(ليس كُلُّ مَنْ أَخْطَأَ أَسْقَطْنَاه وأهدرناه بالكُلِّية)
- السؤال العشرون: ما هو حَدُّ الأخطاء التي تَصِلُ بصاحبها إلى السقوط أو الإسقاط، وتُوجِبُ هَجْرَهُ والبراءةَ منه؟
الجواب:
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد؛
فالجواب على هذا السؤال في النقاط الآتية:
- أولًا: الخطأ من صفات البشرية، ولا بد منه في النشأة الإنسانية؛ فقد قال رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «كُلُّ بني آدمَ خَطّاءٌ، وخَيْرُ الخطائين التوابون»([873]).
وقد قال الإمام ابن القيم ([874]): «ووقوعُ الاختلافِ بين الناسِ أَمْرٌ ضروريٌّ لا بُدَّ منه؛ لتفاوُتِ إرادتِهِم وأِفْهَامهم وقُوَى إدْرَاكِهِم، ولكن المذموم بَغْيُ بعضِهم على بعضٍ وعدوانُهُ، وإلا فإذا كان الاختلاف على وَجْهٍ لا يُؤَدِّي إلى التباين والتحزب، وكل من الْمُخْتَلِفين قَصْدُه طاعةُ الله ورسوله؛ لم يَضرَّ ذلك الاختلافُ؛ فإنه أَمْرٌ لا بد منه في النشأة الإنسانية، ولكن إذا كان الأَصْلُ واحدا، والغايةُ المطلوبةُ واحدةً، والطريقُ المسْلوكةُ واحدةً؛ لم يَكَدْ يَقَعُ اختلافٌ، وإن وَقَعَ؛ كان اختلافا لا يَضُرُّ، كما تقدم من اختلافِ الصحابة؛ فإنَّ الأصْلَ الذي بَنَوْا عليه واحدٌ، وهو كتابُ الله وسنةُ رسوله، والقَصْدَ واحدٌ، وهو طاعةُ الله ورسوله، والطريقَ واحدٌ، وهو النظرُ في أدلة القرآن والسنة، وتقديمُهَا على كل قولٍ ورَأْيٍ وقياسٍ وذَوْقٍ وسياسةٍ». اهـ.
وليس في الأمة أحدٌ معصومٌ من الاستمرار على الخطأ إلا رسولُ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الذي يأتيه الوحي من السماء، ويهديه ربه إلى سواء الصراط، وكذلك إجماعُ مجتهدي الأُمةِ، الذي عَصَمَه الله من الضلالة، وجَعَله تَكْرُمَةً لهذه الأمةِ الإسلاميةِ دون الأمم السابقة، وما دون ذلك فيُؤْخَذُ مِنْ قولِهِ ويُرَدّ.
ثانيًا: درجات المخطئين والمخالفين:
المخطؤون والمخالفون للحق ليسوا على درجة واحدة، فهم أقسام:
القسم الأول: من كانت أصولُهُ ومرجعياتُهُ وقواعُده التي يَحْتَكِمُ إليها منطلقةً من أصولِ أهلِ السنةِ والجماعةِ، وكان من أهل العلم الأفاضل، وممن يُؤْثِرُ الحقَّ على الخلْق، واجتهد -فيما يسوغ فيه الاجتهاد- فأخطأ فيما يخطئ فيه العلماءُ، مع حُسْن قصْدِهِ، وشِدَّةِ تحرِّيه واتباعِهِ الحقَّ، ونُصْرَتِهِ الحقَّ بالأدلة النقلية والعقلية، وكَثْرَةِ صوابِهِ على خطئه؛ فأهل هذا القسم لا يُتَّبَعون على أخطائهم، ويجب بيانُ الحقِّ فيما خالفوا فيه؛ حِفَاظًا على حُرمة الشريعة، مع الإبقاء على حُرْمتهم، والحفاظ على حِشْمتهم، لما أَوْجَبَ اللهُ لهم من حقوقٍ على الأمةِ؛ فإنهم وَرَثَةُ الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- ومصابيحُ الْهُدَى، وقناديلُ الدُّجى، وبقاؤهم أمانٌ لأهلِ الأرضِ، ورحمةٌ لهم من الفتن والمدلهمات، وإذا سَقَطَتْ هَيْبَتُهُم، وتجرأ السفهاءُ عليهم؛ فلن يوجَدَ قائمٌ لله بحُجَجِه على العِبادِ، ولا خير في أمة ينال سُفَهاؤُها مِنْ فُضَلائها، أو يَتَمَردُ عوامُّها على علمائِها!! واختلافات هذا القسم كاختلاف الصحابة -رضي الله عنهم- ومن تبعهم من أئمة السنة في مسائل الفروع الاجتهادية، وقد ذكر الإمام ابن القيم أمثلة كثيرة لذلك.
فقد قال : «فإن الصحابة -رضي الله عنهم- اختلفوا في مسائل كثيرة من مسائل الفروع: كالجد مع الإخوة، وعتق أم الولد بموت سيدها، ووقوع الطلاق الثلاث بكلمةٍ واحدةٍ، وفي الخلية والبرية والبتة، وفي بعض مسائل الربا، وفي بعض نواقض الوضوء، وموجبات الغسل، وبعض مسائل الفرائض وغيرها، فلم يَنْصِبْ بعضُهم لبعض عداوةً، ولا قَطَعَ بينه وبينه عِصْمَةً، بل كانوا كلٌّ منهم يجتهد في نصر قوله بأقصى ما يقدر عليه، ثم يرجعون بعد المناظرة إلى الأُلْفة والمحبة والمصافاة والموالاة من غير أن يُضْمِر بعضُهم لبعض ضَغْنًا، ولا يَنْطوي له على مَعْتَبَةٍ ولا ذمٍّ، بل يدل المستفتيَ عليه مع مخالفته له، ويَشْهَد له بأنه خير منه وأعلم منه، فهذا الاختلاف أصحابُه بين الأجرين والأجر، وكلٌّ منهم مطيعٌ لله بحسب نيته واجتهاده، وتحريه الحق.
وهنا نوعٌ آخر من الاختلاف -وهو وفاقٌ في الحقيقة- وهو اختلافٌ في الاختيار والأَوْلَى بعد الاتفاق على جواز الجميع: كالاختلاف في أنواع الأذان والإقامة، وصفات التشهد، والاستفتاح، وأنواع النسك الذي يُحْرِم به قاصدُ الحج والعمرة، وأنواع صلاة الخوف، والأفضل من القنوت أو تركه، ومن الجهر بالبسملة أو إخفائها، ونحو ذلك، فهذا وإن كان صورتُهُ صورةَ اختلاف؛ فهو اتفاق في الحقيقة». اهـ([875])
قلت: وبهذا الموقف المُتَّزِن نحقق مصلحتين:
أ) إظهارُ الحقِّ، والتحذيرُ من اتباعِ الخطأ مهما كانت منزلة من صَدَرَ عنه، وفي هذا صيانةٌ للشريعةِ من الاندثار أو التحريفِ عبر التاريخ.
ب) الإبقاءُ على مكانَةِ العلماءِ في الأمة؛ حتى لا تَسْقُطَ هَيْبَتُهُم، ويزهدَ الناس فيهم وفي علومهم، فَيَسْقُطَ العلمُ الذي يَحْمِلُونه، فَتَنْدَثِرَ معالمُ الشريعةِ، ويترأَّسَ الجهلَةُ، ويتصَدّرَ الأصاغِرُ، فتَخْطُبَ الدجاجلةُ من فوق المنابر، وعند ذاك فَعَلَى الإسلامِ السلامُ، وما بقي إلا انتظارُ الساعةِ، وظهورُ الفتنِ العِظامِ، والساعةُ أَدْهَى وأَمَرُّ!!!
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «فأما الصديقون والشهداء والصالحون فليسوا بمعصومين، وهذا في الذنوب المحققة، وأما ما اجتهدوا فيه: فتارة يصيبون، وتارة يخطئون، فإذا اجتهدوا فأصابوا؛ فلهم أَجْران، وإذا اجتهدوا وأخطأوا؛ فلهم أجرٌ على الاجتهاد، وخطؤهم مغفورٌ لهم، وأهلُ الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين: فتارة يَغْلُون فيهم؛ ويقولون:
إنهم معصومون، وتارة يَجْفُون عنهم؛ ويقولون: إنهم باغون بالخطأ، وأهل العلم والإيمان لا يُعَصِّمُون ولا يُؤَثِّمُون، ومن هذا الباب تَوَلَّدَ كثير من فِرَقِ أهل البدع والضلال». اهـ([876])
فتأمل خطورة الغلو الذي يجعل الخطأ والإثم متلازمين، كيف كان بوابة للشيطان، فتولّدت منه فِرَقُ البدع والضلالة!!!
وقال : «وكثيرٌ من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، ولم يعلموا أنه بدعة، إمَّا لأحاديث ضعيفة ظنُّوها صحيحة، وإمَّا لآيات فهموا منها ما لم يُرَد منها، وإما لرأي رأوه، وفي المسألة نصوصٌ لم تَبْلُغْهم». اهـ([877])
ويقول : «ومما يتعلق بهذا الباب: أن يُعْلَم أن الرجل العظيم في العلم والدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة: أهل البيت وغيرهم، قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقرونًا بالظن، ونوع من الهوى الخفي، فيحصل بسبب ذلك مالا ينبغي اتباعه فيه -وإن كان من أولياء الله المتقين- ومثل هذا إذا وقع يصير فتنة لطائفتين: طائفةٌ تُعَظِّمُه، فتريد تصويبَ ذلك الفعل واتباعَه عليه، وطائفةٌ تذمُّهُ، فتجعل ذلك قادحًا في ولايته وتقواه، بل في برّه وكونه من أهل الجنة، بل في إيمانه حتى تخرجه عن الإيمان، وكلا هذين الطرفين فاسد، والخوارج والروافض وغيرهم من ذوي الأهواء دخل عليهم الداخل من هذا، ومن سلك طريق الاعتدال: عظَّم من يستحق التعظيم، وأحبه ووالاه، وأعطى الحق حقَّه، فيُعَظّم الحق، ويَرْحَمُ الخلق، ويَعْلَم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات: فيُحْمَد ويُذَمُّ، ويُثابُ ويعاقَبُ، ويُحَبُّ مِنْ وَجْهٍ، ويُبْغَضُ مِنْ وَجْهٍ، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافًا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم». اهـ([878])
ـ وقال الإمام بن القيم مبينًا خطورة زلة العالم: «المصنفون في السنة جمعوا بين فساد التقليد وإبطاله، وبيان زلة العالم؛ ليبينوا بذلك فساد التقليد، وأن العالم قد يَزِلُّ ولا بد؛ إذْ ليس بمعصوم، فلا يجوز قبول كل ما يقوله، ويُنَزَّل قولُهُ منزلةَ قول المعصوم؛ فهذا الذي ذمه كلُّ عالم على وجه الأرض، وحرموه، وذموا أهله، وهو أصل بلاء المقلدين وفتنتهم؛ فإنهم يقلدون العالم فيما زَلَّ فيه وفيما لم يَزِلَّ فيه، وليس لهم تمييز بين ذلك، فيأخذون الدين بالخطأ ولا بد، فَيُحِلُّون ما حَرَّم الله، ويُحَرِّمُون ما أَحَلَّ الله، ويُشَرِّعُون ما لم يُشْرَع، ولا بد لهم من ذلك؛ إذْ كانت العصمة منتفية عمن قلدوه، فالخطأ واقع منه ولا بد، وقد ذكر البيهقي وغيره من حديث كثير هذا عن أبيه عن جده مرفوعًا: «اتقوا زلة العالم، وانتظروا فيئته»، وذكر من حديث مسعود بن سعد عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أشدُّ ما أتخوفُ على أمتي ثلاث: زَلَّةُ عالم، وجدالُ منافقٍ بالقرآن، ودنيا تَقْطَعُ أعناقكم». ومن المعلوم أن المَخُوفَ في زلة العالم تقليده فيها؛ إذ لولا التقليد لم يُخَفْ من زلة العالم على غيره، فإذا عَرَفَ أنها زلة؛ لم يَجُزْ له أن يتبعه فيها باتفاق المسلمين؛ فإنه اتباعٌ للخطأ على عَمْدٍ، ومن لم يَعْرِف أنها زلة؛ فهو أَعْذَر منه، وكلاهما مُفَرِّطٌ فيما أُمِرَ به… قال أبو عمر: وتُشَبَّهُ زلةُ العالم بانكسار السفينة؛ لأنها إذا غَرِقَتْ غَرِقَ معها خلقٌ كثير، قال أبو عمر: وإذا صح وثبت أن العالم يزل ويخطئ؛ لم يجز لأحد أن يُفْتِيَ ويَدِينَ بقولٍ لا يَعْرف وَجْهَهُ». اهـ([879])
ولقد بيَّن الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي ما يتعلق بنصح العالم، فقال: «وأما المُبَيِّنُ لخطأ من أخطأ من العُلَمَاء قبله، إذا تأدَّب في الخطاب، وأَحْسَنَ الرَّدَّ والجوابَ؛ فلا حَرَج عليه، ولا لوم يتوجَّه عليه، وإن صَدَرَ منه من الاغترار بمقالته؛ فلا حرج عليه، وقد كان بعضُ السَّلف إذا بلغه قولٌ يُنكره عَلَى قائله، يقول: «كَذَب فلان»، ومن هذا قولُ النبي – صلى الله عليه وسلم -: «كَذَبَ أبو السّنابل»، لما بلغه أنه أفتى أن المتوفَّى عنها زوجُها إذا كانت حاملًا لا تحل بوضع الحمل؛ حتى يمضي عليها أربعة أشهر وعشر.
وقد بالغ الأئمة الورعون في إنكار مقالاتٍ ضعيفةٍ لبعض العُلَمَاء، وردوها أبلغَ الرد، كما كان الإمام أحمد ينكر عَلَى أبي ثور وغيره مقالاتٍ ضعيفة تفردوا بها، ويُبالغ في ردِّها عليهم، هذا كله حكمُ الظَّاهر.
وأما في باطن الأمر: فإن كان مقصودُه في ذلك مجردَ تبيين الحق، وأن لا يغترَّ الناسُ بمقالاتِ من أخطأ في مقالاته؛ فلا ريب أنهُ مُثابٌ عَلَى قصده، ودَخَلَ بفعله هذا بهذه النية في النُّصح لله ورسوله وأئمةِ المسلمين وعامَّتهم.
وسواء كان الَّذِي يُبَيَّنُ خطؤه صغيرًا أو كبيرًا، وله أسوة بمن ردَّ من العُلَمَاء مقالات ابن عباس التي شذ بها، وأُنْكِرَتْ عليه من العُلَمَاء مثلَ المُتعة والصرف والعُمْرتين، وغير ذلك.
ومَنْ رد عَلَى سعيد بن المسيِّب قوله في إباحته المُطلقة ثلاثًا بمجرَّد العقد، وغير ذلك مما يُخالف السنَّة الصريحة، وردَّ عَلَى الحسن قوله في ترك الإحداد عن المتوفَّى عنها زوجُها، وعلى عطاء قوله في إباحته إعارة الفُروج، وعلى طاوس قوله في مسائل متعددة شذَّ بها عن العُلَمَاء، وعلى غير هؤلاء ممن أجمعَ المسلمونَ عَلَى هدايتهم ودرايتهم ومحبتهم والثناء عليهم.
ولم يَعُدَّ أحدٌ منهم مخالفيه في هذه المسائل ونحوها طعنًا في هؤلاء الأئمة، ولا عيبًا لهم.
وقد امتلأتْ كتبُ أئمة المسلمين من السَّلف والخلف بتبيين خطأ هذه المقالات وما أشبهها، مثل كتب الشافعي، وإسحاق، وأبي عُبيد، وأبي ثور، ومن بعْدهم من أئمَّة الفقه والحديث، وغيرهما ممَّن ادَّعوا هذه المقالاتِ، وما كان بمثابتها شيءٌ كثير، ولو ذكرنا ذلك بحروفه؛ لطال الأمرُ جدًّا.
وأما إِن كان مُرادُ الرادِّ بذلك إظهارَ عيب من ردَّ عليه وتنقُّصَهُ، وتبيينَ جَهْلِهِ، وقصورِهِ في العِلْم، ونحو ذلك؛ كان مُحَرَّمًا، سواء كان ردُّه لذلك في وَجْهِ من ردَّ عليه أو في غَيْبَتِهِ، وسواء كان في حياته أو بعد موته، وهذا داخلٌ فيما ذمَّه اللهُ تعالى في كتابه، وتوعَّد عليه في الهمز واللمز، ودخل أيضًا في قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يُوْمِنُ بِقَلْبِهِ: لا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنِ يَتَّبِعُ عَوْرَاتِهِمْ؛ يَتَّبِعُ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ؛ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ».
وهذا كله في حق العلماء المقتدى بهم في الدين فأما أهل البدع والضلالة، ومن تشبه بالعلماء، وليس منهم؛ فيجوز بيانُ جَهْلهم، وإظهارُ عيوبهم؛ تحذيرًا من الاقتداء بهم، وليس كلامنا الآن في هذا القبيل، والله أعلم». اهـ([880])
ـ ويقول العلامة الشاطبي : «فعلى كل تقدير لا يُتَّبَعُ أحد من العلماء إلا من حيث هو مُتَوَجِّهٌ نحو الشريعة، قائمٌ بحجتها، حاكمٌ بأحكامها جملة وتفصيلًا، وأنه من وُجِدَ مُتَوَجِّهًا غير تلك الوجهة في جزئية من الجزئيات، أو فرع من الفروع؛ لم يكن حاكمًا، ولا استقام أن يكون مقتدىً به فيما حاد فيه عن صوب الشريعة البتة». اهـ([881])
ـ وقال سماحة الشيخ ابن باز في مَعْرِض ردّه على من جعل رد أخطاء العلماء من التضليل لهم،: «ليس من أهل العلم السلفيين من يُكَفِّر هؤلاء الذين ذكرتَهم، وإنما يوضحون أخطاءهم في تأويل الكثير من الصفات، ويوضحون أن ذلك خلاف مذهب سلف الأمة، وليس ذلك تكفيرًا لهم، ولا تمزيقًا لشمل الأمة، ولا تفريقًا لصفهم، وإنما في ذلك النصح لله ولعباده، وبيان الحق والرد على من خالفه بالأدلة النقلية والعقلية، والقيام بما أوجب الله -سبحانه- على العلماء من بيان الحق، وعدم كتمانه، والقيام بالدعوة إلى الله، والإرشاد إلى سبيله، ولو سَكَتَ أهلُ الحق عن بيانه؛ لاسْتَمَرَّ المخطئون على أخطائهم، وقلدهم غيرهم في ذلك، وباء الساكتون بإثم الكتمان، الذي توعدهم الله عليه في قوله -سبحانه-: [ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ] {البقرة:159، 160}، وقد أخذ الله على علماء أهل الكتاب الميثاق لَيُبَيِّنَنُّهُ للناس ولا يكتمونه، وذَمَّهُم على نَبْذِهِ وراء ظهورهم، وحَذَّرَنا من اتّباعهم، فإذا سكت أهل السنة عن بيان أخطاء من خالف الكتاب والسنة؛ شابهوا بذلك أهل الكتاب المغضوب عليهم والضالين». اهـ([882])
القسم الثاني: وهو المقابل للقسم الأول، وهو صُدورُ الخطأ ممن كان مُعْرِضًا عن منهج أهل السنة، محاربًا له، صادًّا عنه، ويَسْلُك قواعدَ أهلِ الزيغِ، ويرجع إلى أصولِ الفِرَقِ الضالةِ، ويَنْتَمِي لأهل البدع الكبار، ويُلْقِي الشبهاتِ على عوامِّ المسلمين، فَيُزَعْزِعُ إيمانَهم، ويُلْقِي في قلوبهم الشكَّ والوهَنَ؛ فهذا يجب التحذيرُ منه، ومن منهجه الذي يَسْلُكُه، ويَتَعَيَّنُ إسقاطُ هَيْبَتِهِ ومكانَتِهِ في الأمة، حتى لا يَغْتَرَّ أحدٌ به، فَيَتَّبِعَهُ على ضلالته، وينافحَ عن شُبهاته، وفي هذا المسلك صيانةٌ للشريعة -أيضًا- مِنْ أن يُفْسِدَها تَحْرِيفُ الغالين، وانتحالُ الْمُبْطِلين، وتأويلُ الجاهلين.
ويؤكد شيخ الإسلام ابن تيمية على أن ما سبق من كيفية التعامل مع أهل القسم الأول، إنما هو خاص بعلماء أهل السنة، الذين لهم قَدَمُ صِدْقٍ في الإسلام ممن وَصَفَهُم شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: «ومن له في الأمة لسانُ صِدْقٍ عامٌّ، بحيث يُثْنَى عليه، ويُحْمَدُ في جماهير أجناس الأمة؛ فهؤلاء هم أئمة الهُدَى، ومصابيح الدُّجَى، وغَلَطُهُم قليلٌ بالنسبة إلى صوابهم، وعامته من موارد الاجتهاد التي يُعْذَرون فيها، وهم الذين يَتَّبِعون العلم والعدل، فهم بُعَداء عن الجهل والظلم، وعن اتباع الظن وما تهوى الأنفس». اهـ([883])
وأما أهل البدع الذين ليس لهم قدم صدق في الإسلام، فلا يُثْنَى عليهم، نعم ولا يُظْلَمُون كذلك، فلا يُنْسَب إليهم من الباطل والمنكر ما ليس فيهم، وقد جَعَل الله لكل شيء قدرا.
ولذا قال الحافظ ابن رجب لما قرر نحو هذا في «الفرق بين النصيحة والتعيير»: «وهذا كله في حق العلماء المُقْتَدَى بهم في الدين، فأما أهل البدع والضلالة ومن تشبه منهم بالعلماء، وليس منهم؛ فيجوز بيانُ جَهْلِهِم، وإظهارُ عيوبهم؛ تحذيرًا من الاقتداء بهم، وليس كلامنا الآن في هذا القبيل، والله أعلم». اهـ([884])
وفَرْق بين التحذير من أهل هذا القسم، والتشريد بهم مَنْ خَلْفَهُم، وبين قَبُول الحق -وإن قلَّ- إذا جاء منهم، وعَدَمِ ظُلْمِهِم، أَوْ رَمْيِهم بما ليس فيهم، فالأول واجب، والافتراءُ عليهم -بل على الكفار- بما ليس فيهم حرام، يُغْضِبُ الله وقد قال تعالى: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ] {المائدة:8}.
القسم الثالث: وهو ما بين القسمين السابقين، ممن كانت أصولُهُ -في الجملة- سُنّية، ويَنْتَمِي في الجملة لأهل السنة والجماعة، ويجاهِرُ ببراءته من البدعةِ وأَهلِهَا، لكنه في الواقع قد دَخَلَتْ عليه بعضُ شُبهات أهلِ البدعِ، وتَأَثَّرَ بها: إما لأنه قد نَشَأَ بين أَهْلِ البدع، وسَلَك مَسْلَكَهم من بدايةِ أَمْرِهِ، واْمَتلأ بشُبهاتهم، ثم تاب إلى الله لكنه لم يَسْتطع أن يَتَخَلَّص مِنْ كُلِّ ما عليه أهل البدع، أو لأنه جالَسَ بعض أهل البدع، وكان يُحْسِن به الظَّنَّ، إما لِعِلْمِهِ، أو ذكائه، أو عبادته، وحُسْن سمته، وحُسْن خُلُقه… إلى آخره، أو نظر في كتبهم، وهو غير بصير بشبهاتهم وطريق الرد عليها، فتأَثَّرَ ببعضِ كلامِهِم؛ لقلّة عِلْمِهِ، أو لِضَعْفِ تحقِيقِه، أو لأنه عاشَ في مُجْتَمَع تَغْلِبُ عليه بعضُ مقالاتِ أهلِ البدع، فتأثَّرَ بها؛ لكثرة سماعِها منهم، أو لدخُول بعض الأفاضل عنده فيها، فقلّدهم ثقةً فيهم… أو نحو ذلك.
ففي حال هؤلاء كَثُرَ الاختلاف: فمن الناس من ينظر إلى أَصْلِ حالهم، وهو السنة، فَيُحَسِّنُ الظنَّ بهم وبما يَذْهَبون إليه، ولا يَنْظُرُ إلى أَخْطَائِهم ومخالفاتِهم، وهذا فيه تفريطٌ.
ومنهم من ينظر إلى أخطائهم، ويُسْقِطُهم بسببها، فَيُطْلِقُ التشنيعَ عليهم، ويعامِلُهم معاملةَ القسم الثاني، وربما كانتْ معاملته لهؤلاء أَشَدَّ، وهذا فيه إفراطٌ -في بعض الحالات-، ومنهم من يَقْبَلُ الحقَّ منهم إذا لاحَتْ دلائلُه، ولا يَغْتَرُّ بهم فيما جانبوا فيه الصواب، فَيَرُدُّ خطأَهم، ويُبَيِّنُ السببَ الذي زَلَّتْ به أقدامهم، وضلّت به أفهامهم، دون أن يكون همه اسقاطَهم وبخْسَهم والدعوة العامة إلى هجْرهم، وهذا هو الوسَطُ والعَدْل.
لكن يجب أن يُعْلَم: أن الذين يتمكنون من تمييز الصواب والخطأ في الناس قليل، لاسيما إذا كان الخطأ قد صَدَر من رجل له قدَمُ صِدْقٍ في نُصْرَة الإسلام، فَيَنْدُر جدًّا تمييز ما أخطأ فيه، إلا لعالم نِحْرِير، ورَجلٍ مُتَمرِّسٍ بصيرٍ، فلا بأس -في حق هذا الصنف الذي يتمكن من التمييز- أن يجالسَ أصحابَ هذا القسمِ، أو ينظر في كتبهم-إذا كان لذلك حاجةٌ شرعية، كأخْذ عِلْم منهم، ونحو ذلك- وإلّا فلا يَعْدِلُ المرء بالسلامة شيئًا، وهذا كما قال الإمام سفيان بن سعيد الثوري لما سَأَلَهُ بعضُهم عن الأَخْذِ عن ثَوْر بن يزيد الكلاعي، وهو ثِقَةٌ ثَبْتٌ في الحديث، لكنه رُمِيَ بالقَدَر، فقال مقالته التي تمثّل منهجًا في هذا المقام: «خُذُو عن ثَوْر، واتَّقُوا قَرْنَيْه»([885])، أي: خُذُوا عنه العلم أو الحديث الذي هو مُتْقِنٌ له، ومُحْسِن في تحمُّله وأدائه، بما لا يؤيّد بدعته، لكن احْذَرُوا بِدْعَتَه ومقالَتَه في القَدَر، وشبّه البدعةَ بِقَرْنَي الثَّوْرِ الحيواني الذي يَنْطَح بهما غَيْرَه، ومن العلماء -وهو المعلمي من فسَّر القرنَيْن بالقدر والنصب.
فهذا الصِّنْفُ من ذوي التمييز -بعد بلوغهم هذه الأهلية- لا يُخْشَى عليهم اختلاطُهم بغيرهم، كما لا يُخْشى على ضالة الإبل؛ لأن معها سِقاءَها وحِذاءَها، تَرِدُ الماء وتَرْعَى الشَّجَرَ، فذَرْها حتى يلْقاها ربُّها -أي حتى يجدها صاحِبُها ومالِكُها؛ إذْ لا خَوْفَ عليها من الهلكة- أما من لم يَبْلُغ هذه المنزلة التي تُؤَهِّلُهُ للتمييز، ولم يكن لاقترابه من هذا القسم حاجةٌ شرعية، ولا مصلحة تعود من وراء مجالسته على من جالسه أو على الإسلام وأهله؛ فإنه ينبغي له -وقد يجبُ عليه- أن ينأى بِنَفْسِه عن مُجالستهم، أو مُناظرتهم، بل يَفِرُّ منهم فِرارَهُ مِنَ الأَسَد، فإنْ لم يبالِ بنصوصِ العلماء في التحذير من مخالطَتِهِم؛ فإنه لا يكاد يَسْلَم، وحالُهُ حينئذٍ كحال ضالّة الغنم: هي لَكَ، أو لأخيك، أو للذئب، أي هي هالكة هالكة، لا أمل في نجاتها، ورجوعها إلى مولاها؛ فخُذْها قَبْلَ أن يَأْكُلَها الذئبُ أو غيره قبل أن ترجع إلى صاحبها ومالِكها!!
لكن مع هذا كلّه: فالعارف بحالهم، أو المقلِّد لمن عَرَفَ حالهم؛ يَقْتَصِر على ردّ خطئهم، وكَشْف عَوَاره، وبيان كيف دخل الخطأ عليهم، والتحذير منه دون محاولة إسقاطهم بالكلية؛ لأن كثيرًا من علماء الأمة، ومن ذاعَ صِيتُهم في بلدانهم، وردُّوا على أهل البدع الكبار بالأدلة والبراهين، ولهم مكانة في قلوب الناس، وجرى على أيديهم النفع لطوائف من المسلمين، لا يكادون يَسْلمون من هذا الخطأ، وهم من أهل هذا القسم الثالث، فلو أسقطناهم بالكلية لوجود تلك الأخطاء والمخالفات عندهم؛ لضاعَ خيرٌ كثيرٌ على الأمة، ولَذَهَبَتْ كثيرٌ من العلوم والمعارف، والأمثلةُ على هذا كثيرة، والصفاءُ عَزِيزٌ، والله المستعان.
- ثالثًا: هذا التقسيم بأقسامه الثلاثة تقسيم عام في الجملة، تجب مراعاته، لكن من كان في قلبه هَوًى، أو تقليدٌ أَعْمى -كما هو حال كثير من غلاة زماننا في تبديع الكثير من علماء ودعاة وطلاب العلم من أهل السنة-؛ فإنه سَيَحْشُر كلَّ مخالفيه في القسم الثاني، وهم أهل البدع الكبار، ولو خجل من ذلك، وتنازل في حقهم!! -وعُدَّ مُفرِّطًا ومُميِّعا في نظر الغلاة من أصحابه- فإنه سَيُدْخِلُهم في القسم الثالث، ويحتج بكلام من أسقطهم من العلماء؛ وإن كان إطلاقُ قوله مخالفًا للصواب، وبَوّابةً لإسقاط جُلِّ العلماء من التابعين وأتباعهم في القرون المفضلة وما بعدها، وفي هذا جناية على الإسلام، لا يُغَطِّيها ذَيْل، ولا يَسْتُرها لَيْل، إلا أن الذي أوقعه في ذلك: أَخْذُ إطلاقات وظواهرِ كلام بعضِ العلماء دون مراعاةِ الأسبابِ التي حَمَلَتْ بعضَهم على إطلاق التحذير من أهل هذا القسم، ودون الرجوع إلى السياق والسباق واللحاق لكلامهم، ودون الرجوع إلى كيفية السؤال الذي وُجِّه إليهم، فأجابوا عليه بالتحذير من المسؤول عنهم، ودون معرفة الفَرْقِ بين الفتاوى التي يُراد بها الإطلاقُ، والأخرى التي تُنَزّل على الأعيان، ودون مراعاة قاعدةِ استيفاءِ الشروطِ في الأعيان، وانتفاء الموانع عنهم، إلى غير ذلك مما يتعين على المنصف أن يُرَاعِيَهُ، ويرجِعَ إليه، فنسأل الله طهارة القلوب من سوء القصد والغِلّ على أحد من المؤمنين، ونسأله سلامةَ العقول من سوء الفهم والضلال.
وأَصْلُ المشكلةِ عند كثيرٍ ممن يَنْتَسِبُ من هؤلاء إلى العلم: أنه لا يُفَرِّق بين التحذير من اتِّبَاعِ أحد العلماء على خطئه، وبين عدمِ إسقاطه وإهدارِه، لينتفع به الناسُ في جوانب أخرى قد أحْسَنَ فيها وأجاد!!
وهذه أقوال بعض أهل العلم التي تدل على أنه لا يلزم من ردِّ الخطأ على صاحبه من أهل هذا القسم الثالث -فضلًا عن الأول- وتحذير الناس من اتّباعه عليه: إسقاطُهُ بالكلية، وردُّ ما عنده من الحق:
[1] قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى»([886]): «ثم الناس في الحب والبغض، والموالاة والمعاداة، هم أيضًا مجتهدون: يصيبون تارةً، ويخطؤون تارةً، وكثيرٌ من الناس إذا عَلِمَ من الرجل ما يُحِبُّهُ؛ أَحَبَّ الرجَلَ مطلقًا، وأَعْرَضَ عن سيئاته، وإذا عَلِمَ منه ما يُبْغِضُه؛ أَبْغَضَه مُطلقًا، وأَعْرَضَ عن حسناته، وهذا من أقوال أهل البدع والخوارجِ والمعتزلةِ والمرجئةِ، وأهلُ السنةِ والجماعةِ يقولون ما دَلَّ عليه الكتابُ والسنةُ والإجماعُ...». اهـ.قلت: فهذا يدل على أن إطلاق إهدار المخالف بالكلية، وعدم قَبُول الحقِّ منه لوجودِ سيئات أو بِدَعٍ عنده؛ مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة، وموافق لمنهج أهل البدع والأهواء، ولا يلزم من ذلك وجوبُ ذِكْرِ حسناتِ المخالف دائمًا، إنما لذلك حالات معينة، كما تقدم، ليس هذا موضع بسطها، والله أعلم.([887])
وقال شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى»([888]): «كَلَامٌ فِي «الْكَلَامِ الْكَلَامِيِّ». و «الرَّأْيِ الْفِقْهِيِّ» وَفِي «الْكُتُبِ الصُّوفِيَّةِ» و «السَّمَاعِ الصُّوفِيِّ» لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ، يَحْتَاجُ تَحْرِيرُهُ إلَى تَفْصِيلٍ وَتَبْيِينِ كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمَالِهِ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ، فَإِنَّهُ يَنْبَنِي عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ: مِنْ أَنَّهُ قَدْ يَقْتَرِنُ بِالْحَسَنَاتِ سَيِّئَاتٌ، إمَّا مَغْفُورَةٌ أَوْ غَيْرُ مَغْفُورَةٍ، وَقَدْ يَتَعَذَّرُ أَوْ يَتَعَسَّرُ عَلَى السَّالِكِ سُلُوكُ الطَّرِيقِ الْمَشْرُوعَةِ الْمَحْضَةِ إلَّا بِنَوْعِ مِنْ الْمُحْدَثِ؛ لِعَدَمِ الْقَائِمِ بِالطَّرِيقِ الْمَشْرُوعَةِ عِلْمًا وَعَمَلًا، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ النُّورُ الصَّافِي، بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا النُّورُ الَّذِي لَيْسَ بِصَافٍ، وَإِلَّا بَقِيَ الْإِنْسَانُ فِي الظُّلْمَةِ؛ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَعِيبَ الرَّجُلَ، وَيَنْهَى عَنْ نُورٍ فِيهِ ظُلْمَةٌ، إلَّا إذَا حَصَلَ نُورٌ لَا ظُلْمَةَ فِيهِ، وَإِلَّا فَكَمْ مِمَّنْ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ يَخْرُجُ عَنْ النُّورِ بِالْكُلِّيَّةِ، إذَا خَرَجَ غَيْرُهُ عَنْ ذَلِكَ؛ لِمَا رَآهُ فِي طُرُقِ النَّاسِ مِنْ الظُّلْمَةِ». ا. هـ
[2] وقال الإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»([889]) -وقد أشار لشطحات بعض المخالفين-: «وهذه الشطحات أوجبتْ فتنةً على طائفتين من الناس:إحداهما: حُجِبَتْ بها عن مَحاسِنِ هذه الطائفة، ولُطْفِ نُفُوسِهِم، وصِدْقِ معاملاتهم؛ فأهدروها لأجل هذه الشطحات، وأنكروها غاية الإنكار، وأساؤوا الظَّنَّ بهم مطلقًا، وهذا عُدْوان وإِسْراف، فلو كان كل من أخطأ أو غَلِطَ، تُرِكَ جُمْلةً، وأُهْدِرَتْ محاسِنُه؛ لَفَسَدَتِ العلومُ والصناعاتُ والحِكَمُ، وتَعَطَّلَتْ معالِمُها…».
ثم ذكر الطائفة المضادة لما سبق، وسماهم مُعْتَدِين مُفَرِّطين، ثم قال:
والطائفة الثالثة: «وهم أَهْلُ العَدْلِ والإنصافِ، والذين أَعْطَوْا كلَّ ذي حَقٍّ حقَّه، وأَنْزَلُوا كُلَّ ذي مَنْـزلةٍ منـزلتَهُ، فلم يَحْكُموا للصحيح بحُكْم السقيمِ الْمَعْلُولِ، ولا للمَعْلُولِ السقيمِ بحُكْمِ الصحيحِ، بل قَبِلُوا ما يُقْبَلُ، وردُّوا ما يُرَدُّ». اهـ.
وقال -أيضًا- في «مدارج السالكين»([890]) في سياق ذِكر ما أُخِذَ على أبي إسماعيل الهروي حتى رماه بعضهم بقول الحلولية والاتحادية الضالين، فقال : «ولا تُوجِبُ هذه الزلَّةُ من شيخ الإسلام إِهْدارَ محاسِنِه، وإساءةَ الظنِّ به، فَمَحَلُّه من العِلْمِ والإمامَةِ والمعرفَةِ والتقدُّمِ في طريق السلوك؛ المحلُّ الذي لا يُجْهَل، وكُلُّ أحدٍ فَمَأْخُوذٌ من قوله ومَتْرُوكٌ، إلا المعصوم -صلوات الله وسلامه عليه- والكامِلُ مَنْ عُدَّ خطؤه، ولا سيما في مثل هذا المجال الضَّنْكِ، والْمُعْتَرَكِ الصَّعْبِ، الذي زَلَّتْ فيه أقدامٌ، وضَلَّتْ فيه أَفْهَامٌ، واْفَتَرَقَتْ بالسالكين فيه الطرقاتُ، وأَشْرَفُوا -إلا أقلُّهم- على أَوْدِيَةِ الْمُهْلِكَات، وكيف لا؛ وهو البحْرُ الذي تَجْري سَفِينَةُ راكِبِهِ في مَوْجٍ كالجبال، والْمُعْتَركُ الذي تَضَاءَلَتْ لِشُهُوده شجاعةُ الأبطالِ، وتَحَيَّرَتْ فيه عقولُ ألبّاءِ الرجالِ، ووصَلَتْ الخليقةُ إلى ساحِلِه يَبْغُون رَكُوبه…» إلخ ما قال من كلام نفيس، فارجع إليه -إن شئت-.
هذا مع أن أبا إسماعيل الهروي تكلم بكلام طَمِعَ فيه مِنْ أَجْلِهِ أهلُ الحلول والاتحاد، بل أَقْسَمُوا بالله إنه لمنهم، وما هو منهم، فأين هذا من أخطاء مَنْ يَفْتَرِي عليه اليومَ الغلاةُ المسرفون في الجرح والتعطيل، والهَجْرِ والتبديع والتضليل؟!
وقال في «إعلام الموقعين»([891]): «الثاني: معرفةُ فَضْلِ أَئِمَّةِ الإسلامِ، ومقاديرِهم، وحقوقِهم، ومراتِبِهم، وأن فَضْلَهُم وعِلْمَهُم ونُصْحَهم لله ورسوله؛ لا يُوجِب قبولَ كُلِّ ما قالوه، وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خَفِيَ عليهم فيها ما جاء به الرسول، فقالوا بِمَبْلَغ عِلْمِهم، والحقُّ في خلافها؛ لا يُوجِبُ اطِّراحَ أقوالِهِم جملةً، وتنقُّصَهُمْ، والوقيعةَ فيهم، فهذان طَرَفَان جائِران عن القَصْد، وقَصْدُ السبيل بينهما: فلا نُؤَثِّمُ ولا نُعَصِّمُ، ولا نَسْلُكُ بهم مَسْلَكَ الرافضةِ في عليٍّ، ولا مَسْلَكَهم -أي الرافضة أيضًا- في الشيخَيْنِ، بل نَسْلُكُ مَسْلَكَهُم أَنْفُسِهِم -يعني مَسْلَكَ العلماء- فيمن قَبْلهم من الصحابة؛ فإنهم لا يُؤَثِّمونهم، ولا يُعَصِّمونهم، ولا يَقْبَلُون كُلَّ أقوالِهِم، ولا يُهْدِرونها، فكيف يُنْكِرُون علينا في الأئمة الأربعة مَسْلَكًا يَسْلُكُونه هم في الخلفاء الأربعة وسائر الصحابة، ولا منافاةَ بين هذين الأَمْرَيْن لمن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ للإسلام، وإنما يتنافيان عند أحد رجلين: جاهلٍ بمقدارِ الأئمةِ وفَضْلِهِم، أو جاهلٍ بحقيقةِ الشريعةِ التي بَعَثَ اللهُ بها رسولَه، ومَنْ له عِلْمٌ بالشرعِ والواقعِ؛ يَعْلَمُ قَطْعًا أن الرَّجلَ الجليلَ، الذي له في الإسلام قَدَمٌ صالِحٌ، وآثارٌ حَسَنَةٌ، وهو من الإسلام وأَهْلِه بمكان؛ قد تَكُون منه الهَفْوَةُ والزَّلَّةُ، هو فيها مَعْذُور، بل ومأْجُور لاجْتِهَادِهِ؛ فلا يجوز أن يُتَّبَعَ فيها، ولا يجوز أن تُهْدَرَ مكانَتُهُ وإمامَتُهُ ومَنْـِزَلَتُهُ من قلوبِ المسلمين». اهـ.
فتأمل -أيها المُنْصِفُ- هذا الكلامَ الفائقَ الرائقَ، الصافيَ الوافيَ، الذي يَرْوِي الغليلَ، ويَشْفِي العَليل، والذي قد حُرِمَهُ أَهْلُ الجَهْلِ والتجهيلِ!!!
[3] وقد قال الشاطبي في «الموافقات»([892]): «إن زَلَّةَ العالِم لا يَصِحُّ اعتمادُها مِنْ جِهَةٍ، ولا الأَخْذُ بها تقليدًا له… كما أنه لا ينبغي أن يُنْسَب صاحِبُهَا إلى التقصير، ولا أن يُشَنَّع عليه بها، ولا يُنْتَقَصَ من أَجْلها، أو يُعْتَقَد فيه الإِقْدامُ على المخالفةِ بَحْتًا؛ فإن هذا كُلَّه خلافُ ما تقتضي رُتْبَتُهُ في الدين». اهـ.
[4] وهذا الحافظ الذهبي فقد قرر هذا في عدة مواضع من كتبه:
أ- ففي «النبلاء»([893]) ترجمة محمد بن إسحاق بن خزيمة، والذي يُلَقَّب بإمام الأئمة، قال : «ولابن خزيمة عَظَمَةٌ في النفوسِ، وجلالةٌ في القلوبِ؛ لِعِلْمِهِ ودِيِنِهِ واتباعِهِ السنةَ، وكتابُهُ في التوحيد مُجَلَّدٌ كَبيرٌ، وقد تَأَوْل في ذلك حديثَ الصُّورة، فَلْيُعْذَرْ من تَأَوَّلَ بَعْضَ الصفات، وأما السَّلَفُ فما خاضُوا في التأويل، بل آمنوا وكَفُّوا، وفَوّضوا عِلْمَ ذلك إلى الله ورسوله.
قلت: أي: فوّضوا عِلْمَ الكيفية، لا المعنى الذي تدل عليه اللغة العربية، التي نزل بها القرآنُ الكريم.
وقال : «ولو أَنَّ كلَّ مَنْ أَخْطَأَ في اجتهادِهِ، مع صِحَّةِ إيمانِهِ، وتوخِّيهِ لاتباعِ الحقِّ؛ أَهْدَرْناه، وبَدَّعْناه؛ لَقَلّ مَنْ يَسْلَمُ مِنَ الأئمةِ مَعَنا، رحم الله الجميع بمنه وكرمه». اهـ.
هذا مع أن هناك من الأئمة من جعل الكلام بذلك في حديث الصورة من قول الجهمية([894])، وفَرْقٌ بين تخطئة ابن خزيمة فيما خالف فيه أَهْلَ السنة، وبين إسقاطِهِ وإهدارِه، والحقُّ وسَطٌ بين طَرَفيْن، وهُدًى بين ضلالَتَيْنِ.
ب- وفي «النبلاء»([895]) ترجمة محمد بن نصر المروزي، ذكر الذهبي بعضَ المسائل التي خالف فيها أهلَ السنةِ -مع إمامته- وقد هَجَرَهُ بعضُ علماءِ وَقْتِهِ، فَرَدَّ ذلك الذهبي، ثم قال: «ولو أنَّه كلما أَخْطَأ إمامٌ في اجتهادِهِ في آحاد المسائل، خَطَأً مغفورًا له؛ قُمْنَا عليه، وبدَّعْناه، وهَجَرْناه؛ لما سَلِمَ معنا لا ابن نصر، ولا ابن منده، ولا مَنْ هو أَكْبَرُ منهما، والله هو هادي الخَلْقِ إلى الحَقِّ، وهو أَرْحَمُ الراحمين، فنعوذ بالله من الهَوى والفَظَاظَةِ». اهـ.
فتأمل قوله: «فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة»؛ ففيه إشارة إلى أن هذا المسلكَ المخالفَ إنما هو من مسالكِ أهلِ الهوى والفظاظة، كيف لا، وهم بهذا سَيُهْدِرُون الدين بإهدار علمائه؟!! وهل الغلاة في زماننا إلا كذلك؟!!
ج- وفي «النبلاء»([896]) ترجمة قتادة بن دعامة السدوسي البصري، قال الذهبي : «ثم إن الكبير من أئمة العلم، إذا كَثُرَ صَوَابُهُ، وعُلِم تَحَرِّيه للحقِّ، واتَّسَعَ عِلْمه، وظَهَر ذكاؤه، وعُرِفَ صَلاحُهُ، وَوَرَعُه، واتِّباعُه؛ يُغْفَرُ له زَلَلُهُ، ولا نُضَلِّلُه ونَطَّرِحُه، ونَنْسَى مَحاسِنَهُ، نَعَمْ: ولا نَقْتَدِي به في بِدْعَتِهِ وخَطَئِهِ، ونرجوا له التوبةَ من ذلك». اهـ، هذا، وقتادة قد تكلم فيه بعضهم من أجل مقالة القدرية التي كانت مشهورة في البصرة، وتأثر بها بعض الثقات المشاهير.
[5] وفي «الدرر السَّنِيَّة»([897]) قال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب النجدي في رسالته إلى عبدالله بن عيسى وابن عبدالوهاب: «…ومتى لم تَتَبيَّنْ لكم المسألةُ؛ لم يَحِلَّ لكم الإنكارُ على من أَفْتَى أو عَمِلَ، حتى يَتَبَيَّنَ لكم خطؤه، بل الواجبُ السكوتُ والتوقّفُ، فإذا تَحَقَّقْتُم الخطأَ؛ بَيَّنْتُمُوه، ولم تُهْدِروا جميعَ المحاسنِ لأجل مسألة، أو مائة، أو مائتين، أَخْطَأْتُ فيهن؛ فإني لا أَدَّعِي العِصْمَةَ». اهـ.
فماذا يقول بعد ذلك الغلاةُ في التبديع، ودعاةُ الهَجْر والتشنيع في مثل هذه النصوص؟! هل هؤلاء العلماء أئمة المدرسة السلفية عبر التاريخ، أم هم مُمَيِّعون، أو متستِّرون بالسلفية وليسوا كذلك، أم لَبَّس عليهم فلان وفلان؟! ألا يَسْتَحْيي هؤلاء من تشبُّعهم وكذبهم، وطعنهم في الدعاة بذلك؟!
[6] وفي «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية»([898]) قال الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ – جميعًا- في رسالته إلى زيد بن محمد آل سليمان: «… فَيَجِبُ حمايةُ عِرْضِ مَنْ قام لله، وسَعَى في نَصْرِ دِيِنِهِ الذي شَرَعَهُ وارْتَضَاه، وتَرْكُ الالتفاتِ إلى زَلّاتِهِ، والاعتراضِ على عباراتِهِ، فَمَحَبَّةُ اللهِ، والغيرةُ لديِنِه، ونُصْرَةُ كتابِهِ ورسولِهِ؛ مَرْتَبَةٌ عَليَّةٌ، محبوبةٌ لله مَرْضِيَّة، يُغْتَفَر فيها العظيمُ من الذنوب، ولا يُنْظَر معها إلى تلك الاعتراضاتِ الواهيةِ، والمناقشاتِ التي تَفُتُّ في عَضُدِ الداعِي إلى الله، والْمُلْتَمِسِ لرضاه، وهَبْهُ كما قيل؛ فالأمْرُ سَهْلٌ في جَنْبِ تلك الحسناتِ، «وما يُدْرِيك: لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ على أَهْلِ بَدْرٍ، فقال: اعْمَلوا ما شِئْتُمْ؛ فقد غَفَرْتُ لكم»([899]).
| فلْيصْنَع الركْبُ ما شاؤوا لأَنَفْسُهِمْ | هُمْ أَهْلُ بَدْرٍ فلا يَخْشَوْنَ مِنْ حَرَجِ([900]) |
ولما قال المتوكِّلُ لابن الزيات: يا ابنَ الفاعلةِ، وقَذَفَ أُمَّهُ، قال الإمام أحمد : «أرجو أن الله يَغْفِرُ له؛ نظرًا إلى حُسْن قَصْدِهِ في نَصْرِ السنةِ، وقَمْعِ البدعةِ»([901])
ولما قال عمر لحاطب ما قال، ونسبه إلى النفاق؛ لم يعنِّفه النبي، وإنما أَخْبَرَهُ أنَّ هناك مانعًا…». اهـ.
هذا، ولا تفهم -أيها القارئ الكريم- من هذا النقل أن الصواب السكوت عن الخطأ -فضلًا عن الأخْذ به- وإن صَدَر من الكبار!! لكن المراد أنه يُنْكَر بالأسلوب الذي يَحْفَظُ حِشْمةَ المردودِ عليه، ولا يُهْدِرُ الخير الذي عند الداعية أو العالم السني، الذي قَصْده الحقُّ، وأصولُهُ على السُّنة، وقد أَبْلَى بلاءً حَسَنًا في الدفاع عن السنة وأصولها وعلمائها، كما أن له قَدَمَ صِدْق في الدعوة إلى الحقّ ونُصْرَتِهِ، ودَحْرِ شُبُهاتِ المخالفين له، كما أنه يجبُ أن يُنْظَر -أيضًا- إلى عاقبة التصريحِ بالإنكار على من هذا حالُهُ، وإشهارِ ذلك بين الناس، فقد يَشمت أهلُ البدعِ في الداعية أو العالم السني بسبب إنكار إخوانه عليه، وقد يقع الشكُّ والريبُ في صحةِ ما عليه هذا الرجل السني في قلوب حديثي العهد بالدعوة، فينفر الناس عنه، ويذهبون إلى غيره من أهل البدع الكبرى، إذْ ليس موجودا في بلادهم إلا هذا السني الذي فيه بعض الأخطاء، وهذا المبتدع الضال، الذي هو رأسٌ من رؤوس الضلالة، فإذا صُدَّ الناسُ عن السني المخطئ لكلام إخوانه فيه؛ ذهبوا إلى ذاك الضال، والعلماء يؤكدون أنه قبل الإنكار على الناس ما هم عليه من الخطأ؛ فلا بد من النظر إلى الشيء الذي سينتقلون إليه؛ فإن كان أخفَّ ضررًا؛ فلا بأس بالإنكار، وإن كانوا سيذهبون إلى ما هو أكثر فسادًا؛ فلا يُنْكَرَ عليهم ما هم عليه، عملا بالقاعدة المشهورة في تزاحُم المصالح والمفاسد.
وقد يفضي هذا التشنيع إلى ما لا تُحْمد عاقبته من ردود وانتصار للنفس، وتحزُّب لا يُرْضِي اللهَ فلا بُدّ من مراعاة أسلوب الإنكار، وما له على الدعوة وأهلها وأعدائها من آثار.
[7] وقال صاحب الفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين- ([902]): «وأما موقفنا من العلماء المؤولين، فنقول: من عُرِفَ منهم بحُسْن النية، وكان لهم قَدَمُ صِدْقٍ في الدين واتِّباعِ السُّنة؛ فهو مَعْذُورٌ بتأويله السائغ، ولكنَّ عُذْرَه في ذلك؛ لا يَمْنَع مِنْ تخطئة طريقته المخالفة لما كان عليه السلف الصالح، من إجراء النصوص على ظاهرها، واعتقاد ما دل عليه ذلك الظاهِرُ، من غير تَكْييفٍ ولا تَمْثِيلٍ، فإنه يجب التفريقُ بين حُكْمِ القولِ وقائِله، والفعلِ وفاعلِهِ، فالقولُ الخطأُ إذا كان صادرًا عن اجتهادٍ وحُسْنِ قَصْدٍ؛ فلا يُذَمُّ عليه قائلُهُ، بل يكون له أَجْرٌ على اجتهاده، لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا حَكَمَ الحاكم، فاجتهد، ثم أصاب؛ فله أجران، وإذا حَكَمَ، فاجتهد، ثم أخطأ؛ فله أجر» متفق عليه، وأما وَصْفُه بالضلال: فإنْ أُرِيَد بالضلال الضلالُ المطلقُ، الذي يُذَمُّ به الموصوف، ويُمْقَتُ عليه؛ فهذا لا يَتَوَجَّه في مثل هذا المجتهد، الذي عُلِمَ منه حُسْنُ النيةِ، وكان له قَدَمُ صِدْقٍ في الدين واتباع السُّنة، وإن أريد بالضلال مخالفةُ قولِهِ للصوابِ، من غير إشْعَارٍ بِذَمِّ القائلِ؛ فلا بأس بذلك؛ لأن مثل هذا ليس ضلالًا مُطْلَقا؛ لأنه من حيث الوسيلة صوابٌ، حيث بَذَلَ جُهْده في الوصول إلى الحق، لكنه باعتبار النتيجة ضَلَالٌ، حيث كان خلافَ الحقِّ، وبهذا التفصيل يَزول الإشكالُ والتهويلُ، والله المستعان». ا ﻫ([903])
وهذا كلامه فيمن أوّل بعض الصفات، فما ظنك بما هو دون ذلك بدرجات ودرجات؟ بل يلزم منهج أهل السنة، ويفاخر به، وينقض ما خالفه بقدر استطاعته، بل يتبرأ مما خالفه جملة وتفصيلا، ولا يَخْرُجُ عن مَنْهَجِ أئمةِ السلفِ في الأسماء والصفات وغيرها، بل لا ينفرد بقول ليس له فيه إمام في المسائل الفقهية الفرعية، فَضْلًا عن عَدَم مخالفةِ الإجماعِ الثابتِ؟! إنما عَيْبُهُ عند هؤلاء الغلاة: أنه لا يجاريهم في باطلهم وظُلْمِهِم وتجاوُزِهِم، ولم يُبَدِّع مَنْ بَدَّعوه، ويَهْجُرْ من هجروه بظُلْم وافتراء، وتقويلهم إياه ما لم يَقُلْ، إنما هي لوازم باطلة يُلزمونه بها؛ وهو يتبرأ منها ومن كل ما يُفضي إليها، بل ليس في كلامه ما يشير إلى هذه اللوازم أصلا، لكن الغلاة ابْتُلوا بسوء الفهم، وفحْشِ اللسان؟!
وقال في «كتاب العلم»([904]):
«الأمر التاسع: احترامُ العلماء وتقديرُهُم: إن على طلبةِ العلم احترامَ العلماء، وتقديَرهُمْ، وأن تَتَّسِعَ صدورُهم لما يَحْصُل من اخْتِلافٍ بين العلماء وغيرهم، وأن يقابِلُوا هذا بالاعتذارِ عَمَّنْ سَلَكَ سبيلًا خطأً في اعتقادهم، وهذه نقطةٌ مُهِمَّةٌ جدًّا؛ لأن بعض الناس يَتَتَبَّعُ أخطاءَ الآخرين؛ لِيَتَّخِذَ منها ما ليس لائقًا في حَقِّهِم، ويُشَوّشَ على الناس سُمْعَتَهُم، وهذا مِنْ أَكْبَرِ الأخطاءِ، وإذا كان اغْتِيَابُ العامِّيِّ من الناس من كبائر الذنوب؛ فإنَّ اغْتِيَابَ العالِمِ أكْبَرُ وأكْبَرُ؛ لأن اغْتِيَابَ العالِم لا يَقْتَصِرُ ضَرَرُهُ على العالِم، بل عليه وعلى ما يَحْمِلُه مِنَ العِلْمِ الشَّرعي، والناسُ إذا زَهَدوا في العالِم، أو سَقَط من أعينهم؛ تَسْقُط كَلِمَتُهُ أيضًا، وإن كان يقول الحقَّ، ويَهْدِى إليه؛ فإن غِيبَةَ هذا الرجلِ لهذا العالِمِ تكونُ حائلًا بين الناس وبين عِلْمِهِ الشَّرْعِيِّ، وهذا خَطَرُهُ كَبيرٌ وعَظيمٌ».
ثم قال : «أقول: إن على هؤلاء الشباب، أن يَحْمِلُوا ما يَجْرى بين العلماء من الاختلاف على حُسْنِ النيةِ وعلى الاجتهادِ، وأن يَعْذُرُوهم فيما أَخْطَؤوا فيه، ولا مانِعَ أن يَتَكَلَّموا معهم فيما يعتقدون أنه خَطَأٌ؛ ليُبَيِّنُوا لهم: هل الخطأُ منهم، أو مِنَ الذين قالوا: إنهم أَخْطؤوا؛ لأن الإنسانَ أحيانًا يَتَصَوَّرُ أن قولَ العالِمِ خَطَأٌ، ثم بعد المناقشة يتبينُ له صوابُهُ، والإنسانُ بَشَرٌ، «كل ابن آدم خَطَّاءٌ، وخيرُ الخطائين التوابون» أما أن يَفْرح بزلة العالم وخطئه، لِيُشِيعَها بين الناس، فتحْصُلَ الفُرْقة؛ فإن هذا ليس من طريق السلف». اﻫ. فتأمل كيف أن بعض الغلاة يوهم الناس: بأن الشيخ ابن عثيمين على منهجه فيما يسلكه من الغلو في الهجْر والتشنيع، فأين كلامهم من هذا الكلام؟!
– وفي «كتاب العلم» أيضًا([905]) «سؤال: ما قولكم فيمن يَتَّخِذُ من أخطاء العلماء طريقًا للقَدْحِ فيهم، ورَمْيِهِم بالبُهتان، وما النصيحةُ التي تُوَجِّهُهَا لطلبة العلم في ذلك؟
فأجاب الشيخ قائلًا: «العلماءُ بلا شك يُخْطِؤون ويُصِيُبون، وليس أحَدٌ منهم معصومًا، ولا ينبغي لنا-بل ولا يجوز- أن نَتَّخِذَ من خطئهم سُلّمًا للقَدْحِ فيهم؛ فإن هذا طبيعةُ البشر كُلِّهم: أن يُخطؤوا إذا لم يُوفَّقوا للصواب، ولكن علينا إذا سَمِعْنا عن عالِمٍ، أو عن داعيةٍ من الدعاة، أو عن إمامٍ من أئمة المساجد، إذا سمعنا خَطَأً؛ أن نَتَّصِلَ به، حتى يتبيّن لنا؛ لأنه قَدْ يَحْصُلُ في ذلك خَطَأٌ في النَّقْل عنه، أو خَطَأٌ في الفَهْم لما يقول، أو سوءُ قَصْد في تَشْويهِ سُمْعةِ الذي نُقِل عنه هذا الشيءُ، وعلى كل حال: فمن سمع منكم عن عالم، أو عن داعية، أو عن إمام مسجد، أو أي إنسان له ولاية، من سمع عنه مالا يَنْبَغِي أن يكون؛ فَعَلَيْهِ أن يَتَّصِلَ به، وأن يَسْأَله: هل وقع ذلك منه، أم لم يقع؟ ثم إذا كان قد وقع؛ فَلْيُبَيِّنْ له ما يرى أنه خطأ، فإما أن يكون قد أخطأ؛ فيرجعَ عن خطئه، وإما أن يكونَ هو المصيبَ؛ فيُبَيِّنَ وَجْهَ قولِهِ؛ حتى تزولَ الفوضى التي قد نراها أحيانًا، ولا سيما بين الشباب، وأن الواجب على الشباب وعلى غيرهم، إذا سمعوا مثلَ ذلك؛ أن يَكُفّوا أَلْسِنَتَهُم، وأن يَسْعَوْا بالنصح والاتِّصال بمن نُقِلَ عنه ما نُقِل؛ حتى يَتَبَيَّنَ الأمرُ، أما الكلام في المجالس، ولا سيما في مجالسِ العامة، أن يُقال: ما تقول في فلان؟ ما تقول في فلان الآخر, الذي يتكلم ضد الآخرين؟ فهذا أمر لا ينبغي بَثُّهُ إطلاقًا؛ لأنه يُثيرُ الفتنةَ والفوضَى، فيجِبُ حِفْظُ اللسانِ، قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لمعاذ بن جبل -رضي الله عنه-: «ألا أُخْبِرُك بِمَلاك ذلك كُلِّه؟» قلت: بلى، يا رسول الله، فأَخَذَ بلسانِ نَفْسِه، وقال: «كُفَّ عليك هذا»، قلت: يا رسول الله، إنا لمؤاخذون بما نَتَكَلَّمُ به؟ قال: «ثَكَلَتْكَ أُمُّك يا معاذ، وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على وُجوهِهِم -أو قال: على مَنَاخِرِهم– إلا حصائدُ أَلْسِنَتِهِم؟»([906])، وأَنْصَحُ طلبةَ العلمِ وغيرَهُم أن يتقوا اللهَ، وألا يجعلوا أعراضَ العلماء والأمراءِ مَطِيَّةً ترَكْبَوُنها كيفما شِئْتُم؛ فإنه إذا كانت الغِيبَةُ في عامة الناس من كبائر الذنوب؛ فهي في العلماء والأمراء أَشَدُّ وأَشَدُّ، حمانا الله وإياكم عما يُغْضِبُه، وحمانا عما فيه العدوان على إخواننا، إنه جواد كريم». اﻫ. وانظر نحو ذلك في شريط (الحياة السعيدة) الوجه (ب).
[8] وكذلك صاحب الفضيلة معالي الشيخ صالح بن فوزان الفوزان
–حفظه الله- فإن له كلامًا يؤيِّد ما نحن بصدده، وهو على خلاف ما عليه كثيرٌ من المتهوِّرين -أيضًا- قال -حفظه الله-([907]): «الطريقةُ الصحيحةُ للتعامل مع العلماء عند ظَنِّ خطئهم: نَعَمْ، أنا لا أقول عن العلماء: مَعْصُومون، وأنهم لا يُخطؤون، العِصْمَةُ لكتاب الله، وسنة رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- والعلماءُ يخطؤون، ولكن ليس العلاجُ أننا نُشَهِّرُ بهم، وأننا نَتَّخِذُهم أغراضًا في المجالس، أو ربما على بعض المنابر، أو بعضِ الدروسِ، لا يجوز هذا أبدًا، حتى لو حَصَلَتْ من عالم زَلَّةٌ أو خَطَأٌ؛ فإنَّ العلاجَ يكون بغير هذه الطريقة، قال تعالى: [ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ] {النور:19}، نسأل الله العافية والسلامة، فالواجب أن نَتَنَبَّهَ لهذا الأمر، وأن يَحْتَرِمَ بعضُنا بعضًا، ولا سيما العلماء، فإن العلماءَ ورثةُ الأنبياء، ولو كان فيهم ما فيهم». ا ﻫ.
فتأمل -هداك الله لما فيه رضاه- كلامَ العلماء، وحِرْصَهُم على بيان الحقِّ مع إغلاق باب الفوضى أمام من يخُبُّ فيها ويضَعُ، وهم اليوم كثيرٌ من المنتسبين للعلم، والله المستعان!!!
[9] وقال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي ([908]): «وشَخْصٌ سُنِّيٌّ، ولو أخطأ، لابد أن يُغَضَّ الطرفُ عنه، والحمدُ لله، وأما الرجوع إلى الحق، ففضيلةٌ، والحمدُ لله الذي وفقني لذلك». اهـ.
ويقال في هذا أيضًا: ما قيل في كلام الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ وانظر لشيخنا مقبل كتاب «فضائح ونصائح»([909]).
فليس المرادُ أن نَقْبَلَ الخطأَ من العالم لمكانتِهِ الرفيعةِ بين أهل السنة، ولكن ليس كُلُّ إنكارٍ، ومن أيِّ شَخْصٍ، وبأيِّ أسلوبٍ، وفي أي وقت، ومع كل ظَرْف يكون نافعًا، أو مأمونَ العاقبة!!
[10] وقال الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ -حفظه الله تعالى- في شريط «الفتوى بين مطابقة الشرع ومسايرة الأهواء» الوجه (ب): «أيضًا، إذا كانت المسألةُ متعلقةً بالعقائد، أو كانَتْ المسألةُ متعلقَةً بعالم من أهل العلم في الفتوى في شأنه، في أمر من الأمور؛ فإنه هنا يجب النظر فيما يَؤُولُ إليه الأَمْرُ من المصالح ودَفْعِ المفاسد؛ ولهذا ترى أئمةَ الدعوةِ – تعالى- من وقت الشيخ عبدالرحمن بن عبداللطيف بن حسن -أحد الأئمة المشهورين- والشيخ محمد بن إبراهيم، إذا كان الأمر متعلقًا بعالم، أو بإمام، أو بمن له أَثَرٌ في السنة؛ فإنهم يتورَّعُون، ويَبْتَعِدُون عن الدخول في ذلك:
الشيخ صِدِّيق حسن خان القِنَّوْجيّ الهندي: المعروف عند علمائنا له شأنٌ، ويقدِّرون كتابه «الدين الخالص»، مع أنه نَقَدَ الدعوةَ في أكْثَرِ مِنْ كتابٍ له، لكن يَغُضُّون النَّظَرَ عن ذلك، ولا يُصَعِّدون هذا؛ لأجل الانْتِفَاع بأَصْلِ الشيء، وهو تحقيق التوحيد، ودرء الشرك.
المثال الثاني: الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني: المعروف، صاحب كتاب «سبل السلام» وغيره، له كتاب «تطهير الاعتقاد»، وله جهود كبيرة في رد الناس إلى السنة، والبُعْدِ عن التقليد المذموم، والتعصب، وعن البدع، لكنْ زَلَّ في بعض المسائل، ومنها ما يُنْسَبُ إليه في قصيدتِهِ المشهورةِ، لما أَثْنَى على الدعوة، قيل: إنه رَجَعَ عن قصيدته تلك بأخرى، يقول فيها: «رَجَعْتُ عن القول الذي قلتُ في النَّجْدي» يعني: محمد بن عبدالوهاب النجدي، ويأخذ هذه القصيدةَ أربابُ البدع، وهي تُنْسَبُ له، وتُنْسَب لابنه إبراهيم، وينشرونها على أن الصنعاني كان مؤيدًا للدعوة، لكنه رجع.
والشوكاني أيضًا – تعالى-: مقامُهُ أيضًا معروفٌ، ومع ذلك كان علماؤنا الشوكاني (كذا في الشريط، ولعله: «يرون أن الشوكاني») له اجتهادٌ خاطئ في التوسُّل، وله اجْتِهَاد خاطئ في الصفات، وتَفْسِيره في بعض الآيات له تأويل، وله كلام في عمر -رضي الله عنه- ليس بالجيد، وله كلام -أيضًا- في معاوية -رضي الله عنه- ليس بالجيد، لكن العلماء لا يَذْكُرون ذلك، وألَّف الشيخ سليمانُ بنُ سحمان كتابَ «تبرئة الشيخين الإمامين»، يعني: بهما الإمام الصنعاني والإمام الشوكاني، وهذا لماذا؟ لماذا فعل ذلك؟ لأن الأَصْلَ الذي يَبْنِي عليه هؤلاء العلماءُ هو السنةُ، فهؤلاء ما خالفونا في أَصْلِ الاعتقاد، وما خالفونا في التوحيد، ولا خالفونا في نُصْرَةِ السنة، ولا خالفونا في رَدِّ البِدَع، وإنما اجتهدوا، فأخطؤوا في مسائل، والعالمُ لا يُتَّبَعُ بزلته -كذا، ولعله لا يُتَتَبَّع بزلته: أي: يفضح بزلته- كما أنه لا يُتَّبَع في زلته- أي: لا يُقتدى به فيها -فهذه تُتْرَكُ ويُسْكَتُ عنها، ويُنشَرُ الحقُّ، ويُنْشَرُ من كلامه مما يُؤَيَّد به.
وعلماء السنة لما زلّ ابن خزيمة في مسألة الصورة، كما هو معلوم، ونَفَى صِفَةَ الصورةِ لله ردّ عليه ابن تيمية في أكثر من مائة صفحة، مع ذلك؛ علماءُ السنة يقولون عن ابن خزيمة: إنه إمام الأئمة، ولا يَرْضَوُن أن أحدًا يَطْعَنُ في ابن خزيمة؛ لأن كتاب «التوحيد»، الذي ملأه بالدفاع عن التوحيد لله رب العالمين، وبإثبات أنواع الكمالات لله في أسمائه ونُعُوتِهِ-جل جلاله- وتَقَدَّسَتْ أسماؤه، والذهبيُّ في «سير أعلام النبلاء» قال: «وَزَلَّ ابنُ خزيمة في هذه المسألة».
فإذنْ: هنا إذا وقع زَلَلٌ في مِثْلِ هذه المسائل، فما الموقفُ منها؟ الموقفُ: أنه يُنْظَر إلى مُوافَقَتِهِ لنا في أَصْلِ الدين، ومُوافَقَتِهِ للسنة، ونُصْرَتِهِ للتوحيد، ونُصْرَتِهِ لنَشْرِ العلم النافع، ودعوتِهِ إلى الهُدَى، ونحو ذلك من الأصول العامة، ويُنْصَح في ذلك، وربما رُدَّ عليه على حِدَةٍ، لكن لا يُقْدَحُ فيه قَدْحًا!!-كذا- يُلْقِيهِ تمامًا -أي يُسْقِطُه تماما- وعلى هذا كان منهجُ أئمةِ الدعوةِ في هذه المسائل، كما هو معروف.
وقد حدثني فضيلة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان -حفظه الله تعالى- حينما ذَكَرَ قصيدةَ الصنعاني الأخيرة: «رجعتُ عن القولِ الذي قُلْتُ في النَّجْدي» التي يقال: إنه رجع فيها، أو أنه كتبها، قال: سألت شيخنا محمد بن إبراهيم عنها، هل هي له، أم ليست له؟ قال: فقال لي: الظاهر أنها له، والمشايخُ مشايخُنا يُرَجِّحُون أنها له، ولكن لا يريدون أنْ يُقَال ذلك؛ لأنه نَصَرَ السنةَ، ورَدَّ البدعة، مع أنه هَجَم على الدعوة، وتكلَّم في هذه القصيدة عن الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ثم الشوكاني له قصيدةٌ أرسلها إلى الإمام سعود، ينهاه فيها عن كثير من الأفعال، من القتال، ومن التوسُّع في البلاد، ونحو ذلك في أشياء، لكنَّ مقامَهُ محفوظ، لكن ما زلُّوا فيه؛ لا يُتَابَعُون عليه، ويُنْهَى عن متابعته…».
إلى أن قال حفظه الله: «لأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها، وهذه القاعدةُ المتَّفَقُ عليها، لها أَثرٌ كبيرٌ، بل يَجِب أن يكون لها أَثَرٌ كبيرٌ في الفتوى…». اهـ.
فتأمل نسبةَ هذا المنهج إلى أئمة الدعوة النجدية، وأن كلام الشيخ صالح آل الشيخ-أيَّده الله- عامٌّ في كل من له أثر في السنة، فمن أين أتى كثير من هؤلاء الغلاة الخسّافين الهدّامين بهذه الطريقة التي ينافحون عنها، ويزعمون أنها منهج السلف، والتي خالفوا بها السلفَ والخلَف؟!
فالزمْ يا طالبَ النجاةِ منهجَ العلماءِ الأفاضِل، والأئمةِ الأماثِلِ، ولا تَتَّبِعْ انحرافاتِ المنحرفين عن الجادّةِ.
رابعًا: أمثلة لأئمة وعلماء وقعت منهم أخطاء عقدية، ولم يسقطهم علماء الأمة بالكلية:
فكم من رجل مشهور بالانتصار للسنة؛ وأخطأ في موضع أو مواضع في مسائل العقيدة؛ فابن خزيمة، إمام الأئمة، زلَّت قدمه في الكلام عن مسألة صورة الرحمن، فوافق قولُه فيها قولَ الجهمية، وقتادة له قول يُشْبِهُ قولَ القدرية، والأعمش تأثر بشيعة الكوفة، وابن منده له كلام غير مقبول في كون الإيمان مخلوقًا، وأبو حاتم الرازي له كلام أنكره عليه بعض الأئمة، والبيهقي له كلام في التمشعر، وكذا النووي والحافظ ابن حجر، والذهبي له كلام يشبه كلام المتصوفة في بعض المواضع، فقد قال في قبر معروف الكرخي «هو التَّرْياقُ الْمُجَرَّبُ»
وسأورد جملةً من أحوال من سميتُ من الأئمة وغيرهم، وكيف تعامل العلماء مع أخطائهم وزلاتهم.
- فمن ذلك: قَتَادَةُ بنُ دِعَامَةَ بنِ قَتَادَةَ بنِ عَزِيْزٍ السَّدُوْسِيُّ :
جاء في «سير أعلام النبلاء» للذهبي([910]): «حَافِظُ العَصْرِ، قُدْوَةُ المفسِّرِيْنَ وَالمُحَدِّثِيْنَ، أَبُو الخَطَّابِ السَّدُوْسِيُّ، البَصْرِيُّ، الضَّرِيْرُ، الأَكْمَهُ…
وَكَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ العِلْمِ، وَمِمَّنْ يُضرَبُ بِهِ المَثَلُ فِي قُوَّةِ الحِفظِ…
وَكَانَ يَرَى القَدَرَ – نَسْأَلُ اللهَ العَفْوَ -.
وَمعَ هَذَا، فَمَا تَوقَّفَ أَحَدٌ فِي صِدقِه، وَعَدَالَتِه، وَحِفظِه، وَلَعَلَّ اللهَ يَعْذُرُ أَمْثَالَه مِمَّنْ تَلبَّسَ بِبدعَةٍ، يُرِيْدُ بِهَا تَعْظِيْمَ البَارِي وَتَنزِيهَه، وَبَذَلَ وُسْعَهُ، وَاللهُ حَكَمٌ عَدلٌ لَطِيْفٌ بِعِبَادِه، وَلاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ.
ثُمَّ إِنَّ الكَبِيْرَ مِنْ أَئِمَّةِ العِلْمِ إِذَا كَثُرَ صَوَابُه، وَعُلِمَ تَحَرِّيهِ لِلْحقِّ، وَاتَّسَعَ عِلْمُه، وَظَهَرَ ذَكَاؤُهُ، وَعُرِفَ صَلاَحُه وَوَرَعُه وَاتِّبَاعُه؛ يُغْفَرُ لَهُ زَلَلُهُ، وَلاَ نُضِلِّلْهُ وَنَطرْحُهُ، وَنَنسَى مَحَاسِنَه.
نَعَم، وَلاَ نَقتَدِي بِهِ فِي بِدعَتِه وَخَطَئِه، وَنَرجُو لَهُ التَّوبَةَ مِنْ ذَلِكَ». اهـ
- الأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ بنُ مِهْرَانَ الكَاهِلِيُّ :
قال الذهبي في «سير أعلام النبلاء»([911]): الإِمَامُ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، شَيْخُ المُقْرِئِيْنَ وَالمُحَدِّثِيْنَ،… وَكَانَ عَالِمًا بِالفَرَائِضِ، وَكَانَ فِيْهِ تَشَيُّعٌ. اهـ
- محمد بن نصر المروزي :
في «سير أعلام النبلاء»([912]) ترجمة محمد بن نصر المروزي، ذكر الذهبي بعض المسائل التي خالف فيها أهلَ السنة -مع إمامته- وقد هجره بعضُ علماء وقته، فَرَدَّ ذلك الذهبي، فقال: «قَالَ الحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ مَنْدَةَ فِي مَسْأَلَةِ الإِيْمَان: صَرَّحَ مُحَمَّدُ بنُ نَصْرٍ فِي كِتَاب (الإِيْمَان) بِأَنَّ الإِيْمَانَ مَخْلُوْقٌ، وَأَنَّ الإِقْرَارَ، وَالشَّهَادَةَ، وَقرَاءةَ القُرْآنِ بِلَفْظِهِ مَخْلُوْقٌ.
ثُمَّ قَالَ: وَهَجَرَهُ عَلَى ذَلِكَ عُلَمَاءُ وَقتِهِ، وَخَالفَهُ أَئِمَّةُ خُرَاسَانَ وَالعِرَاقِ.
قُلْتُ: الخَوْضُ فِي ذَلِكَ لاَ يَجُوْزُ، وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوْزُ أَنْ يُقَالُ: الإِيْمَانُ، وَالإِقْرَارُ، وَالقِرَاءةُ، وَالتَّلَفُّظُ بِالقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوْقٍ، فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ العبَادَ وَأَعمَالَهُمُ، وَالإِيْمَانُ: فَقَوْلٌ وَعمَلٌ، وَالقِرَاءةُ وَالتَّلَفُّظُ: مِنْ كَسْبِ القَارِئِ، وَالمَقْرُوءُ المَلْفُوظُ: هُوَ كَلاَمُ اللهِ وَوَحْيُهُ وَتَنْزِيلُهُ، وَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوْقٍ، وَكَذَلِكَ كَلِمَةُ الإِيْمَانِ، وَهِيَ قَوْلُ: (لاَ إِلَهَ إِلَّا الله، مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ اللهِ) دَاخلَةٌ فِي القُرْآنِ، وَمَا كَانَ مِنَ القُرْآنِ؛ فلَيْسَ بِمَخْلُوْقٍ، وَالتَّكَلُّمُ بِهَا مِنْ فِعْلنَا، وَأَفعَالُنَا مَخْلُوْقَةٌ، وَلَوْ أَنَّا كلَّمَا أَخْطَأَ إِمَامٌ فِي اجْتِهَادِهِ فِي آحَادِ المَسَائِلِ خَطَأً مَغْفُورًا لَهُ، قُمْنَا عَلَيْهِ، وَبدَّعْنَاهُ، وَهَجَرْنَاهُ؛ لَمَا سَلِمَ مَعَنَا لاَ ابْنُ نَصْرٍ، وَلاَ ابْنُ مَنْدَه، وَلاَ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُمَا، وَاللهُ هُوَ هَادِي الخَلْقِ إِلَى الحَقِّ، وَهُوَ أَرحمُ الرَّاحمِينَ، فَنَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الهوَى وَالفظَاظَةِ.». اهـ.
- ابن منده :
هو الإِمَامُ، الحَافِظُ، الجَوَّالُ، مُحَدِّثُ الإِسْلاَم، أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ المُحَدِّثِ أَبِي يَعْقُوْبَ إِسْحَاقَ ابْنِ الحَافِظِ أَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بنِ يَحْيَى بنِ مَنْدَةَ.
قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي «تَاريخِ أَصْبَهَان»: ابْنُ مَنْدَه حَافِظٌ مِنْ أَولاَد المُحَدِّثِيْنَ، اخْتَلَط فِي آخِرِ عُمُرِهِ، فَحَدَّث عَنِ ابْنِ أَسِيد، وَابْن أَخِي أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيّ، وَابنِ الجَارُوْدِ بَعْدَ أَنْ سُمِعَ مِنْهُ أَنَّ لَهُ عَنْهُم إِجَازَةً، وَتَخَبَّط فِي أَمَاليه، وَنسبَ إِلَى جَمَاعَةٍ أَقوَالًا فِي المُعتقدَاتِ لَمْ يُعْرفُوا بِهَا – نَسْأَلُ اللهَ السترَ وَالصِّيَانَة -».([913])
– قال الحافظ الذهبي في كلامه في أبي نعيم: «قُلْتُ: لاَ نعبأُ بِقَولكَ فِي خَصمكَ للعداوةِ السَّائِرَة، كَمَا لاَ نَسْمَعُ أيضًا قَوْلَه فِيك، فَلَقَدْ رَأَيْتُ لاِبْنِ مَنْدَة حَطًّا مُقذِعًا عَلَى أَبِي نُعَيْمٍ وَتَبْدِيْعًا، وَمَا لاَ أُحِبُّ ذِكرَهُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا فَصدوقٌ فِي نَفْسِهِ، غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي نَقلِهِ بِحمدِ الله». اهـ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «ووقع بين أبي نعيم الأصبهاني وأبي عبد الله بن منده في ذلك ما هو معروف، وصنف أبو نعيم في ذلك كتابه في الرد على اللفظ والحلولية، ومال فيه إلى جانب النفاة القائلين بأن التلاوة مخلوقة، كما مال ابن منده إلى جانب من يقول: إنها غير مخلوقة، وحكى كُلٌّ منهما عن الأئمة ما يَدُلُّ على كثير من مقصوده لا على جميعه، فما قَصَدَهُ كُلٌّ منهما من الحق؛ وَجَدَ فيه من المنقول الثابت عن الأئمة ما يوافقه». اهـ([914])
وقال : «وَالْبُخَارِيُّ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ فِي «خَلْقِ الْأَفْعَالِ» أَنَّ كِلْتَا الطَّائِفَتَيْنِ لَا تَفْهَمُ كَلَامَ أَحْمَد، وَمِنْ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى الْمُنْتَسِبَةِ إلَى السُّنَّةِ وَأَتْبَاعِ أَحْمَد: أَبُو نُعَيْمٍ الأصبهاني وَأَبُو بَكْرٍ البيهقي وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ يَقُولُ: إنَّهُمْ مُتَّبِعُونَ لَأَحْمَدَ، وَإِنَّ قَوْلَهُمْ فِي «مَسْأَلَةِ اللَّفْظِ» مُوَافِقٌ لِقَوْلِ أَحْمَد، وَوَقَعَ بَيْنَ ابْنِ منده وَأَبِي نُعَيْمٍ بِسَبَبِ ذَلِكَ مُشَاجَرَةٌ، حَتَّى صَنَّفَ أَبُو نُعَيْمٍ كِتَابَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى الحروفية الْحُلُولِيَّةِ، وَصَنَّفَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ كِتَابَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى اللَّفْظِيَّةِ». اهـ([915])
- أبو حاتم الرازي :
وهو محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الحنظلي، أبو حاتم الرازي الحافظ، كان أحد الأئمة الحفاظ الأثبات المشهورين بالعلم المذكورين بالفضل.
قال الحافظ في «تهذيب التهذيب»([916]):
قال مسلمة في «الصلة»: كان ثقة، وكان شيعيًّا مُفْرِطًا، وحديثه مستقيم. انتهى.
(قال الحافظ): ولم أر من نسبه إلى التشيع غير هذا الرجل، نعم ذكر السليماني ابنه عبد الرحمن من الشيعة الذين كانوا يقدمون عليا على عثمان، كالأعمش وعبد الرزاق، فلعله تَلَقَّفَ ذلك من أبيه.
و كان ابن خزيمة يرى ذلك أيضًا مع جلالته.
وقد ذكر ابن أبى حاتم في مقدمة «الجرح والتعديل» لوالده ترجمة مليحة فيها أشياء تدل على عِظَمِ قَدْرِهِ، وجلالتِهِ، وسَعَةِ حِفْظِهِ .
- البيهقي :
وهو الحافظ العلامة الثبت الفقيه، الأصولي، الدَّيِّن الوَرع، واحد زمانه في الحفظ، وفرد أقرانه في الإتقان والضبط: أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن عبد اللَّهِ بن موسى، الخُسْرَوجِرْدي البيهقي النيسابوري الخيراساني.
أثنى إمامُ الحرمين الجوينيُّ على خدمةِ البيهقيِّ لمذهبِ الشافعي بقوله: «ما من شافعيٍّ إلا وللشافعيِّ في عنقِه مِنَّةٌ، إلا البيهقيَّ؛ فإنَّه له على الشافعي مِنَّةٌ؛ لتصانيفِه في نصرته لمذهبِه وأقاويلِه». اهـ([917])
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : «البيهقيُّ أَعْلَمُ أصحاب الشافعي بالحديث، وأَنْصَرُهُم للشافعي». اهـ([918])
- لكن للبيهقي موقفٌ من أخبار الصفات يخالف مذهب السلف في بعض المواضع:
فقد تتلمذ البيهقي على ابن فورك، وقد درس ابن فورك المذهب الأشعري بالعراق على أبي الحسن الباهلي، والبيهقيُّ والخطيبُ البغداديُّ معدودان في الطبقة الثالثة أو المرحلة الثالثة من مراحل تدوين مذهب الأشاعرة، التي تبدأ بالأشعري نفسه، فالمرحلة الثانية يمثلها الباقلاني وابن فورك، والمرحلة الثالثة يمثلها أبو بكر البيهقي والخطيب البغدادي([919]).
وقد قرأ علم الكلام على مذهب الأشعري.([920])
بل قال المعلمي : «وإني والله، ما آسَى على ابن فورك، وإنما آسَى على مَسْحُوره البيهقي، الذي امتلأ من تهويلات ابن فورك وغيره رُعْبًا، فاستسلم لهم، وانقاد وراءهم». اهـ([921])
ومع ذلك فقد عَدَّهُ شيخ الإسلام ابن تيمية من فضلاء الأشعرية.([922])
وقد عَدَّ أهل العلم أن ما وقع في كلامه في كتاب «الاعتقاد» إنما دخل عليه من كلام المتكلمين وتَكَلُّفِهِم، فراج عليه، واعتقد صحته.
والبيهقي مع تَوَلِّيه للمتكلمين من أصحاب أبى الحسن الأشعري؛ فقد ألف كتابه «الأسماء والصفات» وروى في هذا الكتاب النصوص المثبتة لصفات اللَّهِ بإسناده إلى النبي -صلى اللَّهِ عليه وعلى آله وسلم-
ويمكن القول بأنه سلك في الاستدلال طريقة السلف، وخالف الأشاعرة في كثير من المسائل عند التطبيق، لكنه أَوَّلَ بعضَ الصفات على مذهب الأشاعرة المتقدمين، ومع ذلك؛ فقد خالف جمهور الأشاعرة، وهم المتأخرون الذين استقر المذهب على رأيهم، وذلك أنه أثبت كثيرًا من الصفات الواردة في القرآن والسنة؛ كإثبات الوجه والعين واليدين، خلافا لمذهب جمهور الأشاعرة، وأَوَّلَ بعض الصفات، ولهذا نَقَلَ في تأويله في بعض هذه الصفات عن بعض أئمة الأشاعرة.([923])
وقد كتب الشيخ عبد الرزاق عفيفي تقريرًا عن كتاب «الاعتقاد» للبيهقي، كما في فتاوى الشيخ عبد الرزاق عفيفي([924]) فيُراجعه من أراد المزيد.
وهناك كتاب بعنوان: «البيهقي وموقفه من الإلهيات»، وهي رسالة دكتوراه في جامعة أم القرى، تأليف: أحمد بن عطية بن علي الغامدي، يشتمل هذا الكتاب على عرض مستفيض ومناقشة هادفة لآراء البيهقي في مباحث الإلهيات، وهي مباحث أسماء الله وصفاته، ومسألة رؤية الله تعالى، ومسألة خلق أفعال العباد.
وقد صَدَّرَ المؤلفُ حديثَهُ عن كل مسألة من المسائل التي تَعَرَّضَ لها بذِكْر آراء الفرق فيها على سبيل الاختصار، ثم يتناول بعد ذلك الحديث عن رأي البيهقي تفصيلًا، ثم يُعَقِّب عليه بذِكْر موافقته لرأي السلف أو عدمها، مع مناقشة مستفيضة للآراء التي خالف السلف فيها، وتأييد ما وافقهم عليه بعبارات يوردها من كتبهم.
قلت: هذا كله من مواقف البيهقي ومع هذا فما هو موقف علماء السنة منه؟ هل يمدحونه لخدمته السنة، ويحذرون من خطئه فيما أخطأ فيه؟ وبالجواب على هذا تعرف حقيقة ما ذهب إليه الغلاة، وأنه منهج يخالف الواقع العملي لعلماء السنة، والله المستعان.
النووي :
سئلت اللجنة الدائمة هذا السؤال: بالنسبة للإمام النووي بعضُ الإخوة يقول: إنه أشعري في الأسماء والصفات، فهل يصح هذا؟ وما الدليل؟ وهل يصح التكلم في حق العلماء بهذه الصورة؟ ومنهم من قال: إن له كتابًا يسمى [بستان العارفين] وهو صوفي فيه، فهل يصح هذا الكلام؟
فأجابت: له أغلاط في الصفات، سلك فيها مسلك المؤولين، وأخطأ في ذلك، فلا يُقْتَدَى به في ذلك، بل الواجب التمسك بقول أهل السنة: وهو إثبات الأسماء والصفات الواردة في الكتاب العزيز والسنة الصحيحة المطهرة، والإيمان بذلك على الوجه اللائق بالله من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل؛ عملًا بقوله سبحانه: [ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ] {الشورى:11}، وما جاء في معناها من الآيات.اهـ.
فتأمل مع هذا كله فإنهم لا يحذرون من جميع كُتبه، بل ينشرونها، ويحثون على الاستفادة منها، مع عدم اتباعه على ما خالف فيه.
ومن الصفات التي يؤولها الإمام النووي الصفات الخبرية: كالنزول، والفرح، والضحك، ومن المسائل التي تأوَّل فيها فرجَّح ما يخالف مذهب السلف مسألة: شد الرحال إلى قبور الصالحين والمواضع الفاضلة.
وللشيخ مشهور بن حسن آل سلمان -حفظه الله- كتاب مفيد مُفَصَّل عن الإمام النووي في هذا الجانب، اسمه: «الردود والتعقيبات على ما وقع للإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم من التأويل في الصفات وغيرها من المسائل المهمات» فارجع إليه تجد الشواهد فيه، ومما قاله فيه: الإمام النووي انطلق فيما صار إليه في الأسماء والصفات من وجوه مختلفة في فهم النص، أدى إلى القول بالتفويض، أو التأويل، وخاصة في الصفات الخبرية، كالنزول، والفرح، والغضب، ونحوها، ولم يستقر فيما ذهب إليه على قواعد مطردة، وإنما تَبِعَ فيه غيره… اهـ.
قال العلامة الشيخ ابن عثيمين في معرض كلامه عن الحافظين النووي وابن حجر -رحمهما الله-:
«وهل يصح أن ننسب هذين الرجلين وأمثالهما إلى الأشاعرة، ونقول: هما من الأشاعرة؟ الجواب: لا، لأن الأشاعرة لهم مذهب مستقل، له كيان في الأسماء والصفات والإيمان وأحوال الآخرة، وما أحسن ما كتبه أخونا سفر الحوالي عما علم من مذهبهم؛ لأن أكثر الناس لا يفهم عنهم إلا أنهم مخالفون للسلف في باب الأسماء والصفات، ولكن لهم خلافات كثيرة.
فإذا قال قائل في مسألة من مسائل الصفات، بما يوافق مذهبهم، فلا نقول: إنه أشعري، أرأيتم لو أن إنسانا من الحنابلة اختار قولا للشافعية؛ فهل نقول: إنه شافعي؟». اهـ([925])
قلت: تأمل مدحه لما قاله الشيخ سفر الحوالي -أتم الله شفاءه- فهل يكون سلفيًّا عند الغلاة مع هذا المدح؟ فإما أن يتناقضوا، وإما أن يَتَخَلَّوْا عن مذهبهم المنحرف، القائم على: إما أن توافقني فيما أنا عليه من الحق، وإلا فأنت مخالف للحق كله!!!
وقال أيضًا : «فهذان الرجلان بالذات ما أعلم اليوم أن أحدا قَدَّمَ للإسلام في باب أحاديث الرسول مثلما قدماه، ويدلك على أن الله -سبحانه وتعالى- بحوله وقوته -ولا أتألى على الله- قد قبلها، ما كان لمؤلفاتهما من القبول لدى الناس؛ لدى طلبة العلم، بل حتى عند العامة، فالآن كتاب «رياض الصالحين» يُقْرَأُ في كل مجلس، ويُقْرَأُ في كل مسجد، وينتفع الناس به انتفاعا عظيما، وأتمنى أن يجعل الله لي كتابا مثل هذا الكتاب، كل ينتفع به في بيته، وفي مسجده». انتهى([926])
أَبُو ذَرٍّ الهَرَوِيُّ :
قال الحافظ الذهبي :
أَبُو ذَرٍّ الهَرَوِيُّ عَبْدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ، الحَافِظُ، الإِمَامُ، المُجَوِّدُ، العَلَّامَةُ، شَيْخُ الحرمِ…
وَقَالَ الأَمِيْنُ ابْنُ الأَكْفَانِيِّ: حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيٍّ الحُسَيْنُ بنُ أَبِي حَرِيْصَةَ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا ذَرٍّ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ بِمَكَّةَ، وَكَانَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَمَذْهب الأَشْعَرِيِّ.
قُلْتُ (الذهبي): أَخذ الكَلاَمَ وَرَأْيَ أَبِي الحَسَنِ -أي الأشعري عَنِ القَاضِي أَبِي بَكْرٍ بنِ الطَّيِّب، وَبثَّ ذَلِكَ بِمَكَّةَ، وَحَمَلَهُ عَنْهُ المغَاربَةُ إِلَى المَغْرِب، وَالأَنْدَلُس، وَقبل ذَلِكَ كَانَتْ عُلَمَاءُ المَغْرِب لاَ يدخُلُوْنَ فِي الكَلاَم، بَلْ يُتْقِنُوْنَ الفِقْهَ أَوِ الحَدِيْثَ أَوِ العَرَبِيَّةَ، وَلاَ يَخُوْضُون فِي المعقولاَتِ…». اهـ([927])
وقال المعلمي : «قال ابن الجوزي في «المنتظم»([928]): «كان من الأشاعرة المُبْغَضِين، وهو أَوَّلُ من أَدْخَلَ الحَرَمَ مذهبَ الأشعري، ولا يُقْبَلُ جَرْحُه لحنبلي يعتقد كُفْره».
أقول: قال ابن الجوزي نفسه في ترجمة أبي ذر من «المنتظم»([929]): «كان ثقة ضابطًا فاضلًا… وقيل: إنه كان يميل إلى مذهب الأشعري» ويظهر من هذه العبارة الأخيرة أن الميل لم يثبت عنه، فإن ثَبَتَ؛ فما مقداره؟ وقد كان ابن الجوزي نفسه مائلًا، بل يوجد في كلامه وكلام كثير من الحنابلة ما هو أَبْعَدُ عن قول أحمد والأئمة من كلام الأشعري وأصحابه، هكذا قاله أعرف الناس بهم، وهو رجل منهم كما تقدم في ترجمة الخطيب، وهب أن أبا ذر كان أشعريًا فما تفصيل ذلك؟ والنقل عن الأشعري مختلِفٌ، وأصحابه مختلفون.
وعلى كل حال: فلا يُكَفِّرون الحنابلة، نعم قد يبدعونهم، ولكن عقلاءهم -ولا سيما العارفين بالرواية منهم كالبيهقي- لا يرون ذلك مُوهِنًا للرواية، ولا مُسَوِّغًا للبُغْض والعداوة، وقد مَرَّتْ الإشارة إلى ذلك في القواعد، وأَشْبَعْتُ القول في قسم الاعتقاديات، فالحقُّ الذي لا مَعْدَل عنه: أن أبا ذر ثقة تُقْبَلُ روايته، ويُرَدُّ عليه من قوله ورأيه ما أخطأ فيه الحق». اهـ([930])
قلت: هذا هو الإنصاف، فلا أقام الله مذهب الغلاة الخَسَّافين!!
أبو إسماعيل الهروي :
قال الحافظ الذهبي :
«عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ محمد بن أحمد بن عليّ بن جعفر بن منصور بن مَتّ، شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاريّ الهَرَويّ الحافظ العارف، [المتوفَّى: 481 هـ]…
وصنَّف كتاب «الفاروق في الصّفات» وكتاب «ذمّ الكلام» وكتاب «الأربعين حديثًا» في السُّنَّة، وكان جِذْعًا في أعين المتكلِّمين، وسيفًا مسلولًا على المخالفين، وطودًا في السّنة لا تزعزعه الرّياح.
وقد امْتُحِن مرَّاتٍ؛ قال الحافظ محمد بن طاهر: سمعتُ أبا إسماعيل الأنصاريّ يقول بهَرَاة: عُرِضتُ على السَّيف خمس مرّات، لا يقال لي: ارجعْ عن مذهبك، لكن يقال لي: اسكُت عمّن خالفك، فأقول: لا أَسْكُتُ، وسمعته يقول: أحفظ اثني عشر ألف حديث، أَسْرُدُها سَردًا.
قلت: خرّج أبو إسماعيل خلْقًا كثيرًا بهَرَاة، وفسّر القرآن زمانًا، وفضائله كثيرة، وله في التصوف كتاب «منازل السّائرين» وهو كتاب نفيس في التَّصوُّف، ورأيت الاتحاديّة تعظّم هذا الكتاب وتنتحله، وتزعم أنّه على تصوّفهم الفلسفيّ، وقد كان شيخنا ابن تيمية بعد تعظيمه لشيخ الإسلام يحطّ عليه، ويرميه بالعظائم، بسبب ما في هذا الكتاب، نسأل الله العفو والسلامة.
وله قصيدة في السُّنّة، وله كتاب في مناقب أحمد بن حنبل، وتصانيف أُخر لا تحضُرني…». اهـ
وذكَرَ شيخ الإسلام ابن تيمية قولَ الجهمية في الحلول، وأن لشيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي كلامًا يُوهِمُ ذلك، وإن كان لا يريده، فقال : «فَقَوْلُ الْقَائِلِ: «إِسْقَاطُ الْحُدُوثِ» إِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ الْمُحْدَثَ عَدَمٌ؛ فَهَذَا مُكَابَرَةٌ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ إِسْقَاطَ الْمُحْدَثِ مِنْ قَلْبِ الْعَبْدِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي قَلْبِهِ إِلَّا الْقَدِيمُ؛ فَهَذَا إِنْ أُرِيدَ بِهِ ذَاتُ الْقَدِيمِ؛ فَهُوَ قَوْلُ النُّسْطُورِيَّةِ مِنَ النَّصَارَى، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مَعْرِفَتُهُ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَتَوْحِيدُهُ، أَوْ قِيلَ: مِثْلُهُ، أَوِ الْمِثْلُ الْعِلْمِيُّ، أَوْ نُورُهُ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ؛ فَإِنَّ قُلُوبَ أَهْلِ التَّوْحِيدِ مَمْلُوءَةٌ بِهَذَا، لَكِنْ لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ذَاتُ الرَّبِّ الْقَدِيمِ وَصِفَاتُهُ الْقَائِمَةُ بِهِ.
وَأَمَّا أَهْلُ الِاتِّحَادِ الْعَامِّ فَيَقُولُونَ: مَا فِي الْوُجُودِ إِلَّا الْوُجُودُ الْقَدِيمُ، وَهَذَا قَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ.
وَأَبُو إِسْمَاعِيلَ لَمْ يُرِدْ هَذَا، فَإِنَّهُ قَدْ صَرَّحَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كُتُبِهِ بِتَكْفِيرِ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّةِ الْحُلُولِيَّةِ، الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَإِنَّمَا يُشِيرُ إِلَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ بَعْضَ النَّاسِ.
وَلِهَذَا قَالَ: «أَلَاحَ مِنْهُ لَائِحًا إِلَى أَسْرَارِ طَائِفَةٍ مِنْ صَفْوَتِهِ»…»اهـ.([931])
قلت: هكذا دافع عنه شيخُ الإسلام ابنُ تيمية -رحمهما الله- وحَمَل بعض كلامه على محمل حَسَن، واستدل بكلامه الآخر في تكفير الجهمية، فكيف يُحْشَر معهم لكلمة مشتبهة عنه؟ ففيه حَمْلُ شيخ الإسلام المُجْملَ على المفصَّل في كلام أبي إسماعيل، وهذا القول جِذْعٌ في أعين الغلاة ومن يقلِّدونه!!
وعلى كل حال: وإن رجع شيخ الإسلام ابن تيمية عن ذلك -من باب التسليم الجدلي للغلاة-، فما هو حاله قبل أن يرجع؟ هل كان مبتدعًا يدافع عن المبتدعة، كما هو حقيقة منهج الغلاة؟!
وفي «مدارج السالكين»([932]) لابن القيم كلامٌ في سياق ذِكر ما أُخِذَ على أبي إسماعيل الهروي، سيأتي بعضه، ومما قاله:
«وَلَا تُوجِبُ هَذِهِ الزِّلَّةُ مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ إِهْدَارَ مَحَاسِنِهِ، وَإِسَاءَةَ الظَّنِّ بِهِ، فَمَحَلُّهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْإِمَامَةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالتَّقَدُّمِ فِي طَرِيقِ السُّلُوكِ الْمَحَلُّ الَّذِي لَا يُجْهَلُ، وَكُلُّ أَحَدٍ فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمَتْرُوكٌ إِلَّا الْمَعْصُومَ -صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ- وَالْكَامِلُ مَنْ عُدَّ خَطَؤُهُ، وَلَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَجَالِ الضَّنْكِ، وَالْمُعْتَرَكِ الصَّعْبِ، الَّذِي زَلَّتْ فِيهِ أَقْدَامٌ، وَضَلَّتْ فِيهِ أَفْهَامٌ، وَافْتَرَقَتْ بِالسَّالِكِينَ فِيهِ الطُّرُقَاتُ، وَأَشْرَفُوا – إِلَّا أَقَلَّهُمْ – عَلَى أَوْدِيَةِ الْهَلَكَاتِ.
وَكَيْفَ لَا؟ وَهُوَ الْبَحْرُ الَّذِي تَجْرِي سَفِينَةُ رَاكِبِهِ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ، وَالْمُعْتَرَكُ الَّذِي تَضَاءَلَتْ لِشُهُودِهِ شَجَاعَةُ الْأَبْطَالِ، وَتَحَيَّرَتْ فِيهِ عُقُولُ أَلِبَّاءِ الرِّجَالِ، وَوَصَلَتِ الْخَلِيقَةُ إِلَى سَاحِلِهِ يَبْغُونَ رَكُوبَهُ». اهـ
إلخ ما قال من كلام نفيس، فارجع إليه -إن شئت-.
وقال ـ ابن القيم أيضًا ـ: «فرحمة الله على أبي إسماعيل، فتح للزنادقة باب الكفر والإلحاد، فدخلوا منه، وأقسموا بالله جَهْد أيمانهم: إنه لمنهم، وما هو منهم، وغرّه سرابُ الفناء؛ فظن أنه لُجّة بحر المعرفة، وغاية العارفين، وبالغ في تحقيقه وإثباته؛ فقاده قسرًا إلى ما ترى… إلى أن قال: «وحاشا شيخ الإسلام من إلحاد أهل الاتحاد، وإن كانت عبارته مُوهِمَةً، بل مُفْهِمَة ذلك…». اهـ.([933])
وفي «سير أعلام النبلاء»([934]) ترجمة الهروي، قال الذهبي : «قلت: قد انتفع به خَلْقٌ، وجَهِلَ آخرون؛ فإن طائفة من صوفية الفلسفة والاتحاد، يخضعون لكلامه في «منازل السائرين» وينتحلونه، ويزعمون أنه موافقهم، كلا، بل هو رَجُلٌ أَثَرِيٌّ، لَهِجٌ بإثبات نصوص الصفات، منافِرٌ للكلام وأهله جدًّا، وفي «منازله» إشارات إلى المحو والفناء: وإنما مراده بذلك الفناء: هو الغَيْبة عن شهود السِّوَى، ولم يرد محو السِّوَى في الخارج، ويا ليته لا صَنَّف ذلك، فما أحلى تصوفَ الصحابة والتابعين، ما خاضوا في هذه الخطرات والوساوس، بل عبدوا الله، وذَلُّوا له، وتوكَّلوا عليه، وهم من خشيته مشفقون، ولأعدائه مجاهدون، وفي الطاعة مسارعون، وعن اللغو معرضون، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم». اهـ.
قلت: فمع هذا كله يقول عنه الحافظ الذهبي : «شيخ الإسلام» كما سبق قريبا، فهل أسقطوه لما قال، وحرَّموا النظر في كتبه، كما يفعل الغلاة مع من خالفهم -وإن كان هو المحق-؟!
- مِسْعَر بن كِدام:
فقد اتُّهم بالإرجاء.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثني أبي. قال: سمعت سفيان بن عيينة، قال: قال لي سفيان الثوري: ألا تقول لمسعر: إني بالهلالية -يعني في الإرجاء -، وقال أبو نعيم: قال مسعر: أشك في كل شيء إلا في إيماني.([935])
وقال ابن هانئ: قال أبو عبد الله: أما مسعر، فلم أسمع منه أنه كان مرجئًا، ولكن يقولون: إنه كان لا يستثني.([936])
وقال أبو داود: سمعت أحمد ذكر المرجئة، فقال: قيس بن مسلم، وعلقمة بن مرثد، وعمرو بن مرة، ومسعر.([937])
وفي «سير أعلام النبلاء»([938]): وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ سَعْدٍ: كَانَ لِمِسْعَرٍ أُمٌّ عَابِدَةٌ، فَكَانَ يَخْدُمُهَا، وَكَانَ مُرْجِئًا، فَمَاتَ، فَلَمْ يَشهَدْهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالحَسَنُ بنُ صَالِحٍ.
وَرُوِيَ عَنْ: زَيْدِ بنِ الحُبَابِ، وَغَيْرِهِ: أَنَّ مِسْعرًا قَالَ: الإِيْمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ.
وَرَوَى: مُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي مَخْزُوْمٍ، ذَكَرَهُ عَنْ مِسْعَرِ بنِ كِدَامٍ، قَالَ: التَّكذِيبُ بِالقَدَرِ أَبُو جَاد الزَّنْدَقَةِ. اهـ
وقال الحافظ الذهبي في «ميزانه»([939]): «مسعر بن كدام حجة إمام، ولا عبرة بقول السليماني: كان من المرجئة مسعر وحماد بن أبي سليمان والنعمان وعمرو بن مرة وعبد العزيز بن أبي رواد وأبو معاوية وعمرو بن ذر…، وسرد جماعة».
ثم قال : «قلت: الارجاء مذهب لعدة من جِلَّة العلماء؛ لا ينبغي التحامل على قائله». اهـ
قلت: لعله يريد أن الإرجاء من البدع الخفيفة قياسًا بالروافض والخوارج والمعتزلة… إلخ، ومع ذلك فالإرجاء في الأولين أخف بلاءً من الإرجاء في المتأخرين.
وقوله : «لا ينبغي التحامل على قائله» أي الإنكارُ الفَظُّ الغليظ، كما يُنْكر على الرافضي والجهمي ونحوهما من أهل البدع المعقدة، التي فيها شركيات ومُكَفِّرات كبرى، وإلا فيُنْكر على المرجئ وما دونه لكن بطريقة مثمرة نافعة، ولهذا تفصيل قد ذكرته في غير هذا المكان، نقلًا عن عدد من علماء الأمة -رحمة الله عليهم-.
- الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت :
أقوال العلماء فيه:
الذين أثنوا على الإمام في علمه وفقهه وورعه وزهده كثيرون، منهم:
الفضيل بن عياض، وابن جريج.([940])
وكذلك الإمام أحمد بن حنبل ([941])، وشعبة بن الحجاج العتكي([942])، وإسرائيل بن يونس([943])، والحسن بن صالح([944])، وأبو داود السجستاني([945])، وابن عبد البر([946])، وأبو الحجاج المزي([947])، وشيخ الإسلام ابن تيمية([948])، والذهبي([949]).
ورغم ثنائهم عليه في سعة علمه وفقهه وورعه ومجانبته السلاطين، فقد عاب عليه بعض العلماء كلاما بلغهم عنه في الإيمان، وتكلموا فيه من أجله: كقوله إن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان، ومن هنا كان اتهام أبي حنيفة بالإرجاء.
قال ابن عبد البر : «كل من قال من أهل السنة: الإيمان قول وعمل؛ يُنْكِرون قوله، ويُبَدِّعونه بذلك».([950])
ولا شك أن هذا القول خلاف مذهب السلف، لكنه إرجاء مقيد، لا يصل إلى الإرجاء الخالص المطلق، الذي يزعم أصحابه أنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فبرغم موافقته لهؤلاء في عدم إدخال الأعمال في مسمى الإيمان، لكنه يختلف معهم اختلافا جذريا؛ فهم يرون أنه لا تضر مع الإيمان معصية، وهو يرى أن مرتكب الذَّنب مستحق للعقاب، وأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له.([951])
فالمقصود أنه لا يجوز لنا أن نصف الإمام بالإرجاء المطلق، وإنما فيه شيء وافق فيه المرجئة.
ومع ما سبق من الثناء على الإمام أبي حنيفة ، فقد عارض ذلك ذَمٌّ له من بعض الأئمة لأمور، منها ما ثبت عنه ولم يثبت رجوعُه عنها، ومنها ما ثبت عنه وقد ثبت رجوعه عنها، ومنها ما لم يثبت عنه.
فعن نصر بن على، قال: سمعت ابن داود يقول: الناس في أبى حنيفة حاسِدٌ وجاهلٌ-أي بحقيقته-، وأحسنُهُم عندي حالا الجاهل.
وممن أطلق الذم في الإمام أبي حنيفة :
حماد بن سلمة([952])، وسفيان الثوري([953])، وسفيان بن عيينة([954])، ومالك بن أنس، وشريك، وغيرهم.([955])
كل هذا والإمام أبو حنيفة أحد أئمة الإسلام، وعلماء السنة يُثنون عليه، وينقلون أقواله من جملة أقوال علماء الإسلام والسنة، ومذهبه المنتشر في العالم يُعَدُّ من مذاهب أهل السنة، وعلماء مذهبه من أهل الاجتهاد المعتبر قولهم في الإجماع كإمامهم، فهل أسقطه العلماء، وأمروا بحرق كتبه وكتب علماء مذهبه، أم اكتفوْا بالتحذير من المسائل التي أخطأ فيها، مع أخْذ العلم عنه؟ أما الغلاة فيلزمهم إن طردوا منهجهم أن يسقطوه، وإلا تناقضوا!!! لكن ما هي منزلتهم عند علماء الأمة، سواء أسقطوه أو اعتمدوه؟!!
- الحسن بن صالح بن حي:
هو الحَسَنُ بنُ صَالِحِ بنِ صَالِحِ بنِ حَيٍّ الهَمْدَانِيُّ، وَاسْمُ حَيٍّ: حَيَّانُ بنُ شُفَيِّ بنِ هُنَيِّ بنِ رَافِعٍ، الإِمَامُ الكَبِيْرُ، أَحَدُ الأَعْلاَمِ، أَبُو عَبْدِ اللهِ الهَمْدَانِيُّ، الثَّوْرِيُّ، الكُوْفِيُّ، الفَقِيْهُ، العَابِدُ، أَخُو الإِمَامِ عَلِيِّ بنِ صَالِحٍ.
قال الذهبي: قُلْتُ: هُوَ مِنْ أَئِمَّةِ الإِسْلاَمِ، لَوْلاَ تَلَبُّسُهُ بِبِدعَةٍ.
وقد أورد الذهبي في ترجمته([956]) أقوال عدد من الأئمة في ذم بدعته، كسُفْيَان الثَّوْرِيّ، وابْنِ إِدْرِيْسَ، ويُوْسُفَ بنِ أَسْبَاطٍ، وحَفْص بن غِيَاثٍ، وزَائِدَة، ويَحْيَى بن سَعِيْدٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بن مهدي.
قُلْتُ (الذهبي): كَانَ يَرَى الحَسَنُ الخُرُوْجَ عَلَى أُمَرَاءِ زَمَانِهِ لِظُلْمِهِم وَجَوْرِهِم، وَلَكِنْ مَا قَاتَلَ أَبَدًا، وَكَانَ لاَ يَرَى الجُمُعَةَ خَلْفَ الفَاسِقِ. اهـ
وأورد من أثنى عليه، كوكيع، وأبي أحمد الزبيري، وعَبْدَةَ بنِ سُلَيْمَانَ، وأَبي نُعَيْمٍ، وأَبي غَسَّان.
ولم يُبَدِّعُوا من أثنى عليه، كما هو حال الغلاة في هذا العصر، إذا خالفتهم في مدح رجل يذمُّونه -وإن كان الحقّ معك- شنَّعُوا عليك، فكيف إذا كُنْتَ مخطئًا في مدحه؟ فهذا وكيع أخطأ في إطلاق المدح لابن حيّ، ولم يبدِّعْه من يبدِّع ابن حيٍّ!! والغلاة توسَّعُوا جدًّا في قولهم: من لم يبدِّع فلانًا؛ فهو مبتدع، ومن لم يبدِّع الثاني؛ فهو مبتدع… وهكذا!! حتى لزمهم أن يبدِّعُوا مشاهير علماء السنة في هذا العصر، بل فيما قبله من عصور، وإلا تناقضوا!!!
- موقف الإمام أحمد من الإمام علي بن المديني -رحمهما الله-:
قال العقيلي: قرأت على عبد الله بن أحمد كتاب «العلل» عن أبيه، فرأيت فيه حكايات كثيرة، عن أبيه، عن علي بن عبد الله، ثم قد ضَرَبَ على اسمه، وكتب فوقه: حدثنا رجل، ثم ضرب على الحديث كله، فسألت عبد الله، فقال: كأن أبي حدثنا عنه، ثم أَمْسَكَ عن اسمه، وكان يقول: «حدثنا رجل»، ثم ترك حديثه بعد ذاك.([957])
هذا بعد أن كان الإمام أحمد يُجِلُّ ابنَ المديني ويحبه.
قال أبو حاتم الرازي: كان علي بن المديني عَلَمًا في الناس في معرفة الحديث والعلل، وكان أحمد بن حنبل لا يُسَمِّيه، إنما يكنيه «أبا الحسن» تبجيلًا له، وما سمعت أحمد سماه قط.([958])
وسببُ تغيُّرِ الإمام أحمد عليه ما وقع منه في فتنة خلق القرآن، وقد أورد ذلك غير واحد من العلماء في كتب التراجم.
قال الخطيب البغدادي : والذي يُحْكَى عن علي بن المديني أنه روى لابن أبي دؤاد حديثًا عن الوليد بن مسلم في القرآن، كان الوليد أخطأ في لفظة منه، فكان أحمد بن حنبل ينكر عَلَى عَلِيٍّ روايته ذلك الحديث.([959])
وقال أبو بكر المروذي : قلت لأبي عبد الله: إن علي بن المديني حدث عن الوليد بن مسلم حديث عمر «كِلُوه إلى خالقه»؟ فقال: هذا كذب، ثم قال: هذا كتبناه عن الوليد، إنما هو «فَكِلُوه إلى عالمه»، هذا كذب.([960])
وقال أبو بكر المرُّوذي : قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: إن علي بن المديني يحدث، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أنس، عن عمر «كِلُوه إلى خالقه»، فقال أبو عبد الله: كذب، حدثنا الوليد ابن مسلم مرتين، ما هو هكذا، إنما هو: «كِلُوه إلى عالمه»، قلت لأبي عبد الله: إن عباسًا العنبري قال: لما حدث به بالعسكر، قلت لعلي بن المديني: إنهم قد أنكروه عليك؟ فقال: حَدَّثْتُكُم به بالبصرة، وذكر أن الوليد أخطأ فيه، فغضب أبو عبد الله، وقال: فنعم قد عَلِمَ -يعني علي بن المديني- أن الوليد أخطأ فيه، فَلِمَ أراد أن يحدثهم به؟ يعطيهم الخطأ؟ وكَذَّبَهُ أبو عبد الله.
قال أبو بكر المرُّوزِي : وسمعت رجلًا من أهل العسكر يقول لأبي عبد الله: علي بن المديني يقرؤك السلام، فَسَكَتَ.
وقال أبو بكر المرُّوزِي: قلت لأبي عبد الله: قال لي عباس العنبري: قال علي بن المديني -وذكر رجلًا- فتكلم فيه، فقلت له: إنهم لا يقبلون منك، إنما يقبلون من أحمد بن حنبل، قال: قَوِيَ أحمدُ على السَّوْط، وأنا لا أَقْوَى.([961])
قلت: فهل أسقط علماء السنة ابن المديني مطلقا؟ أم اكتفوا فقط بالتحذير من موقفه وخطئه في تلك الفتنة مع ثنائهم عليه، والاستفادة من علمه، وأين هذا من منهج الغلاة كبيرهم؟!!
بل أحمد نفسه لما تناظر معه في الشهادة بالجنة للعشرة المبشرين بالجنة -رضى الله عنهم- وكان أحمد يشهد لهم، وابن المديني يروي الأحاديث ولا يشهد لهم، فتناظرا حتى ارتفعت الأصوات، وخَشِي الناسُ أن يقع بينهما بسبب ذلك جفاء، إلا أنهما لم يتهاجرا بسبب هذه المسألة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «وكذلك ناظر الإمام أحمد أقواما من أهل السنة في «مسألة الشهادة للعشرة بالجنة» حتى آلت المناظرة إلى ارتفاع الأصوات وكان أحمد وغيره يرون الشهادة ولم يهجروا من امتنع من الشهادة؛ إلى مسائل نظير هذه كثيرة». اهـ([962])
والخلاصة: العلماء الذين مُسُّوا ببدعة أو مقالة شنيعة يشق حصْرهم، ومع ذلك فالأئمة لم يسقطوهم بالكلية، ويكفي موقف أهل السنة من الرواية عن الثقات الذين وقعوا في بدعة أو أكثر، وهذا كله بخلاف إطلاقات الغلاة، التي تدل على جهل أو هوى، والله المستعان.
خامسًا -أي: الخامس من وجوه الإجابة على هذا السؤال-: الحكم في هذه المسائل يكون على مقامين:
1- مقام الإطلاق، 2- مقام التعيين.
فقد سبق وقُلْنا: إنه لا يلزم من القول ببدعية قول من الأقوال أن يكون القائل مبتدعًا، وهذا الأمر معلوم، لكن البعض يستشكل لماذا لا يأخذ المعيَّن نفس الحكم بالضرورة؟
ولكي يتضح الأمر لابد من الكلام في عدة اعتبارات:
أولًا: اعتبار الزمان والمكان:
وهو من أهم الاعتبارات التي تُؤَثِّر في الحكم على المعين، فدراسة الأحوال التي قيل فيها هذا القول مهمة، من حيث المسألة ذاتها، ومدى ظهورها وخفائها.
مثال ذلك: الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- حَكَّ المعوذتين من المصحف- مع أن إنكار شيء من القرآن كُفْرٌ مجرد- لكن لما كان زمانه لم يستقر فيه الأمر بعد على قرآنيتهما عند ابن مسعود؛ لم يَكُنْ ما فَعَلَهُ كُفْرا في زمنه، وإلا فلو فعل ذلك اليوم -بل وقبل اليوم- أحد؛ لكَفَّروه بإجماع بعد استتابته.
فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ الله يَحكُّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنْ مَصَاحِفِهِ، وقال: لَا تَخْلِطُوا فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ.([963])
وعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: قُلْتُ لأُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ: إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ لَا يَكْتُبُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ في مُصْحَفِهِ؟ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – أخبرني أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لَهُ: [ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ] {الفلق:1} فَقُلْتُهَا، فَقَالَ: [ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ] {الناس:1} فَقُلْتُهَا، فَنَحْنُ نَقُولُ مَا قَالَ النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.([964])
وقد جنح الحافظ ابن حجر في «الفتح»([965]) والزرقاني في «مناهل العرفان» لثبوت ذلك عن ابن مسعود، وقال: إنه يَحْتَمِلُ التأويل، بأنه قال أو فَعَلَ ذلك قبل ثبوت قرآنيتهما عنده؛ فلما ثبت ذلك عنده؛ وافق جمهور الصحب فيهما، وكان يُقْرِئ بهما.
قال الزرقاني في «مناهل العرفان في علوم القرآن»: يحتمل أن إنكار ابن مسعود لقرآنية المعوذتين والفاتحة -على فرض صحته- كان قبل عِلْمِهِ بذلك، فلما تبين له قرآنيتهما بعد؛ تَمَّ التواتر، وانعقد الإجماع على قرآنيتهما، وكان في مقدمة من آمن بأنهما من القرآن، قال بعضهم: يحتمل أن ابن مسعود لم يسمع المعوذتين من النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم تتواترا عنده، فتوقف في أمرهما، وإنما لم يُنْكَر ذلك عليه؛ لأنه كان بصدد البحث والنظر، والواجبُ عليه التثبت في هذا الأمر. اهـ.
قال الزرقاني: ولعل هذا الجواب هو الذي تستريح إليه النفس؛ لأن قراءة عاصم عن ابن مسعود ثبت فيها المعوذتان والفاتحة، وهي صحيحة، ونَقْلُها عن ابن مسعود صحيح، وكذلك إنكار ابن مسعود للمعوذتين جاء من طريق صححه ابن حجر، إذًا فَلْيُحْمَلْ هذا الإنكار على أُولى حالات ابن مسعود جمعا بين الروايتين. اهـ([966])
ومن جملة أثر العامل الزمني أيضًا: تَبَاعُدُ الزمان عن نور النبوة والرسالة، فيوضح شيخ الإسلام ابن تيمية أن كثيرا من المسائل كانت ظاهرة عند السلف – ولم تكن كذلك عند الخلف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «فَكُلُّ مَا خَالَفَ حُكْمَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ فَإِمَّا شَرْعٌ مَنْسُوخٌ، وَإِمَّا شَرْعٌ مُبَدَّلٌ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ؛ بَلْ شَرَعَهُ شَارِعٌ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْ اللَّهِ، كَمَا قَالَ: [ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ] {الشورى:21} لَكِنَّ هَذَا وَهَذَا قَدْ يَقَعَانِ فِي خَفِيِّ الْأُمُورِ وَدَقِيقِهَا، بِاجْتِهَادِ مِنْ أَصْحَابِهَا، اسْتَفْرَغُوا فِيهِ وُسْعَهُمْ فِي طَلَبِ الْحَقِّ، وَيَكُونُ لَهُمْ مِنْ الصَّوَابِ وَالِاتِّبَاعِ مَا يَغْمُرُ ذَلِكَ، كَمَا وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فِي مَسَائِلِ الطَّلَاقِ وَالْفَرَائِضِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ مِثْلُ هَذَا فِي جَلِيِّ الْأُمُورِ وَجَلِيلِهَا؛ لِأَنَّ بَيَانَ هَذَا مِنْ الرَّسُولِ كَانَ ظَاهِرًا بَيْنَهُمْ، فَلَا يُخَالِفُهُ إلَّا مَنْ يُخَالِفُ الرَّسُولَ، وَهُمْ مُعْتَصِمُونَ بِحَبْلِ اللَّهِ، يُحَكِّمُونَ الرَّسُولَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، لَا يَتَقَدَّمُونَ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَضْلًا عَنْ تَعَمُّدِ مُخَالَفَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَلَمَّا طَالَ الزَّمَانُ؛ خَفِيَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ مَا كَانَ ظَاهِرًا لَهُمْ، وَدَقَّ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ مَا كَانَ جَلِيًّا لَهُمْ، فَكَثُرَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مُخَالَفَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مَا لَمْ يَكُنْ مِثْلُ هَذَا فِي السَّلَفِ، وَإِنْ كَانُوا مَعَ هَذَا مُجْتَهِدِينَ مَعْذُورِينَ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ، وَيُثِيبُهُمْ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُمْ مِنْ الْحَسَنَاتِ مَا يَكُونُ لِلْعَامِلِ مِنْهُمْ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُهَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَجِدُونَ مَنْ يُعِينُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَهَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرُونَ لَمْ يَجِدُوا مَنْ يُعِينُهُمْ عَلَى ذَلِكَ؛ لَكِنَّ تَضْعِيفَ الْأَجْرِ لَهُمْ فِي أُمُورٍ لَمْ يُضَعَّفْ لِلصَّحَابَةِ؛ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا أَفْضَلَ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا يَكُونُ فَاضِلُهُمْ كَفَاضِلِ الصَّحَابَةِ..». اهـ([967])
ويقول : «وبَيَّنَّا أن المؤمن الذي لا ريب في إيمانه قد يخطئ في بعض الأمور العلمية الاعتقادية، فَيُغْفَرُ له كما يُغْفَرُ له ما يخطئ فيه من الأمور العملية، وأن حكم الوعيد على الكفر لا يثبت في حق الشخص المعين؛ حتى تقوم عليه حجة الله التي بَعَثَ بها رُسُلَه، كما قال تعالى: [ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ] {الإسراء:15} وأن الأمكِنةَ والأزمِنةَ التي تَفتُرُ فيها النُّبوَّةُ، لا يكونُ حُكمُ مَن خَفِيَت عليه آثارُ النبُوَّةِ، حتى أنكر ما جاءتْ به خطأً؛ كما يكونُ حُكمُه في الأمكِنةِ والأزمِنةِ التي ظهَرَت فيها آثارُ النبوَّةِ». اهـ([968])
ثانيا: اعتبار التأويل:
فاعتبار التأويل مُهِمٌّ جدًا، فيُعْذَر به المتأول بخطئه، ولا يخرج المتأول عن دائرة أهل السنة، إن كان في الأصل منطلقا منها:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُخْطِئِينَ مَعَهُمْ مِقْدَارٌ مَا مِنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ إذْ الْكَلَامُ فِيمَنْ يَكُونُ كَذَلِكَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ السَّلَفَ أَخْطَأَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ التَّكْفِيرِ بِذَلِكَ، مِثْلُ مَا أَنْكَرَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ يَسْمَعُ نِدَاءَ الْحَيِّ، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ الْمِعْرَاجُ يَقَظَةً، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ رُؤْيَةَ مُحَمَّدٍ رَبَّهُ، وَلِبَعْضِهِمْ فِي الْخِلَافَةِ وَالتَّفْضِيلِ كَلَامٌ مَعْرُوفٌ، وَكَذَلِكَ لِبَعْضِهِمْ فِي قِتَالِ بَعْضٍ، وَلَعْنِ بَعْضٍ، وَإِطْلَاقِ تَكْفِيرِ بَعْضِ أَقْوَالٌ مَعْرُوفَةٍ». اهـ([969])
ومن أمثلة ذلك:
1- القاضي شريح :
فقد أنكر شريح القاضي أن الله يَعْجَب؛ لأن العجب في اللغة لا يكون إلا بعد جَهْلٍ بالأمر، فاستشكل الصفة، مما أداه إلى إنكار قراءة متواترة.
وإنكارُ قراءةٍ متواترةٍ كُفْرٌ مُسْتَقِلٌّ!
ومع كل هذا؛ فقد اتفق السلف على إمامته، وأنه من أَجِلَّة أهل السنة؟
يقول شيخ الإسلام في نفس الموضع السابق: «وَكَانَ الْقَاضِي شريح يُنْكِرُ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ: ﴿بَلْ عَجِبْتُ﴾ وَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ لَا يَعْجَبُ؛ فَبَلَغَ ذَلِكَ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ، فَقَالَ: إنَّمَا شريحٌ شَاعِر يُعْجِبُهُ عِلْمُهُ، كَانَ عَبْد اللَّه أُفْقَهَ، مِنْهُ فَكَانَ يَقُولُ: ﴿بَلْ عَجِبْتُ﴾ فَهَذَا قَدْ أَنْكَرَ قِرَاءَةً ثَابِتَةً، وَأَنْكَرَ صِفَةً دَلَّ عَلَيْهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَاتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ إمَامٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ». اهـ
لذلك يوضح شيخ الإسلام أن الجهمية الأوائل كانت منطلقاتهم جُحودَ القرآن، واستخدامَ عقولهم، ولذلك كَفَّرَهُم السلف، وليس كل من تأول بعض الصفات لسبب عنده كان مِثْلَهُم بالضرورة.
2- أبو إسماعيل الهروي (شيخ الإسلام):
قد سبق ذِكْر جملة من أخطاء هذا الإمام وكيفية تعامُلِ العلماء معها، بما يغني عن إعادته.
3- بعض الحنابلة والأثرية نَفَوْا الأفعال الاختيارية، مثل القاضي الباقلاني وابن الزاغوني، بل ونقلها شيخ الإسلام ابن تيمية عن أجداده آل تيمية -رحم الله الجميع-.
ونَفْيُ الأفعال كُفْرٌ مُجَرَّدٌ؛ لقوله تعالى: [ﯗ ﯘ ﯙ] {البروج:16}، وقد كَفَّرهم نعيم بن حماد، ونقله البخاري مُقِرًّا له في «خلق أفعال العباد»، لكن لما عنَّتْ للمتأخرين شبهةٌ كلامية، ولم يقصدوا إنكار آيات القرآن؛ لم يَكْفُروا بذلك، بل لم يَخْرُجوا أصلًا من أهل السُنة -ولو في الجملة-.
هذه ثلاثة أمثلة لمن أخطأ في العقيدة ولم يَخْرُجْ عن مُسمى أهل السنة، ولم يُبَدَّع، وإن كان قوله – كقولٍ مُجَرَّدٍ- باطلًا مردودًا عليه.
ثالثا: اعتبار صحة مصدر التلقي وعدمه:
فلا نُسَوِّي بين من كان مأخَذُهُ وأصولُه ومنطلقاتُهُ سُنيةً صحيحةً؛ مع من كان مأخذه وأصوله ومنطلقاته بدعية غير صحيحة، ومن كان من المتكلمين؛ يختلف عمن كان من غيرهم، ولذلك فَرَّقَ العلماء بين طبقات الأشعرية وأفرادهم، فليسوا في الحكم سواء، فالأثريون منهم -أي المعظمون للآثار وأئمة الأثر وإن انحرفوا عن مسائل أخرى- ليسوا كالمتكلمين.
فبعض الأشاعرة مَصْدَرُ تَلَقِّيِه صحيحٌ، وهو على التوحيد والسنة، بل ويُنْكِرُ على من خاض في علم الكلام:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «حَتَّى إنَّ مِنْ الْحِكَايَاتِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي بَلَغَتْنَا: أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا عَمْرِو بْنَ الصَّلَاحِ أَمَرَ بِانْتِزَاعِ مَدْرَسَةٍ مَعْرُوفَةٍ مِنْ أَبِي الْحَسَنِ الآمدي وَقَالَ: أَخْذُهَا مِنْهُ أَفْضَلُ مِنْ أَخْذِ عَكَّا، مَعَ أَنَّ الْآمِدِيَّ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ فِي وَقْتِهِ أَكْثَرَ تَبَحُّرًا فِي الْعُلُومِ الْكَلَامِيَّةِ وَالْفَلْسَفِيَّةِ مِنْهُ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِهِمْ إسْلَامًا وَأَمْثَلِهِمْ اعْتِقَادًا». اهـ([970])
وكانت عَكَّا تحت الصليبيين وقتئذٍ، فجعل ابن الصلاح الحَجْرَ على الآمدي أَوْلَى من فَتْحِ عَكَّا.
ولذلك بيَّن شيخ الإسلام أن الاجتهاد يشمل الأصول والفروع، ويُؤْجَر الرجلُ على الإصابة والخطأ فيهما([971])، مع أن الغلاة يعدُّون الاجتهاد محصورًا في الفروع، وليس لذلك.
لذلك فإن من كانت أصولُهُ صحيحةً -كالنووي وابن الصلاح وابن العطار مثلا -؛ سوف تجده ينكر على المتكلمين، وإذا ظهرتْ له السنةُ؛ تَمَسَّكَ بها.
رابعًا: اعتبار النشأة:
فقد كان الإمام أحمد وغيره يعذرون أهل البصرة على قولهم بالقدر؛ لأن بعض علماءهم البصريين قالوا بتلك البدعة، فَعُذْرُهم أن هذا ما نشأوا عليه، ورَفَضَ أهلُ الحديث تبديعَهُم، بل كان الإمام أحمد يُعَظِّمُهم، ولا يُخْرِجُهم من أهل السنة في الجملة.
ولما سمع الامام أحمد أن أحد القضاة أراد أن يُضيق على القدرية في البصرة؛ تَدَخَّل بنفسه هو وأصحابه، وأفهموه أن المكان الذي نشأوا فيه أَثَّرَ عليهم.
فتأمل هذا الاعتبار الذي لا يرفع به ولا بغيره الغلاةُ رأسًا!!!
قال عبد الله بن أحمد – رحمهما الله -: «سَمِعت مُحَمَّد بْن يحيى بْن سَعِيد الْقطَّان قَالَ: لما ولي مُعَاذ بْن مُعَاذ قَضَاء الْبَصْرَة؛ أَبى أَن يُجِيز شَهَادَة الْقَدَرِيَّة، قَالَ: فَكَلمهُ أَبِي وخَالِد بْن الْحَارِث، وَقَالا لَهُ: قد عَرَفْتَ أَهْل هَذَا الْمَصْرَ؛ قَالَ: فَكَأَنَّهُ تَسَاهَلَ بَعْدُ». اهـ([972])
مع اعتبار أن بيئة الإمام أحمد كان ينتشر فيها السنة، وكانوا هم الأغلب في الأمة الإسلامية، ولم تكن انتشرت مقالة تأويل الصفاتَ بعدُ، فلما انتشرت الشبهة في المتأخرين، وقال بها علماء، وصُنِّفَتْ فيها مجلدات؛ كانتْ من جنس إنكار القَدَر ونحوه في زمن الإمام أحمد .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يتأول لهم: «حَتَّى تَجِدَ خَلْقًا مِنْ مُقَلِّدَةِ الْجَهْمِيَّة يُوَافِقُهُمْ بِلِسَانِهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَعَلَى الْفِطْرَةِ وَالسُّنَّةِ، وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَفْهَمُونَ مَا النَّفْيُ الَّذِي يَقُولُونَهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ، بَلْ يَجْعَلُونَهُ تَنْزِيهًا مُطْلَقًا مُجْمَلًا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَفْهَمُ قَوْلَ الْجَهْمِيَّة، بَلْ يَفْهَمُ مِنْ النَّفْيِ مَعْنًى صَحِيحًا، وَيَعْتَقِدُ أَنَّ الْمُثْبِتَ يُثْبِتُ نَقِيضَ ذَلِكَ، وَيَسْمَعُ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ ذِكْرَ ذَلِكَ، مِثْلُ أَنْ يَفْهَمَ مِنْ قَوْلِهِمْ: «لَيْسَ فِي جِهَةٍ، وَلَا لَهُ مَكَانٌ، وَلَا هُوَ فِي السَّمَاءِ»؛ أَنَّهُ لَيْسَ فِي جَوْفِ السَّمَوَاتِ، وَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ؛ وَإِيمَانُهُ بِذَلِكَ حَقٌّ، وَلَكِنْ يَظُنُّ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا هَذَا النَّفْيَ اقْتَصَرُوا عَلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مُرَادُهُمْ: أَنَّهُ مَا فَوْقَ الْعَرْشِ شَيْءٌ أَصْلًا، وَلَا فَوْقَ السَّمَوَاتِ إلَّا عَدَمٌ مَحْضٌ؛ لَيْسَ هُنَاكَ إلَهٌ يُعْبَدُ، وَلَا رَبٌّ يُدْعَى وَيُسْأَلُ، وَلَا خَالِقٌ خَلَقَ الْخَلَائِقَ، وَلَا عُرِجَ بِالنَّبِيِّ إلَى رَبِّهِ أَصْلًا، هَذَا مَقْصُودُهُمْ»». اهـ([973])
ففي النقل السابق يُفرق شيخ الإسلام ابن تيمية بين المتكلمين، وبين غير المتكلمين ممن تأثروا بالبيئة، وبيَّن أن إيمانهم حق، وأن النفي الذي ينفونه لا يقصدون به التعطيل.
وأخيرًا نقول: إن المعايير التي يتفاضل بها المؤمنون ليست مقتصرة على مسألة أو مسألتين في الصفات الخبرية، فهذه الأمور الخبرية لا تُدْرَك بالفكر ولا بالرَّوِيَّة – كما قال الإمام الطبري ([974])- إنما تُدْرَك ببلوغ الحجة، وأن الاجتهاد في المتأخرين يشمل المسائل الخبرية والعلمية – كما هو مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية .
- سادسًا: كثيرٌ من الغلاة يقولون -تشَبُّعًا وافتراءً-: نحن على مَنْهَجِ السلف الصافي، ويَرْمُون من خالفهم، وكشف تجاوزاتهم بأنه يحاربُ أَهْلَ الحديث!!! فيا لله العجب، وهَلْ مَنْ زاغ -حقًّا وحالًا وواقعًا- عن منهج أهل الحديث، ونسَب إليهم ما هم براءٌ منه، هو الأوْلَى بتسميته أنه من أهل الحديث؟! وهل من زَيَّف وكَشَفَ عوار دَعْوى المنتسبين لهم قولا -لا عملا ولا حالا- يكون محارِبًا لأهل الحديث؟ فنعوذ بالله من قَلْب الحقائق: جهلًا وهَوًى!!
ومما يدلُّ على فساد هذه الافتراءات: أن أئمة السنة لما رأوْا من ينتسب إلى أهل الحديث بالقول، ولكنه وقع في حِزْبيّة جَاهِليَّةٍ، وتعصُّب مَمْقُوتٍ؛ ذمّوه، وحذّروا منه، ولذلك لما رأى الأئمة المتقدمون والمتأخرون من انتحل الحديث، وهو ليس لذلك بأهل؛ أنكروا عليهم، فقد قال الحافظ الذهبي مُحَذِّرًا بعض مُنْتَحِلي الحديث في زمانه:
| فَدَعْ عنك الكتابةَ لَسْتَ منها | ولو سَوَّدْتَ وجْهَكَ بالمداد |
وقال أيضًا كاشِفًا زَيْفَهم:
| وللحروبِ رجالٌ يُعْرفون بها | وللدواوين كُتّابٌ وحُسّابُ |
وانظر كلام الحافظ الذهبي في «النبلاء»([975]) وفي «تذكرة الحفاظ»([976]) ترجمة الصديق -رضي الله عنه- حيث قال في معرض كلامه على المتسلّقين زُورًا على الحديث وأهله: «…وإن غَلَبَ عليك الهوى والعصبيةُ لرأْيٍ أو لمذْهَبٍ؛ فباللهِ لا تتْعَبْ، وإن عَرَفْتَ أنك مُخَلِّطٌ مُخَبِّطٌ، مُهْمِلٌ لحدود الله؛ فَأَرِحْنَا مِنْك، فَبَعْد قليلٍ يَنْكَشِفُ البَهْرَجُ، ويَنْكَبُّ الزَغَلُ، ولا يحيق المكْرُ السيئُ إلا بأهله، فقد نَصَحْتُك، فعِلمُ الحديثِ صَلْفٌ، فأين عِلْمُ الحديث؟ وأين أهْلُه؟ كِدْتُ أن لا أراهم إلا في كتابٍ، أو تَحْتَ ترابٍ». اﻫ.
وفي «النبلاء»([977]) قال : «وكان -أي يحيى بن عمار السجستاني- مُتَحَرِّقًا على المبتدعة والجهمية -أي شديد الإنكار عليهم- بحيث يؤولُ به ذلك إلى تجاوُزِ طريقةِ السَّلَفِ، وقد جعل الله لكل شيء قدرا، إلا أنه كان له جلالةٌ عجيبةٌ بهراةَ، وأتباعٌ وأنصارٌ». اﻫ.
وانظر ما جاء في «النبلاء»([978]) فقد قال الذهبي : «قال أبو طاهر السِّلَفي: سمعت أبا العلاء محمد بن عبدالجبار الفرساني يقول: حَضَرْتُ مجلسَ أبي بكر بن أبي علي الذكواني المعَدِّل -في صِغَري-مع أبي، فلما فرغ من إملائه، قال إنسان: من أراد أن يَحْضُرَ مَجْلِسَ أبي نعيم؛ فَلْيَقُمْ -أي للذَّهَابِ إليه، والأَخْذِ عنه- وكان أبو نعيم في ذلك الوقت مهجورًا، بسبب المذهب، وكان بين الأشعرية والحنابلة تَعَصُّبٌ زائدٌ، يؤدي إلى فتنةٍ، وقيلٍ وقالٍ، وصُداعٍ طويلٍ، فقام إليه أصحابُ الحديثِ بسكاكينِ الأقلامِ، وكادَ الرجلُ يُقْتَلُ!!
قال الحافظ الذهبي : «قلت: ما هؤلاء بأصحاب الحديث، بل فَجَرَةٌ جَهَلَةٌ، أَبْعَدَ الله شَرَّهُم».اﻫ
فليس كل من تَمَسَّح في أهل الحديث والسلف الصالح سَلَّمْنا له بدعواه المجردة، التي يكذِّبها واقعُهُ وحالُه!!
وانظر القصة في «تذكرة الحفاظ» أيضًا([979]) فها هو الذهبي يُسَمِّي من ينتحل الحديثَ، وآل به الأمر إلى ما ذُكر، أنهم فَجَرَةٌ جَهَلَةٌ، فهل قال أحد: إن الذهبي يَسُبُّ أَهْلَ الحديث، وأئمةَ الجرح والتعديل، فصار مبتدعًا مميِّعًا، أو مُنْدَسًّا مُضَيِّعًا؟!
ومن ذلك أيضًا: ما قاله العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ كما في «مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم»([980]) في سياق ذمه لمن انتسب للأئمة قولًا، وخالفهم حالًا، فقال: «والذين يَنْتَسِبُون إلى الحديثِ في هذا الزمن تَعَدَّوْا الجَادَّةَ، وتكَلَّمُوا في الأئمة، ووقعوا في جَهْلٍ وهوى».اﻫ
قلت: فما أشبه هذ بحال جهلة زماننا!!
وأضيف هنا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى»([981]) حيث ذكر أن من المنتسبين لأهل الحديث أقوامًا عندهم جَهْلٌ وجُرْأَةٌ وفَظَاظَةٌ، فقال بعد اعترافه بما عند بعض أهل الحديث من أخطاء في النظر والاستدلال وغير ذلك، وأن أهل الكلام يعيبونهم بذلك: ثم قال: «ولا ريب أنَّ هذا موجودٌ في بعضهم: يحتجون بأحاديث موضوعةٍ في مسائل الأصول والفروع، وآثارٍ مُفْتَعَلَةٍ، وحكاياتٍ غيرِ صحيحةٍ، ويَذْكُرون من القرآن والحديث ما لا يَفْهَمُون معناه، وربَّما تأوَّلوه على غير تأويله، وَوَضَعُوه على غير موضعه.
ثم إنهم بهذا المنقولِ الضعيفِ، والمعقولِ السخيفِ: قد يكفِّرون، ويُضَلِّلون، ويبدِّعون أقوامًا من أعيان الأمة، ففي بعضهم من التفريط في الحق، والتعِّدي على الخلق: ما قد يكون بعضه خطأً مغفورًا، وقد يكونُ مُنْكَرًا من القول وزورًا، وقد يكون من البدع والضلالات، التي توجب غليظَ العقوباتِ، فهذا لا يُنْكرُهُ إلا جاهل أو ظالم، وقد رأيتُ من هذا عجائب». اهـ.
ثم ذكر فضل أهلِ السنةِ على غيرهم مع وجودِ هذه الأشياءِ في بعضِهم، فليستْ العبرةُ بمن انحرف عن الجادةِ ممن يَنْتَسِبُ إلى السُّنَّة، إنما العبرة بما عليه أئمةُ السنةِ من العِلْمِ والعَمَلِ، وبما يَرْجِعُون إليه من أُصولٍ وقواعدَ، وبمَنْهَجِهِم الذي يَسْلكُونه في التقريرِ والاستدلالِ، أما الأخطاءُ فالمعصوم من عَصَمه الله، والموفَّقُ المسدَّدُ من بصَّرَهُ الله وأيَّدَهُ، والله تعالى أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مزيدًا إلى يوم الدين.
كتبه/
أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني
6/ رمضان/1439هـ
A
A













