(متى يُلْحق السُّنِّي بأهل البدع؟)
- السؤال السادس: (من وافق من أهل السنة أهل البدع في مسألة خالفوا فيها الحقَّ، فهل يُلْحَق بهم، أم لا؟)
والجواب:
أن العالم إذا كانت أصوله وقواعده سُنّية، وكان منتسبًا لأهل السنة، وتبرأ من مذاهب أهل البدع، وكان مناظرًا مدافعًا مُنَافحًا عن منهج أهل السنة، والتحذير من سُبُل أهل البدع، وزلَّتْ قدمه، فوافق أهل البدع في بعض كلامهم، أو كان من كلامه ما يُشْبِهُ كلامهم، أو يَلْزَمُ منه القولُ بقولهم، أو كان متأولا لأدلة أفْضتْ به إلى هذا القول، أو تأثَّر بشبهة أو أكثر؛ حَجَبَتْهُ عن معرفة الحق الصافي، مع كونه باحثا عن الحق، مُؤْثرا له على غيره، واجتهد وتأوَّل؛ فأهل السنة لا يتعجلون في ذمّه وإهداره، وربما اكْتَفَوْا ببيان خطئه وإنكاره عليه، دون تبديعه بعينه، إلا بعد استيفاء شروط التبديع فيه، وانتفاء موانعه عنه؛ لأننا لو بدّعناه لذلك -فضلا عن اهدار كل حسناته-؛ فما يكاد يَسْلَم لنا إلا القليلُ من علماء السنة.
وقد قال الحافظ الذهبي : «وَلَوْ أَنَّا كلَّمَا أَخْطَأَ إِمَامٌ فِي اجْتِهَادِهِ فِي آحَادِ المَسَائِلِ خَطَأً مَغْفُورًا لَهُ، قُمْنَا عَلَيْهِ، وَبدَّعْنَاهُ، وَهَجَرْنَاهُ؛ لَمَا سَلِمَ مَعَنَا لاَ ابنُ نَصْرٍ – يعني محمد بن نصر المروزي – وَلاَ ابْنُ مَنْدَةَ، وَلاَ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُمَا، وَاللهُ هُوَ هَادِي الخَلْقِ إِلَى الحَقِّ، وَهُوَ أَرحمُ الرَّاحمِينَ، فَنَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الهوَى وَالفظَاظَةِ»([225]).
وقال الحافظ الذهبي أيضًا: «ثم إنَّ الكبير من أئمة العلم إذا كَثُرَ صوابُهُ، وعُلِمَ تَحَرِّيهِ للحقِّ، واتَّسَعَ عِلْمُهُ، وظَهَرَ ذَكَاؤُهُ، وعُرِفَ صَلاحُهُ وورعُهُ واتّبَاعُهُ؛ يُغفَرُ له زَلَلُهُ، ولا نُضَلِّلُه ونَطَّرِحُه ونَنْسَى محاسِنَهُ، نعم: ولا نَقْتَدي به في بدعته وخطئه، ونرجو التَّوبة من ذلك». اهـ([226])
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : «فأما الصديقون والشهداء والصالحون؛ فليسوا بمعصومين، وهذا في الذنوب المحَقَّقَة، وأما ما اجتهدوا فيه: فتارة يصيبون، وتارة يخطئون، فإذا اجتهدوا فأصابوا؛ فلهم أجران، وإذا اجتهدوا وأخطأوا؛ فلهم أجرٌ على الاجتهاد، وخطؤهم مغفورٌ لهم، وأهل الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين: فتارة يَغْلُون فيهم؛ ويقولون: إنهم معصومون، وتارة يَجْفُون عنهم؛ ويقولون: إنهم باغُون بالخطأ، وأهل العلم والإيمان لا يُعَصِّمُون ولا يُؤَثِّمُون، ومن هذا الباب تَوَلَّد كثير مِنْ فِرَقِ أهل البدع والضلال». اهـ([227])
وقال الإمام ابن القيم في «إعلام الموقعين»([228]) في سياق كلامه عمن أخطأ من الأئمة: «وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خَفِيَ عليهم فيها ما جاء به الرسول، فقالوا بمبلغ عِلْمِهِم، والحقُّ في خلافها؛ لا يُوجِبُ اطراحَ أقوالهم جملةً، وتَنَقُّصَهُم، والوقيعةَ فيهم؛ فهذان طرفان جائران عن القَصْد، وقَصْد السبيل بينهما، فلا نُؤَثِّم ولا نُعَصِّم… ومن له عِلْمٌ بالشرع والواقع؛ يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدمٌ صالح وآثارٌ حسنةٌ، وهو من الإسلام وأهله بمكان قد تكون منه الهفوة والزلة، هو فيها معذور، بل مأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يُتَّبع فيها، ولا يجوز أن تُهْدَر مَكَانَتُهُ ومَنْزِلَتُهُ من قلوب المسلمين». اهـ
وقال شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين في «شريط محاورة هاتفية مع أهل الجزائر: تسجيلات ابن رجب بالمدينة»، عمن بدَّع بعضَ أهل العلم من أهل السنة لمخالفته في مسألة واحدة: «لو فرضنا قال قائل بمسألة واحدة من مذهب الإرجاء، هل يصح أن نسميه مرجئ؟
الجواب: لا…، كما أنه لو أن أحدًا من فقهاء الحنابلة أخذ بقول الشافعية بمسألة من المسائل؛ لا نقول: إنه شافعي، كذلك لو أن أحدًا أخذ بمسألة واحدة من مسائل الأشاعرة لا نقول: إنه أشعري. إذا أردنا أن نقول، نقول: هو قال بهذا القول، وهو قول الأشاعرة، فلا نُلْحِقُهُ هو بالأشاعرة، وهذه مسألة ينبغي التفطنُ لها؛ لأن بعض الناس أيضًا أخطأ في ابن حجر والنووي وأشباههما حين تأولوا في الصفات، فقالوا: هؤلاء أشاعرة، وأطلقوا، لم يقولوا: قالوا بقول الأشاعرة في هذا الباب!! الأشاعرة لهم مذهبٌ مُسْتَقِلٌّ في باب الصفات، وفي باب الإيمان، وفي باب الأفعال؛ أفعال العباد، وفي القضاء والقدر؛ فلينتبه الشباب لهذه المسألة». اهـ([229])
وقال : «إذا كان قائله معروفًا بالنصيحة والصدق في طلب الحق؛ اعْتُذِرَ عنه في هذه المخالفة، وإلا عومل بما يستحقه بسوء قَصْدِهِ ومخالفته». اهـ([230])
لكن ينبغي التفطن لما جاء في بعض النقول السابقة من اتخاذ هذا الموقف من زلة العالم؛ إنما هو خاص بعلماء هم في الأصل من أهل السنة، والذين لهم قَدَمُ صِدْق في الإسلام، ويتبرَّأون في الجملة من كل ما خالف عقيدة وطريقة أهل السنة والجماعة.
وأما أهل البدع: الذين ليس لهم قَدَمُ صِدْقٍ في الإسلام؛ فلا يُطْلق الثَناءُ عليهم؛ نعم، ولا يُظْلَمُون كذلك.
ولذا قال الحافظ ابن رجب لما قرر نحو هذا: «وهذا كله في حق العلماء المُقْتَدَى بهم في الدين، فأما أهل البدع والضلالة، ومن تَشَبَّهَ منهم بالعلماء وليس منهم، فيجوز بيانُ جَهْلِهِم، وإظهارُ عيوبهم؛ تحذيرًا من الاقتداء بهم، وليس كلامنا الآن في هذا القبيل، والله أعلم». اهـ([231])
قلتُ: فكم من رجلٍ مشهورٍ بالانتصار للسنة، والدفاع عن أصولها وقواعدها الكلية؛ وأخطأ في موضعٍ أو مواضع في مسائل من العقيدة؛ فابن خزيمة إمام الأئمة، زلَّ في الكلام عن مسألة صورة الرحمن، فوافق الجهمية، وقتادة له قول يُشْبِهُ قولَ القدرية، والأعمش تأثر بشيعة الكوفة، وابن منده له كلام غير مقبول في كون الإيمان مخلوقًا، وأبو حاتم الرازي له كلام أنكره عليه بعض الأئمة، بل وصفه بعضهم بالتَّشَيُّع، والبيهقي له كلام في التمشعر، وكذا النووي والحافظ ابن حجر، والذهبي له كلام مخالف في التصوف، فقد قال في قبر معروف الكرخي : «هو التَّرْياقُ الْمُجَرَّبُ».([232])
والحافظ ابن حجر، له كلام في التمشعر وغيره، وفي المعاصرين نحو ذلك، فأين الذين همّهم إسقاط حملة الرايات، والذَّابِّين عن حياض السنة بمجرد -ما يزعمونه أنه خطأ، وفي أكثر الحالات لا يكون الأمر كذلك- وانظر تراجم شبيهة بما سبق، فهل يُحْكَم على كل هؤلاء وأمثالهم من أهل السنة بالبدعة والضلالة؟!
فهذا ابن خزيمة :
قال الحافظ أبو موسى المديني فيما جمعه من مناقب الإمام قوام السنة أبي القاسم إسماعيل بن محمد بن إسماعيل التيمي: «سمعته يقول: أخطأ محمد بن إسحاق بن خزيمة في حديث الصورة، ولا يُطْعَنُ عليه في ذلك، وقال أبو موسى: أشار بذلك إلى أنه قَلّ مِنْ إمام إلا وله زلة، فإذا تُرِك الإمام لأجل زلته؛ تُرك كثير من الأئمة؛ وهذا لا ينبغي أن يُفعل». اهـ.
وفي «النبلاء»([233]) ترجمة ابن خزيمة ، قال الذهبي : «ولابن خزيمة عَظَمَةٌ في النفوس، وجَلَالَةٌ في القلوب؛ لِعِلْمِهِ ودِينه واتباعه السنةَ، وكتابُهُ في التوحيد مجلد كبير، وقد تأول في ذلك حديث الصورة؛ فَلْيُعْذرْ من تأول بعض الصفات، وأما السلف فما خاضوا في التأويل، بل آمنوا وكَفُّوا، وفَوّضوا عِلْمَ ذلك إلى الله ورسوله، ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده، مع صحة إيمانه، وتوخِّيه لاتباع الحق، أهدرناه، وبدعناه؛ لَقَلّ مَنْ يَسْلَمُ مِنَ الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنه وكرمه». اهـ. هذا مع أن هناك من الأئمة من جعل الكلام بذلك في حديث الصورة من قول الجهمية.
وقوله: «وفوَّضوا علم ذلك» أي علم الكيفية لا علم المعنى الذي دلت عليه اللغة العربية، التي نزل بها القرآن الكريم، والله أعلم.
وهذا قَتَادَةُ بنُ دِعَامَةَ بنِ قَتَادَةَ بنِ عَزِيْزٍ السَّدُوْسِيُّ :
جاء في «سير أعلام النبلاء» للذهبي([234]): «حَافِظُ العَصْرِ، قُدْوَةُ المفسِّرِيْنَ وَالمُحَدِّثِيْنَ، أَبُو الخَطَّابِ السَّدُوْسِيُّ، البَصْرِيُّ، الضَّرِيْرُ، الأَكْمَهُ…
وَكَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ العِلْمِ، وَمِمَّنْ يُضرَبُ بِهِ المَثَلُ فِي قُوَّةِ الحِفظِ…
وَكَانَ يَرَى القَدَرَ – نَسْأَلُ اللهَ العَفْوَ -.
وَمعَ هَذَا، فَمَا تَوقَّفَ أَحَدٌ فِي صِدقِه، وَعَدَالَتِه، وَحِفظِه، وَلَعَلَّ اللهَ يَعْذُرُ أَمْثَالَه، مِمَّنْ تَلبَّسَ بِبدعَةٍ يُرِيْدُ بِهَا تَعْظِيْمَ البَارِي وَتَنزِيهَه، وَبَذَلَ وُسْعَهُ، وَاللهُ حَكَمٌ عَدلٌ لَطِيْفٌ بِعِبَادِه، وَلاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ.
ثُمَّ إِنَّ الكَبِيْرَ مِنْ أَئِمَّةِ العِلْمِ إِذَا كَثُرَ صَوَابُه، وَعُلِمَ تَحَرِّيهِ لِلْحقِّ، وَاتَّسَعَ عِلْمُه، وَظَهَرَ ذَكَاؤُهُ، وَعُرِفَ صَلاَحُه وَوَرَعُه وَاتِّبَاعُه؛ يُغْفَرُ لَهُ زَلَلُهُ، وَلاَ نُضِلِّلُهُ وَنَطْرَحُهُ وَنَنسَى مَحَاسِنَه.
نَعَم، وَلاَ نَقتَدِي بِهِ فِي بِدعَتِه وَخَطَئِه، وَنَرجُو لَهُ التَّوبَةَ مِنْ ذَلِكَ». اهـ
وهذا الأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ بنُ مِهْرَانَ الكَاهِلِيُّ :
قال الذهبي في «سير أعلام النبلاء»([235]): الإِمَامُ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، شَيْخُ المُقْرِئِيْنَ وَالمُحَدِّثِيْنَ،… وَكَانَ عَالِمًا بِالفَرَائِضِ، وَكَانَ فِيْهِ تَشَيُّعٌ. اهـ
وهذا محمد بن نصر المروزي :
جاء في «سير أعلام النبلاء»([236]) ترجمة محمد بن نصر المروزي، ذكر الحافظ الذهبي بعض المسائل التي خالف فيها أهلَ السنة -مع إمامته- وقد هَجَره بعضُ علماء وقته، فَرَدَّ ذلك الذهبي ، فقال: «قَالَ الحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ مَنْدَةَ فِي مَسْأَلَةِ الإِيْمَان: صَرَّحَ مُحَمَّدُ بنُ نَصْرٍ فِي كِتَاب (الإِيْمَان) بِأَنَّ الإِيْمَانَ مَخْلُوْقٌ، وَأَنَّ الإِقْرَارَ، وَالشَّهَادَةَ، وَقرَاءةَ القُرْآنِ بِلَفْظِهِ مَخْلُوْقٌ.
ثُمَّ قَالَ: وَهَجَرَهُ عَلَى ذَلِكَ عُلَمَاءُ وَقتِهِ، وَخَالفَهُ أَئِمَّةُ خُرَاسَانَ وَالعِرَاقِ.
قال الذهبي : «قُلْتُ: الخَوْضُ فِي ذَلِكَ لاَ يَجُوْزُ، وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوْزُ أَنْ يُقَالُ: الإِيْمَانُ، وَالإِقْرَارُ، وَالقِرَاءةُ، وَالتَّلَفُّظُ بِالقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوْقٍ؛ فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ العبَادَ وَأَعمَالَهُمُ، وَالإِيْمَانُ: فَقَوْلٌ وَعمَلٌ، وَالقِرَاءةُ وَالتَّلَفُّظُ: مِنْ كَسْبِ القَارِئِ، وَالمَقْرُوءُ المَلْفُوظُ: هُوَ كَلاَمُ اللهِ وَوَحْيُهُ وَتَنْزِيلُهُ، وَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوْقٍ، وَكَذَلِكَ كَلِمَةُ الإِيْمَانِ، وَهِيَ قَوْلُ (لاَ إِلَهَ إِلَّا الله، مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ اللهِ) دَاخلَةٌ فِي القُرْآنِ، وَمَا كَانَ مِنَ القُرْآنِ فلَيْسَ بِمَخْلُوْقٍ، وَالتَّكَلُّمُ بِهَا مِنْ فِعْلنَا، وَأَفعَالُنَا مَخْلُوْقَةٌ، وَلَوْ أَنَّا كلَّمَا أَخْطَأَ إِمَامٌ فِي اجْتِهَادِهِ فِي آحَادِ المَسَائِلِ خَطَأً مَغْفُورًا لَهُ، قُمْنَا عَلَيْهِ، وَبدَّعْنَاهُ، وَهَجَرْنَاهُ؛ لَمَا سَلِمَ مَعَنَا لاَ ابْنُ نَصْرٍ، وَلاَ ابْنُ مَنْدَةَ، وَلاَ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُمَا، وَاللهُ هُوَ هَادِي الخَلْقِ إِلَى الحَقِّ، وَهُوَ أَرحمُ الرَّاحمِينَ، فَنَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الهوَى وَالفظَاظَةِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ بنُ حَزْمٍ فِي بَعْضِ توَالِيفِهِ: أَعْلَمُ النَّاسِ مَنْ كَانَ أَجْمَعهُم للسُّنَنِ، وَأَضْبَطهُم لَهَا، وَأَذْكَرهُمُ لِمَعَانِيهَا، وَأَدرَاهُمُ بِصِحَّتِهَا، وَبِمَا أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ مِمَّا اخْتَلفُوا فِيْهِ.
قَالَ: وَمَا نَعْلَمُ هَذِهِ الصِّفَةَ – بَعْد الصَّحَابَةِ – أَتمَّ مِنْهَا فِي مُحَمَّدِ بنِ نَصْرٍ المَرْوَزِيّ، فَلَو قَالَ قَائِل: لَيْسَ لِرَسُوْلِ اللهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حَدِيْثٌ وَلاَ لأَصْحَابِهِ إِلَّا وَهُوَ عِنْدَ مُحَمَّدِ بنِ نَصْرٍ؛ لَمَا أَبْعَدَ عَنِ الصِّدْقِ.
قُلْتُ- أي الذهبي : هَذِهِ السَّعَةُ وَالإِحَاطَةُ مَا ادَّعَاهَا ابْنُ حَزْمٍ لابْنِ نَصْرٍ إِلَّا بَعْدَ إِمعَانِ النَّظَرِ فِي جَمَاعَةِ تَصَانِيْفَ لابْنِ نَصْرٍ، وَيمْكِن ادِّعَاءُ ذَلِكَ لِمِثْلِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ وَنُظَرَائِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.». اهـ.
وهذا ابن منده :
هو الإِمَامُ، الحَافِظُ، الجَوَّالُ، مُحَدِّثُ الإِسْلاَم، أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ ابْنُ المُحَدِّثِ أَبِي يَعْقُوْبَ إِسْحَاقَ ابْنِ الحَافِظِ أَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بنِ يَحْيَى بنِ مَنْدَةَ.
قال الذهبي : وَلَمْ أَعلم أَحدًا كَانَ أَوسعَ رِحلةً مِنْهُ، وَلاَ أَكْثَر حَدِيْثًا مِنْهُ مَعَ الحِفْظ وَالثِّقَة، فَبَلَغَنَا أَنَّ عِدَّة شُيُوْخه أَلفٌ وَسَبْعُ مائَةِ شَيْخٍ.([237])
وقَالَ البَاطِرْقَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ مَنْدَة إِمَامُ الأَئِمَّة فِي الحَدِيْثِ
-لقَّاهُ اللهُ رِضْوَانَه-.([238])
وَمن تَصَانِيْفِه: كِتَابُ (الإِيْمَان)، وكِتَابُ (التَّوحيد)، وكِتَابُ (الصِّفَاتِ)، وكِتَابُ (التَّارِيْخِ) كَبِيْر جِدًّا، وكِتَابُ (مَعْرِفَة الصَّحَابَةِ)، وكِتَابُ (الكُنَى)، وَأَشْيَاءُ كَثِيْرَة.
وَقِيْلَ: إِنَّ أَبَا نُعَيْمٍ الحَافِظَ ذُكر لَهُ ابْنُ مَنْدَة، فَقَالَ: كَانَ جبلًا مِنَ الجِبَالِ، فَهَذَا يَقُوْلُه أَبُو نُعَيْمٍ مَعَ الوَحشةِ الشديدَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ.([239])
وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي «تَاريخِ أَصْبَهَان»: ابْنُ مَنْدَة حَافِظٌ مِنْ أَولاَد المُحَدِّثِيْنَ، اخْتَلَط فِي آخِرِ عُمُرِهِ، فَحَدَّث عَنِ ابْنِ أَسِيد، وَابْن أَخِي أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيّ، وَابنِ الجَارُوْدِ بَعْدَ أَنْ سُمِعَ مِنْهُ أَنَّ لَهُ عَنْهُم إِجَازَةً، وَتَخَبَّط فِي أَمَاليه، وَنسبَ إِلَى جَمَاعَةٍ أَقوَالًا فِي المُعتقدَاتِ لَمْ يُعرفُوا بِهَا – نَسْأَلُ اللهَ السترَ وَالصِّيَانَة -.([240])
قال الذهبي: «قُلْتُ: لاَ نعبأُ بِقَولكَ فِي خَصمكَ للعداوةِ السَّائِرَة، كَمَا لاَ نَسْمَعُ أيضًا قَوْلَه فِيك؛ فَلَقَدْ رَأَيْتُ لاِبْنِ مَنْدَة حَطًّا مُقذِعًا عَلَى أَبِي نُعَيْمٍ وَتَبْدِيْعًا، وَمَا لاَ أُحِبُّ ذِكرَهُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا فَصدوقٌ فِي نَفْسِهِ، غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي نَقلِهِ بِحمدِ الله». اهـ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «ووقع بين أبي نعيم الأصبهاني وأبي عبد الله بن منده في ذلك ما هو معروف، وصنف أبو نعيم في ذلك كتابه في الرد على اللفظ والحلولية، ومال فيه إلى جانب النفاة القائلين بأن التلاوة مخلوقة، كما مال ابن منده إلى جانب من يقول: إنها غير مخلوقة، وحَكَى كُلٌّ منهما عن الأئمة ما يدل على كثير من مقصوده، لا على جميعه، فما قصده كل منهما من الحق وَجَدَ فيه من المنقول الثابت عن الأئمة ما يوافقه». اهـ([241])
وقال: «وَالْبُخَارِيُّ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ فِي «خَلْقِ الْأَفْعَالِ» أَنَّ كِلْتَا الطَّائِفَتَيْنِ لَا تَفْهَمُ كَلَامَ أَحْمَد. وَمِنْ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى الْمُنْتَسِبَةِ إلَى السُّنَّةِ وَأَتْبَاعِ أَحْمَد: أَبُو نُعَيْمٍ الأصبهاني، وَأَبُو بَكْرٍ البيهقي، وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ يَقُولُ: إنَّهُمْ مُتَّبِعُونَ لَأَحْمَدَ، وَإِنَّ قَوْلَهُمْ فِي «مَسْأَلَةِ اللَّفْظِ» مُوَافِقٌ لِقَوْلِ أَحْمَد، وَوَقَعَ بَيْنَ ابْنِ منده وَأَبِي نُعَيْمٍ بِسَبَبِ ذَلِكَ مُشَاجَرَةٌ، حَتَّى صَنَّفَ أَبُو نُعَيْمٍ كِتَابَهُ فِي «الرَّدِّ عَلَى الحروفية الْحُلُولِيَّةِ» وَصَنَّفَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ كِتَابَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى «اللَّفْظِيَّةِ».». اهـ([242])
وهذا أبو بكر البيهقي :
وهو الحافظ العلامة المتثبّت، الفقيه، الأصوليُّ، الدَّيِّنُ الوَرِعُ، واحدُ زمانه في الحفظ، وفَرْدُ أقرانه في الإتقان والضبط، شيخ الإِسلام، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن عبد اللَّهِ بن موسى، الخُسْرَوجِرْدي البيهقي النيسابوري الخيراساني.
أثنى إمامُ الحرمين الجوينيُّ على مدى خدمةِ البيهقيِّ لمذهبِ الشافعي بقوله: «ما مِنْ شافعيٍّ إلا وللشافعيِّ في عنقِه مِنَّةٌ، إلا البيهقيَّ؛ فإنَّه له على الشافعي مِنَّةٌ؛ لتصانيفِه في نصرته لمذهبِه وأقاويلِه». اهـ([243])
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : «البيهقيُّ أَعْلَمْ أصحاب الشافعي بالحديث، وأَنْصَرُهم للشافعي». اهـ([244])
موقف البيهقي من أخبار الصفات:
تتلمذ البيهقي على ابن فورك، وقد دَرَسَ ابنُ فورك المذهبَ الأشعري بالعراق على أبي الحسن الباهلي، والبيهقيُّ والخطيبُ البغداديُّ معدودان في الطبقة الثالثة أو المرحلة الثالثة من مراحل تدوين مذهب الأشاعرة: التي تبدأ بالأشعري نفسه، والمرحلة الثانية يمثلها الباقلاني وابن فورك، والمرحلة الثالثة يمثلها أبو بكر البيهقي والخطيب البغدادي.
وقد قرأ علم الكلام على مذهب الأشعري.([245])
بل قال المعلمي: «وإني والله، ما آسَى على ابن فورك، وإنما آسَى على مَسْحُورِهِ البيهقيِّ، الذي امتلأ من تهويلات ابن فورك وغيره رُعْبًا؛ فاسْتَسْلَم لهم، وانْقَاد وراءهم». اهـ([246])
ومع ذلك فقد عَدَّهُ شيخ الإسلام ابن تيمية من فضلاء الأشعرية، فقال: «أما التميميون كأبي الحسن وابن أبي الفضل وابن رزق اللَّهِ، فهم أَبْعَدُ عن الإثبات، وأَقْرَبُ إلى موافقة غيرهم، وأَلْيَنُ لهم، ولهذا تتْبعهم الصوفيةُ، ويميل إليهم فضلاء الأشعرية كالباقلاني والبيهقي، فإن عقيدة أحمد التي كتبها أبو الفضل هي التي اعتمدها البيهقي، مع أن القوم ماشون على السنة». اهـ
وقد عَدَّ أهلُ العلم أن ما وقع في كلامه في كتاب «الاعتقاد» إنما دخل عليه من كلام المتكلمين وتَكَلُّفِهِم، فراج عليه، واعتقد صحته.
والبيهقي مع تولِّيه للمتكلمين من أصحاب أبى الحسن الأشعري؛ فقد أَلَّفَ كتابه «الأسماء والصفات» وروى في هذا الكتاب النصوص المثبتة لصفات اللَّهِ بإسناده إلى النبي -صلى اللَّهِ عليه وعلى آله وسلم-.
وفي مقدمة التركي على «السنن الكبرى» للبيهقي([247]) قال:
«ويمكن القول بأنه سلك في الاستدلال طريقة السلف، وخالف الأشاعرة في كثير من المسائل عند التطبيق، لكنه أَوَّلَ بعضَ الصفات على مذهب الأشاعرة المتقدمين، ومع ذلك فقد خالف جمهور الأشاعرة، وهم المتأخرون، الذين استقر المذهب على رأيهم، وذلك أنه أثبت كثيرًا من الصفات الواردة في القرآن والسنة؛ كإثبات الوجه والعين واليدين، خلافا لمذهب جمهور الأشاعرة، وأَوَّلَ بعض الصفات، ولهذا نَقَلَ في تأويله في بعض هذه الصفات عن بعض أئمة الأشاعرة.
وكذلك نجد أن البيهقي وافق السلف في جميع ما يتعلق بأسماء اللَّهِ تعالى من طريقة إثباتها، والقول بعدم حصرها، وصلتها بالصفات، فأثبت صفة الفوقية، فقال في قوله تعالى: [ﭵ ﭶ ﭷ ] {الملك:16} أي فوق السماء على العرش؛ كما نطق به الكتاب والسنة.([248])
وقد وافق البيهقيُّ السلفَ فيما أثبته من صفات الذات الخبرية، وخالفهم في تأويل ما بقى منها؛ حيث أثبت اليدين والوجه والعين، وأَوَّلَ ما سِوَى ذلك، لكنه مع ذلك خالف السلف في صفات الفعل الخبرية؛ حيث ذهب إلى تأويل بعضها، وتفويض بعضها الآخر، زاعمًا أن التفويض في ما فَوَّضَ فيه هو مذهب السلف، ومذهب السلف هو الإثبات الحقيقي لجميع الصفات، إثباتًا لا تأويل فيه، ولا تفويض، ولا تشبيه.
وفي صفة الكلام خالف البيهقيُّ السلفَ في جميع ما ذكره في هذه الصفة، من القول بأن الكلام نَفْسِىٌّ قديم، وأنه بدون حَرْفٍ ولا صَوْتٍ، وأنه معنًى واحد، ورأيه في كلام اللَّهِ تعالى هو عين مذهب أصحابه الأشاعرة.
واتفق البيهقي مع السلف فيما يتعلق بمسألة الرؤية، من القول بإثباتها للمؤمنين يوم القيامة، مستدلًا بحديث الرؤية، إلا أنه خالفهم بنفيه الجهة». اهـ
وقد كَتَبَ الشيخ عبد الرزاق عفيفي تقريرًا عن كتاب «الاعتقاد» للبيهقي، كما في فتاوى الشيخ عبد الرزاق عفيفي([249]) فارجع إليه إن شئت…
وهناك كتاب بعنوان: «البيهقي وموقفه من الإلهيات»، وهي رسالة دكتوراة في جامعة أم القرى، تأليف: أحمد بن عطية بن علي الغامدي -جزاه الله خيرًا-.
يشتمل هذا الكتاب على عرض مستفيض، ومناقشة هادفة لآراء البيهقي في مباحث الإلهيات، وهي مباحث أسماء الله وصفاته، ومسألة رؤية الله تعالى، ومسألة خلق أفعال العباد… فارجع إليه إن شئت.
وهذا محيي الدين النووي :
فقد سُئِلَتْ اللجنة الدائمة: بالنسبة للإمام النووي : بعض الإخوة يقول: إنه أشعري في الأسماء والصفات، فهل يصح هذا؟ وما الدليل؟ وهل يصح التكلم في حق العلماء بهذه الصورة؟ ومنهم من قال: إن له كتابًا يُسَمَّى «بستان العارفين» وهو صوفي فيه، فهل يصح هذا الكلام؟
فأجابت: له أغلاط في الصفات، سلك فيها مسلك المؤولين، وأخطأ في ذلك، فلا يُقْتَدَى به في ذلك، بل الواجب التمسك بقول أهل السنة: وهو إثبات الأسماء والصفات الواردة في الكتاب العزيز والسنة الصحيحة المطهرة، والإيمان بذلك على الوجه اللائق بالله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ عملًا بقوله سبحانه: [ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ] {الشورى:11}، وما جاء في معناها من الآيات. اهـ.
ومن الصفات التي يؤولها الإمام النووي : الصفاتُ الخبرية: كالنزول، والفرح، والضحك، ومن المسائل التي تأوَّل فيها فرجَّح ما يخالف مذهب السلف مسألة: شد الرحال إلى قبور الصالحين والمواضع الفاضلة.
وللشيخ مشهور بن حسن آل سلمان -حفظه الله- كتاب مفيد مُفَصَّلٌ عن الإمام النووي في هذا الجانب، اسمه: «الردود والتعقيبات على ما وقع للإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم من التأويل في الصفات وغيرها من المسائل المهمات» فارجع إليه تَجِدْ ما تريد-إن شاء الله-، ومما قاله -حفظه الله- فيه: «الإمام النووي انطلق فيما صار إليه في الأسماء والصفات من وجوه مختلفة في فهم النص، أدى إلى القول بالتفويض، أو التأويل، وخاصة في الصفات الخبرية، كالنزول، والفرح، والغضب، ونحوها، ولم يستقر فيما ذهب إليه على قواعد مطردة، وإنما تَبِعَ فيه غيره…» اهـ.
وقال الشيخ ابن عثيمين في معرض جوابه عن سؤال عن الحافظين النووي وابن حجر -رحم الله الجميع-:
«وهل يصح أن ننسب هذين الرجلين وأمثالهما إلى الأشاعرة، ونقول: هما من الأشاعرة؟
الجواب: لا؛ لأن الأشاعرة لهم مَذْهَبٌ مُسْتَقِلٌّ، له كيان في الأسماء والصفات، والإيمان، وأحوال الآخرة، وما أَحْسَنَ ما كتبه أخونا سفر الحوالي عما عَلِمَ من مذهبهم؛ لأن أكثر الناس لا يفهم عنهم إلا أنهم مخالفون للسلف في باب الأسماء والصفات، ولكن لهم خلافات كثيرة.
فإذا قال قائل في مسألة من مسائل الصفات بما يوافق مذهبهم؛ فلا نقول: إنه أشعري، أرأيتم لو أن إنسانا من الحنابلة اختار قولا للشافعية، فهل نقول: إنه شافعي؟». اهـ([250])
وقال أيضًا : «فهذان الرجلان بالذات ما أعلم اليوم أن أحدا قَدَّمَ للإسلام في باب أحاديث الرسول مثلما قَدَّمَاه، ويَدُلُّكَ على أن الله -سبحانه وتعالى- بحوله وقوته -ولا أتألَّى على الله- قد قَبِلَهَا: ما كان لمؤلفاتهما من القبول لدى الناس؛ لدى طلبة العلم، بل حتى عند العامة، فالآن كتاب «رياض الصالحين» يُقْرَأُ في كل مجلس، ويُقْرَأُ في كل مسجد، ويَنْتَفِعُ الناس به انتفاعا عظيما، وأتمنى أن يجعل الله لي كتابا مثل هذا الكتاب، كلٌّ يَنْتَفِعُ به في بيته، وفي مسجده». انتهى([251]).
فتأمل هؤلاء المذكورين بأخطاءٍ عَقَديِّةٍ شاركوا فيها الجهمية في بعض أصولهم الفاسدة، وكيف بالغ في مدحهم جماعة من العلماء، وحَطَّ عليهم آخرون، لكن هل اختلف العلماء فيما بينهم، وبدَّع بعضُهم بعضًا، وتقاطعوا أو تدابروا بسبب هذا الاختلاف، وتهاجروا وتباغضوا كما يدعوا إليه اليوم الغلاةُ في التبديع والهجر مع أناس أصْفَى منهم فهما ومشْرَبا؟
فمِن أين أَتَى هؤلاء الغلاةُ بهذا المنهج المخترَع المحدَث؟
وكيف ساغ لهم أن ينسبوه إلى طريقة السلف، بل يَعُدُّون المخالفَ لهم في ذلك أَضَرَّ على الإسلام مِن اليهود والنصارى، وأخبث منهم، بل وأضَرَّ مِن إبليس، وأنه مِن أتباع الدجال، وأضر من فرعون وآله؛ فإنا لله وإنا اليه راجعون، «وإذا لم تَسْتَحْي؛ فاصْنَعْ ما شِئْتَ»!!!
كتبه/
أبو الحسن السليماني
16/ رجب/1439هـ
A
A
[7]معنى قول القائل: ليس كل ما يُعْرَفُ يُقَالُ، وهل فيه كتمان للعلم؟













