(أهمية الأصول المُستمدة من الكتاب والسنة)
كان بعض هؤلاء الجهلة يضيق ذَرْعًا بالدعوة إلى الرجوع إلى الأصول والقواعد التي كان عليها السلف، ويقول: إيش هي الأصول، أصول، أصول؟! إيش هي الأصول؟ ثم يقول: الأصول كتاب وسنة فقط!! فيا لله العجب، فهل أصول السلف تخالف الكتاب والسنة؟ أليست هذه الأصول إذا فُصِّلَت وأُقيمت عليها الأدلة الناصعة القاطعة؛ فإنها تعين طالب العلم على الفهم الصحيح للكتاب والسنة؟ أليست كل علوم الإسلام مستنبطة من الكتاب والسنة؟ فلماذا هذا التجاهل والجفاء؟ وما معنى كلامكم -النظري-: كتاب وسنة على منهج سلف الأمة؟!
نعم، قد رأينا أثر إعراضكم عن الأصول والقواعد التي دَأَبَ أهلُ السنة على تعليم طلابهم إياها، رأينا الجرأة والجسارة -بلا علم ولا ورع- على الحكم على الآخرين بالكفر، والبدعة، والزندقة والضلال والخبث…، وغيرها من القبائح والموبقات!! كل هذا دون تقيُّدٍ بضوابط هذه الأبواب، بل يَضِيقُون ذَرْعًا ممن يدعوهم إلى الرجوع إلى هذه الضوابط!!
فالأمرُ كما يقول الله –سبحانه وتعالى-: [ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ] {يونس:39}، وكما يقول القائل: (من جهِل شيئًا عاداه)، فلما جهلوا أصول السلف؛ كَذَّبوا بها، ولما لم يحيطوا علمًا بقواعد هذه الدعوة؛ كَذَّبوا بها، و يا ليتهم جهلوا أصول السلف في أمرٍ هَيِّنٍ، إنما جهلوا أصول السلف في أمرٍ خطيرٍ، ألا وهو أَمْرُ الحكم على الناس بالكفر، والفسق، والبدعة، والزندقة، والضلالة، وإن كان بعضهم قد يتكلم بهذه الأصول ويدعوا إليها نظرياً، لكن حيث تكون له فيها مصلحة أو حجة، أو حيث يَظُنُّ أنها تنصُر قوله الذي شَذَّ به!! وهذا بلاءٌ آخر: إنه من التلاعب بدين الله -عز وجل- والبلاغ عن الله بحسب الأهواء والمواقف والمصالح، وبِئْسَتْ الخُلّةُ هذه!!
* وقد قال صاحب الفضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان -حفظه الله- مُبَيِّنًا خطورَةَ هذه الظاهرة الموجودة، وكلامه يدل على انحراف هذه الفرقة، فقد ذكر -حفظه الله- ذلك في أحد أعداد جريدة «الشرق الأوسط»([147])، وقد سئل عن ظاهرة التبديع والتفسيق والتكفير الموجودة في الناس، فقال
-حفظه الله-: «نعم، هذه الظاهرة موجودةٌ بين الشباب، وبين الجهلة بالإسلام من أبناء المسلمين، ويَحْمِلُهُم على ذلك حماسٌ زائفٌ، وغَيْرةٌ في غير موضعها؛ فتوسَّعُوا في باب التبديع، والتفسيق، والتكفير، وكان شُغْلُهم الشاغلُ جَمْعَ أخطاء المخالفين وإشهارَهَا في الناس، ونَشْرَها في الناس».
قلت: وهذا حال كثير من المخالفين حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّة وهذا لا يخْفى عن الناس!!
ثم قال -رحمه الله-: «هذا منهجُ فتنةٍ، هذا بوابةُ شَرٍّ على الأمة، نسأل الله أن يَقِيَ المسلمين شَرَّها».
* وقال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ـ حفظه الله ـ في موضع آخر: «أنا أقول: اتْرُكُوا الكلامَ في الناس، اتْرُكُوا الكلامَ في الناس: فلانٌ حِزْبِيٌّ، فلانٌ كذا.
اتْرُكُوا الكلامَ في الناس، ابْذُلُوا النصيحة، وادْعُوا الناسَ إلى اجتماع الكلمة، وإلى تَلَقِّي العلْمَ عن أهله، وإلى الدراسة الصحيحة، إما دراسة دينية -وهذه أحسن- أو دراسة دنيوية، تنَّفَعُ نَفْسَك وتَنْفَعُ مُجتمعَكَ، أما الاشتغالُ بالقِيلِ والقالِ: فلان مُخطئ، وفلان مُصيب، وفلان كذا … هذا هو الذي يَنْشُر الشَّرَّ، ويُفَرِّقُ الكلمة، ويُسَبِّبُ الفتنة.
إذا رأيتَ على أحدٍ خطأ؛ تناصِحُه بينك وبينه، ما تَجْلِس في مجلس تقول: فلان سَوَّى كذا، وفلان سَوَّى كذا، تُناصِحُه فيما بينك وبينه، هذه النصيحة، أما كلامُك في المجلس عن فلان؛ هذه لَيْسَتْ نصيحة، هذه فَضِيحَةٌ، هذه غِيبَةٌ، هذه شَرٌّ». اهـ.([148])
* قلت: فهل حال القوم الذين نردُّ عليهم إلا كذلك؟! فارْعَوُوا -يا هداكم الله- واعلموا أن من عرف حقيقة دعوتكم أنكرها وحذَّر منها، أما أن تَتَزَيَّنُوا للعلماء بالقيل والقال، وتزكيات ممن كان لا يعرف حقيقتكم، فلن ينفعكم هذا لا في الدنيا ولا في الآخرة، يقول تعالى: [ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ] {البقرة:235}.
وقال تعالى: [ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ] {آل عمران: 28-30}.
وقال -عز وجل-: [ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ] {آل عمران:167}.
* وقد قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ كلامًا يدل على فساد قول الغلاة المُسْرِفين، فقال -رحمه الله-:
«الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، النبيِّ الأمين، وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن الله -عز وجل- يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الظلم والبغي والعدوان، وقد بعث الله نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بما بعث به الرسل جميعًا من الدعوة إلى التوحيد، وإخلاص العبادة لله وحده، وأَمَرَهُ بإقامة القسط، ونهاه عن ضد ذلك من عبادة غير الله، والتفرق والتشتت والاعتداء على حقوق العباد، وقد شاع في هذا العصر أن كثيرا من المنتسبين إلى العلم والدعوة إلى الخير يَقَعُون في أعراض كثير من إخوانهم الدعاة المشهورين، ويتكلمون في أعراض طلبة العلم والدعاة والمحاضِرِين، يفعلون ذلك سِرًّا في مجالسهم، وربما سَجَّلُوه في أشرطة تُنْشَر على الناس، وقد يفعلونه علانية في محاضرات عامة في المساجد، وهذا المَسْلَكُ مخالفٌ لما أمر الله به ورسوله من جهات عديدة، منها:
أولًا: أنه تَعَدٍّ على حقوق الناس من المسلمين، بل من خاصة الناس من طلبة العلم والدعاة، الذين بذلوا وُسْعَهم في توعية الناس، وإرشادهم، وتصحيح عقائدهم ومناهجهم، واجتهدوا في تنظيم الدروس والمحاضرات، وتأليف الكتب النافعة.
ثانيًا: أنه تفريق لوحدة المسلمين، وتمزيق لصفهم، وهم أَحْوَجُ ما يكونون إلى الوحدة، والبُعْدِ عن الشتات والفُرقة، وكثرة القيل والقال فيما بينهم، خاصة وأن الدعاة الذين نِيلَ منهم هم من أهل السنة والجماعة، المعروفين بمحاربة البدع والخرافات، والوقوف في وجه الداعية إليها، وكَشْف خُطَطِهِم وألاعيبهم، ولا نرى مصلحةً في مثل هذا العمل إلا للأعداء المتربصين من أهل الكفر والنفاق، أو من أهل البدع والضلال.
ثالثًا: أن هذا العمل فيه مظاهرةٌ ومعاونةٌ للمُغْرِضين من العلْمانيين والمُسْتَغْرِبين وغيرهم من الملاحدة، الذين اشْتُهِر عنهم الوقيعةُ في الدعاة، والكذبُ عليهم، والتحريضُ ضدهم فيما كتبوه وسجَّلوه، وليس من حق الأُخُوَّة الإسلامية أن يُعين هؤلاء المُتَعَجِّلون أعداءَهُم على إخوانهم من طلبة العلم والدعاة وغيرهم.
رابعًا: إن في ذلك إفسادا لقلوب العامة والخاصة، ونَشْرا وتَرْوِيجا للأكاذيب والإشاعات الباطلة، وسَبَبًا في كَثْرة الغِيبة والنَّمِيمة، وفتحِ أبواب الشر على مَصَارِيعها؛ لضَعْاف النفوس، الذين يَدْأَبون على بَثِّ الشُّبَه، وإثارة الفتن، ويَحْرِصون على إيذاء المؤمنين بغير ما اكتسبوا.
خامسًا: أن كثيرًا من الكلام الذي قيل لا حقيقه له، وإنما هو من التوهمات التي زينها الشيطان لأصحابها، وأغراهم بها، وقد قال الله تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ] {الحجرات:12}، والمؤمن ينبغي أن يَحْمِلَ كلامَ أخيه المسلم على أَحْسَنِ المحامل، وقد قال بعض السلف: لا تَظُنَّ بكلمة خَرَجَتْ من أخيك سوءًا، وأنت تجد لها في الخير مَحْمَلًا.
سادسًا: وما وُجِد من اجتهاد لبعض العلماء وطلبة العلم فيما يسوغ فيه الاجتهادُ؛ فإن صاحِبَهُ لا يؤاخَذُ به، ولا يُثَرَّبُ عليه إذا كان أهلا للاجتهاد، فإذا خالفه غيره في ذلك؛ كان الأَجْدَرُ أن يُجَادِلَه بالتي هي أَحْسَن؛ حِرْصًا على الوصول إلى الحق من أَقْرَب طريق، ودَفْعًا لوساوس الشيطان وتحريشه بين المؤمنين، فإن لم يتيسر ذلك، ورأى أحد أنه لا بد من بيان المخالفة؛ فيكون ذلك بأحسن عبارة، وأَلْطَفِ إشارة، ودون تَهَجُّمٍ أو تَجْرِيحٍ، أو شَطَطٍ في القول -قد يدعو إلى رَدِّ الحق، أو الإِعْراض عنه-، ودون تَعَرُّضٍ للأشخاص، أو اتهام للنيات، أو زيادة في الكلام لا مُسَوِّغ لها، وقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول في مثل هذه الأمور: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا».
فالذي أَنْصَحُ به هؤلاء الإخوةَ، الذين وقعوا في أعراض الدعاة، ونالوا منهم: أن يتوبوا إلى الله تعالى مما كَتَبَتْهُ أيديهم، أو تَلَفَّظَتْ به ألسنتُهم، مما كان سببا في إفساد قلوب بعض الشباب، وشَحْنِهم بالأحقاد والضغائن، وشُغْلهم عن طلب العلم النافع، وعن الدعوة إلى الله بالقيلِ والقالِ، والكلامِ عن فلان وفلان، والبحْثِ عما يعتبرونه أخطاءً للآخرين، وتَصَيُّدِها، وتَكَلُّفِ ذلك.
كما أَنْصَحُهم أن يُكَفِّروا عما فَعَلُوا بكتابةٍ أو غيرها مما يُبَرِّئون فيه أنفسَهُم من مثل هذا الفعل، ويزيلون ما عَلَقَ بأذهان من يستمع إليه من قولهم، وأن يُقْبِلوا على الأعمال المثمرة التي تُقَرِّبُ إلى الله، وتكون نافعة للعباد، وأن يَحْذَروا من التعجل في إطلاق التكفير أو التفسيق أو التبديع لغيرهم بغير بينة ولا برهان». اهـ([149])
* وانظر ما قال شيخنا الألباني -رحمه الله- لتعلم أن هذه الفرقة المسرفة بعمَلِها هذا تسير في خَطٍّ غير خَطِّ العلماء سلفاً وخلفاً؛ فقد قال شيخنا الألباني ـ رحمه الله ـ: «انظر! -يا أخي- أنا أنصحك أنت والشباب الآخرين الذين يقفون في خَطٍّ مُنْحَرِفٍ -فيما يبدو لنا، والله أعلم-: ألا تُضَيِّعُوا أوقاتَكُم في نَقْدِ بعضِكم بعضاً، وتقولوا: فلان قال كذا، وفلان قال كذا؛ لأنه أولاً: هذا ليس من العلم في شيء، وثانياً: هذا الأسلوب يوغر الصدور، ويحقِّق الأحقادَ والبغضاءَ في القلوب، إنما عليكم بالعلم؛ فالعلمُ هو الذي سيكشف: هل هذا الكلام في مَدْح زيد من الناس الذي له أخطاء كثيرة؟ وهل -مثلاً- يَحِقُّ لنا أن نُسَمِّيَهُ صاحِبَ بدعة؟ وبالتالي: هل هو مُبْتَدِعٌ؟ ما لنا ولهذه التعمُّقات؟ أنا أَنْصَحُ بألا تتعمقوا هذا التعمُّقَ؛ لأننا في الحقيقة نَشْكُوا الآن هذه الفُرْقَةَ التي طَرَأَتْ على المنتسبين لدعوة الكتاب والسنة، أو كما نقول نحن: للدعوة السلفية، هذه الفُرْقة -والله أعلم- السبب الأكبر فيها هو حَظُّ النفْسِ الأمارةِ بالسوء، وليس هو الخلاف في بعض الآراء الفكرية، هذه نصيحتي». اهـ([150])
وهذا الكلام الذي قاله سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبدالله بن باز، وفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، والذي قاله شيخنا الإمام الألباني، وصاحب الفضيلة الشيخ صالح الفوزان – رحمة الله عليهم جميعاً، وحَفِظَ الله الحيَّ منهم- ومن قبلهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وغيرهم من سلف الأمة -رفع الله منازلهم في الجنة- هذا الذي عليه العلماء هو الذي ندعوا إليه حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّة -ولله الحمد-، فنحن أسعد بالفهم الصحيح للأدلة، وأَوْلَى بسلوك منهج العلماء من هؤلاء الغلاة، فلماذا يستنكر هؤلاء الغلاةُ من يردُّ باطلهم، ويطالبهم بالرجوع إلى أصول وقواعد أهل السنة سلفا وخلفا؟!
وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يحرر المسألة بالأدلة من الكتاب والسنة وأقوال السلف ثم يقول: وهذا من أصول السنة، أو هذا من قواعد الدين، أو هذا من القواعد المحكمة، والأصول المتيقنة، إلى غير ذلك، فلم يكن إطلاق كلمة «الأصول» مستنكرا عند أهل العلم؛ إذا استعمل ذلك في موضعه الصحيح:
* ومن ذلك ما جاء في «مجموع الفتاوى» حيث قال ـ رحمه الله ـ: «وَلَيْسَ لِلْمُعَلِّمِينَ أَنْ يحزبوا النَّاسَ، وَيَفْعَلُوا مَا يُلْقِي بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ، بَلْ يَكُونُونَ مِثْلَ الْإِخْوَةِ الْمُتَعَاوِنِينَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: [ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ] {المائدة:2}.
وَلَيْسَ لِأَحَدِ مِنْهُمْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى أَحَدٍ عَهْدًا بِمُوَافَقَتِهِ عَلَى كُلِّ مَا يُرِيدُهُ؛ وَمُوَالَاةِ مَنْ يُوَالِيهِ؛ وَمُعَادَاةِ مَنْ يُعَادِيهِ بَلْ مَنْ فَعَلَ هَذَا كَانَ مَنْ جِنْسِ جنكيزخان وَأَمْثَالِهِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَنْ وَافَقَهُمْ صَدِيقًا مُوَالِيًا، وَمَنْ خَالَفَهُمْ عَدُوًّا بَاغِيًا؛ بَلْ عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَتْبَاعِهِمْ عَهْدُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِأَنْ يُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ؛ وَيَفْعَلُوا مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ؛ وَيُحَرِّمُوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؛ وَيَرْعَوْا حُقُوقَ الْمُعَلِّمِينَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ…
إلى أن قال -رحمه الله-: وَمَنْ مَالَ مَعَ صَاحِبِهِ – سَوَاءٌ كَانَ الْحَقُّ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ – فَقَدْ حَكَمَ بِحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَخَرَجَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْوَاجِبُ عَلَى جَمِيعِهِمْ أَنْ يَكُونُوا يَدًا وَاحِدَةً مَعَ الْمُحِقِّ عَلَى الْمُبْطِلِ، فَيَكُونَ الْمُعَظَّمُ عِنْدَهُمْ مَنْ عَظَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالْمُقَدَّمُ عِنْدَهُمْ مَنْ قَدَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالْمَحْبُوبُ عِنْدَهُمْ مَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالْمُهَانُ عِنْدَهُمْ مَنْ أَهَانَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، بِحَسَبِ مَا يُرْضِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ، لَا بِحَسَبِ الْأَهْوَاءِ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؛ فَقَدْ رَشَدَ؛ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ إلَّا نَفْسَهُ، فَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي عَلَيْهِمْ اعْتِمَادُهُ، وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى تَفَرُّقِهِمْ وَتَشَيُّعِهِمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: [ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ] {الأنعام:159}. وَقَالَ تَعَالَى: [ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ] {آل عمران:105}». اهـ([151])
* وقال -رحمه الله-: «وَ «الْوَرَعُ» مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ فَفِي «الصَّحِيحِ» عَنْ الْنُعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ؛ اسْتَبْرَأَ لِعِرْضِهِ وَدِينِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ؛ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ؛ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إذَا صَلَحَتْ؛ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ؛ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» وَرَأَى تَمْرَةً سَاقِطَةً، فَقَالَ: «لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ؛ لَأَكَلْتهَا» وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَهَذَا يَتَبَيَّنُ بِذِكْرِ أُصُولٍ: «أَحَدُهَا»: أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا اعْتَقَدَ فَقِيهٌ مُعَيَّنٌ أَنَّهُ حَرَامٌ كَانَ حَرَامًا؛ إنَّمَا الْحَرَامُ مَا ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ بِالْكِتَابِ، أَوْ السُّنَّةِ، أَوْ الْإِجْمَاعِ، أَوْ قِيَاسٍ مُرَجِّحٍ لِذَلِكَ، وَمَا تَنَازَعَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ؛ رُدَّ إلَى هَذِهِ الْأُصُولِ». اهـ([152])
ومن تتبَّع ذلك من كلام أهل العلم؛ ضَاقَ به المقامُ لكثرتها واشتهارها، وقد سمَّى العلماء عددًا من العلوم بذلك، فقالوا: «أصول السنة» «أصول الفقه» «أصول الحديث» إلخ وهذا أمر لا ينازع فيه إلا الغلاة المسرفون؛ فلا حاجة إلى الإطالة في الردِّ عليهم بما ذكره أهل العلم في هذا المقام!!
فالواجب علينا -لاسيما من يدعو إلى الله تعالى- أن نَفْقَهَ دعوتنا، وأن نتعلم العلم من مصادره الصحيحة، ومنابعه الصافية، وذلك بالرجوع إلى كتب السلف، والرجوع إلى فهم العلماء الذين نفع الله بهم، وأَجْرَى بهم خيرًا كثيرًا، وهذه آثارهم الحميدة على هذه الأمة تشهد لهم.
(فرع) في دعوة الغلاة إلى تقليد كبيرهم:
هذا؛ وقد آن الأوانُ أن نَحْذَر ممن ينتمي إلي منهج السلف بلسانه، وحَالُهُ بعيد عنهم في جوانب كثيرة.
وقد تكلمتُ بتوسُّعٍ على أمر التفريق بين الاتباع والتقليد في بعض الأشرطة والرسائل، تحت عنوان (مهلًا يا دعاةَ التقليد) وذلك لمَّا دعا هؤلاء الغلاةُ إلى تقليد شيخهم وكبيرهم الذي ابْتُليَ بالغلو والإسراف في الأحكام على أناسٍ الكثير منهم أعْلَمُ وأنْفَعُ للأمة منه!!.
فللأسف دعوتُنا بعد أكثر مِن رُبْعِ قرنٍ في هذه البلاد اليمنية وغيرها، وهي تدعو إلى الاتباع، وتقويم الاعوجاج على علم وبصيرة، وهدوء وتأنٍّ؛ بعد هذا كله رأينا اليوم من يرفع عقيرته بالتقليد، ويا ليت مراده تقليد العلماء الكبار، أو أئمة السلف؛ لكان هذا أهون، ولكنهم يدعون إلى تقليدِ من لا يستحقّ أن يُقَلَّد، والانتصار لمن يستحق أن يُنْكَر عليه!!!
فالدعوة -ولله الحمد- كانت تسير في اليمن طولاً وعَرْضًا على الاتباع والأثر والدليل، ثم رَأَيْنا من ينادي بأعلى صوته – بدون حياء، ولا استحياء، ولا خجل- فيرفع عقيرته مرةً أخرى بتقليد الرجال الذين هم على مشرَبه فقط، قائلاً: إن العلماء هم الأدلة، فكيف نقول لهم: هاتوا أدلةً على ما تقولون!! وأننا عندما نتأدب مع العلماء ونأخذ كلامهم -أي بدون مطالبتهم بالدليل- فنحن أصحاب حق!!
ويَعُدُّ المسكينُ هذا من الأدب مع العلماء وتوقيرهم، ويعني بذلك علماء فرقته وحزبه، وإلا فهو يرد كلام الأئمة: كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، إذا خالفوا الدليل في نظره، وهذا يدل على أن دعوة القوم للتقليد -هذه الأيام- محصورة على تقليد شيخهم ومُقَدَّمهم ومن عَلَّمَهم هذا الطيشَ وتلك الرعونةَ!! فإنا لله وإنا إليه راجعون!!
يقول هذا أقوامٌ كانوا يُحَذِّرون من اتباع المذاهب الأربعة – وهذا أمرٌ فيه تفصيلٌ ليس هذا مقامه- مع أن هذه المذاهب تنتسب إلى علماء، هم من خيار هذه الأمة، والغلاة هؤلاء عندما ينادون اليوم باتباع العلماء؛ إنما يقصدون علماءهم الذين يقلدونهم فقط، ومن جرى مجراهم، ولا يقصدون بذلك أئمة السلف؛ مصابيح الدجى، وقناديل الهدى، ومن جرى مجراهم في تعظيم الأثر، والفقه العميق، والفهم الثاقب لدلالات النصوص، والعلل المؤثرة في الأحكام، وتَعْدِيَة العِلَّة من الأصل إلى الفرع، مع سعة الاطلاع، وطول الباع!! فأين الثَّرى وأين الثُّريا؟ وهذه عاقبة الإفراط والتفريط المشؤومة، فقد كان من هؤلاء من يدعو إلى عدم تعلُّمِ أو تدريس كتب أصول الفقه أصلاً بزعم أنها بدعة، والدينُ كتابٌ وسُنَّةٌ فقط -في نظره-، ومنهم من كان يصلي إماماً بالناس، ويفتخر بأنه لا يلتزم بقواعد التجويد في تلاوة القرآن ومخارج الحروف، بزعم أنه عِلْمٌ مُبْتَدَعٌ!! فذوقوا -أيها الغلاة الجفاة- ثمرة جَهْلِكُم وتعالُمِكُم!!
فاذهب -رعاك الله- إلى أي مكان يتواجد فيه هؤلاء الغلاة، أو من سلك مسلكهم؛ فلن تسمع من هؤلاء حُجَّةً من كتاب أو سنة تُثْبِتُ صحةَ ما هم عليه في مسائل الخلاف، فقد عرَّتْهُم الدعوةُ الصحيحةُ بفضل الله -عز وجل- وكَشَفَتْ ما عندهم من الباطل، وأتَتْ على شبهاتهم بالتفنيد، وكَشْف العَوار بما لم يُبْقِ مجالًا لمُنْصِفٍ من أن يعرف الحق وسبيله وأهله.
لكن بَقِيَ معهم أمرٌ واحد، وهو قولهم لمن حولهم: نحن نَتَّبِع العلماء!!
فمن هم هؤلاء العلماء الذين تتبعونهم، وعَطَّلْتم عقولَكُم لهم؟
هل هناك رجل اسمه «العلماء» فنرجع إليه؟ أم لهم عدد معروف؟ وأسماء معروفة؟
هذه إحالة منكم لأتباعكم على مجهول، وفي النهاية يتضح لك أن كلا منهم يعني بالعلماء نفسه وقلةً قليلة على شاكلته، لا تُجَاوِز أصابعَ اليَدِ أو اليدين؟ فأين أنتم من قوله تعالى: [ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ] {البقرة:111} ويا ليتهم يُسمُّون علماء معروفين في الأمة بذلك؛ ولكنهم يُسَمُّون أنفسهم وطلابهم، وإذا عَلَوْا درجة سَمَّوا من علَّموهم هذا الغلوّ، وغرسوه فيهم، ومن كان على هذه الشاكلة!!
فهل سَمَّوا سماحة الشيخ ابن باز، أو فضيلة العلامة البصير الخبير محمد بن صالح العثيمين، أو محدث العصر الألباني، أو علماء لجنة الإفتاء في المملكة العربية السعودية، أو هيئة كبار العلماء هناك، ومن كان على شاكلة هؤلاء العلماء في اليمن، ومصر، وشمال إفريقيا، والمغرب العربي، والجزيرة وشرق آسيا وغيرهم؟!
وهنا سؤالٌ أوجِّهه لهؤلاء المقلدة الغلاة المسرفين في تجريح الكثير من علماء السنة ودعاتها وطلابها: هل نتبع علماءكم وإن لم يكن معهم دليلٌ يدل على ما هم عليه؟
فإن قالوا: لا، إنما نتبعهم إذا كان معهم أدلة، فنقول لهم: إذًا هاتوا أنتم الأدلة التي يحتج بها علماؤكم؛ لننظر فيها، فإن كانت حَقًّا؛ قَبِلْناها وشَكَرْناكم، وإن كانت غير ذلك؛ رَدَدْنَاها ونَصَحْناكم!!
ويقال لهم أيضاً: كيف كان السلف إذا سُئِلُوا عن مسألةٍ مِن المسائل، هل كانوا يذكرون الدليل أو يحيلون إلى العلماء -وقد كانوا علماء حقاً-؟ فإذا قالوا: كانوا يقولون: ارجعوا إلى العلماء، فقل له: أين الكتب التي فيها أن من تكلم بمسألةٍ؛ فإذا سُئل عن دليل هذه المسألة قال: ارجع إلى العلماء؟
وإذا قالوا: كان العالم من علماء السلف إذا سُئل عن مسألةٍ؛ فإنه يأتي بالدليل، ويذكر من سبقه إلى قوله من أهل العلم؛ فَقُلْ لمن قال ذلك: جزاك الله خيرًا، ولماذا تخالف الآن طريقة السلف، وتحيلني إلى شيءٍ ما كان السلف يحيلون إليه؟
اعلم -يا هذا- أن «السلفية» ليست لباسًا تضعه على ظَهْرك أو على بدنك، فتلبسه متى شئت، وتخلعه متى شئت، وليست عَصًا تُمسكها بيدك، أو ترمي بها إن أردت، وليست عمامةً تُكَوِّرها على رأسك، ثم تنقضها وتُلْقي بها، فإن الطريقة «السلفية» دينٌ ندين الله به، وقواعد ننطلق منها، وأصولٌ نسير عليها، وعباداتٌ نتعبد الله بها، وأحكامٌ نستقيم عليها، ونبلغها غيرنا، هذه هي حقيقة «السلفية»، وليس كل من وضع الملْحَفَة على عنقه أصبح سلفيًا؟ بل في هؤلاء الغلاة من يغضب على من لم يَحْمِلْ له نَعْلَهُ، أو يُلْبِسْه إياه، أو يُقَرِّبْهُ منه!!! ويَعُدَّ هذا من سوء أدب الطالب مع شيخه فهذا عارٌ على المتبوع، وذِلَّةٌ للتابع، وصوفيةٌ مُحْدثه بلباس «السلفية»!!!
وسبق أن ذكرتُ أن الجهل بهذه الأصول يُوَدِّي إلى إفساد هذه الدعوة، والوصول بها -والعياذ بالله- إلى عاقبةٍ وخيمة، وليس هناك أدل من الواقع الذي نعيشه اليوم، وقد بُذِرَتْ بذور خبيثة في هذه الدعوة، سواءً كان ذلك بدعوى الغيرة والحماس من أجل هذا الدين، أو كان ذلك بسبب الجهل وحب التصدر؛ فنسأل الله العفو والعافية.
وصدق الله –عز وجل- القائل: [ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ] {الملك:22}.
إن الجهل بطريقة السلف في باب من الأبواب يُورِثُ الحيرةَ، والشكَّ والارتياب، ويُورِثُ الخَلْط والخَبْطَ، حتى إن الرجل ليتكلم بكلامٍ وهو غير موقنٍ به، ويبدِّع مخالفيه، وهو غير مطمئن للتبديع، ولكن يخاف أن لا يُبَدِّعَ فيُبَدَّعَ!! ويخاف أن لا يَتَكَلَّمَ في غيره فَيُتَكَلَّمَ فيه!!
فكم مِن شخصٍ يجامل هؤلاء الجلاوزة الجلادين بالأحكام الشرعية، وعلى ذلك فهؤلاء ليسوا مُبَلِّغين عن الله -عز وجل-، فإن الأحكام الشرعية بلاغٌ عن رب العالمين، بأن هذا حكم الله -جل وعلا- في فلان، والذي يجامل في الأحكام الشرعية ليس مبلِّغًا عن الله، إنما هو قائلٌ على الله بغير علم، ومتقوِّلٌ على الله بالكذب والبهتان، وقد حَرَّمَ الله -عز وجل- ذلك فقال في سياق النهي عن بعض الأحوال: [ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ] {الأعراف:33}، وقال – جل شأنه – [ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ] {الإسراء:36}.
فالحكم بالكفر، أو الفسق، أو بالبدعة والضلال أحكامٌ سمعية، ليست أحكامًا على التشَهِّي، فلا تتكلم في هذا إلا بنقل، ولذلك: فالعلماء يقولون: (لا يُكَفَّر شَخْصٌ إلا بأمرٍ مُجْمَعٍ عليه).
o
p













