أولاً: الصُّوَرُ المتَفقُ على كونها كُفْرًا أكبر، مُخْرجًا من الملة
أولاً: الصُّوَرُ المتَفقُ على كونها كُفْرًا أكبر، مُخْرجًا من الملة
الصورة الأولى:
- الصورة الأولى في الحُكْم بغيرِ ما أنزل الله من الكُفْر المتفق عليه: الاسْتِحْلال أو التجْويز والإباحة للحكم بغير ما أنزل الله.
الصورة الأولى: الاسْتِحْلال أو التجْويز والإباحة للحكم بغير ما أنزل الله
وصورتُها: أن يَحْكُم بغير ما أنزل الله، معتقدًا أن الحكم بغير ما أنزل الله أمرٌ جائزٌ غير مُحَرَّمٍ، وأنه حلالٌ له، ولا يكون ذلك منه عن جَهْلٍ، أو تَقْلِيدٍ لأحد من علماء السوء، الذين يقولون ما لا يعلمون، وهو يُحْسِنُ الظنَّ بهم، إنما يكون ذلك منه بعد العلم بحكم الله -جل شأنه- في الواقعة، لكنه تركه استحلالًا للحكم بغيره.
حُكْمُها: اتفقوا على أن هذه الحالة مُكَفِّرَةٌ الكُفْر الأكبر.
ودليل ذلك أمران:
الأمر الأول: اتفاقُ أهلِ السنة على كُفر من اسْتَحَلَّ شيئًا من المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة عمومًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ –: «مَنْ فَعَلَ المَحَاِرَم مُسْتَحِلًا لها؛ فهو كافر بالاتفاق». اهـ([17])
الأمر الثاني: اتفاقُ أهل السنة على كُفْر من استحل الحكم بغير ما أنزل الله خصوصًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ –: «والإنسانُ متى حَلَّلَ الحرام المُجْمَعَ عليه، أو حَرَّمَ الحلال المُجْمَعَ عليه، أو بَدَّلَ الشرع المُجْمَعَ عليه؛ كان كافرًا مرتدًا باتفاق الفقهاء، وفي مثل هذا نزل قوله تعـالى – على أحـد القـولين –[ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44}، أي: هو المُسْتَحِل للحكم بغير ما أنزل الله». اهـ([18])
(تنبيه):
يَكْفُر الحاكم في هذه الحالة بالاستحلال العَقَدي، ولو لم يَحْكُم بغير ما أنزل الله، ما دام يعتقد جوازَ الحُكم بغير ما أنزل الله، المعلومِ من الدين بالضرورة تحريمُهُ والمنْعُ منه.
* والاستحلال أَمْرٌ قلبي؛ وذلك أن حقيقته هي: اعْتِقَادُ حِلِّ الشيء الذي حَرَّمَهُ الله -سبحانه وتعالى- تحريمًا قطعيًا مشهورًا، ويظهر ذلك منه بقوله لا بمجرد فعله -بعد العلم بتحريمه: حيث يقول: الحكم بغير ما أنزل الله يجوز، أو الحكم بما أنزل الله لا يجب علينا، أو لا يلزمنا، أو لا يصلح لنا في هذا الزمان، أو لا يعرف الحلول النافعة لمشاكلنا… إلخ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ –: «والاستحلالُ: اعتقادُ أنها حلالٌ له».([19])
وقال الإمام ابن القيم – رَحِمَهُ اللهُ –: «فإن المُسْتَحِلَّ للشيء هو: الذي يَفْعَلُه مُعْتَقِدًا حِلَّه».([20])
وذلك بأن يُجَوِّز الحُكْم بما يخالف حُكْم الله ورسوله، أو يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله – تعالى – غير واجب عليهم، وأنه مخيّر فيه، ويجوز له أن يحْكُم به أو بغيره؛ فهذا كُفْرٌ مناقض للإيمان؛ لتجويزه ما عُلِم بالنصوص الصريحة القطعية تحريمُهُ، حيث لم يَعْتَقِدْ وجوبَ إفراد الله – تعالى – بالحكم، وهو وإن لم يكن جاحدًا لحكم الله، لكن ما دام أنه لا يعتقد فاعلُ هذا وجوبَ الحُكْمِ بما أنزل الله – تعالى – وحده، وذلك بتجويزه الحُكْمَ بغير ما أنزل الله – تعالى -؛ فهذا كُفْرٌ ناقلٌ عن الملة.
* ويُوَضِّح ذلك شيخُ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ – قائلًا: «ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله؛ فهو كافر، فمن استحلّ أن يَحْكُم بين الناس بما يراه عَدْلًا من غير اتِّباعٍ لما أَنْزَلَ الله؛ فهو كافر؛ فإنه ما من أمة إلا وهي تَأْمُر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابِرُهَا، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يَحْكُمون بعاداتهم التي لم يُنْزِلها الله: كسواليف البادية، وكأوامر المُطَاعِين فيهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكُفر.
فإنَّ كثيرًا من الناس أَسْلَموا، ولكن مع هذا لا يَحْكُمون إلا بالعادات الجارية لهم، التي يأمر بها المُطَاعُون، فهؤلاء إذا عَرَفوا أنه لا يجوز الحُكْمُ بما أنزل الله، فلم يَلْتَزِمُوا ذلك، بل اسْتَحَلُّوا أن يَحْكُموا بخلاف ما أنزل الله؛ فهم كفارٌ، وإلا كانوا جُهَّالًا». اهـ
وقوله – رَحِمَهُ اللهُ -: «فلم يلتزموا ذلك» ليس معناه: فلم يفعلوا ذلك بتحاكمهم إلى غير شرع الله، بل معناه: فلم يعتقدوا حُرْمة ذلك، و عدمَ جواز تحاكمهم إلى غير حكم الله؛ وبهذا فهم كفارٌ، وإنما أوقع كثيرين في الوهم والخطأ في هذا الشأن: ظَنُّهم أن «الالتزام» معناه: العمل بالجوارح الظاهرة، ولذا يقول أحدهم: «فلانٌ أخٌ مُلْتَزِمٌ» أي مُسْتَقيم على فعل الواجبات الظاهرة، فمن هنا ظَنَّ مَنْ ظَنَّ أن من تحاكم إلى غير شرع الله -بمجرد التحاكم- كان كافرًا، وليس الأمر كذلك؛ إنما الالتزام هو فِعْل القلب، -وهو اعتقادُ وجوب التحاكم إلى شرع الله، وعَدَمِ جواز التحاكم إلى غيره- وهذا لابد منه عند إطلاق «الالتزام».
والخلاصة: أن من الْتَزَمَ وجوبَ التحاكم إلى شرع الله، أي اعْتَقَد وجوبَ ذلك عليه، فإنه قد يخالف ذلك بفعله، ويتحاكم -عمليًا- إلى غير شرع الله؛ فيكون بذلك عاصيًا، ناقصَ الإيمان، لا كافرًا، والله أعلم.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ –: «فَهَؤُلَاءِ إِذَا عَرَفُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ إِلَّا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، فَلَمْ يَلْتَزِمُوا ذَلِكَ([21])، بَلِ اسْتَحَلُّوا أَنْ يَحْكُمُوا بِخِلَافِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ؛ فَهُمْ كُفَّارٌ، وَإِلَّا كَانُوا جُهَّالًا، كَمَنْ تَقَدَّمَ أَمْرُهُمْ».
إلى أن قال – رَحِمَهُ اللهُ -: «فَمَنْ لَمْ يَلْتَزِمْ تَحْكِيمَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ؛ فَقَدْ أَقْسَمَ اللَّهُ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُلْتَزِمًا لِحُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، لَكِنْ عَصَى وَاتَّبَعَ هَوَاهُ؛ فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ أَمْثَالِهِ مِنَ الْعُصَاةِ». اهـ([22])
فها هو – رَحِمَهُ اللهُ – يُثبت وجود «الالتزام»، ويَنْفِي وجودَ الطاعة بالتحاكم الفعلي لشرع الله، ومخالفة اتباع الهوى، مما يدل على مراده بـ«الالتزام» أمر قلبي باطن، وليس أمرا فعليَّا ظاهرا!!
ويقول – رَحِمَهُ اللهُ -: «وتكفير تارك الصلاة هو المشهور المأثور عن جمهور السلف من الصحابة والتابعين، ومَوْرِدُ النزاعِ هو فيمن أَقَرَّ بوجوبها، والْتَزَمَ فِعْلَها، ولم يَفْعَلْها، وأما مَنْ لم يُقِرَّ بوجوبها؛ فهو كافر باتفاقهم، وليس الأمر كما يُفْهَم من إطلاق بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم: أنه إن جَحَدَ وجوبها؛ كفر، وإن لم يَجْحَدْ وجوبَها؛ فهو مورد النزاع، بل هنا ثلاثة أقسام:
أحدها: إن جحد وجوبها؛ فهو كافر بالاتفاق.
والثاني: أن لا يَجْحَدَ وجوبَها، لكنه ممتنعٌ من الْتزام فِعْلِها كِبْرًا أو حَسَدًا أو بُغْضًا لله ورسوله، فيقول: أَعْلَمُ أن الله أوْجَبَها على المسلمين، والرسولَ صادِقٌ في تبليغ القرآن، ولكنه مُمْتَنِعٌ عن التزام الفِعْلِ، وإِلْزَامِ نَفْسِه به اسْتِكْبارًا، أو حَسَدًا للرسول، أو عَصَبِيّةً لدينه، أو بُغْضًا لما جاء به الرسول؛ فهذا أيضًا كافرٌ بالاتفاق؛ فإن إبليس لما تَرَكَ السجودَ المأمورَ به لم يَكُنْ جاحِدًا للإيجاب؛ فإن الله تعالى باشَرَهُ بالخطاب، وإنما أَبَى واسْتَكْبَرَ، وكان من الكافرين، وكذلك أبو طالب؛ كان مُصَدِّقًا للرسول فيما بَلَّغَهُ، لكنه تَرَكَ اتباعَه حَمِيَّةً لدينه، وخوفًا من عارِ الانْقِيادِ، واسْتِكْبارًا عن أن تَعْلُوَ إِسْتُهُ رأسَه -كما قال بعضهم-؛ فهذا ينبغي أن يُتَفَطَّن له، ومن أطلق من الفقهاء أنه لا يَكْفُر إلا من يَجْحَدُ وجوبَها؛ فيكون الجَحْدُ عنده متناولًا للتكذيب بالإيجاب، ومتناوِلًا للامتناع عن الإقْرار والالْتِزَام، كما قال تعالى: [ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ] {الأنعام:33}، وقال تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ] {النمل:14}، وإلا فمتى لم يُقِرَّ، ويَلْتَزِمَ فِعْلَها؛ قُتِلَ وكَفَرَ بالاتفاق.
والثالث: أن يكون مقرًّا ملتزمًا، وأنه يجب عليه أن يؤدي الصلاة بجوارحه؛ لكن تركها كسلًا وتهاونًا، أو اشتغالًا بأغراضٍ له عنها، فهذا مَوْرِدُ النزاع، كمن عليه دَيْنٌ، وهو مُقِرٌّ بوجوبه، مُلْتَزِمٌ لأدائه، لكنه يَمْطُل بخلًا، أو تهاونًا». اهـ([23])
فهذا كلام صريح منه – رَحِمَهُ اللهُ – في معنى «الالتزام» وهو الإقرار بالوجوب، وأن الأمر لازم له، ولا تبرأ ذمته إلا بأدائه، وأما عمله إياه أو تركُهُ إياه فشأْنٌ آخر، والله أعلم.
ونُوَضِّح هذا من كلام الإمام ابن القيم – رَحِمَهُ اللهُ –؛ فإنه يَقُول: «وَأَمَّا نِكَاحُ الزَّانِيَةِ فَقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ – سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى – بِتَحْرِيمِهِ فِي سُورَةِ النُّورِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ مَنْ نَكَحَهَا فَهُوَ إِمَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ، فَإِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَلْتَزِمَ حُكْمَهُ سُبْحَانَهُ، وَيَعْتَقِدَ وُجُوبَهُ عَلَيْهِ أَوَ لَا، فَإِنْ لَمْ يَلْتَزِمْهُ وَلَمْ يَعْتَقِدْهُ، فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَإِنِ الْتَزَمَهُ وَاعْتَقَدَ وُجُوبَهُ وَخَالَفَهُ فَهُوَ زَانٍ». اهـ([24])
فأثبت وجود الالتزام، ونَفَى وجودَ الفعل؛ فدَلَّ ذلك على أن الالتزام فِعْلُ القَلْبِ لا الجوارح.
وقال الحافظ ابن حجر – رَحِمَهُ اللهُ – في «الفتح» عند الكلام على حديث «أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» في باب قَتْلِ مَنْ أَبَى من قبول الفرائض، من كتاب استتابة المرتدين والمعاندين ما لفظه: ««وفيه: منعُ قَتْلِ من قال: لا إله إلا الله، ولو لم يَزِدْ عليها، وهو كذلك؛ لكنْ هل يصيرُ بمجرَّد ذلك مسلمًا؟ الراجح: لا؛ بل يجب الكفُّ عن قتله حتى يُخْتَبَر، فإنْ شَهِدَ بالرسالة، والتَزَم أَحْكَامَ الإسلام؛ حُكِمَ بإسلامه، وإلى ذلك الإشارةُ بالاستثناء بقوله: «إلا بحقِّ الإسلام»، قال البغوي: الكافرُ إذا كان وَثَنِيًّا، أو ثَنَوِيًّا لا يُقِرُّ بالوحدانية، فإذا قال: لا إله إلا الله؛ حُكِمَ بإسلامه، ثم يُجْبَرُ على قبول جميع أحكام الإسلام، ويَبْرَأُ مِنْ كلِّ دينٍ خالفَ دينَ الإسلام، وأما من كان مُقِرًّا بالوحدانية، مُنْكرًا للنبوَّة؛ فإنه لا يُحْكَم بإسلامه حتى يقول: محمَّد رسول الله، فإن كان يعتقدُ أنَّ الرسالة المحمدية إلى العرب خاصة؛ فلا بدَّ أن يقول: «إلى جميع الخلق»، فإنْ كان كفَرَ بجحود واجب، أو استباحة محرَّم؛ فيحتاج أن يَرْجِعَ عما اعتقده، ومقتضى قوله: «يجبر» أنه إذا لم يَلْتَزِمْ؛ تجري عليه أحكام المرتد، وبه صرَّح القفال». اهـ([25])
ويقول صاحب «معارج القبول» – رَحِمَهُ اللهُ –: «ومن هنا يتبين لك أن من قال من أهل السُّنَّة في الإيمان: هو التصديق على ظاهر اللغة؛ أنهم إنما عَنَوْا التصديقَ الإذْعَانِيَّ المُسْتَلْزِمَ للانقياد ظاهرًا وباطنًا بلا شك، ولم يَعْنُوا مجرد التصديق؛ فإن إبليس لم يُكَذِّبْ في أمر الله تعالى له بالسجود، وإنما أَبَى عن الانقياد كُفرًا واستكبارًا». اهـ ([26])
وقال الكشميري– رَحِمَهُ اللهُ –: «إنّ الجزءَ الذي يمتاز به الإيمان والكفر: هو التزام الطاعة مع الردع والتبري عن دينٍ سواه، فإذا التزم الطاعة؛ فقد خرجَ عن ضلالة الكفر، ودخل في هَدْي الإسلام… – ثم يستطرد فيشرح بعدها مباشرة أن اصطلاح «الإقرار» في أقوال الفقهاء لا بد وأن يكون هو بمعنى «التزام الطاعة» وليس بمعنى مجرد التلفظ بالشهادتين – أي الإقرار القولي – وإلا بَقِيَ الإِشْكَالُ السابقُ ذِكْرُهُ واردًا عليهم، فيقول: «وحينئذٍ ينبغي أن يُراد من الإقرار في قول الفقهاء: الإقرارُ بالتزام الطاعة، وإن كان المرادُ منه الإقرارَ بالشهادتين – كما هو المشهور-؛ بَقِيَ الإشكال». اهـ([27])
والحاصل أن «الالتزام» إنما ينقسم إلى قسمين:
1- التزام قبول الإسلام: وهو يعني قبول الشرائع جملة، وقبول الانقياد لها عملًا، واعتقاد أنها لازمة له، وترْكُ هذا كفر أكبر.
2 – التزام التنفيذ للشرائع: وهو الذي يتضمن تنفيذ الأوامر الشرعية كلها بعمل الطاعات واجتناب المعاصي، وهي الأعمال الداخلة في الإيمان الواجب واستكمال الإيمان، وترْكُ هذا فيه تفصيل، ومنه ما هو دون الكفر الأكبر، والله أعلم.
ويقول شيخ الإسلام – رَحِمَهُ اللهُ – أيضًا: «ومن حَكَمَ بما يخالف شرعَ الله ورسوله، وهو يَعْلَم ذلك؛ فهو من جنس التتار الذين يُقَدِّمُون حُكْم (الياسِق) على حُكْم الله ورسوله».
وإذا كان هذا الصنف من جنس التتار؛ فكذلك هم من جنس اليهود عندما حكموا بما يخالف حكم الله – تعالى – وهم يعلمون ذلك، كما جاء مبينًا في حديث البراء بن عازب -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – حيث قال: مُرّ على النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ- بيهودي مُحَمَّمٍ مجلودٍ، فدعاه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ- فقال: «هكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم؟» قالوا: نعم، فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: «أَنْشُدُك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حَدَّ الزاني في كتابكم؟» قال: لا! ولولا أنك نَشَدْتَني بهذا؛ لم أُخْبِرْك: نَجِدُهُ الرجْمَ، ولكن كَثُر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف؛ تركناه، وإذا أَخَذْنا الضعيفَ؛ أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا: فَلْنَجْتَمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ-: «اللهم إني أولّ من أحيا أمرك إذ أماتوه» فَأَمَرَ به فَرُجِمَ، فأنزل الله – عَزَّ وَجَلَّ -: [ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ] إلى قوله: [ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ] {المائدة:41}.
يقول: ائْتُوا محمدًا، فإن أمركم بالتحميم والجلد؛ فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم؛ فاحذروه، فأنزل الله – تعالى – [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] {المائدة:44}، [ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ] {المائدة:45}، [ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ] {المائدة:47} في الكفار كلها»
ويقول الإمام ابن القيم – رَحِمَهُ اللهُ – عن هذه الحالة: «إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخيّر فيه، مع تَيَقُّنِهِ أنه حُكْمُ الله؛ فهذا كُفْرٌ أَكْبَرٌ». اهـ
ويقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب – رَحِمَهُ اللهُ –: «من اعتقد أن بعض الناس يَسَعُه الخروجُ عن شريعة محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كما وَسِعَ الخَضرَ الخروجُ عن شريعة موسى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-؛ فهو كافر». اهـ
🕮 🕮 🕮
الصورة الثانية
الصورة الثانية في الحُكْم بغيرِ ما أنزل الله من الكُفْر المتفق عليه: التشريعُ
- الصورة الثانية في الحُكْم بغيرِ ما أنزل الله من الكُفْر المتفق عليه: التشريعُ -وإن لم يحكم به الـمُشَرِّع- ليكون شرعًا عامًّا يرضى به الجميع، وهي في معنى التحليل والتحريم بخلاف حكم الله، مع العلم بمخالفته، واعتقاد تجويز ذلك لهم، وهذا شَبِيهٌ بما سَبَقَ من الاسْتِحْلال والتجويز للحكم بغير حكم الله.
معلوم أنه قد تَقَرَّرَ – بداهةً – وجوبُ إفرادِ الله – تعالى – بالحكم والتشريع [ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ] {الأعراف:54}، فإذا كان الله – تعالى – هو المتفرد بالخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، لا شريك له في هذه الصفات والأفعال؛ فهو – سبحانه – أيضًا وَحْدَهُ المتفرد بالتشريع، والتحليل، والتحريم، فالدين لا يكون إلا ما شَرَعَهُ الله – تعالى – وليس لأحد أن يُشَرّع شيئًا لم يشرِّعه الله – تعالى – ولا رسوله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ-.
فالتشريع الذي هو تحليل وتحريم حَقٌّ خالصٌ لله وحده لا شريك له، مَنْ نازعه في شيء منه، معتقدا أن هذا جائز له بعد العلم بتحريم ذلك؛ فهو مُشْرِكٌ؛ لقوله – تعالى -: [ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ] {الشورى:21}.
ويقول الحافظ العماد ابن كثير – رَحِمَهُ اللهُ – في تفسير هذه الآية: «أي هم لا يَتَّبِعُون ما شَرَعَ الله لك من الدين القويم، بل يَتَّبِعُون ما شَرَعَ لهم شياطينُهُم من الجن والإنس من تحريم ما حرّموا عليهم من البَحِيرة، والسَّائِبةَ، والوَصِيلةَ، والحَامِ، وتحليلِ أَكْلِ الميتة والدم، والقمارِ، إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة، التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم من التحليل والتحريم، والعبادات الباطلة، والأموال الفاسدة» اهـ([28])
وسمّى الله – تعالى – الذين يُطَاعُون فيما زَيَّنُوا لأتَبْاعهم من المعاصي شركاء، فقال – سبحانه -: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ] {الأنعام:137}.
وقال – عَزَّ وَجَلَّ -: [ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ] {التوبة:31}.
فهؤلاء الأحبارُ والرهبانُ الذين شَرعَوا غير تشريعِ الله – تعالى – كفّار، لا شَكَّ في كُفْرِهم؛ لأنهم نازعوا الله -تبارك وتعالى – في ربوبيته، وبدّلوا دِينَ الله وشَرْعَهُ؛ ليكون شرعهم عامًّا في أتباعهم، يرَضَوْن به، وينفقون عليه.
وإذا كانتْ متابعةُ أحكام المُشَرِّعين غيرَ ما شَرَعَه الله تُعَدُّ شِرْكًا، وقد حَكَم الله على هؤلاء الأَتْباع بالشرك، كما قال – سبحانه – [ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ] {الأنعام:121}؛ فكيف يكون حالُ هؤلاء المُشَرِّعين؟!
ويقول – عَزَّ وَجَلَّ -: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ] {التوبة:37}.
قال أبو محمد ابن حزم – رَحِمَهُ اللهُ – عن هذه الآية: «وبِحُكْمِ اللغة التي نَزَلَ بها القرآنُ: إن الزيادة في الشيء لا تكون أَلْبَتَّة إلا منه لا من غيره، فصحّ أن النَّسِيءَ كُفْر، وهو عَمَلٌ من الأعمال، وهو تَحْلِيلُ ما حرّم الله».([29])
🕮 🕮 🕮
الصورة الثالثة
الصورة الثالثة من صُور الحكم بغير ما أنزل الله، المكفِّر كفرًا أكبر: الجُحُودُ لحكم الله
- الصورة الثالثة من صُور الحكم بغير ما أنزل الله، المكفِّر كفرًا أكبر: الجُحُودُ لحكم الله -جل شأنه-.
صورتها: أن يَحْكُم بغير ما أنزل الله جاحدًا حُكْمَ الله، فلا يُقرُّ بأن هذا هو حكم الله بعد علمه وتيقُّنه بأن الله – جل وعلا- قد أنزله وقضى به، أو ينْكر أن هذا هو حكم الله بعد عِلْمه به.
حُكْمُها: اتفقوا على أن هذه الحالة مُكَفِّرَةٌ الكُفْرَ الأكبر.
ودليل ذلك أمران:
الأمر الأول: اتفاقُ أهل السنة على كُفْر مَنْ جَحَدَ شيئًا معلومًا بالضرورة مِن دين الله، أو يجحد واجبًا شرعيًا بعد العلم بأن الله -جل شأنه- قد أوجبه على عباده.
قال الإمام ابن بطة – رَحِمَهُ اللهُ –: «فكل من تَرَكَ شيئًا من الفرائض التي فرضها الله في كتابه، أو أكَّدها رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ- في سننه، على سبيل الجحود لها، والتكذيب بها -؛ فهو كافرٌ بَيِّنُ الكفر…». اهـ([30])
وقال القاضي عياض – رَحِمَهُ اللهُ –:»... وكذلك نقطع بتكفير كل من كَذَّبَ وأنكر قاعدة من قواعد الشرع وما تواتر، كمن أنكر وجوب الصلوات الخمس». اهـ([31])
وقال الإمام ابن قدامة – رَحِمَهُ اللهُ – في حق جاحد فريضة الصلاة: «وأما إذا كان الجاحد لها ناشئًا في الأمصار بين أهل العلم؛ فإنه يَكْفُر بمجرد جَحْدها».
✍ قلت: أي من جحد عن علم ومعرفة؛ لكونه نَشَأَ في الأمصار التي يشتهر فيها العلم بذلك، وليس في البوادي التي قد يخفى فيها كثيرٌ من الأصول -فضلًا عن الفروع والأحكام- والله أعلم.
إلى أن قال – رَحِمَهُ اللهُ -: «ومن اعتقد حِلَّ شيءٍ أُجِمْعَ على تحريمه، وظَهَر حُكْمُهُ بين المسلمين، وزالَتْ الشبهةُ فيه؛ للنصوص الواردة فيه: كلحْمِ الخنزير، والزنا، وأشباه هذا مما لا خلاف فيه؛ كَفَرَ لما ذكرنا في تارك الصلاة، وإن اسْتَحَلَّ قَتْلَ المعصومين، وأَخْذَ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل؛ فكذلك…». اهـ([32])
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله جميعًا-: «وأما استحلالُ المحرمات المُجْمَعِ على حُرمتها، أو بالعكس؛ فهو كُفْرٌ اعتقاديٌّ؛ لأنه لا يجحد تحليلَ ما أَحَلَّ اللهُ ورسولُه، أو تحريمَ ما حَرَّمَ اللهُ ورسولُه إلا معاند للإسلام، ممتنع من التزام الأحكام، غير قابل للكتاب والسنة وإجماع الأمة…». اهـ([33])
وقال الملا علي القاري الحنفي – رَحِمَهُ اللهُ –: «وفي جواهر الفقه: مَنْ جَحَدَ فرضًا مُجْمَعًا عليه: كالصوم، والصلاة، والزكاة، والغُسْل من الجنابة؛ كَفَرَ، قلت: وفي معناه: من أَنْكَر حُرْمَة مُحَرَّمٍ مُجْمَعٍ عليه: كشُرب الخمر، والزنا، وقَتْل النفس، وأَكْلِ مال اليتيم، والرِّبا». اهـ([34])
وقال القاضي الشوكاني – رَحِمَهُ اللهُ – في «الدواء العاجل»: «وقد تقرر في القواعد الإسلامية: أن مُنْكِرَ القَطْعِيِّ أو جاحِدَهُ، والعاملَ على خلافه: تمردًا، وعنادًا، أو استحلالًا، أو استخفافًا؛ كافر بالله وبالشريعة المطهرة، التي اختارها الله تعالى لعباده». اهـ([35])
وقال العلامة ابن الوزير – رَحِمَهُ اللهُ –: «المتواتر نوعان:
أحدهما: ما عَلِمَهُ العامَّةُ مع الخاصَّةِ؛ فَيَكْفُرُ جَاحِدُهُ…
الثاني: ما لا يَعْرِفُ تواتُرَهُ إلا الخاصَّةُ؛ فلا يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّه». اهـ([36])
وقال العلامة ابن سحمان – رَحِمَهُ اللهُ –: «لا خلاف بين العلماء: أن الإنسان إذا صَدَّقَ الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في شيءٍ، وكَذَّبَهُ في شيءٍ؛ لم يَدْخُلِ الإسلام، كمن جَحَدَ فريضةً أو واجبًا…». اهـ([37])
وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – رَحِمَهُ اللهُ –: «وهكذا الحكم في حـق من جَحَدَ شيئًا مما أوجبـه الله… فإنه كافر مُرْتَدٌّ عن الإسلام… بإجماع أهل العلم». اهـ([38])
الأمر الثاني من الأدلة على كفر من جحد حُكم الله: اتفاقُ أهل السنة على كُفْر من جَحَدَ وجوب الحكم بما أنزل الله.
وقد حَكَى هذا الإجماعَ جَمْعٌ كثيرٌ من أهل العلم:
* فمن ذلك ما قاله أبو يعلى: «ومن اعتقد تحليل ما حرّم الله بالنص الصريح، أو مِنْ رسولِهِ، أو أَجْمَعَ المسلمون على تحريمه؛ فهو كافر: كمن أباح شُرْبَ الخمر، ومَنَعَ الصلاةَ والصيام والزكاة، وكذلك من اعتقد تحريم شيء حلّله الله وأباحه بالنص الصريح، أو أباحه رسولُهُ، أو المسلمون مع العلم بذلك؛ فهو كافرٌ: كمن حرّم النكاح، والبيع، والشراء على الوجه الذي أباحه الله – عَزَّ وَجَلَّ – والوَجْهُ فيه: أن في ذلك تكذيبًا لله – تعالى – ولرسوله في خَبَرِهِ، وتكذيبًا للمسلمين في خبرهم، ومَنْ فَعَلَ ذلك؛ فهو كافرٌ بإجماع المسلمين». اهـ([39])
* ويقول العلامة الأمين الشنقيطي – رَحِمَهُ اللهُ –: «ومن لم يَحْكُم بما أنزل الله؛ مُعَارَضَةً للرسل، أو إبطالًا لأحكام الله؛ فَظُلْمُهُ، وفِسْقُهُ، وكُفْرُهُ، كلُّها مُخْرِجَةٌ عن الملة». اهـ([40])
وقال سماحة الشيخ محمـد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمهم الله جميعا- في هذه الحالة: «وهـذا ما لا نزاع فيه بين أهل العلم… فإنه كَافِرٌ الكُفْرَ الناقلَ عن الملة». اهـ([41])
* ويُستأنس لذلك بما جاء في رواية لابن عباس – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا – في قوله – تعالى – [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44} حيث قال: «من جَحَدَ ما أنزل الله؛ فقد كَفَرْ» وهو اختيار ابن جرير في «تفسيره».
إلا أنه عندما ساق ابن القيم أقوال العلماء في تأويل الآية، كان مما قال في هذا الشأن:
«ومنهم من تأوّل الآية على ترك الحكم بما أنزل الله جاحدًا له، وهو قول عكرمة، وهو تأويل مرجوح، فإن نَفْسَ جُحُودِه كُفْرٌ، سواء حَكَمَ به أو لم يَحْكُم». اهـ
(تنبيه):
ولا يغيب عنّا أن هذا الجحود في حَدِّ ذاته يُعَدُّ كُفْرًا، ولو لم يكن معه تحكيمٌ لغير الشريعة، فالجاحدُ كافرٌ: شَرَّعَ مَن دون الله – تعالى – أو لم يُشَرّعْ.
(تنبيه آخر):
الجُحودُ أمرٌ قلبيٌّ؛ وذلك أن حقيقته: أن ينكر الشيءَ، فيُكَذِّب به بظاهرِه، مع الإقرار به في باطنه، قال تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ] {النمل:14}، فدلت الآية على أن الجاحد من يعتقد في قلبه خلاف ما جحده بظاهرِه، ومنه قوله تعالى: [ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ] {الأنعام:33}، فنفى عنهم التكذيب بقلوبهم، وأثبت الجحود، مما يدل على الفرق بين التكذيب والجحود، فكثيرٌ مِن كفارِ قريشٍ كانوا يكذبِّون رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ- ظاهرًا بألسنتهم، ويرمونه بالكذب والسحر… إلخ، لكنهم في قَرَارَةِ أَنْفُسِهِم يعلمون أنه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ- صادقٌ، لكن الحسد ونحوه حملهم على التكذيب باللسان.
قال الراغب الأصفهاني – رَحِمَهُ اللهُ -: «الجحود: نَفْيُ ما في القلـب إثباتُهُ، وإثباتُ ما في القلب نَفْيُهُ». اهـ([42])
وقال الفيروز آبادي – رَحِمَهُ اللهُ -: «جَحَدَهُ:… أَنْكَرَهُ مع عِلْمِهِ». اهـ([43])
🕮 🕮 🕮
الصورة الرابعة
الصورة الرابعة من صُوَر الحكم بغير ما أنزل الله المكفِّر: التكذيب
- الصورة الرابعة من صُوَر الحكم بغير ما أنزل الله المكفِّر: التكذيب.
صورتُها: أن يَحْكُم بغير ما أنزل الله مُكَذِّبًا حُكْم الله.
والمراد بالتكذيب: نفيُ ما أَثْبَتَهُ الله ورسوله ظاهرًا وباطنًا، أي بلسانه وقلبه.
حُكْمُها: اتفقوا على أن هذه الحالة مُكَفِّرَةٌ الكُفْرَ الأكبر.
دليل ذلك: اتفاقُ أهل السنة على كُفْر من كذَّب اللهَ ورسولَه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ -: «وَنُصُوصُ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُصَدِّقِينَ بِالرَّبِّ، حَتَّى فِرْعَوْنُ الَّذِي أَظْهَرَ التَّكْذِيبَ كَانَ فِي بَاطِنِهِ مُصَدِّقًا، قَالَ تَعَالَى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ] {النمل:14}، وَكَمَا قَالَ مُوسَى لِفِرْعَوْنَ: [ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ] {الإسراء:102}، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا؛ بَلْ قَالَ مُوسَى: [ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ] {يونس:88} قَالَ اللَّهُ: [ﭒ ﭓ ﭔ] {يونس:89}، وَلَمَّا قَالَ فِرْعَوْنُ: [ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ] {يونس:90}. قَالَ اللَّهُ: [ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ] {يونس:91}. فَوَصَفَهُ بِالْمَعْصِيَةِ وَلَمْ يَصِفْهُ بِعَدَمِ الْعِلْمِ فِي الْبَاطِنِ كَمَا قَالَ: [ﯝ ﯞ ﯟ ] {المزمل:16} وَكَمَا قَالَ عَنْ إبْلِيسَ: [ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ] {ص:73-74} فَلَمْ يَصِفْهُ إلَّا بِالْإِبَاءِ وَالِاسْتِكْبَارِ وَمُعَارَضَتِهِ الْأَمْرَ، ولَمْ يَصِفْهُ بِعَدَمِ الْعِلْمِ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ الْكُفَّارِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُمْ كَانُوا مُعْتَرِفِينَ بِالصَّانِعِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: [ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ] {الزخرف:87}. ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: إذَا قُلْتُمْ: هُوَ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ أَوْ بِاللِّسَانِ أَوْ بِهِمَا؛ فَهَلْ هُوَ التَّصْدِيقُ الْمُجْمَلُ؟ أَوْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ؟ فَلَوْ صَدَّقَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَلَمْ يَعْرِفْ صِفَاتِ الْحَقِّ، هَلْ يَكُونُ مُؤْمِنًا أَمْ لَا؟ فَإِنْ جَعَلُوهُ مُؤْمِنًا؛ قِيلَ: فَإِذَا بَلَغَهُ ذَلِكَ فَكَذَّبَ بِهِ؛ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ». اهـ([44])
وقال – رَحِمَهُ اللهُ -: «فكل مُكَذِّبٍ لما جاءت به الرسل؛ فهو كافرٌ». اهـ([45])
(تنبيهات):
1 – يَكْفُر في هذه الحالة، ولو لم يَحْكُم بغير ما أنزل الله، ما دام مُكَذِّبًا لحُكْم الله تعالى.
2 – الفرق بين الجحود والتكذيب:
قال الله تعالى:[ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ] {الأنعام:33}، فنَفَى الله عنهم تكذيبهم النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ- في الباطن، وأثبت الجُحُودَ الظاهر في حقهم، مما دل على تغايرهما.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ – حول هذه الآية: «فنفى عنهم التكذيب، وأثبت الجحود، ومعلوم أن التكذيب باللسان لم يكن مُنْتَفِيًا عنهم، فَعُلِمَ أنه نَفَى عنهم تَكْذِيب القلب، ولو كان المكذِّبُ الجاحدُ مع علمه يقوم بقلبه خَبَرٌ نفساني؛ لكانوا مُكَذِّبِين بقلوبهم، فلما نفى عنهم القلوب؛ عُلِمَ أن الجحود الذي هو ضَرْبٌ من الكذبِ، والتكذيبِ بالحق معلومٌ، ليس هو كَذِبًا في النفس، ولا تكذيبَ فيها…». اهـ([46])
إذًا يمكن أن يقال: إن التكذيب أَعَمُّ من الجحود؛ إذ الجحود يكون في اللسان، والتكذيب يكون في القلب واللسان والعمل، ويمكن أن يقال أيضًا: كُلُّ جُحُودٍ تَكْذِيبٌ، وليس كل تَكْذِيبٍ جحودًا.
ولذلك يُفَرِّق بعضُ العلماء بين كُفْر التكذيب، وكفر الجحود؛ فقد قال الشيخ حافظ حَكَمي – رَحِمَهُ اللهُ -: «أنواع الكفر لا تَخْرُجُ عن أربعة: كُفْرِ جَهْلٍ وتكذيبٍ، وكُفْرِ جحودٍ، وكُفْرِ عنادٍ واسْتِكْبَارٍ، وكُفْرِ نِفَاقٍ»… إلى أن قال – رَحِمَهُ اللهُ -: «… وإن انتفى تصديقُ القلب مع عَدَمِ العلم بالحق؛ فَكُفْرُ الجهلِ والتكذيب، قال الله تعالى: [ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ …] {يونس:39}.
وإن كَتَمَ الحَقَّ مع العلم بِصِدْقِهِ؛ فَكُفْرُ الجحود والكتمان، قال الله -تعالى-: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ] {النمل:14}». اهـ([47])
ومن الفروق التي يذكرها بعض العلماء بين الجُحود والتكذيب: أن الجحود يقترن بالعناد في كثير من الأحيان.
قال الخفاجي – رَحِمَهُ اللهُ -: «الفرق بين التكذيب والجحد: أن الأول مُطْلَقُ الإنكار، والثاني: الإنكارُ لما يَعْلَمُ حقيقته عنادًا». اهـ([48])
وذكر الإمام ابن القيم – رَحِمَهُ اللهُ – من أنواع الكفر: «كُفْرُ جحودٍ وعنادٍ وقَصْدِ مُخَالفةِ الحق.. وغالبُ ما يقع هذا النوعُ فيمن له رياسة عِلْمِيَّة في قومه من الكفار، أو رياسة سلطانية..». اهـ([49])
3 – التكذيبُ أَمْرٌ قَلْبِي أيضًا؛ وذلك أن حقيقته: أن يُكَذِّبَ الشيءَ بظاهره، أو بلسانه، ويَعْتَقِدَ كَذِبَهُ في باطنه.
قال الإمام ابن القيم – رَحِمَهُ اللهُ -: «فأما كُفْرُ التكذيب: فهو اعتقادُ كَذِبِ الرُّسُلِ». اهـ([50])
🕮 🕮 🕮
الصورة الخامسة
- الصورة الخامسة: التفضيل لحكم غير الله على حكم الله تعالى
- الصورة الخامسة من الحُكْم بغيرِ ما أنزل الله المُكَفِّر: التفضيل لحكم غير الله على حكم الله تعالى.
صورتها: أن يَحْكُم بغير ما أنزل الله معتقدًا أو مصرِّحا بلسانه أنَّ حُكْمَ غيرِ اللهِ أَفْضَلُ من حُكْم الله.
فَيُفَضِّل حُكْم الطاغوت على حُكْم الله – تعالى – سواء كان هذا التفضيل مُطْلَقًا، أو مُقَيَّدًا في بعض المسائل.
حُكْمُها: اتفقوا على أن هذه الحالة مُكَفِّرَةٌ الكُفْر الأكبر، بل هي أشد من كفر الاستحلال والتجويز.
وذلك أن معتقد هذا مُكَذِّبٌ لقول الله -عَزَّ وَجَلَّ-: [ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ] {المائدة:50}، أي: لا أحد أحسنُ من الله حكمًا.
* وقد ذكر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب – رَحِمَهُ اللهُ – هذه الحالة ضمن نواقض الإسلام، فقال:
«من اعتقد أن غير هَدْي النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَكْمَلُ من هَدْيِهِ، أو أن حُكْمَ غيرهِ أَحْسَنُ مِن حُكْمِهِ، كالذي يُفَضِّلُ حُكْم الطواغيت على حُكْمِه؛ فهو كافر». اهـ([51])
* ويقول سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمهم الله-: «من اعتقد أن حُكْمَ غير الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَحْسَنُ مِنْ حُكْمِهِ، وأَتَمُّ، وأَشْمَلُ لما يحتاجه الناسُ من الحكم بينهم عند التنازع: إما مطلقًا، أو بالنسبة إلى ما اسْتَجَدَّ من الحوادث التي نَشَأَتْ عن تَطَوُّرِ الزمان، وتَغَيُّرِ الأحوال؛ فلا رَيْبَ أنه كُفْر؛ لتفضيله أحكامَ المخلوقين التي هي مَحْضُ زُبَالَةِ الأَذْهان، وصِرْفُ نُحَاتَةِ الأفكار على حُكْم الحكيم الحميد». اهـ([52])
* وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – رَحِمَهُ اللهُ –: «مَنْ حَكَمَ بغيرِ ما أنزل الله، يَرَى ذلك أَحْسَنَ مِنْ شَرْعِ الله؛ فهو كافرٌ عند جميع المسلمين». اهـ([53])
وقد قام التتار – بعد إسقاطهم لدولة الخلافة العباسية – بإظهار هذا الكفر، وذلك بتقديم حكم (الياسق) وفَرْضِهِ على المسلمين، ونَبْذِ حُكْمِ الله – تعالى – وقد أشار الحافظ العماد ابن كثير – رَحِمَهُ اللهُ – إلى هذا الواقع عند تفسيره لقوله – تعالى -: [ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ] {المائدة:50}.
فقال الحافظ ابن كثير – رَحِمَهُ اللهُ -: «ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المُحْكَمِ المشتمل على كلِّ خيرٍ، الناهي عن كل شَرٍّ وعدلٍ إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثيرٌ من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا مُتَّبَعًا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فمن فعل ذلك منهم فهو كافرٌ، يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليلٍ ولا كثيرٍ». اهـ([54])
* ويتحدث إسماعيل الأزهري([55]) عما يَزْعُمُهُ مَنْ لا خَلَاقَ لهم، ممن يَتَّهِمون هذه الشريعةَ الكاملةَ بالنقص، فكان مما قاله: «ومن ظنّ أن هذه الشريعةَ الكاملةَ -التي ما طَرَق العالَمَ شريعةٌ أَكْمَلُ منها- ناقصةٌ، تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تُكَمِّلُهَا؛ فهو كَمَنْ ظَنَّ أن بالناس حاجةً إلى رسولٍ آخرَ غيرِ رسولهِمِ، الذي يُحِلُّ لهم الطيباتِ، ويُحَرِّمُ عليهم الخبائثَ.
وكذلك مَنْ ظَنَّ أن شيئًا من أحكام الكتاب والسنة النبوية الثابتة الصحيحة بخلاف السياسة والمصلحة التي يقتضيها نظام الدنيا؛ فهو كافر قَطْعًا». اهـ([56])
* ويقول سماحة الشيخِ محمد بن إبراهيم آل الشيخ – رَحِمَهُ اللهُ – في هذا الشأن: «وحُكْمُ الله ورسوله لا يختلف في ذاته باختلاف الأزمان، وتَطَوُّرِ الأحوال، وتَجَدُّدِ الحوادث؛ فإنه ما من قضية كائنة ما كانتْ إلا وحُكْمُها في كتاب الله – تعالى – وسنة رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَصًّا، أو ظاهرًا، أو استنباطًا، أو غير ذلك، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ». اهـ([57])
* ويقول العلامة الأمين الشنقيطي – رَحِمَهُ اللهُ –: «وأما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السموات والأرض؛ فتحكيمُهُ كُفْرٌ بخالق السموات والأرض، كدعوى أن تفضيل الذَّكَرِ على الأنثى في الميراث؛ ليس بإنصاف، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث، والدعوى أن تَعَدُّدَ الزوجات ظُلْمٌ، وأن الطلاق ظُلْمٌ للمرأة، وأن الرَّجْمَ والقَطْعَ ونحوهما أعمالٌ وَحْشِيَّةٌ، لا يسوغ فِعْلُها بالإنسان، ونحو ذلك.
فتحكيمُ هذا النوعِ من النظام في أَنْفُسِ المجتمع، وأموالهم، وأعراضهم، وأنسابهم، وعقولهم، وأديانهم؛ كُفْرٌ بخالق السموات والأرض، وتمرّدٌ على نظام السماء، الذي وَضَعَهُ من خَلَقَ الخلائقَ كُلَّهَا، وهو أَعْلَم بمصالحها، سبحانه وتعالى أن يكون معه مُشَرِّعٌ آخَرُ عُلُوًّا كبيرًا». اهـ([58])
* ومما يُلْحَقُ بمسألة تفضيل حُكْمِ الجاهلية على حُكْمِ الله – تعالى -: من لم يَحْكُم بما أنزل الله – تعالى- اسْتِخْفَافًا واسْتِهَانَةً بحُكْمِ الله تعالى، واحْتِقَارًا له، فمن وَقَعَ في ذلك؛ فقد خَرَجَ عن الملة؛ لأن ذلك اسْتِهْزَاءٌ بدين الله – تعالى – ومِنْ ثَمَّ؛ فهِيَ رِدَّةٌ عن الإسلام، كما هو ظاهِرٌ في النصوص الآتية:
– يقول -سبحانه وتعالى -: [ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ] {التوبة:65-66}.
* قال الفخر الرازي – رَحِمَهُ اللهُ –: «إن الاستهزاء بالدين كيف كان كُفْرٌ بالله، وذلك لأن الاستهزاء يَدُلُّ على اسْتِخْفاَفٍ، والعُمْدَةُ الكبرى في الإيمان: تعظيمُ الله بأَقْصَى الإمكانِ، والجَمْعُ بينهما -أي بين الاستخفاف والتعظيم- مُحَالٌ». اهـ([59])
– ويقول -تبارك وتعالى -: [ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ] {التوبة:12}.
* يقول القرطبي – رَحِمَهُ اللهُ – في تفسير هذه الآية: «اسْتَدَلَّ بعضُ العلماء بهذه الآية على وجوب قَتْلِ كُلِّ مَنْ طَعَنَ في الدين؛ إذْ هو كافر، والطعْنُ أن يَنْسُبَ إليه ما لا يَليق به، أو يَعْتَرِضَ بالاستخفاف على ما هو من الدين؛ لما ثَبَتَ من الدليل القطعي على صِحَّةِ أُصوله، واستقامة فُروعه». اهـ([60])
* ويقول ابن أبي العز الحنفي – رَحِمَهُ اللهُ –: «إن اعتقاد أن الحكم بما أنزل الله غَيْرُ واجبٍ، وأنه مُخَيَّرٌ فيه، أو اسْتَهَانَ به مع تَيَقُّنِهِ أنه حُكْم الله؛ فهذا كُفْرٌ أَكْبَرُ». اهـ([61])
* ومما قاله البيضاوي – رَحِمَهُ اللهُ – عند تفسيره لقوله – تعالى -: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44}: «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مُسْتَهِينًا به، مُنْكِرًا له؛ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ؛ لاستهانتهم به، وتَمَرُّدِهِم بأن حَكَمُوا بغيره». اهـ([62])
(تنبيه):
يَكْفُر في هذه الحالة ولو لم يَحْكُم بغير ما أنزل الله، ما دام يعتقد أن حُكْمَ غير الله تعالى أَفْضَلُ من حُكْم الله تعالى، أو أن في حُكْمِ الله -جل وعلا-قصورا، أو ظلما، أو لا يليق بزماننا، أو لا يصلح للمجتمعات المتحضرة، إنما يصلح للمجتمع البدوي… ونحو ذلك.
🕮 🕮 🕮
الصورةُ السادسةُ
الصورةُ السادسةُ: التصريحُ بالمساواة بين الحكم بما أنزل الله والحكم بغير ما أنزل الله
- الصورةُ السادسةُ من صُور الكفر الأكبر بسبب الحُكْم بغيرِ ما أنزل الله: التصريحُ بالمساواة بين الحكم بما أنزل الله -جل شأنه- والحكم بغير ما أنزل الله.
وصورتها: أن يَحْكُم بغير ما أنزل الله معتقدًا تساوي حُكْمِ غير الله مع حُكْمِ الله -جل وعلا- أو يُصرح بالمساواة بينهما، ولا أفضلية لحكم الله
-جل وعلا- على حُكم غيره، وإن لم يحْكم بغير ما أنزل الله -جل جلالُه-.
حُكْمُها: اتفقوا على أن هذه الحالة مُكَفِّرَةٌ الكُفْرَ الأَكْبَر.
فمن ساوى بين حُكْم الله – تعالى – وبين حُكْم الطاغوت، واعتقد التماثُلَ بينهما؛ فهذا كُفْرٌ ناقِلٌ عن الملة؛ لما يقتضيه ذلك من تسويةِ المخلوقِ بالخالق، والمناقضةِ والمعاندةِ لقوله – تعالى -: [ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ] {الشورى:11}، وعدم الإقرار بقوله -جل ثناؤه-: [ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ] {المائدة:50}، ولقوله – عَزَّ وَجَلَّ – [ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ] {البقرة:22}.
فدعْوى المساواةِ بين الحُكْم الإلهي والحُكْم الوَضْعِي تَنَقُّصٌ للرب
– جل جلاله – وغُلُوٌّ وطُغْيانٌ في أحكام البشر، وشِرْكٌ بالله -سبحانه وتعالى – لما في هذه المساواة من اتخاذ الأنداد مع الله – تعالى – والله
– تعالى – يقول: [ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ] {النحل:74}.
* قال الحافظ العماد ابن كثير – رَحِمَهُ اللهُ – في تفسير هذه الآية: «أي لا تَجْعَلُوا له أندادًا، وأشباهًا، وأمثالًا، [ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ] {النحل:74} أي أنه يَعْلَمُ، ويَشْهَدُ أنه لا إله إلا هو، وأنتم بجهلكم تُشْرِكون به غيره». ([63])
ويقول – تبارك وتعالى -: [ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ] {البقرة:165}، فمن أَحَبّ مَنْ دونَ الله شيئًا، كما يحبّ اللهَ-سبحانه وتعالى -؛ فهو ممن اتَّخَذَ من دون الله أندادًا، فهذا نِدٌّ في المحبة، لا في الخَلْق والربوبية، فإن أحدًا من أهل الأرض لم يُثْبِتْ هذا النِّدَّ، وإذا كان الأمر كذلك؛ فلا أَضَلَّ، ولا أَسْوَأَ حالًا ومآلًا من هؤلاء الذين ساوَوْا بين حُكْم الله – تعالى – الذي لا مُعَقّب لحُكْمه، وبين حُكْم البشر العاجِزِين القاصِرِين.
* ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ –: «مَنْ طَلَبَ أَنْ يُطاع مع الله؛ فهذا يريد من الناس أن يتخذوا من دون الله أندادًا، يُحِبُّونَهم كَحُبِّ الله، والله – سبحانه – أَمَرَ أن لا يُعْبَدَ إلا إيّاه، وأن لا يكون الدين إلا له».([64])
وأَخْبَرَ – تعالى – عن أهل النار أنهم يقولون وهم في النار لآلهتهم: [ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ] {الشعراء:97-98}.
* ويقول الإمام ابن القيم – رَحِمَهُ اللهُ – عن هذه الآية: «ومعلوم أنهم ما سَوَّوْهُم به – سبحانه – في الخَلْق، والرزق، والإماتة، والإحياء، والملك، والقدرة، وإنما سَوَّوْهُم به في الحُبِّ، والتَأَلُّهِ، والخُضُوعِ لهم، والتَّذَلُّلِ، وهذا غايةُ الجهلِ والظلمِ؛ فكيف يُسَوِّى مَنْ خُلق من تُرابٍ بربِّ الأرباب؟! وكيف يُسَوِّى العبيد بمالِكِ الرقاب؟ وكيف يُسَوِّى الفقيرَ بالذات، الضعيفَ بالذات، العاجزَ بالذات، المحتاجَ بالذات، الذي ليس له من ذاته إلا العَدَمُ، بالغَنِيِّ بالذاتِ، القادرِ بالذاتِ، الذي غِنَاهُ، وقُدْرَتُهُ، ومُلْكُهُ، وجُودُهُ، وإِحْسَانُهُ، وعِلْمُهُ، ورَحْمَتُهُ، وكَمَالُهُ المُطْلَقُ التَّامُّ من لوازم ذاته؟ فَأَيُّ ظُلْمٍ أَقْبَحُ من هذا؟ وأَيُّ حُكْمٍ أَشَدُّ جَوْرًا منه؟!». ([65])
* وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – رَحِمَهُ اللهُ – مُعَلِّقًا على الناقض الرابع من نواقض الإسلام:
«ويَدْخُلُ في القِسْم الرابع: مَنِ اعْتَقَدَ أن الأنظمةَ والقوانينَ التي يَسُنُّها الناسُ أفضلُ من شريعة الإسلام، أو أنها مُسَاوِيةٌ لها، أو أنه يَجُوز التحاكُمُ إليها…»([66]).
(تنبيه):
يَكْفُر في هذه الحالة، ولو لم يَحْكُم بغير ما أنزل الله؛ ما دام يعتقد مساواةَ حُكْمِ غيرِ الله تعالى مع حُكْمِ الله تعالى.
🕮 🕮 🕮
الصورة السابعة
- الصورة السابعة من صُور الحُكْم بغيرِ ما أنزل الله المُكَفِّر: التبديلُ
- الصورة السابعة من صُور الحُكْم بغيرِ ما أنزل الله المُكَفِّر: التبديلُ.
وصورتُها: أن يَحْكُم بغير ما أنزل الله تعالى، ويَزْعُم أن ما حَكَمَ به هو حُكْمُ الله، وليس المراد بالتبديل مجرد الحكم بغير ما أنزل الله، فالحكم بغير ما أنزل الله منه المكفِّر، ومنه المفَسِّق فقط، بخلاف «التبديل» فهو بالمعنى السابق مُكَفِّر وإن قَلَّ.
وحُكْمُها: أنهم اتفقوا على أن هذه الحالة مُكَفِّرَةٌ الكُفْرَ الأَكْبَرَ.
ودليل ذلك: الإجماعُ.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ –:
«والإنسان متى حَلَّلَ الحرامَ المُجْمَعَ عليه، أو حَرَّمَ الحلالَ المُجْمَعَ عليه، أو بَدَّلَ الشَّرْع المُجْمَعَ عليه؛ كان كافرًا مرتدًا باتفاق الفقهاء». اهـ([67])
والكُفْر في هذه الحالة له تَعَلُّقٌ بحالة الجحود؛ فإن نِسْبَتَه حُكْمَه إلى حُكْم الله تعالى تَتَضَمَّنُ جَحْدَهُ حُكْم الله تعالى، الذي تَرَكَهُ عن علم وبصيرة.
ويكون الحاكم كافرًا في هذه الحالة، ولو بَدَّل في مسألةٍ واحدة، أو مَرَّةً واحدةً، فلا عبرة بالعدد؛ لأن الإجماع لم يُقيَّد بذلك، ولا يَصِحُّ تقييدُ الدليل بلا دليل.
* قال القرطبي – رَحِمَهُ اللهُ –: «إنْ حَكَمَ بما عنده على أنه من عند الله ــ تعالى ــ فهو تَبْدِيلٌ له يُوجِبُ الكُفْر». اهـ([68])
(فائدة):
يُخْطِئُ من يَظُنُّ أن التبديلَ لا يَلْزَمْ فيه نِسْبَةُ الحُكْم البشري لله -جل وعلا- أو للدِّين، ويرى أنه هو مجرد الحكم بغير ما أنزل الله، وبيان ذلك من أربعة أوجه:
الوجه الأول: قال ابن العربي – ونَقَلَهُ الشنقيطيُّ عن القرطبيِّ مُقرًّا له رحمهم الله جميعًا-: «إنْ حَكَم بما عنده على أنه من عند الله؛ فهو تَبْدِيلٌ له يُوجِبُ الكُفْر». اهـ([69])
الوجه الثاني: قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ –: «الشرعُ المبدَّل: وهو الكَذِبُ على الله ورسوله، أو على الناس بشهادات الزور ونحوها، والظُّلْمِ البيِّنِ، فمن قال: «إن هذا مِن شَرْعِ الله؛ فقد كَفَرَ بلا نزاع». اهـ([70])
الوجه الثالث: لو كان التغييرُ المجرَّدُ هو التبديلُ؛ للَزِم من هذا تعارُضُ إجماعَيْن:
1- الإجماعُ على كُفْرِ المُبَدِّل، وهو إجماعٌ مُطْلَقٌ لا قَيْدَ فيه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ -:
«والإنسانُ متى حَلَّلَ الحرامَ المُجْمَعَ عليه، أو حَرَّمَ الحلالَ المُجْمَعَ عليه، أو بَدَّل الشَّرْع المُجْمَعَ عليه؛ كان كافرًا مرتدًا باتفاق الفقهاء». اهـ([71])
وقوله – رَحِمَهُ اللهُ – «أو بدَّل الشرع المجمع عليه…» يدل على التبديل غير تحليل الحرام وتحريم الحلال.
2- الإجماع على عَدَمِ كُفْر من جار في الحُكْم، فقد قال ابن عبد البر – رَحِمَهُ اللهُ -: «وأَجْمَعَ العلماءُ على أن الجَوْرَ في الحُكْم من الكبائر لمَن تَعَمَّد ذلك عَالمًا به». اهـ([72])
فَوَجَبَ القَول بأن صورة التبديل ليستْ استبدالًا مُجَرَّدًا؛ لإطلاقِهِم الإجماعَ على التكفير بالتبديل، مع إجماعهم على عدم التكفير بالجَوْر في الحكم، الذي هو اسْتِبْدَالٌ مُجَرَّدٌ بدون نِسْبَةِ الحكم المبدَّل للدين؛ فاحْفَظْ هذا؛ فإنه مُهِمٌّ.
الوجه الرابع، وله تَعَلُّقٌ بِمَا قَبْلَه: لو لم يكن التبديل غير الاستبدال؛ للزِم من هذا تكفير أصحاب الذنوب الذين يُقرِّون بحرمتها، كحالق اللحية، ومُسْبِل الإزار خُيَلاء؛ لأن كل واحد منهم قد قام بالاستبدال من حيث واقعه العملي؛ حيث أَبْدَلَ حُكْمَ الله -بعمله المخالف للشرع- بحكم هواه، مع إقراره بحرمة ذلك.
قال أبو محمد ابن حزم – رَحِمَهُ اللهُ -: «فإن الله -عَزَّ وَجَلَّ- قال: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44}، وقــال تعــالى: [ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ] {المائدة:45}، وقــال تعــالى: [ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ] {المائدة:47}؛ فلْيُلزَم المعتزلةَ أن يُصَرِّحُوا بِكُفْر كُلِّ عَاصٍ وظالمٍ وفاسقٍ؛ لأن كُلَّ عامِلٍ بالمعصية؛ فلم يَحْكُم بما أنزل الله».([73])
🕮 🕮 🕮













