كتب للقراءة

إتحاف الحصيف بتحذير مشاهير العلماء من فوضى التبديع والتصنيف

إتحاف الحصيف بتحذير مشاهير العلماء من فوضى التبديع والتصنيف

الرابع عشر: معالي الشيخ
صالح بن عبد العزيز آل الشيخ – حفظه الله –

معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ – حفظه الله –

1- منهج التعامل مع أخطاء علماء التوحيد والسنة:

⏪ قال الشيخ – حفظه الله – في محاضرة له – مفرَّغة- بعنوان: «الفتوى بين مطابقة الشرع ومسايرة الأهواء»: إذا كانت المسألةُ متعلقةً بِعالِمٍ من أهلِ العلم في الفتوى في شأنِه بأمرٍ مِن الأمور؛ فإنَّه -هُنا- يَجبُ النَّظرُ فيما يؤُول إليه الأمرُ مِن المصالِح ودَفعِ المفاسد.

لِهذا: ترى أئمةَ الدَّعوةِ -رحِمَهُم اللهُ – مِن وقت الشَّيخ عبدِ اللَّطيفِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ حسَنٍ-أحد الأئمَّةِ المشهورين إلى وقت الشَّيخِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ : إذا كان الأمرُ مُتعلِّقًا بإمامٍ، أو بِعالِمٍ، أو بِمَن له أثرٌ في السُّنَّة؛ فإنَّهُم يتورَّعونَ، ويَبتَعِدون عن الدُّخولِ في ذلك.

مِثالُه: الشَّيخُ الصِّدِّيق حسَن خان القِنَّوجيُّ الهِنديُّ، المعروفُ عند علمائنا، له شأنٌ، ويُقدِّرون كتابَه «الدِّين الخالِص»، مع أنَّه نَقَدَ الدَّعوةَ في أكثر مِن كتابٍ لهُ؛ لكنْ يَغُضُّون النَّظرَ عن ذلك ولا يُصَعِّدون هذا؛ لأجلِ الانتفاعِ بأصلِ الشَّيءِ، وهو تحقيقُ التَّوحيدِ ودَرءُ الشِّركِ.

المثالُ الثَّاني: الإمامُ محمَّدُ بنُ إسماعيلَ الصَّنعانِيُّ المعروفُ، صاحبُ كتابِ «سُبُل السَّلام» وغيره، له كتابُ «تطهير الاعتِقادِ»، وله جهودٌ كبيرةٌ في رَدِّ النَّاسِ للسُّنَّةِ، والبُعدِ عن التَّقليدِ المذمومِ والتَّعصُّبِ وعن البِدَع؛ لكنَّهُ زَلَّ في بعض المسائلِ، ومنها: ما يُنسبُ إليه في قصيدتِه المشهورةِ لَمَّا أثنى على الدَّعوةِ، قيلَ إنَّه رَجعَ عن قَصيدَتِه تلكَ بِقصيدةٍ أُخرى، يقولُ فيها:

رَجعتُ عنِ القَولِ الذي قَد قُلتُ في النَّجدي

ويعنِي بهِ الشَّيخَ محمَّدَ بنَ عبدِ الوهَّاب.

ويأخذُ هذه القصيدةَ أربابُ البدعِ -وهي تُنسبُ له، وتُنسبُ-أيضًا-لابنِه إبراهيمَ-؛ وينشرونَها على أنَّ الصَّنعانِيَّ كان مُؤيِّدًا للدَّعوةِ، لكنَّه رجعَ.

والشَّوكانِيُّ ، مَقامُه -أيضًا- معروفٌ، الشَّوكانيُّ له اجتهادٌ خاطئٌ في التَّوسُّل، وله اجتهادٌ خاطئٌ في الصِّفاتِ، وتفسيرُهُ في بعضِ الآياتِ فيهِ تأويلٌ، وله كلامٌ في عُمرَ بنِ الخطَّابِ -رضيَ اللهُ عنهُ- ليس بِجَيِّد، وأيضًا في معاويةَ -رَضِيَ اللهُ عنْهُ- ليس بِجيِّدٍ؛ لكنَّ العُلماءَ لا يَذكُرون ذلك.

وألَّف الشَّيخُ سُليمانُ بنُ سحمانَ كتابَه «تبرئة الشَّيخَين الإمامَيْن..» -يعني بِهما الإمامَ الصَّنعانيَّ والإمامَ الشَّوكانيَّ-.

وهذا؛ لِماذا فَعلوا ذلك؟

لأنَّ الأصلَ الذي يَبنِي عليه هؤلاءِ العُلماءُ هو السُّنَّة.

فهؤلاءِ ما خالفونا في أصلِ الاعتِقادِ، ولا خالفونا في التَّوحيدِ، ولا خالفونا في نُصرةِ السُّنَّة، ولا خالفونا في ردِّ البِدَع؛ وإنَّما اجتهدُوا فأخطؤُوا في مسائلَ.

والعالِمُ لا يُتَتَبَّع بِزَلَّتِه، كما أنَّه لا يُتَّبع في زلَّتِه، هذه تُتركُ ويُسكتُ عنها، ويُنشرُ الحقُّ، ويُنشرُ مِن كلامِه ما يُؤيَّدُ به.

وعُلماء السُّنَّةِ لَمَّا زلَّ ابنُ خُزيمةَ في مسألة الصُّورةِ -كما هو معلومٌ- ونفَى إِثباتَ الصُّورةِ للهِ -جلَّ وعلا- ردَّ عليهِ ابنُ تيميَّةَ بأكثرَ مِن مائة صفحةٍ، ومع ذلك علماءُ السُّنَّة يقولون عن ابنِ خُزيمةَ: إنَّه إمامُ الأئمَّة، ولا يَرضَون أنَّ أحدًا يَطعنُ في ابنِ خُزيمةَ؛ لأجل أنَّ له «كتابَ التَّوحيد» الذي ملأه بالدِّفاع عن تَوحيدِ اللهِ ربِّ العالَمين، وإثباتِ أنواع الكمالاتِ له -جلَّ وعلا- بأسمائِه ونعوت جلالِه -جلَّ جلالُه، وتقدَّست أسماؤُه-.

والذَّهبيُّ في «سِيرِ أعلامِ النُّبلاءِ» قال: وزلَّ ابنُ خُزيمةَ في هذه المسألة.

فإذَنْ -هُنا-: إذا وقع الزَّللُ في مثلِ هذه المسائل؛ فما الموقف منها؟

الموقفُ: أنه يُنظرُ إلى مُوافقتِه لنا في أصلِ الدِّينِ، مُوافقتِه للسُّنَّة، نُصرتِه للتَّوحيدِ، نَشرِ العلمِ النَّافِع، ودَعوتِه للهُدى.. ونحوِ ذلك مِن الأصول العامَّة، ويُنْصَحُ في ذلك، ورُبَّما رُدَّ عليه؛ لكنْ لا يُقدَحُ فيه قَدحًا يُلغيهِ تَمامًا.

وعلى هذا كان منهجُ أئمَّةِ الدَّعوةِ في هذه المسائلِ -كما هو معروف-.

وقد حدَّثني فضيلةُ الشَّيخ صالِحُ بنُ محمَّد اللُّحَيدان -حفظهُ الله – حينما ذكر قصيدةَ الصَّنعانيِّ الأخيرةَ (رجعتُ عن القولِ الذي قلتُ في النَّجدي) -التي يقالُ: إنَّه رجع فيها، أو أنَّه كتبها-، قال: سألتُ شيخَنا الشَّيخَ محمَّدَ بنَ إبراهيمَ عنها: هل هي لَهُ، أم ليست له؟

قال: فقال لي الشَّيخُ : الظَّاهرُ أنَّها له.

والمشايخُ -مشايِخُنا- يُرجِّحون أنَّها له؛ ولكنْ لا يُريدون أنْ يُقالَ ذلك؛ لأنَّه نَصَر السُّنَّة وردَّ البدعة، مع أنه هجم على الدَّعوةِ…

الشَّوكانيُّ له قصيدةٌ أرسلها للإمامِ سُعود ينهاه فيها عن كثيرٍ مِن الأفعال مِن قتالٍ، ومِن التَّوسُّع في البلاد، ونحو ذلك فيها أشياء…

فإذن الشَّريعة جاءت لتحصيل المصالِح وتكميلِها، ودرء المفاسد وتَقليلِها، وهذه القاعدةُ المتَّفقُ عليها لَها أثرٌ كبير؛ بل يجبُ أن يكونَ لَها أثر كبير في فتوى المُفتي وفي استفتاء المستفتي -أيضًا-…». اهـ

كما في هذا الرابط الصوتي:

قلتُ: فهل هذا المنهج الرائق الصافي الذي ينسبه معالي الشيخ إلى أئمة الدعوة من زمن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ -رحمهم الله- يوافق ما عليه الشيخ ربيع وحزبه المقلِّدون الغلاة؟ أم بينهما ما بين السماء والأرض؟ فكيف يُصَرِّح هؤلاء الغلاة بأن كبيرهم يسير على منهج كبار علماء العصر، أو أن العلماء الكبار يُزَكُّون شيخهم وموقفه وتصنيفه وطعنه في أكثر المشاهير من أهل السنة؟ ألا يخجلون من هذا الكذب والزور؟!

⏪ وقال الشيخ – حفظه الله -: «إذا نظرنا إلى أنّ الحكم عند الله -جل وعلا- واحد، ومع ذلك الخمر تأخّر تحريمها، والزنا تدرّج الرب -جل وعلا- في تحريمه… فالخمر صار فيه تدرج، مع أن الحكم عند الله -جل وعلا- أنه حرام، وأنه محرم في الإسلام؛ لكن لم يأت للناس دفعة واحدة؛ لأجل مراعاة تحصيل المصالح ودرء المفاسد.

النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما دخل الكعبة قال لعائشة: «لولا أن قومك حديثٌ عهدُهم بكُفْر؛ لَهَدَمْتُ الكعبة، ولَبَنَيْتُها على قواعد إبراهيم، ولَجَعَلْتُ لها بابَيْنِ» قوله -عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ-: «لولا أن قومك حديث عهدهم بكُفْر» يريد به أنه لا تتحمل عقولهم أن تُهْدَم الكعبة، وأن يُعاد بناؤها، مع أن إعادة بنائها على قواعد إبراهيم هي الأفضل، وهو إرجاع الأمر على ما هو عليه؛ لكنه تَرَكَ ذلك -عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ- رعاية للمصالح ودرءا للمفاسد، وبوّب عليه البخاري بقوله -وهو الفقيه الإمام-: باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يَقْصُر فَهْمُ بعض الناس عنه؛ فيقع في أشد منه. يعني أن يكون هناك اختيار، الإمام المفتي يُعلن أو لا يعلن، يقول: يفتي أو لا يفتي، إذا خشي أن يَقْصُر فَهْمُ الناس عن الفتوى، أو أن لا يُنْزلوها على فهم المفتي، أو أن تُحْدِث من الأضرار أكثر من مصلحة الفتوى؛ فإنه يُتْرك الاختيار حتى لا تُحْدِثَ الفتوى ما تُحْدِثُ.

واليوم تسمعون كيف أن بعض المفتين يتكلم في كل مسألة دون نظر، يأتي مستفتي من أمريكا يمكن بلد -أستغفر الله وأتوب إليه- لا تعرف نور الله -جل وعلا- الإسلام، ويسأل عن الهوى في بلد في الخليج، الواقع مختلف والزمان مختلف، والشخص مختلف، والحال مختلفة، ويأتي المفتي ويفتي فتعلن الفتوى على الجميع.

والفتوى غير الحكم، الحكم هذا واحد لا يتغير؛ لكن الفتوى تتغير بتغير المكان والزمان.

ولهذا تجد الإمام الشافعي – تعالى- لما ذهب إلى مصر من بغداد رجع، وفيه فقه الشافعي القديم، وفيه الفقه الجديد، الحنفية لهم أيضًا أقوال هؤلاء وهؤلاء، الإمام أحمد له في بعض المسائل أربع روايات، في بعض المسائل خمس روايات، الفتوى تختلف، الحكم واحد.

فإذن لا يقال: إن كل فتوى هي حكم، الفتوى تتعلق بالشخص وتتعلق بالزمان وتتعلق بالمكان وتتعلق بالمصالح والمفاسد.

من أمثلة ذلك، خُذْ مثلًا: لو أن سائلا سأل في بلد من بلاد الغرب، في أي بلد مثلًا، شاب هناك يريد أن يَدْرُس: هل لي أن أتزوج امرأة وأنوي أني إذا انتهيت هذه المدة؛ سنة أو ستة أشهر أني أطلقها؟ هل لي أن أفعل ذلك؟ فينظر المفتي إلى حاله، فإذا به شاب، وإذا به متدفق، فإذا أغلقت به هذا الباب، وإذا كان الاختيار عدم ذلك؛ فإنه قد يؤول إلى الزنا؛ فلا شك أن هذا بالإجماع أخص، فيفتى هذا بما يناسبه في شخصه وزمانه ومكانه، فذهبت الصحف والمجلات فأعلنت الفتوى للناس جميعا.

فإذَنْ صِرْنا في مشابهة للمتعة المحرمة بشكل أو بآخر، مع أن العلماء نصوا أن النية نية الطلاق في العقد غير مؤثرة؛ لكن الناس لا يفهمون من الفتوى، لا يفهمون حدود ما يفهمه المفتي، ولهذا يجب أن يَرْعَى المفتي المصالح، ويدرأ المفاسد في جميع الاعتبارات في ذلك.

القاعدة الأخيرة، ولا نريد أن نطيل في هذا الباب: الشريعة: يُسْرٌ». اهـ

كما في هذا الرابط الصوتي:

2- تأصيـــل علمي رائـــع جدًّا للشيخ -حفظه الله- في التفريق بين البدعة والتبديع:

⏪ يقول الشيخ – حفظه الله -: «الفرق بين الثناء على البدعة والثناء على المبتدع»، قال:

أُثْنى على البدعة غير ما أُثْني على مبتدع، الثناء على البدعة هذا يخرجُهُ من أهل السنة([206])، أما إذا أثْنَى على مُبْتَدع؛ ففيه تفصيل، وإذا أثنى على مبتدع في بدعته؛ فهذا أيضًا يُخْرج من كونه من أهل السنة والجماعة؛ لأنه دافع عن أهل البدع، أما إذا أثنى على مبتدع في غير بدعته؛ فهذه مسألة اجتهاد، وتبعًا للمصالح والمفاسد: شيخ الإسلام ابن تيمية أثنى على الأشاعرة في مواضع فيما أحسنوا فيه، وأثنى على أُنَاس في مواضع فيما أحسنوا فيه، ونحن الآن نُثْنِي بإجماع المسلمين على صلاح الدين الأيوبي لجهادِهِ، مع أنه هو الذي نشر العقيدة الأشعرية في الناس، وأمَرَ بتدريسها، وبسببه خفَّ ضوء تدريس العقيدة السلفية، لكن هذا المقام مقام مجاهدة في جهاده، لكن لإقامته الجهاد ضدّ النصارى وما حصل بسببه من الخير؛ يُثْنَى عليه به، وهكذا، فالمقام بحَسبه!!

مَن أثنى على بدعة، وحَسَّن إليها؛ فهذا لا شك أنه ليس من المتابعين لعقيدة السلف، ولا من أهل السنة اللاحقين بالسلف([207]).

ومن أَثْنَى على مبتدعٍ في بدعته، مثلًا: أثنى على صلاح الدين بتدريسه مذهبَ الأشعرية، فهذا يختلف، أثنى على فلان من المفسرين لتأويله للصفات، أَثْنَى على مثلًا أحد العلماء في شيء أخطأ فيه في العقيدة؛ فهذا المقام فيه واضح، المسألة ينبغي أن تُفهم؛ لأنه إذا صار كل واحد يُثْنِي على عالم ممن خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا([208])؛ هنا ما بَقِي أحد؛ لأنه ما من أحد إلا وفيه، وقلَّ من لا يُخطئ، الإمام أحمد – تعالى، ورفع درجته، وجزاه عنَّا وعن أهل السنة خير الجزاء- له أقوال في التوسُّل، وله أقوال في القَسَم بالنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يُتَابع عليها، ولم يأخذ بها أهل الحديث ولا أهل السنة، وهكذا في غيره، فالعالم لا يُتَّبع في زلَّته، ولا يُتْبَع([209]) أيضًا بزلَّته، فالمسألة هذه تحتاج إلى تقوى وورع وتفصيل، كمقام أهل السنة وكلامهم في ذلك، والله المستعان.

فإذا كان أثنى عليه في بدعته؛ فلا شك أنه غلط كبير، ولا يوجد سُنِّي يُثْنِي على مبتدع في بدعته، وبعض الناس في شبهة يُثْني عليه ثناءً مطلقًا، والموقع موقع بيان، فيسكت، فيصير إن الناس يأخذون هذا الثناء أنه في كل ما قال به، والمسألة تحتاج إلى عَدْل وتقوى وإنصاف وعلم، وإذا وزنْتَ الأمور بموازينها، وفعلت كل شيء بحسبه وفي موقعه؛ سَلِمْتَ من الظلم ومن الاعتداء ومن الغِيبة، وأَعْطَيْتَ المؤمنين حقَّهم، بعض الناس بتَّ أو إيش في من أثنى على الحافظ ابن حجر، أو من أثنى على النووي، وهذا مرَّ علينا في زمن مضى إن كنتم تَذَكَّرونه، وهذا فيه زيادة نقلوه في أصول وتطبيقات أهل السنة، أهل السنة مثل غيرهم، قد يكون منهم المتشدد ومنهم المعتدل». اهـ

كما في هذا الرابط الصوتي:

قلتُ: فأين الورع والتقوى والإنصاف والعدل الذي يُوجبه الإسلامُ، من إسراف الغلاة وطَحْنهم كلَّ من لم يَقُل بقولهم، ولمَّا تغلغلت فيهم هذه الأصول الفاسدة والأهواء المفسدة؛ رجعوا على بعضهم بأشد مما قالوه فيمن خالفهم مُبَكِّرًا، ثم انقسموا إلى فِرَق وأحزاب وألقاب ابتدعوها من عند أنفسهم، ولازالوا ينقسمون بأسماء جديدة، وهذا حال الغلو وأثره في أهله من قديم الزمان!!

3- ثناء الشيخ -حفظه الله- على جمعية إحياء التراث الإسلامي:

قال – حفظه الله -:

«بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد ورسوله، وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مزيدًا، أما بعد:

أما بعد؛ فإني مسرور غاية السرور بوجودي بين إخواني وأحبابي في هذه الجمعية المباركة، التي نرى دائمًا أنها القلب النابض للأعمال الخيرية السلفية في العالم، وأرجو من الله -جلَّ وعلا- أن يجعل مستقبلها خيرًا من ماضيها، وأن يمنَّ علينا جميعًا بالإخلاص والصدق في القول والعمل، وأن يُثيب القائمين عليها الثواب الحسن، وأن يجزيهم خيرًا على ما عملوا». اهـ

كما في هذا الرابط الصوتي:

قلتُ: فما هو حكم الغلاة على معالي الشيخ وهذا كلامه؟ فقد أثنى على الجمعية والقائمين عليها، في الماضي والحاضر، ورجا من الله -جل وعلا- أن يكون مستقبل الجمعية خيرًا من ماضيها، وزارهم، وكل هذا بل واحدة من هذا الكمّ مُوجِبة لتبديعه عند الغلاة، وقد فعلوا هذا مع غيره، لكن مكاييل الغلاة تختلف، وليس ذلك حسب الميزان الشرعي، ولكن بموازين أخرى، وليست خافية علينا وعليهم وعلى مَن خَبَرَهم!!!

4- يقول الشيخ -حفظه الله-: التحزب باسم السلفية والموالاة والمعاداة عليها هذا ليس من مذهب السلف:

⏪ قال الشيخ صالح آل الشيخ -حفظه الله تعالى-:

«لكن السلفية من جملة المسلمين، وهناك من المسلمين من هو مسلم بطبيعته، لو دَقَّقْت فيه؛ فهو سلفي من حيث ما هو عليه، وكذلك ممن هو مُنْتَمٍ لبعض التيارات، إذا أتيت إلى معتقده وما هو عليه يكون سلفيًّا في الجملة، أو عنده كثير من متابعة السلف، ونحو ذلك، هنا نقـول: إذا تحولت هذه الأسماء إلى أحزاب؛ صارت السلفية حزبا يُوالَى عليها ويُعَادى، صار أهل الحديث حزبا يُوالَى عليهم ويُعادى؛ فهذا له نصيب من الموالاة والمعاداة على اسم المهاجرين أو على اسم الأنصار؛ فلا يسوغ، أما إذا كانت للتعريف بهم، وأنهم أهل الحق في دين الله -جل وعلا- والمتّبعون للسنة، والمناصرون لها، من هذه الجهة، وفيهم كما وصف شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر «الواسطية» فيهم من الصفات أنهم أهل الرحمة للمؤمنين، وأهل النصيحة لهم، وأهل الصلاح، وقيام الليل وعبادة الله -جل وعلا-، وأهل الأخلاق الفاضلة، والصدق وترك الكذب، ومجانبة الباطل والحرص على الحق؛ فهؤلاء هم الذين فعلا نرى بما فيهم من الصفات أنهم الأحق في وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله -عليه الصلاة والسلام:-

«خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» وبقول الله تعالى: [ﭖ ﭗ ﭘ] {التوبة:100}.

فكل من تَبِعَ السلفَ في هذا المعتقد بالإحسان؛ فله نصيب من أن يكون معهم

أما الموالاة والمعاداة والطعن، هذا يُطْعَن فيه لأجل كذا، لأجل أنه ليس منتميا إلى هذه الفئة؛ لا، إنما يُذم الناس ويُمدحون على الإسلام، وليس على شعار آخر». اهـ

كما في هذا الرابط الصوتي:

5- الكلمات النيرة للشيخ -حفظه الله- في فقه الخلاف:

فهذه كلمات وتوجيهات ودُرَرٌ غالية من الشيخ صالح -حفظه الله- حول فقه الخلاف وما يتصل بذلك في كيفية التعامل مع أخطاء العلماء وطلبة العلم..

وقد وردت هذه الكلمات في أجوبة الشيخ على الأسئلة التالية:

إذا أخطأ عالم من علماء أهل السنة، أو طالب علم في بعض المسائل العلمية، ما الضوابط الشرعية التي يَعْمَلُ بها طالبُ العلم في التعامل معهم؟

الجواب: أولا المسائل الشرعية نوعان:

مسائل ظاهرة بينة في أن الدليل دلَّ عليها بظهور.

والنوع الثاني: مسائل اجتهادية متعلقة بالنوازل وبما يكون.

أما الكلام في الأولى، وما يختلف الناس فيه في المسائل التي فيها دليل ظاهر بَيِّن، فالخطأ ظاهر، والصواب ظاهر لأجل ظهور الدليل في ذلك.

وأما المسائل الاجتهادية، وهي التي تكون فيها النوازل، أو يكون فيها الدليل فيها غير ظاهر مما يحصل فيه الخلاف عن طريق الاجتهاد؛ فهذه قد اختلف السلف وما عاب بعضهم بعضا.

ولهذا نقول: إن طالب العلم يجب عليه أن يتحرى الحق، وأن لا يستعجل إذا اشتبه عليه الأمر، ثم ينظر إلى تحقيق المصالح الكبرى ودرء المفاسد، والناس طلبة العلم قد يتقاربون في فهم الأدلة، وفي فهم المسائل، لكن قد يختلفون في أمرين:

أما الأول: في تحقيق المناط، وما من مسألة شرعية نازلة إلا والنظر فيها يكون من جهتين -كما قال الشاطبي- في «الموافقات»:

الأولى: من جهة محل الدليل، يعني من جهة الدليل في نفسه وما دل عليه([210]).

والثانية: في تحقيق المناط، وهو إدراك المسألة لإلحاقها وجَعْلها تحت الدليل، فإذا كان الدليل موجودا، ولكنه لم يُدْرَك تحقيقُ المناط فيها؛ وَقَعَ الاختلاف، وأكثر ما يقع الاختلاف في النوازل وفي الأمور الاجتهادية، هو في تحقيق المناط، هل هذه تُلْحَق بهذا أو تُلْحَق بهذا؟ وهنا يتفاوت أهل العلم والنظر في ذلك، فإذا وقع هذا الأمر؛ فإن المسألة إذا كان ليس فيها دليل ظاهر بَيِّن؛ فإنه لا مشاحة في أن يختلف الناس، أو يختلف طلبة العلم، أو يختلف العلماء، الأمر فيه سَعة، ويَنْصَح بعضهم بعضا، ويناقش بعضهم بعضا؛ حتى يصيروا إلى أمر، لكن ينبغي أن لا يتكلم الواحد والواحد في هذه المسائل الاجتهادية والنوازل؛ بل تكون هذه من اختصاص الهيئات واختصاص مجموعة من أهل العلم، يجتمعون ويبحثونها، ويسدد بعضهم بعضا فيها؛ لأن من سنة السلف كفعل عمر أنه إذا جاء فيه مسألة، جمع لها أهل بدر، وهو الخليفة الراشد، وهكذا كان كثير من أهل العلم يستشير ولا يستقل بالأمور في الأمة.

فإذا وقع اختلاف في المسائل الاجتهادية؛ قد يكون فيه سعة؛ لأن هذا نَظَرَ من جهة وقَصْدُه خير -إن شاء الله- وفي بابه، وهذا نَظَرَ من جهة، وقَصْدُهُ خير -إن شاء- وفي بابه.

لكن ما ينبني عليه عمل، وينبني عليه مصير الأمة؛ فإنه يجب أن يكون لعلماء الأمة الكبار، يجتمعون ويَصْدُرون عن رأي واحد في ذلك، وأن لا يكون هذا لأفراد طلبة العلم؛ لأنها إذا حدثت الفتن والنزاعات والأقوال فيما يترتب عليه عمل؛ فإن هذا يكون مدعاة لحدوث أشياء.

فإذا كانت مسائل علمية -ولو كان يتعلق بالاعتقاد، وموقف الحدث الفلاني- قد يختلف الناس: هؤلاء ينظرون من جهة، وهؤلاء ينظرون من جهة، وكلٌ مجتهد في الخير -إن شاء الله- وعلى صواب، فإذا وقع هذا؛ فلا ينبغي أن يُضَلِّل بعضهم بعضا إذا لم يخالف الدليل، أو كان وجهته في تحقيق المناط قريبة ليست بعيدة، ولا ينبغي أن يُضَلِّل بعضهم بعضا، وأن يَبْغِي بعضهم على بعض؛ لأنه من أعظم ما يكون من نتيجة الفتن: أن يبغِي بعض الأمة على بعض، وخاصة طلبة العلم وأهل العلم، كونهم يختلفون في مسألة، يروح هذا يَسُبّ هذا، وهذا يَسُبّ الآخر، ويذُمّ بعضهم بعضا، وكل يُجَرِّم الآخر، ويَحْمِل قوله على فسادٍ في النية، وعلى فسادٍ في القصد، وعلى فساد، دون رؤية بحقيقة الأمر، وما توخَّاه هذا وما توخَّاه ذاك، وما جعله في تحقيق مناط الحكم هنا وهنا؛ إن هذا يُوقع في البغي.

وكما ذكر شارح «الطحاوية»، ومر معنا في أواخر شرح الطحاوية: أنه ما وقعت الاختلافات في الأمة، ولا وقع بأس الأمة بعضها على بعض إلا من سببين عظيمين:

الأول: التأويل، والثاني: البغي.

يتأول ثم بعد ذلك يَبْغي بعضهم على بعض.

لقي الشافعي – تعالى- عالما من علماء الحنفية، أو نحو ذلك، عالما من العلماء، فناظره في مسألة فلم يتفقا، فلما تقابلا -وقد ذكرها الذهبي في «سير أعلام النبلاء» في ترجمة الشافعي في أول المجلد العاشر- فلما تقابلا؛ أَخَذَ الشافعي مبتدرا يد أخيه وقال: له ألا نكون إخوانا وإن اختلفنا في مسألة؟ ما الذي يضر، إذا لم يكن مخالفةٌ لدليلٍ ظاهرٍ بيّنٍ، وإنما في تنقيح المناط اختلفوا في تنزيلها، اختلفوا في رؤية المصالح، ألا يكون إخوانا طلبةُ العلم؟ لابد أن يكونوا كلهم على شكل واحد وقول واحد؟! هذا قد لا يتيسر.

فهنا إذا اختلف أهل العلم؛ يَعْذُر بعضهم بعضا، إذا كانت المسألة في المسائل الاجتهادية([211])، وفيما لا يترتب عليه عمل للناس، ويترتب عليه فتنة، ونحو ذلك، وهذا أيضًا قاله الإمام أحمد قال: إسحاق أخونا وإن كان يخالفنا في مسائل.

ولهذا ينبغي أن يتعلّم طالب العلم، ويوطّن نفسه أن يتلقى من غيره ردّا عليه، أو أن يتلقى من طالب العلم الآخر نقدا له وتخطئة، وربما شِدَّة عليه.

محمد بن الحسن رَدَّ على الأوزاعي، ومالك رَدَّ على ابن أبي ذئب، وابن أبي ذئب رَدَّ على مالك، وهكذا العلماء، وقَصْد الجميع الحق؛ لكن لا يؤول ذلك إلى أن يبغي بعضهم على بعض؛ لأنه إذا وقع ذلك؛ فقد أصابهم الشيطان، إذا وقعوا في التأويل: فهذا قَصْدُه كذا، هذا يريد كذا، هذا يعمل لأجل كذا، ونحو ذلك من التأويلات الباطلة، إذا دخل التأويل ثم بغى بعضهم على بعض؛ وقعت الفتنة الأعظم، وهي تنافُرُ القلوب، وعَدَمُ الثقة.

ولهذا ينبغي أن يُحْرَصُ على الدليل، وأنه بعد النظر في الأدلة يُحَقَّقُ المناطُ الذي تُنَاط المسألة به، ثم بعد ذلك تُلْحَق بالدليل وبالقواعد الشرعية والأصول المناسبة لها». اهـ([212])

متى يكون الخلاف خلافا سائغا يُعْذَر فيه المخالف؟ وهل يُكْتَفَى في تسويغ الخلاف أن يقول به إمام من الأئمة؟
الجواب:

«هذه مسألة أصولية مشهورة، والجواب عليها: أن الخلاف في المسائل ينقسم إلى قسمين:

النوع الأول: خلاف فيما لم يَرِدْ به النص، في مسألة نازلة، اختلف العلماء فيها؛ فهذا الخلاف فيها سائغ، إلا إذا كان هناك اتفاق من أكثر أهل العلم في ذلك، فالذي يرى غير ما عليه الأكثر في المسألة النازلة؛ له أن يعمل بما يرى، أو يعتقد ذلك في نفسه؛ لكن لأجل قول الأكثر في المسألة الاجتهادية؛ فإنه لا يخالف الأكثر؛ لأن الأكثر في المسائل الاجتهادية التي لا نص فيها، إنما هي تنزيل على الواقع، هذا في الغالب أن لا يكون معه الصواب.

فإذن؛ النوع الأول من الخلاف: خلافٌ في المسائل الاجتهادية التي لا نَصَّ فيها، وهذه يَعْذُر بعضهم بعضا؛ لأنها اجتهاد في تنزيل المسألة النازلة على النصوص.

النوع الثاني: الخلاف في المسائل التي فيها دليل؛ لكن اختلف فيها العلماء: نزع كُلٌّ إلى جهة من الدليل، وبعضهم مثلًا لم يَقُلْ بالدليل، قال بغيره؛ قال بقياس، قال برأيه، فهذا الخلاف في المسائل التي فيها دليل ينقسم إلى قسمين:

الأول: خلاف ضعيف. والثاني: خلاف قوي.

الأول: الخلاف الضعيف: هو الذي يكون في مقابلة الدليل؛ يعني قال قياسا مع ظهور الدليل، لاحِظْ كلمة «ظهور الدليل»، يعني دلّ الدليل على المسألة بظهور، أو بما هو أعظم من الظهور، وهو النص، وقال طائفة من أهل العلم بخلاف ما دل عليه الدليل ظاهرا أو نصًّا؛ فهذا لا شك أن هذا الخلاف يكون ضعيفًا.

الثاني: أن يكون الخلاف قويا، بحيث تكون الأدلة متعارضة، قد يُرَجَّح هذا، وقد يُرَجَّح هذا، فإنه حينئذ يكون الخلاف قويا، وإذا كان الخلاف قويًّا؛ فإنه لا إنكار في مسائل الخلاف القوي.

وأما إذا كان الخلاف ضعيفا؛ فإنه يُنْكَر في مسائل الخلاف الضعيف([213]).

أطلق بعض أهل العلم قاعدة، وهي قولهم: «لا إنكار في مسائل الخلاف» وهذا الإطلاق غلط؛ لأن المسائل الخلافية؛ الصحابةُ بعضُهم أنكر على بعض فيها، والتابعون أنكر بعضهم على بعض فيها.

والمسائل الخلافية على التفصيل الذي ذكرته لك:

• إذا كان الخلاف في مسألة لم يرد فيها الدليل؛ فهذه تُسَمَّى المسائل الاجتهادية، هذا الخلاف سائغ.

• والقسم الثاني: أن يكون الخلاف في مسائل فيها الدليل، وهي منقسمة إلى خلاف قوي وإلى خلاف ضعيف.

مثلًا من مسائل الخلاف القوي:

مسألة زكاة الحلي: الأدلة فيها مختلفة، وفَهْمُ الدليل أيضًا مُخْتَلَفٌ فيه بين أهل العلم، فهذه نقول: الخلاف فيها قَوِيٌّ؛ فلا إنكار: من زَكَّى؛ فقد تَبِعَ بعض أهل العلم، ومن لم يُزَكِّ؛ فقد تَبِعَ بعض أهل العلم؛ فلا حرج في ذلك، ولا إنكار في هذه المسألة.

كذلك مسألة قراءة الفاتحة في الصلاة للمأموم: هل يقرأ المأموم أو لا يقرأ؟ الخلاف فيها قوي، والأدلة متنازع فيها، وكلام الأئمة في من يقول كذا وفي من يقول كذا، والجمهور؛ جمهور الصحابة والتابعين، قول المحققين كشيخ الإسلام؛ بل كالإمام أحمد وشيخ الإسلام وابن القيم وجماعة أنه يَتَحَمَّل الإمام عن المأموم، هذا يَجْعَل المسألة فيها خلاف قوي؛ فلا إنكار فيها كذلك.

مثلًا بعض المسائل التي يختلف فيها أهل العلم في هذا الزمن:

مثل مسألة التصوير بالفيديو: بعضهم يجعله داخلا في التصوير؛ فيمنعه، بعضهم لا يجعله داخلا في التصوير؛ فلا يمنعه، فهذه المسألة فيها خلاف قوي، بعضهم يجيز، وبعضهم لا يجيز.

كذلك يُلْحَق، أو من هذه المسألة التي فيها الخلاف القوي بين أهل العلم مسألةُ التصوير الضوئي؛ لأن بعضهم أباحه، وبعض أهل العلم منعه، وهذا له حجة، وهذا له حجة، واختلف فيه علماؤنا المعاصرون، مع أن الصحيح كما هو معلوم: أنه لا يجوز ذلك؛ لعموم الأدلة، كما هو مبسوط في موضعه.

المسائل التي فيها خلاف ضعيف كثيرة.

وهذا نقول فيه لأجل أن ينتبه طالب العلم إلى ما يُنْكِر فيه وما لا يُنْكَر فيه، فمسائل ترى أهل العلم ما يُنْكِرون فيها؛ لأجل الخلاف القوي فيها، أحيانا ينكرون لأجل الخلاف أن يكون خلافا ضعيفا.

مثل مسألة كَشْف المرأة لوجهها، الخلاف فيها ضعيف، وبعض أهل العلم يرى أن الخلاف فيها قوي، لكن الصحيح أنه ضعيف؛ لأن الحجة التي أَدْلَى بها من أجاز ذلك ليست بوجيهة.

إلى آخر المسائل التي فيها الخلاف ضعيف، مثل المعازف، خلاف ابن حزم فيها شاذ وضعيف.

كذلك إباحة النبيذ وما شابهه مما لا يُسْكِر قليله، هذا معلوم الخلاف فيها، لكن الخلاف فيها ضعيف.

كذلك أكل لحم ذي الناب من السباع، خالف فيه أهل المدينة، مالك ومن معه، ونقول: الخلاف فيه ضعيف؛ لوجود النص الواضح عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بخلاف ذلك.

إلى غير ذلك من المسائل المعروفة». اهـ([214])

إصلاح ذات البَيْن أَمْرٌ مُهِمٌّ في حياة طالب العلم؛ لأنه يَحْصُل بين الإخوة الجفاء والإعراض والتدابر والشحناء، فما النصيحة؟.

قال – حفظه الله -: «لاشك أن من سمات أهل السنة والجماعة: أنهم يسعَوْن لإصلاح ذات البين بين المؤمنين، ولِقَطْع وسائل الشيطان في التفريق، وأعظم ما أمر الله -جلَّ وعلا- به بين العباد: أن يجتمعوا، وأن يتحالفوا، وأن يُصْلحوا ذات بينهم، بل جعل الله تعالى ذلك عنوان التقوى في قوله: [ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ] {الأنفال:1}، وجعل المؤمنين متعاونين فيما بينهم، متوالين فيما بينهم في قوله: [ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ] {التوبة:71}، وأعظم ما نهى الله -جلَّ وعلا- عنه فيما بين العباد: الفُرْقَة؛ لأن الاجتماع وسيلته التآلف، ولأن الفُرقة وسيلتها التباغض والتدابر، ولقد صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه أمر بالاجتماع ونهى عن الفُرْقة، قال: «الجماعة رحمة، والفُرْقة عذاب» وصحَّ عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه أمر بالتآلف وعدم التدابر، فقال: «لا تَبَاغَضُوا، ولا تَدَابَرُوا…» الحديث، ولهذا من أعظم أسباب التقوى وآثار التقوى للعبد: أن يكون كلامه حسنًا، يؤلف الله -جلَّ وعلا- به بين القلوب، وأن يكون فِعْلُهُ حسنًا، يؤلف الله -جلَّ وعلا- به بين القلوب، وأن تكون أقواله وأفعاله ليست وسيلة إلى الفُرْقة بين المؤمنين وإلى اختلافهم وتدابرهم وتقاطعهم، وهذا من مقتضى الولاية التي بينهم، ولهذا فالواجبُ على طالب العلم أن يكون ذا خوف ووجل من ربه -جلَّ وعلا-، وأن يكون ساعيًا في الائتلاف والاجتماع على الحق والهدى، وإذا رأى تقصيرًا أو مخالفة أو سَيْرًا في غير طريق أهل السنة؛ فإنه يبذل النصح، ويبذل الإرشاد، لكن بما لا يسبب نُفْرَةَ وخلافًا وقطيعةً وفوضى وشحناء؛ لأن حصول البغضاء والشحناء يؤول -في الغالب- إلى التقاطع والتدابر، ثم يؤول ذلك إلى الاعتداء وإلى النَّيْل من العِرْض، ولربما إلى الاعتداء على الأنفس والأموال، ولهذا كانت وصيته -عليه الصلاة والسلام- في أعظم موطن تحريم العِرْض، وتحريم النَّفْس، في موطنه -عليه الصلاة والسلام- في عرفة، كما ثبت في «الصحيحين» من حديث أبي بكرة -رضي الله عنه- قال في خطبته -عليه الصلاة والسلام-: «إنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم وأعْراضَكم عليكم حَرامٌ، كحُرْمةِ يَومِكم هذا، في بَلدِكم هذا، في شَهرِكم هذا» واليوم: يوم عرفة، والشهر: مُحرَّمٌ: شهر ذي الحجة من أشهر الحُرُم، التي قال الله -جلَّ وعلا- فيها: [ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ] {التوبة:36}، والبلد: مكة حرَّمها الله -جلَّ وعلا- يوم خلق السموات والأرض، وحرَّمها إبراهيم الخليل فصارت مُحَرَّمة بتحريم الله وتحريم إبراهيم الخليل بتحريم الله، وهذا التشبيه فيه عظمة، أن يُشَبَّه تحريم المال والدماء والأعراض بتحريم هذا اليوم وذاك الشهر وذاك المكان؛ فلهذا الواجب على المؤمنين أن يسعَوْا في وسيلة تحقيق التآلف، وعدم التقاطع والتدابر، وأعظم وسائل تحقيق الائتلاف والاجتماع وقطع التدابر والتقاطع والاختلاف: أن يتواصَوْا فيما بينهم بتقوى الله -جلَّ جلاله-، وبخشيته، والإنابة إليه، وأن يَسْعَوْا في معرفة العلم النافع الذي وَرَّثه رسول الله -صلى الله عليه وسلم– ولهذا تجد أن أهل العلم وطلبة العلم لو اختلفوا لا يكون بينهم اعتداء، وإذا حصل ثَمَّ اعتداء؛ فهو من الجهل، فأهل السنة يعاملون من خالفهم بتقوى الله -جلَّ وعلا-، ولا يعاملون من خالفهم بمثل ما عاملهم به، فلا يُكَفِّرون من كَفَّرَهم، ولا يُبَدِّعُون مَن بدَّعَهُم، ولا يُفَسِّقُون مَن فَسَّقَهم، بل يخافون الله -جلَّ وعلا- في كلامهم وفي أفعالهم([215] فالعلم النافع وتقوى الله وملازمة السنة وسيلة للاجتماع، وهو معنى الجماعة التي قال فيها -عليه الصلاة والسلام-: «الجماعةُ رَحْمَة» وقال فيها ربنا -جلَّ جلاله-: [ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ] {آل عمران:103}، ثم من وسائل تحقيق ذلك أن يقول العبد أحسن ما يجد، حتى في الاختلاف، قال -سبحانه-: [ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ] {الإسراء:53}، وقل لعبادي يقول التي هي أحسن، يعني أحسن ما يجد، لماذا؟ ما العلة؟ قال: [ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ] {الإسراء:53} بعد ذلك يأتي الشيطان فيقلب المسألة: من نُصْرة للحق إلى انتصار للنفس أو الفئة أو للشخص أو للشيخ… إلخ، فتنقلب المسألة من كونها دينية إلى كونها عصبية جاهلية، أو حزبية ممقوتة، وهذا لاشك أنه من أعظم الأسباب التي وجدناها نافعة في أن العبد يختار أحسن ما يجد، فإذا كان العبد حليمًا، مُتَّصِفًا بصفة الحلم وعدم الغضب، وممتثلًا وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- «لا تغضب» مُتَخَلِّقًا بأخلاق الأنبياء في الحلم والأناة، التي يحبها الله -جلَّ وعلا- ويحبها رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ فإن عاقبة أَمْرِهِ إلى خير، ولذلك قال بعض المتقدِّمين -أظنه قد يكون الأكثم، أو يكون غيره- قال له أحد من يخالفه: إن أَسْمَعْتَنِي كلمة؛ أَسْمَعْتُكَ عَشْر كلمات؛ فقال له هذا الحليم: ولكن إن أَسْمَعْتَنِي عَشْر كلمات؛ فلن أُسْمِعْك كلمة؛ لأن هذا حظ الشيطان؛ لأن الاعتداء بالألفاظ والتنابذ كلها حظوظ الشيطان، [ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ] {الحجرات:11}، تنابذ وذمّ بعض الناس لبعض والطعن، هذا ليس أمرًا شرعيًّا، وإنما من حظوظ الشيطان، الأمور الشرعية التي بها يُحْكَم على المخالف، هذه ليس منها الاعتداء، فَاحْكم على كلامه أو يُحْكَم عليه إن استحق ذلك فيما دلَّ الدليل عليه، ووَضِّح منهج أهل السنة والجماعة؛ فإن العبد لا يتجاوز، بل يقول ولا يتجاوز، ولهذا غالب طريقة أهل السنة والجماعة أنهم يُخَطِّؤون ولا يُضَلِّلون؛ لأن غالب من خالف إنما خالف عن جهل، بل قال الله -جلَّ وعلا-: [ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ] {النساء:17}، فالذي يعمل السوء بجهالة، كما قال جَمْعٌ من الصحابة هو الذي يَعْصِي بأقواله أو أعماله، كلُّ من عصى الله فهو جاهل، وكلُّ من أطاع الله فهو عالم، وإذا عصى الله -جلَّ وعلا- في مقابلة المخالف له؛ فهو عنده نسبة من الجهل، ولهذا قد يجتمع في المُعَيَّن من المختلفين علم بالشرع وجهل بالشرع، جهلٌ في كيف يعامل من اختلف معه، وعلمٌ فيما يعلم، وهذه واضحة في الواقع بينة.

فهذه الوصية للجميع، أنهم أقامهم الله -جلَّ وعلا- في صلاة واحدة، وأقامهم الله -جلَّ وعلا- بالاجتماع على كلمة التوحيد، وأقامهم الله -جلَّ وعلا- يعني -أقام الشباب- في حب الخير، وحب الطاعة، وحب العلم، والإقبال عليه، فنَيْل القليل منهم من بعض، ومثل هذا الكلام الذي قد يتردد؛ فهذا ليس في المصلحة، ومن حق المسلم على المسلم -بل الواجب- السعي في كل وسيلة لإصلاح ذات البين، وتقوى الله -جلَّ وعلا-.

وأما إذا كان ثمَّ خصومة خاصة بين اثنين: فواجب عليهما أن يسعيا في الإصلاح، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام، وثبت في «صحيح مسلم» أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الله يغفر لكل مؤمن يوم الإثنين، إلا عبدًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول الله -جلَّ وعلا-: أَنْظِروا هذَيْن حتى يصطلحا» الهجْر والترْك والمقاطعة إذا كانت للدنيا؛ فهي مذمومة، ويتوقف عليها كثير من الأحكام، وأما إذا كانت للدين؛ فهي جائزة بشروطها، أو مشروعة بشروطها، ولكن ليس منها التقاطع والتدابر والبغضاء، بل هي للإصلاح.

وهذا موضوع مهم جديرٌ بكم جميعًا أن تتأملوه، وأن تمتثلوا التقوى في الأقوال وفي الأعمال، المؤمن طيبٌ كلامه، الداعية وطالب العلم يخشى الله -جلَّ وعلا- طيب كلامه، طيبة أفعاله، يقول ما يُصْلِح، ويترك ما يُفْسِد، وهذا هو الذي يُصْلِح الناس، وهو الذي ينفع الله تعالى به البلاد والعباد، بل والمسلمين جميعا، زادني الله وإياكم من أسباب ذلك، وجنَّبَنَا وسائل الشيطان.

وهذا هو رابط الأسئلة والأجوبة بتمامها:

http://www.mktaba.org/vb/showthread.php?t=9548

6- وسئل الشيخ -حفظه الله- هذا السؤال:

ما رأيكم بما جاء في كتاب عبد الله بن الإمام أحمد من اتهام لأبي حنيفة، وبالقول عليه بخلق القرآن إلى آخره؟

الجواب: «هذا سؤال جيد، هذا موجود في كتاب «السنة» لعبد الله بن الإمام أحمد، وعبد الله بن الإمام أحمد في وقته كانت الفتنة في خلق القرآن كبيرة، وكانوا يستدلون فيها بأشياء تُنْسَب لأبي حنيفة وهو منها براء في خلق القرآن، وكانت تُنْسَب إليه أشياء ينقلها المعتزلة من تأويل الصفات إلى آخره مما هو منها براء، وبعضها انتشر في الناس، ونُقِل لبعض العلماء؛ فَحَكَمُوا بظاهر القول، وهذا قبل أن يكون لأبي حنيفة مدرسة ومذهب؛ لأنَّهُ كان العهد قريبًا -عهد أبي حنيفة- وكانت الأقوال تُنْقَل: قول سفيان، قول وكيع، قول سفيان الثوري، قول سفيان بن عيينة، قول فلان وفلان من أهل العلم في الإمام أبي حنيفة.

فكانت الحاجة في ذلك الوقت باجتهادِ عبد الله بن الإمام أحمد قائمة، في أن ينقل أقوال العلماء فيما نَقَل.

ولكن بعد ذلك الزمان -كما ذكر الطحاوي- أَجْمَعَ أهل العلم على أن لا ينقلوا ذلك، وعلى أن لا يذكروا الإمام أبا حنيفة إلا بالخير والجميل، وهذا فيما بعد زمن الخطيب البغدادي، يعني في عهد بعض أصحاب الإمام أحمد ربما تكلموا، وفي عهد الخطيب البغدادي نقل نقولات في «تاريخه» معروفة، وحصل ردود عليه بعد ذلك، حتى وصلنا إلى استقراء منهج السلف في القرن السادس والسابع هجري، وكَتَبَ في ذلك ابن تيمية الرسالة المشهورة (رفع الملام عن الأئمة الأعلام)، وفي كتبه جميعًا يذكر الإمام أبا حنيفة بالخير وبالجميل، ويترحم عليه، وينسبه إلى شيءٍ واحد وهو القول بالإرجاء، إرجاء الفقهاء، دون سلسلة الأقوال التي نُسِبَتْ إليه؛ لأنَّهُ يوجد كتاب أبي حنيفة «الفقه الأكبر»، وتوجد رسائل له تدل على أنَّهُ كان في الجملة يتابع السلف الصالح إلا في هذه المسألة، في مسألة دخول الأعمال في مُسَمَّى الإيمان.

وهكذا درج العلماء على ذلك، كما قال الإمام الطحاوي -كما ذكرت لك- إلا بعض من زاد، غلا في الجانبين:

إما غلا من أهل النظر في الوقيعة في أهل الحديث، وسَمَّاهُمْ حَشْوِيَّة، وسَمَّاهُم جهلة.

ومن غلا أيضًا من المنتسبين للحديث والأثر، فوقع في أبي حنيفة أو وقع في الحنفية كمدرسة فقهية، أو في العلماء.

والمنهج الوسط: هو الذي ذكره الطحاوي، وهو الذي عليه أئمة السلف.

لمَّا جاء الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب أصَّلَ هذا المنهج في الناس، وأنْ لا يُذْكَرَ أحد من أهل العلم إلا بالجميل، وأن يُنْظَرَ في أقوالهم وما رَجَّحَهُ الدليل، فَيُؤْخَذُ بِهِ، وأن لا يُتَابَعَ عالم فيما أخطأ فيه، وفيما زل؛ بل نقول: هذا كلام العالم، وهذا اجتهاده، والقول الثاني هو الراجح.

ولهذا ظهر بكثرة في مدرسة الدعوة القول الراجح والمرجوح، ورُبِّيَ عليه أهل العلم في هذه المسائل تحقيقًا لهذا الأصل.

حتى أتينا إلى أول عهد الملك عبد العزيز لمَّا دَخَلْ مكة، وأراد العلماء طباعة كتاب «السنة» لعبد الله بن الإمام أحمد، وكان المشرف على ذلك والمراجع له: الشيخ العلامة الجليل عبد الله بن حسن آل الشيخ رئيس القضاة إذ ذاك في مكة، فَنَزَعَ هذا الفصل بكامله من الطباعة، فلم يُطْبَعْ؛ لِأَنَّهُ من جهة الحكمة الشرعية كانَ لَهُ وقته، وانتهى، ثُمَّ هو اجتهاد، والسياسة الشرعية ورعاية مصالح الناس أن يُنْزَعَ، وأن لا يَبْقَى، وليس هذا فيه خيانة للأمانة؛ بل الأمانة أن لا نجعل الناس يَصُدُّونَ عن ما ذكره عبد الله بن الإمام في كتابه من السنة والعقيدة الصحيحة لأجل نُقُولٍ نُقِلَتْ في ذلك.

وطُبِعَ الكتاب بدون هذا الفصل، وانْتَشَرَ في الناس وفي العلماء على أَنَّ هذا كتاب «السنة» لعبد الله بن الإمام أحمد.

حتى طُبِعَت مُؤَخَّرًَا في رسالةٍ علمية أو في بحثٍ علمي، وأُدْخِلَ هذا الفصل -وهو موجود في المخطوطات معروف- أُدْخِلْ هذا الفصل من جديد، يعني أُرْجِعْ إليه، وقالوا: إنَّ الأمانة تقتضي إثباته إلى آخره.

وهذا لاشك أَنَّهُ ليس بصحيح، بل صنيع علماء الدعوة فيما سبق من السياسة الشرعية ومن معرفة مقاصد العلماء في تآليفهم، واختلاف الزمان والمكان والحال، وما استقرت عليه العقيدة، وكلام أهل العلم في ذلك.

ولما طُبِع كُنَّا في دعوة عند فضيلة الشيخ الجليل الشيخ صالح الفوزان في بيته، وكان داعيًا لسماحة الشيخ عبد العزيز ، فطَرَحْتُ عليه أول ما طُبِعْ كتاب «السُّنَّة» الطبعة الأخيرة التي في مجلدين إدخال هذا الباب فيما ذُكر في أبي حنيفة في الكتاب، وأًنَّ الطبعة الأولى كانت خالية من هذا لصنيع المشايخ.

فقال في مجلس الشيخ صالح، قال: الذي صنعه المشايخ هو المُتَعَيِّن، ومن السياسة الشرعية أن يُحْذَفَ، وإيراده ليس مناسبًا، وهذا هو الذي عليه منهج العلماء». اهـ([216])

وإليكم الرابط:

http://shamela.ws/browse.php/book-934/page-674

قلتُ: فتأمل فقه العلماء السابقين والمعاصرين لمقاصد الشريعة، وأنهم رَأَوْا عدم نشْر كلام عن بعض أئمة السلف، منقول عنهم بالأسانيد؛ لكونه لا يصح -في الجملة- عن الإمام أبي حنيفة، ولكون الإمام أبي حنيفة وإن أُخذَتْ عليه بعض المسائل العقدية إلا أنه في الجملة إمام نفع الله بعلمه، والرجل ينظر له من جميع الجهات، لا من جهة واحدة، فتأمل هذا، وقارِنْ هذا بحال الغلاة الخسّافين الهدّامين!! وأما مسألة إلغاء ذاك الفصل من كتاب «السنة» لعبد الله بن أحمد؛ فالاجتهاد فيها مختلف فيه، وليس هذا عندي موضع الكلام فيه، والله أعلم!!

7- وسئل الشيخ – حفظه الله -: ما هو الصواب فيما لو سئل أحدنا عن بعض أهل البدع، أو سئل عن كتبهم، هل يُشَنِّع عليه، ويَذْكُر ما عنده من الأخطاء؟ أو يَذْكُر محاسنه ومساوئه؟ رفع الله درجتكم.

الإجابة:

أهل البدع هم الذين يعملون بالبدع، أو يَدْعون إليها، والبدعة هي المحدثات في الدين، قد تكون من جهة الاعتقاد، وقد تكون من جهة العمل، والمبتدعة حَذَّر منهم النبي – صلى الله عليه وسلم – في أحاديث كثيرة, فقال – عليه الصلاة والسلام –: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن أُمِّر عليكم عَبْدٌ حَبَشِيّ؛ فإنه من يَعِشْ منكم بعدي؛ فسيرى اختلافًا كثيرًا؛ فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء المهديين الراشدين: تمسكوا بها، وَعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثاتِ الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة».([217])

وقال – عليه الصلاة والسلام –: «فَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ؛ فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ»([218])، وفي آية الأنعام قال – جل وعلا –[ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ] {الأنعام:159}.

قال أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم: الذين فَرَّقوا دينهم هم أهل البدع، فالذين أحدثوا المحدثات في الاعتقادات، أو في الأعمال، ولازموها؛ يُطلق عليهم أصحاب البدع، والواحد منهم مبتدع.

وهديُ السلّف في هؤلاء: ألا يجالَسوا، وأن يُحذَّر منهم، ومن مقالاتهم، ومن أعمالهم، ولا يُثْنَى عليهم؛ إذ المقامُ مقامُ رَدٍّ عليهم؛ لأن الثناء على المبتدع بين العامة إغراء باتباعه، وهو صاحب بدعة، فإذا أثنيت عليه؛ دَلَلْتَ الناس على بدعته، والمبتدعة -في الجملة- الحال معهم يكثر الخلط فيه في هذا الزمن: من الثناء عليهم، أو من ذِكْر المحاسن والمساوئ، ونحو ذلك

ومقام أهل العلم مع أهل البدع على حالتين: إما أن يكون مقام رد عليهم، أو مقام تحذير منهم؛ فهذا لا يناسب الثناء عليهم، والمبتدع لا يستحق الثناء أصلًا، فإذا كان المقام مقام ردود، ومقام تحذير؛ فلا يجوز الثناء على مبتدع، ولا من سلك سبيله، وأما إذا كان المقام مقام تقييم له، ليس ردًّا عليه؛ فإن أهل العلم يذكرون ما له من الخير، وما عليه من الشر، بإجمال دون تفصيل، وذلك مثل ذكر شيخ الإسلام بعض محاسن المعتزلة، حيث ردوا على اليهود والنصارى، وعلى طائفة الدهرية، وعلى كثير من طوائف الضلال من غير هذه الأمة.

كما أثنى على الأشاعرة مرة بردهم على المعتزلة؛ لكن إذا رد على المعتزلة سامَهُم ما يستحقون، ولم يُثْنِ عليهم البَتَّةِ.

فتجد أنه في هذا الوقت قد خلط كثير الناس بين المقامين: مقام الرد والتحذير، ومقام الموازنة، فمقام التقييم هذا يكون على وجه الإجمال، وأيضًا على قلة، ومقام الرد هو الذي ينفع العامة، فهذا هو الذي لا يجوز أن يُثْنِيَ على مبتدع، وقد قال رافع بن أشرس فيما رواه ابن أبي الدنيا([219])، والخطيب في «الكفاية»([220]) وغيرهما قال: إِنَّ مِنْ عُقُوبَةِ الْكَذَّابِ: أَنْ لَا يُقْبَلَ صِدْقُهُ, قَالَ: وَأَنَا أَقُولُ: وَمِنْ عُقُوبَةِ الْفَاسِقِ الْمُبْتَدِعِ: أَنْ لَا تُذْكَرَ مَحَاسِنُهُ«. يعني لأجل ألا يقتدي الناس به.

إذا تقرر هذا؛ فتبقى قاعدة المسألة، وهي أنه لا يَحكم على مُعَيَّنٍ بالبدعة إلا أهلُ العلم الراسخون، فليس الحكم بالبدع لعامة الناس، أو لعامة طلبة العلم، إنما هو لأهل العلم الراسخين([221]).

فإذا أثبت أهل العلم الراسخون أن فلانًا مبتدع؛ فإنه ينطبق عليه أحكام المبتدعة الذين ذكرنا، والكلام المجمل ربما سار في غير المعين، أو على الطوائف والفئات بغير تعيين.

أما إذا أتى الكلام بالتعيين؛ صار المقام أصعب؛ لأن في ذلك حُكمًا، والأحكام مرجعها العلماء، والناس في هذه المسألة بين طرفين، وطريقة أهل العلم وسط فيما بين الطرفين، والله أعلم». اهـ([222])

قلتُ: فهل هذا الكلام يُعجب الشيخ ربيعًا وحزبه؟ بل هل حالهم يسير على هذا المنوال؟ فكيف يَدَّعُون -زورًا وتَشَبُّعًا بما لم يُعْطَوْا- أنهم على منهج العلماء -سلفًا وخلفًا- يسيرون؟!

8 – الحديث عن الجماعات على المنابر ليس من منهج السلف:

يقول الشيخ صالح آل الشيخ – حفظه الله -: «مثلًا الحديث عن الجماعات، وجماعة الإخوان المسلمين، وجماعة كذا، وجماعة التبليغ،…، العامة ما يعرفون هذا الشيء، العامة بَيِّنْ لهم طريقة السلف، وأَلْزِمْهُم بها، وحَذِّرْهم من الطرق المخالفة عن السلف، أما تيجي تدخلهم في تفصيل… فإذًا تحديث العامة بما لا يفقهون ليس من هَدْي السلف». اهـ

وهناك عن الشيخ -حفظه الله- كلام كثير في هذا الشأن، لكن نكتفي بهذا، وبالله التوفيق..

ومعلوم أن من السنة في إنكار المنكر على بعض الناس أمام بقية الناس: التعميم لا التخصيص والتعيين، كما في حديث: «ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا» فالشيخ صالح -حفظه الله- ذكر أحوالا قولية وفعلية، ووضّح أنها تخالف الأدلة والأصول العلمية وكلام الأئمة سلفا وخلفا، ومعلوم أن هذه الأحوال ما عُرفت إلا عن هؤلاء الغلاة وأمثالهم، فهذا موقف العلماء فيها، وبقي السؤال الموجَّه لهم دائما عند كل نقل عن العلماء -وإن لم أذكره أحيانا- وهو: هل هؤلاء العلماء الذين ينكرون الأحوال المعروفة عنكم يُزَكّون طريقتكم وطرقة شيخكم المدخلي كما تزعمون، أم لا؟!

j j j