المبحث الأول :تعريفه: للعلماء في حَدِّه أقوال ، وهي :
القول الأول : ” هو أن يحدث الرجل عن الرجل الذي لم يَلْقَ بما لم يسمعه منه ” قالوا : وهذا تدليس ؛ لأنه لوشاء لسمَّى من حدَّثه .
وهذا توسع غير مرضي، وقد حكاه ابن عبد البر عن فرقة ” ثم قال :” فإن كان هذا تدليسًا ؛ فما أعلم أحدًا من العلماء سَلم منه ، اللهم إلا شعبة بن الحجاج ، ويحيى بن سعيد القطان . . . ” انظر “التمهيد” [396](2) وهذا القول مهجور ؛ لأن التدليس يُشترط فيه الإيهام ، فأين الإيهام في كون الراوي يحدث عمن لم يعاصِرْه أصلاً ، أو عاصره ؛ ومعلوم أنه لم يسمع منه ؟!
القول الثاني :” وهو رواية الراوي عمن سمع مالم يسمع منه، موهمًا أنه سمع منه ” أو ” روايته عمن عاصره، ولم يلقه، موهمًا أنه سمع منه” وهو قول الخطيب[397](3)، وابن الصلاح [398](4) والنووي [399](5) وابن كثير [400](6) ، وابن الملقِّن [401](7)،والعراقي [402](8)،وغيرهم ، وإن كان بعض هؤلاء ذكر اللقاء ، ولم يذكر السماع ، إلا أنه عند الإطلاق محمول عليه ، والله أعلم .
وقد يَرِدُ على ذلك: النوعُ المسَمَّى بـ ” المرسل الخفي ” فمن قصد التمييز، وعَدَمَ التداخل؛ ذهب إلى أن التدليس لا بد فيه من قيد السماع أو اللقاء لا مجرد المعاصرة، فإن روى عن معاصره بصيغة محتملة؛ فهو “الإرسال الخفي ” قاله الحافظ في مقدمة “طبقات المدلسين” .
القول الثالث :” أن يروي عمن سمع منه، مالم يسمع منه موهمًا أنه سمع منه”وقد أخرج هذا القيدُ روايةَ المعاصر، والفرق بينه وبين القول الثاني: أن الثاني يُدْخِل في التدليس مجرد الاكتفاء بالمعاصرة بين الراوي ومن روى عنه ، مع أنه لم يسمع منه أصلاً ، وهذا القول الثالث قد ذهب إليه جماعة، منهم البزار [403](1) وابن عبدالبر [404](2) وابن القطان [405](3) والحافظ ابن حجر [406](4) والسخاوي [407](5) وغيرهم .
فظهر مما سبق : أن القول الثاني عام في التدليس ، إذْ قد جعله شاملاً لرواية المعاصر عمن عاصره ، مالم يسمعه منه ، ولروايته عمن لقي أو سمع – في الجملة – لما لم يسمعه من شيخه ، واشترط قَيْد الإيهام في الصورتين .
أما القول الثالث : فإنه خاص برواية من سمع – في الجملة – لما لم يسمعه من شيخه ، مع قصْد الإيهام ، فهو مقتصر على صورة من إحدى الصورتين اللتين اشتَمل عليهما القول الثاني .
والترجيح بين القول الثاني والثالث راجع إلى قَصْد الإيهام من الراوي الذي وُصِفَ بالتدليس،واحتمال وقوع السامع في الوهم ،فإذا حصل للسامع من رواية المتعاصريْن؛ فهو تدليس، وإلا فلا، وإن كان كلام الحافظ في “مقدمة طبقات المدلسين” في إخراج رواية المعاصر – الذي لم يسمع – من التدليس، وإدخالها في المرسل الخفي؛ كلام له حظ في الوجاهة، إلا أن النفس تميل إلى ما رجحته – إذا كان العلماء قد أطلقوا التدليس على رواية المعاصر الذي لم يسمع ، وصنيعهم هو العمدة – والله تعالى أعلم .
وقد قال الخطيب في ” الكفاية ” [408](6) مؤكِّدًا على اشتراط قصد الإيهام في التدليس : ” وإنما يفارق حالُه حالَ المرسِل بإيهامه السماع ممن لم بسمع منه فقط ، وهو الموهِن لأمره ، فوجَبَ كون هذا التدليس متضمِّنًا للإرسال ،والإرسال لايتضمن التدليس ؛لأنه لايقتضي إيهام السماع ممن لم يسمع منه …”اهـ.
قلت : المبالغة في الخوض في هذا الأمر:لم تَعُدْ كبيرة الفائدة؛ بعد عَدّ العلماء للمدلسين،وإن كان من الممكن الوقوف على بعض الأحوال التي تدل على التدليس من الراوي ،وإن لم يذكروه في جملة المدلسين ولعلهم لم يذكروه فيهم لقلة تدليسه، والمرجع في ذلك – في الجملة – إلى نصوص العلماء في وصْفهم الرواة بالتدليس، والله أعلم .













