل بين الحكم على العمومِ والحكمِ على المعيَّن، أما التهويلُ من بعض الناس، والطعنُ فيمن لا يرى قولَهُم، بأنه مميّع للدين، أو حِزْبي مُتَسَتِّر، أو عَدُوٌّ للسلفية،…الخ؛ فنقول لهم: ارْبَعُوا على أَنْفُسِكُم أيها الجرآء على الله وعلى شريعته المطهرة، وعلى عباده وأوليائه البرآء من هذه الأكاذيب؛ فهذه تُرَّهات تَتَسَتَّرون وراءها؛ لتُخْفُوا باطِلَكُم، وتُوهِمُوا أتباعَكُم بأنكم أهلُ الحق، فمن خالفكم؛ فقد خالفَ الحقَّ، ومن وافقكم؛ فقد وافق الحق، فالحق أنتم، وأنتم الحق!! وهذا كلام لا يَشُكُّ في بطلانه صِبْيانُ المكاتِب، فضلًا عمّن بصّره الله بالحق والتمييز بين المراتب.
وأما السب والشتم لمن لا يرى رأْيَكُم؛ فلا يَعْجَزُ عنه أحد، والله قد أمر بمجادلة المشركين وأهل الكتاب بالتي هي أحسن، فكيف بأهل الإسلام؟! وإذا كنا قد أُمِرْنا بالإحسان في مجادلة أهل الذمة؛ أفلا نَفْعَلُ ذلك مع أهل الملة؟!
وانظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى»([842]) في رده على ابن الجوزي ، الذي سَبَّ بعض الحنابلة -مع كونه حنبليًّا-!! ولم يَذْكُر دليلًا على صِحَّةِ قوله؛ فقال شيخ الإسلام : «إن هذا الكلام ليس فيه من الحجة والدليل ما يَسْتَحِقُّ أن يُخاطَبَ به أهلُ العلم؛ فإن الردَّ بمجرد الشَّتْمِ والتهويلِ؛ لا يَعْجَزُ عنه أحد، والإنسان لو أنه يناظِرُ المشركين وأهلَ الكتاب؛ لكان عليه أن يَذْكُر من الحجة ما يتبينُ به الحقُّ الذي معه، والباطلُ الذي معهم؛ فقد قال الله لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: [ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ] {النحل:125}، وقال تعالى: [ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ] {العنكبوت:46}.
قال: «فلو كان خَصْمُ مَنْ يتكلَّم بهذا الكلام… مِنْ أَشْهَرِ الطوائف بالبدع، كالرافضة؛ لكان ينبغي أن يَذْكُر الحجةَ، ويَعْدِلَ عما لا فائدةَ فيه؛ إذْ كان في مقام الردِّ عليهم…». اهـ.
فيا لله العجب من الحال التي وصل إليها المخالفون في زماننا لمنهج السلف إفراطًا وتفريطًا، ثم يزعمون أنهم وحدهم أهل السنة، وغيرهم مبتدع يُهجر ولا كرامة له؛ بل يُبَدَّع ويُهجَر من لم يبدعْه ويهجْره… وهكذا!!.
هدانا الله وإياهم جميعًا سُبُل السلام، وكتب لنا جميعًا وللمسلمين حُسْن الختام، وأن نَلْقَى الله على الكتاب المحكم والسنة الصحيحة، ومنهج الأئمة الأعلام.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
كتبه/
أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني
8 شوال/1439هـ
A
A
[18]لا يُتْرَكُ القولُ والعملُ بالحقِّ لكَوْنِ بَعْضِ أَهْلِ البَاطلِ يَفْعَلُه













