كتب للقراءة

الجواهر السليمانية

الجواهر السليمانية

المبحث الثاني : حُكْم تدليس الشيوخ :

إن الحكم عليه يختلف باختلاف قَصْدِ فاعله :

قال ابن الصلاح :” فأَمْرَه أخف – أي من تدليس الإسناد – …. ويختلف الحال في كراهة ذلك بحسب الغرض الحامل عليه [432](2) ” اهـ . فإن كان يفعل ذلك لضعف شيخه؛ فهذه خيانة ممن تعمده .اهـ بمعناه .من كلام الحافظ ابن حجر [433](3) .

قال العراقي – رحمه الله – :” فَسرُّ ذلك: إذا كان الحامل على ذلك كونُ المروي عنه ضعيفًا، فيدلسه حتى لا تظهر روايته عن الضعفاء” . اهـ من ” شرح الألفية ” [434](4) .

ومع أن العلماء قد صرح بعضهم بأن ذلك قد يكون خيانة؛ إلا أنني لا أعلم من أسقطوا عدالته لذلك، لكن من مضار تدليس الشيوخ: أن الباحث قد لا يهتدي لمعرفة من هذا الراوي الذي سماه أو كناه بغير ما اشتهر به، مما يؤدي إلى الحكم على الحديث بالضعف، وقد يوافق بهذا التصرف رجلاً آخر ثقة، ويشاركه في اسمه الجديد، وطبقته، ونحو ذلك؛ فيصحح الحديث، وليس كذلك، فما أحلى الصدق والتجرد، وما أقبح التدليس والتشبع ، والله المستعان .

قال ابن دقيق العيد :” وللتدليس مفسدة ، وفيه مصلحة ، فإنه قد يَخْفَى ويصير الراوي مجهولاً ، فيسقط العمل بالحديث ؛ لكون الراوي مجهولاً عند السامع ، مع كونه عدلاً معروفًا في نفس الأمر ، وهذه خيانة عُظمى ، ومفسدة كبرى ، وأما مصلحته : فامتحان الأذهان في استخراج التدليسات ، وإلقاء ذلك إلى من يُراد اختبار حفظه ، ومعرفته بالرجال ، ووراء ذلك مفسدة أخرى ، يراعيها أرباب الصلاح والقلوب : وهو ما في التدليس من التزْيين . . . ” اهـ [435](1) .

قال الحافظ معلقًا عليه : قلت : ” وقد نازعته في كونه يصير مجهولاً عند الجميع، لكن من مفسدته أن يوافق ما يدلس به شهرة راوٍ ضعيف، يمكن ذلك الراوي الأخذ عنه، فيصير الحديث من أجل ذلك ضعيفًا، وهو في نفس الأمر صحيح، وعكس هذا في حق من يدلس الضعيف ليُخْفي أمره، فينتقل عن رتبة من يُرَدُّ خبره مطلقًا إلى رتبة من يتوقف فيه ، فإن صادف شهرة راو ثقة يمكن ذلك الراوي الأخذ عنه؛ فمفسدته أشد، كما وقع لعطية العوفي في تكنيته محمد بن السائب الكلبي:” أبا سعيد” فكان إذا حدث عنه يقول: ” حدثني أبو سعيد” فيوهم أنه أبو سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ لأن عطية كان لقيه وروى عنه، وهذا أشد ما بلغنا من مفسدة تدليس الشيوخ، وأما ما عدا ذلك من تدليس الشيوخ: فليس فيه مفسدة تتعلق بصحة الإسناد وسقمه، بل فيه مفسدة دينية فيما إذا كان مراد المدلس إيهام تكثير الشيوخ ،لما فيه من التشبع، والله اعلم [436](2) .

وقال الخطيب في ” الكفاية ” [437](3) مبيِّنًا حكم الحديث الذي وقع فيه التدليس : ” وفي الجملة : فإن كل من روى عن شيخ شيئًا ، سمعه منه ، وعَدَلَ عن تعريفه بما اشتهر من أمره ، فَخَفِيَ ذلك على سامعه ؛ لم يصح الاحتجاج بذلك الحديث للسامع ؛ لكون الذي حدَّث عنه في حاله ثابت الجهالة ، معدوم العدالة ، ومن كان هذا صفته ؛ فحديثه ساقط ، والعمل به غير لازم . . . . ” اهـ .