كتب للقراءة

الجواهر السليمانية

الجواهر السليمانية

المبحث الثاني : الكتب المصنفة في هذا النوع:

لقد أُلِّفتْ كتب كثيرة تخدم هذا النوع منها:

غريب الحديث للهروي، وغريب الحديث للحربي، والنهاية لابن الأثير، وعلى كل: فهذا النوع لا ينبغي الخوض فيه بالظن، بل يُرْجَع فيه إلى أهل الاختصاص، فقد قال ابن الصلاح:” هذا فنٌّ مهم ، يقْبحُ جهلُه بأهل الحديث خاصة ، ثم بأهل العلم عامة ، والخوض فيه ليس بالهين ، والخائض فيه حقيق بالتحري ، جدير بالتوقي ” .

قال : ” رُوِّينا عن الميموني ، قال : سُئل أحمد بن حنبل عن حرف من غريب الحديث ، فقال : سَلُوا أصحاب الغريب ؛ إني أكره أن أتكلم في قول رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – بالظن ؛ فأخطئ . . . ” اهـ [346](2).

الحديث المنقطع

قال الناظم – رحمه الله – :

17- وكُلُّ ما لم يتصِلْ بحالِإسنادُه منقطعُ الأوصالِ

تكلم الناظم في هذا البيت على الحديث المنقطع، فقوله: ” وكل ما ” أي كل حديث .

وقوله : ” مالم يتصل بحال” أي لايوجد دليل يدل على اتصاله ، مهما بحث الباحث .

وقوله: ” منقطع الأوصال ” الأوصال: جَمْع وصل، أصله المفصل .

وتحت هذا البيت عدة مسائل :

المسألة الأولى : تعريف المنقطع: فقد عَرَّفه الناظم بأنه الحديث الذي لم يتصل إسناده بحال من الأحوال، وهذا يدل على أن كل ما فيه سقط؛ فهو منقطع عند الناظم: سواء كان ذلك السقط في أوله، أو وسطه، أو آخره .

ويَرِدُ عليه: أن تعريفه ليس على صناعة الحدود والتعريفات؛ لأنه غير مانع من دخول غير المنقطع – اصطلاحًا – فيه: كالمعضل، والمعلق، والمرسل، ونحو ذلك، والأصل في التعريف أن يكون جامعًا مانعًا؛ ليتميز الشيء المراد تعريفه من غيره، وهذا مفقود في تعريف الناظم .

وقد يُعْتَذَر له بأنه أراد الكلام على السند المنقطع، لا على حد الحديث المنقطع، لكن يَرِدُ عليه: أنه قال في عجز البيت الثاني من هذه المنظومة: ” وكُلُّ واحدٍ أَتَى وَحَدَه ” أي كل نوع من أنواع علوم الحديث يأتي مع ذكر حده أوتعريفه، فدل على أنه أراد ذكر حد نوع المنقطع ، فتم الإيراد السابق عليه .

أضف إلى ذلك: أنه قد عرَّف المرسل قبل ذلك: بأنه الذي سقط منه الصحابي، وسيأتي كلامه على المعضل إن – شاء الله تعالى – وكل هذا يَصْدُق عليه أن إسناده لم يتصل بحال ،فأين ما يميز المنقطع عن غيره الذي يقع في سنده سقط ؟1

وقد عَرّف المنقطعَ بما عرفه الناظم غيرُ واحد من أهل العلم :

فقد عَرَّفه بذلك ابن عبدالبر، حيث قال: ” المنقطع عندي كل مالا يتصل، سواء كان يعزى إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – أو إلى غيره ” اهـ [347](1) ، وارتضاه ابن الصلاح، وذكر أنه صار إليه طوائف من الفقهاء وغيرهم [348](2).

وقد قال زكريا الأنصاري:” فيدخل فيه المرسل، والمعضل، والمعلق ” اهـ[349](1) وقد تقدم الإيراد على ذلك .

التعريف المختار للمنقطع :

هو: ” ما سقط أثناء سنده راو فأكثر، ليس على التوالي .

فقولي : ” أثناء ” احتراز من السقوط في أول السند، وهو المعلق، أو السقوط في آخر السند، وهو المرسل، أو المعضل في بعض صوره .

وقولي : ” ليس على التوالي ” أخرج المعضل ، وسواء كان المنقطع في موضع واحد، أو في أكثر من موضع، شريطة عدم التوالي، والله أعلم .

وبهذا التعريف يتميز المنقطع من المرسل وغيره، وتمييز المنقطع عن المرسل: هو الذي عليه غالب استعمال المحدثين، كذا ذكره ابن الصلاح،فقد قال: ” إلا أن ما يُوصَف بالإرسال من حيث الاستعمال : ما رواه التابعي عن النبي –صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وأكثر ما يُوصَف بالانقطاع: ما رواه مَنْ دون التابعين عن الصحابة، مثل مالك عن ابن عمر، ونحو ذلك ” اهـ [350](2) .

وما ذكره ابن الصلاح في غلبة الاستعمال يخالف ما قاله الحاكم ، فقد قال: ” النوع التاسع : معرفة المنقطع من الحديث ، وهو غير المرسل، وقَلَّ ما يوجد في الحفاظ مَنْ يُميز بينهما ” [351](3) .

( فرع ) : مثال للمنقطع في موضع واحد .

قال أبو داوود في ” سننه ” :حدثنا سليمان بن داود المهري أنبأنا ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب قال ـ وهو على المنبر ـ : يا أيها الناس إن الرأي إنما كان من رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – مصيبًا ؛ لأن الله كان يريه ، وإنما هو منا الظن والتكلف .

قال المنذري : وهذا منقطع، الزهري – وهو ابن شهاب – لم يدرك عمر، فلم يتصل السند اهـ .

مثال المنقطع في موضعين .

قال الترمذي في “العلل الكبير” [352](4) : حدثنا علي بن حُجر حدثنا معمر بن سليمان الرقي عن الحجاج بن أرطأة عن عبدالجبار بن وائل عن أبيه قال : استكرهت امرأة على عهد رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – فدرأ عنها الحد، وأقامه على الذي أصابها …..” الحديث .

قال البخاري: الحجاج بن أرطأة لم يسمع من عبدالجبار بن وائل، وعبدالجبار لم يسمع من أبيه، ولد بعد موت أبيه .

المسألة الثانية استعمالات أخرى للمنقطع عند أهل العلم :

الأول : إطلاق المنقطع على المبهم، قال الحاكم في “معرفة علوم الحديث” [353](1) : ” والمنقطع على أنواع ثلاثة، منها: ما حدثنا أبو عمر عثمان بن أحمد السماك ….” وذكر حديثًا في سنده مبهم .

ثم قال بعد ذلك :” هذا الإسناد مَثَلٌ لنوعٍ من المنقطع؛ لجهالة الرجلين” اهـ .

يعني أنهما مبهمان، وأطلقه على ذلك ابن المديني، والبيهقي، وأبو منصور البغدادي،[354](3) وغيرهم .

الثاني : إطلاقه على الإسناد الذي فيه راوٍ مجهول لايُعْرف بعدالة ، سواء سُمِّي أم لا،وسواء ذكر اسمه أم أُسْقط، جاء هذا في كلام أبي منصور البغدادي كما في “النكت” للزركشي [355](4) .

الثالث : إطلاقه بمعنى ” المرسل ” وقد جاء هذا في كلام الشافعي، حيث قال في “الرسالة” [356](5). في كلامه على المرسل :” والمنقطع مختلف: فمن شاهد أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – من التابعين، فحدَّث حديثًا منقطعًا عن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – اعتُبِر عليه بأمور …. ” الخ اهـ .

وكذا أطلق غيره يريد به المرسل [357](6).

الرابع: إطلاقه على ما أضيف إلى التابعين أو من دونهم، وقد نقله الخطيب عن بعض أهل العلم [358](7) ، وذكر الحافظ ابن حجر أن هذا البعض : هو أحمد بن هارون البرديجي [359](8).

الخامس : إطلاقه على ما يقول فيه الشخص :” قال رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – من غير إسناد أصلاً .

وبهذا عرفه الكيا الهراسي الطبري ، ونسبه إلى اصطلاح المحدثين [360](1) وقد تعقبه ابن الصلاح في ذلك، فقال ابن الصلاح في “فوائد رحلته” : ” هذا لا يُعْرف عن أحد من المحدثين، ولا عن غيرهم، إنما هو من كيسه ، والله أعلم “. انظر ” النكت ” على ابن الصلاح للحافظ [361](2) .

وقد تقدم القول المختار في تعريف المنقطع ، مراعاةً للأغلب الأشهر ، وإلا فكثير من هذه الأقوال لها شواهد من بعض كلام أهل العلم ، والله أعلم .

المسألة الثالثة : حكم الحديث المنقطع .

قال الذهلي : ” ولا يجوز الاحتجاج إلا بالحديث الموصل غير المنقطع …” [362](3) الخ .

وقال مسلم في “مقدمة صحيحه” [363](4) : ” والمرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة ” ومراده بالمرسل هاهنا: ما فيه سقط في إسناده، لأن سياق كلامه في الإسناد المعنعن، لا على ما أضافه التابعي إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – .

قال ابن أبي حاتم في “المراسيل” [364](5) – وموضوعه ذكر الأسانيد المنقطعة، كما هو معلوم – : ” باب ما ذُكِر في الأسانيد المرسلة : أنها لا تثبت بها الحجة “. . . ثم قال في آخر الباب : ” سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: ” لا يحتج بالمراسيل ، ولا تقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحاح المتصلة ” اهـ .

وقال البيهقي ” والحديث المنقطع لا حجة فيه ” اهـ “السنن الكبرى ” [365](6) .

وبهذا يظهر أن المنقطع لا يحتج به ، وذلك للجهل بحال المحذوف ، والله أعلم .

المسألة الرابعة : ما الفرق بين المرسل والمنقطع .

سبق أن بعضهم يسوي بينهما، والمختار: أنهما يشتركان في عدم الاتصال .

ويفترقان في أن المرسل – في غالب الاستعمال – يكون السقوط في آخر السند، كما سبق في موضعه، والمنقطع يكون السقوط في أثناء السند، لا في أوله، ولا في آخره، وقد قال الخطيب : ” إلا أن أكثر ما يُوصَف بالإرسال من حيث الاستعمال: ما رواه التابعي عن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وأكثر ما يوصف بالانقطاع: ما رواه من دون التابعي عن الصحابي ….” اهـ [366](7) وإن كان الحاكم قد قال في ” المعرفة ” [367](1) : ” وهو – يعني المنقطع – غير المرسل، وقلَّ ما يوجد في الحفاظ من غاير بينهما” اهـ .

وفائدة التفريق بينهما بهذا تظهر في وجوه :

  1. أن بعض من أجاز العمل بالمرسل منع ذلك في المنقطع ، قاله العلائي في ” جامع التحصيل ” [368](2).
  2. ليس كل منقطع يُستشهد به حيث يستشهد بالمرسل .
  3. أن إرسال الحديث من أئمة التابعيين كان متعارفًا بينهم – أي وإن كان الساقط ثقة – وأما انقطاع السند في أثنائه، بإسقاط رجل أو أكثر ، ثم يذكر باقيه ؛ فإنه يدل على ضعف الساقط دلالة قوية ، وتَقْوَى الريبة حينئذٍ به اهـ . قاله ابن السمعاني، كما في “جامع التحصيل” [369](3) .
  4. أن المنقطع أشد ضعفًا من المرسل ، كما سيأتي .

المسالة الخامسة : أيهما أشد ضعفًا المرسل أم المنقطع ؟

قال الجوزقاني :” والمنقطع أسوأ حالاً من المرسل ، والمرسل لا تقوم به حجة ” اهـ [370](4).

فالمنقطع أشد ضعفًا ؛ لأن احتمال أن يكون الساقط فيه كذابًا أكثر من احتمال ذلك فيه المرسل – في الجملة – لِفُشُوِّ الكذب في الطبقات النازلة أكثر منه في موضع المرسل ، فإن انتشار العدالة ، وفيوض التحرز كان أكثر منه بعد ذلك .

المسألة السادسة : بما يعرف الانقطاع ؟

يُعْرَف الانقطاع بين الرواة بأمور :

1-نصُّ إمام على ذلك ، أو نص الراوي نفسه بأنه لم يسمع من فلان ، أو أن فلانًا مات قبل أن يولد . . . وهكذا .

2-تعذُّر إمكان اللقاء ، لبُعْد البلدين ، لاسيما عدم اشتهار الراوي بالرحلة وعلو الهمة في الطلب .

3-تعذُّر اللقاء ؛ لدلالة التاريخ بين ميلاد الراوي ، وموت من روى عنه .

4-عدم ورود رواية تدل على سماع أو لقاء الراوي لشيخه ، ويزداد الأمر وضوحًا إذا شك إمام في سماع الراوي ممن فوقه .

5-ورود الروايات بذكر واسطة فأكثر بين الراوي ومن روى عنه ، مع عدم التصريح بالسماع في أي رواية أخرى .

6-التصريح بأن الراوي من التابعين ، ثم نقف على روايته عن رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – ، وهكذا في أتباع التابعين مع الصحابة . . . الخ، وبعبارة أخرى : معرفة طبقات الرواة .

وهذا راجع إلى نص الأئمة ، إلا أنني ذكرته لمزيد التوضيح والتيسير .

7-وبنحو ذلك : يُعرف الانقطاع في السند الذي ظاهره الاتصال بجمع الطرق .

8-اشتهار الأمر عند المحدثين ، وإن ورد التصريح بالسماع بين الراوي وشيخه ؛ فإنهم يقولون فيمن روى ذلك : لم يصنع شيئًا ، أو جوَّده فلان ، أي رواه جيدًا سالمًا من العلة ، والصواب أنه مُعَلٌّ .

9-كون الراوي لم يسمع من الصغير ؛ فاستبعاد سماعه من الكبير ،أو متقدم الوفاة من باب أولى ، وهذا راجع إلى التاريخ ، أو نص إمام ، وإنما ذكرته للتوضيح والتيسير على طالب العلم ، الباحث عن ذلك ، والله أعلم .

10-ألايسمع من هو أكبر من هذا الراوي من ذلك الشيخ ، فيكون استبعاد سماع هذا الراوي من ذلك الشيخ من باب أولى .

المسألة السابعة : لايلزم من الانقطاع ضعف الرواية ؛ لما هو معروف من الكلام على الحديث الحسن لغيره .

بل لايلزم من الانقطاع في ظاهر السند ؛ الانقطاع الحقيقي : إما لورود التصريح بواسطة من سند آخر ، أو لحمل العلماء هذه الرواية على الاتصال والصحة ، كما فعلوا في حديث أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود عن أبيه – رضي الله عنه – أو يقوم دليل على أن المراد بالانقطاع عدم السماع ، وإن ثبت أَخْذُ الحديث عن الشيخ بطريقة أخرى من طرق التحمل المعتمدة ، والله تعالى أعلم .

الحديث المُعْضَل

قال الناظم – رحمه الله – :

18 – والمُعْضَلُ الساقطُ منه اثنانِ. . . . . . . . . . .

تكلم الناظم –رحمه الله – في صدر هذا البيت على الحديث المعضل – بفتح الضاد المعجمة –

وتحت هذا الجزء من البيت مسائل :

●المسألة الأولى : تعريف الحديث المعضل .

تعريفه لغة : اسم مفعول من أعضله بمعنى أعياه ، وأهل الحديث يقولون: أعضله فهو معضل ، قال ابن الصلاح في ” المقدمة ” : “وهو اصطلاح مشكل من حيث اللغة، وبحثْتُ فوجدت له قولهم: أمر عضيل ، أي مستغلق شديد ” اهـ [371](1).

قال السخاوي : ” فكأن المحدث الذي حدَّث به أعضله ، حيث ضيق المجال على من يؤديه إليه، وحال بينه وبين معرفة رواته بالتعديل أو الجرح، وشدَّد عليه الحال، ويكون ذاك الحديث معضلاً له؛ لإعضال الراوي له ، هذا تحقيقه لغة ، وبيان استعارته ” اهـ [372](2).

أما تعريفه في الاصطلاح :

فقد عرفه الناظم : ” بأنه الحديث الساقط منه اثنان ” وقد سبق إلى نحو هذا التعريف ابنُ الصلاح، فقد قال في ” مقدمته ” : ” هو عبارة عما سقط من إسناده إثنان فصاعدًا ” اهـ [373](3).

قال العراقي في ” شرح الألفية “: ” لكن بشرط أن يكون سقوطهما من موضع واحد ، أما إذا سقط واحد من بين رجلين ، ثم سقط من موضع آخر من الإسناد واحد آخر؛ فهو منقطع في موضعين ، ولم أجد في كلامهم إطلاق المعضل عليه ، وإن كان ابن الصلاح أطلق عليه سقوط إثنين فصاعدًا؛ فهو محمول على هذا ” اهـ [374](4).

قلت : وكلام الناظم يُحمل على ما حمل عليه العراقي كلام غيره، فقد فصل بين المنقطع والمعضل ، فدل على أنهما نوعان عنده ، والله أعلم .

وقال الحافظ في النكت : ” فإن قيل: فمن سلف المصنف – يعني ابن الصلاح – في نقله أن هذا النوع يختص بما سقط من إسناده اثنان فصاعدًا ؟

قلنا: سلفه في ذلك علي بن المديني، ومن تبعه ، وقد حكاه الحاكم في “علوم الحديث” عنهم ” [375](1) اهـ .

ولا يخفى عليك أن ما ذكره ابن المديني أضيق مما اشتهر في التعريف، حيث قال ابن المديني : ” المعضل من الروايات : أن يكون بين المرسلِ إلى رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – أكثر من رجل ” اهـ .

وعلى كل حال ، فالخلاصة من ذلك: أن حدّ الحديث المعضل:” ما سقط من إسناده راويان فأكثر على التوالي ” والله أعلم .

فقولهم: ” ما سقط من إسناده راويان فأكثر ” يشمل ما إذا كان الساقطان في أول السند ، أو في أثنائه، أو في آخره ، فإن قيل: إذا كان الساقطان فأكثر من أوله فهو معلق ؛ فالجواب: هو معلق ومعضل، فبينهما عموم وخصوص وجهي، وهذه الصورة التي يلتقيان فيها، أما إذا كان الساقط واحدا فقط، في أول السند؛ فمعلق، وليس بمعضل، وإذا كان الساقط اثنين فصاعدًا على التوالي ، ليس من تصرف المصنِّف؛ فمعضل ، وليس بمعلق.

وقولهم :” على التوالي ” أخرج المنقطع، وبعض صور المعلق، التي لم يسقط فيها إلا شيخ المصنف .

قلت : كذا لم يشترط من سبق ذكرهم في المعضل ألا يكون السقط من أول الإسناد ، واعتبره بعضهم ، فقد حكاه الشُّمُنِّي عن التبريزي [376](2)، وهو قَيْد مهم ليخرج المعلق ، ولتمييز الأنواع ، لكن العبرة بصنيع الأئمة ، فإن استعملوا المعضل في موضع المعلق ، واشتهر ذلك ؛ فالأمر كما قال الحافظ ، وإلا فاعتبار هذا القيد أولى من إهماله .

مثال للحديث المعضل : ما رواه الحارث بن أبي أسامة عن شيخه معاوية بن عمر ثنا أبوإسحاق عن الأوزاعي عن هارون بن رئاب – رفعه – قال:بعث رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – بعثًا . . . .” الحديث .

قال البوصيري – رحمه الله – : ” هذا إسناد رجاله ثقات، وهو معضل؛ فإن هارون بن رئاب الأسيدي البصري العابد إنما روى عن التابعين عن الحسن وابن المسيب وأشباههما ” [377](1) اهـ .

المسألة الثانية : حُكْم الحديث المعضل :

جعل أهل الحديث المعضل من أقسام الحديث الضعيف ، والسبب الحامل لهم على ذلك: هو الجهل بحال المحذوف من الإسناد .

قال ابن جماعة : ” والمعضل من قسم الضعيف ” [378](2) اهـ .

●المسألة الثالثة : أيهما أسوأ حالاً المعضل أو المنقطع ؟

قال الجوزقاني في ” الأباطيل ” [379](3) : ” والمعضل عندنا أسوأ حالاً من المنقطع ” .

قال الزركشي : ” يؤخذ من ترتيب المصنِّف – أي ابن الصلاح – حيث ذكر بعد المرسل المنقطع، والمعضل، تفاوتهما في الرتبة، وبه صرح الجوزقاني ” [380](4)اهـ .

والذي جعل المعضل أسوأ حالاً من المنقطع – في الجملة – أن المعضل سقوط اثنين فصاعدًا على التوالي ، والمنقطع سقوط واحد فقط .

لكن هل هذا الكلام يُسَلَّم بإطلاقه للجوزقاني ومن تبعه ، أم لا ؟

أقول : هذا من حيث الجملة له وجه ، ولانطلق ذلك ، فقد يسقط في المنقطع كذاب ، ويسقط في المعضل ثقات ، ولاشك أن المعضل في هذه الحالة – وما شابهها – أولى ، والله أعلم .

قال الحافظ ابن حجر : ” إنما يكون المعضل أسوأ حالاً من المنقطع ، إذا كان الانقطاع في موضع واحد من الإسناد ، فأما إذا كان في موضعين أو أكثر؛ فإنه يساوي المعضل في سوء الحال ، والله أعلم [381](5).

” قلت ” لاتلزم المساواة، فقد يكون الانقطاع في موضعين، لكن الساقط في المعضل أكثر من اثنين ، فهنا يكون المعضل أسوأ حالاً أيضًا، هذا من جهة عدد المحذوف ، أما من جهة حال المحذوف: فهذا أمر آخر ، ولايلزم من قلة السقط الترجيح؛ لاحتمال أن يكون الساقط كذابًا،نعم ، هذا تصريح من حيث الجملة إذا خلا المقام عن قرائن أخرى ، والله أعلم .

فكلام الجوزقاني صحيح في الجملة ، وهو أمر تقريبي ، وقد تشذ عنه حالات تؤخذ بقرائنها ودلائلها الخاصة بها ، والله أعلم .

المسألة الرابعة : حكم الاستشهاد بالمعضل :

قد استشهد به البيهقي في ” السنن الكبرى ” وكذا شيخنا الألباني في “الصحيحة” وصرَّح بالاستشهاد به الشيخ بكر أبوزيد .

ولعل دليل من استشهد به: جواز الاستشهاد بالمنقطع ، ووجهه: أننا إذا استشهدنا بالمنقطع في موضع واحد، فكذلك يلزمنا الاستشهاد بالمنقطع في موضعين ، لأننا نستشهد بالحديث الذي فيه ضعيف أو ضعيفان ، أو فيه أكثر من علة ليست بالشديدة – ما لم يكن منكرًا ، أو يقوم دليل على وهائه – والمنقطع في موضعين يساوي في الجملة المعضل، كما سبق من كلام الحافظ في اعتراضه على الجوزقاني .

وإذا كان المعضل يساوي المنقطع في موضعين ، ونحن نستشهد بالمنقطع في موضعين ؛ لزمنا الاستشهاد بالمعضل ، فلعل هذا هو وجه من استشهد بالمعضل ، والله أعلم .

وعندي أن في ذلك توسعًا غير مرضي ، فأصل الاستشهاد بالمنقطع هو الاستشهاد بالمرسل ، ولاشك أن المرسل أحسن حالاً من المنقطع ، لأن المرسل في طبقة عالية، وقد كان الكذب فيها أخف مما بعدها من الطبقات .

وقد قال ابن السمعاني عندما تحدث عن حكم الحديث المنقطع : ” من مَنَعَ قبول المرسل؛ فهو أشد منعًا لقبول المنقطعات ، ومن قَبِل المراسيل اختلفوا ” اهـ .

والاستشهاد بالمرسل فيه خلاف قد سبق بيانه ، والمنقطع أسوأ حالاً من المرسل ، فمع هذا كله: هل يليق بنا أن نقيس المعضل على المنقطع ؟ فيكون قياساً على قياس قائم على أصل فيه نزاع ؟ حيث قسنا المعضل على المنقطع مع الفارق ، والمنقطع على المرسل مع الفارق ، وفي الاستشهاد بالمرسل نزاع وقيود قد سبق بيانها .

ثم لو سلمنا بذلك ؛ فقد يقول قائل: إذا أجزتم الاستشهاد بمنقطع في موضعين؛ فكذلك يلزم الاستشهاد بمنقطع في ثلاثة مواضع أو أكثر ، فإن سلمنا بذلك ، واستشهدنا بالمعضلات؛ سقط معنى تشديد العلماء في الرواية بالأسانيد ، ولزمنا أن نقبل في الشواهد قول أحد المصنِّفين: قال رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – كذا وكذا ، وإذا كان ذلك كذلك – ولاسيما إذا كان الشاهد والمشهود له من هذا الصنف – فعلى الأسانيد السلام ، وانقطع الكلام ، ومن شاء أن يقول قولاً فليقله !!!

وإذا رفضنا الاستشهاد بمنقطع في ثلاثة مواضع فأكثر ؛ لزم التحكم بلا دليل ولا برهان .

فإن قيل: إن الأمر راجع إلى غلبة الظن .

قلت : وغلبة الظن أنه لافائدة في المعضلات ، والمنقطعات المتكررة في السند الواحد، ولا أعرف ذلك عن السلف إلا من كلام البيهقي، وإن وُجِدَ فنادر جِدًّا، لايُقعَّد عليه ، لاحتمال أنهم قبلوه لقرائن أخرى لاتطَّرد في بقية الأحاديث ، والله أعلم .

نعم ، إذا كان هناك من الأسانيد ما يعتمد عليه لذاته أو لغيره ، وانضم إليه شئ من ذلك ، فإن نفعه وإلا ما ضره ” والله أعلم [382](1) .

المسألة الخامسة : استعمالات أخرى للمعضل :

أطلق بعض أهل العلم المعضل على عدة معانٍ ، منها :

1- على قول الراوي : بلغني عن فلان ، قاله السجزي ، ونسبه إلى أهل الحديث [383](1)، وهذا على طريقة من يسمي الإسناد الذي فيه مبهم منقطعًا ، قاله الحافظ [384](2) .

2- ما قاله ابن الصلاح : ” من أن قول المصنفين من الفقهاء وغيرهم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا ، ونحو ذلك ، كله من قبيل المعضل [385](3) .

3- وكذا يطلقونه على مالم يسقط منه شئ البتة، ويعنون به المُسْتَغْلَق الشديد ، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن هذا التعبير وجد في كلام جماعة من أهل الحديث كمحمد بن يحيى الذهلي ، وغيره ، فهذا إعضال من جهة المعنى لامن جهة الإسناد [386](4) .

4- وأطلقه الحاكم على الحديث الذي يرويه تابعي التابعين موقوفًا على التابعي ، لايرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولايذكر الصحابي ، ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم [387](5) .

الحديث المدلِّس

قال الناظم – رحمه الله – :

. . . . . . . . . . . . . . . . .
19-الأولُ الإسـقاطُ للـشيـخِ وأنْ
20-والثاني لا يُسْـقِطُهُ لكنْ يَصِـفْ
ومـا أَتَـى مُـدَلَّسًا نوعان
يَنْقُلَ عَمَّـنْ فوقَـه بِعَنْ وأَنْ
أوصافَه بمـا بِـهِ لايَنْـعَرِفْ

شرع الناظم في الكلام على الحديث المدلَّس، وذَكَر أنه نوعان، وعَرَّف كلاًّ من النوعين، وتوضيح ذلك في عدة مسائل ، وهي :

●المسألة الأولى : تعريف التدليس لغةً واصطلاحًا :

أما في اللغة: فهو مشتق من الَّدلَس، وهو الظلام، وكأنه أظلم وجْهُهُ على الناظر لتغطية وجه الصواب فيه اهـ قاله الحافظ في ” النكت ” [388](1) .

أما تعريفه في الاصطلاح : فهو يختلف باختلاف أقسامه ، كما سيأتي بيانه – إن شاء الله تعالى –

●المسألة الثانية : أقسام التدليس :

اختلف أهل العلم في تقسيم التدليس ، فذهب جماعة منهم إلى أنه ينقسم إلى قسمين فقط :

  1. تدليس الإسناد .
  2. تدليس الشيوخ .

وهذا ما فعله الخطيب [389](2) وابن الصلاح [390](3) والنووي [391](4) وابن كثير [392](5) وابن الملقِّن [393](6) وغيرهم، وارتضاه الحافظ ابن حجر [394](7) وعليه مشى الناظم .

وأدخل كثير منهم بقية أقسامه في هذين القسمين؛ ولعل ذلك لنُدْرة الأقسام الأخرى بالنسبة لهذين القسمين، أو لوجود شيء من التشابه بين هذه الأقسام من جهة إيهام الاتصال، لكن من تأمل تعريف القسمين المذكورين، وتعاريف الأقسام الأخرى؛ وجد فارقًا بينهما وبين بقية الأقسام ، والله أعلم .

ومنهم جعل القسمة ثلاثية: كالعراقي [395](1) حيث جعل القسم الثالث: تدليس التسوية، وتوضيح هذه الأقسام كالآتي :

الأول : تدليس الإسناد: والكلام عليه في مباحث .