ليس كل خلاف بين أهل السنة يوجب الإنكار والافتراق
- السؤال الثالث: هل كل ما يقع من خلاف بين أهل السنة والجماعة يُوجِب الإنكار والنزاع ومن ثَمَّ الافتراق فيما بينهم، أم هناك تفصيل وتفرقة بين أنواع المسائل المختلف فيها وأحوال المخالفين؟
والجواب: المسألة فيها تفصيل، وبيان ذلك من خلال عدَّة أمور:
أولًا: أهلُ السنة والجماعة، لا بد أن يتجسد هذا المصطلح في واقعهم، ولا يكون شعارا خاويًا من الحقيقة؛ فَهُم أَهْلُ اتِّباعٍ واجتماع، وأَهْلُ تَمَسُّكٍ وتَماسُكٍ، وأَهْلُ كلمةِ التوحيد وتوحيدِ الكلمة.([132])
وكل هذه العبارات تدل على قيامهم بواجِبَيْ الاتباع والاجتماع.
فبينما هم يَدْعُون إلى تمحيص السنة والصفوف وتصْفِيَتهما: عقديا، وحديثيا، وفقهيا، وأخلاقيا… ويضعون لذلك الأهداف العامة، مراعين الأوْلويَّات، ويضعون الوسائل الكليَّة والتفصيلية التي تعينهم على تحقيق الأهداف التي رسموها لأنفسهم،… إلخ؛ فهم لا يُهْمِلُون جانبَ دعوة الاجتماع على أصول تلك السنة وثوابتها.
فليس كُلُّ خلافٍ يُفَرِّقُهم، إلا خلافًا في أصول دينهم الكلية أو الكبرى، أو مُشَاقَّةً لإجماع أئمتهم من السلف والخلف.
فمن خالفهم في هذا؛ فارقوه بعد النصح والبيان، وإزالة كل الشبهات التي عَلَقَتْ بذهْنه فأفسدته.
ثانيًا: أما مسائل الاجتهاد التي اختلف في مثلها أئمة الهدى ولم يتفرقوا فيما بينهم بسببها؛ فلا حرج فيها على العباد، والمجتهد في الوصول إلى الحق فيها: بين أَجْرٍ واحد إن أخطأ، أو أَجْرَيْنِ إن أصاب المراد؛ بشرط أن يأتي البيت من بابه.
ومما يدل على أن من اجتهد في الدين فأخطأ؛ أنه لا إثم ولا تعنيف في الإنكار عليه: ما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يوم الأحزاب: «لا يُصَلِّيَنَّ أحدٌ العصرَ إلا في بني قريظة»، فأدرك بعضَهم العصرُ في الطريق؛ فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيهم، وقال بعضهم: بل نصلي؛ فلم يُرِد-أي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم- منا ذلك، فَذُكر ذلك للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ فلم يعنِّف واحدًا منهم.([133])
وفي هذا الحديث يقول الحافظ ابن حجر : «وقد استدل به الجمهور على عدم تأثيم من اجتهد؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يُعَنِّفْ أحدًا من الطائفتين، فلو كان هناك إثم؛ لَعَنَّفَ مَنْ أَثِمَ». اهـ([134])
ثالثًا: وقد قرر العلماء قديمًا وحديثًا أنه لا يجوز الإنكار والتشنيع وإحداث الفُرقة بين أهل الحق بسبب مسائل الاجتهاد، التي لم تخالف دليلًا محكمًا بلا حجة أقوى منه أو مثله.
قال يحيى بن سعيد الأنصاري : «ما برح أولو الفتوى يختلفون، فَيُحِلُّ هذا ويُحَرِّمُ هذا، فلا يرى المُحَرِّم أن المُحِلَّ هَلَكَ لتحليله، ولا يرى المُحِلُّ أن المُحَرِّمَ هَلَكَ لتحريمه». اهـ([135])
وقال سفيان الثوري أيضًا: «ما اختلف فيه الفقهاء؛ فلا أَنْهَى أحدًا من إخواني أن يَأْخُذ به». اهـ([136])
وقال أحمد بن حنبل : «من أفتى الناس؛ ليس ينبغي أن يَحْمِلَ الناسَ على مذهبه، ويُشَدِّد عليهم». اهـ([137])
وقال ابن قدامة المقدسي : «لا ينبغي لأحد أن ينكر على غيره العمل بمذهبه؛ فإنه لا إنكار على المجتهدات». اهـ([138])
قال القرطبي : «وأما حكم مسائل الاجتهاد: فإن الاختلاف فيها بسبب استخراج الفرائض ودقائق معاني الشرع، وما زال الصحابة يختلفون في أحكام الحوادث، وهم مع ذلك متآلفون». اهـ([139])
ورحم الله الشاطبي حيث قال: «وكل مسألة حَدَثَتْ في الدين، فأوجبتْ الفرقة بين المسلمين؛ فلَيْسَتْ من مسائل الشريعة». اهـ([140])
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : «.. ولكن الاجتهاد السائغ لا يبلغ مبلغ الفتنة والفُرقة إلا مع البغي، لا لمجرد الاجتهاد، كما قال تعالى: [ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ] {آل عمران:19}، وقال: [ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ] {الأنعام:159}، وقال: [ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ] {آل عمران:105}.
فلا تكون فتنة وفُرْقَة مع وجود الاجتهاد السائغ، بل مع نَوْعِ بَغْيٍ». اهـ([141])
وقال الحافظ الذهبي : «وبَيْنَ الأئمة اختلافٌ كبير في الفروع وبعض الأصول، وللقليل منهم غلطات وزلقات ومفردات منكرة، وإنما أُمِرْنا باتباع أكثرهم صوابا، ونجزم بأن غرضهم ليس إلا اتباع الكتاب والسنة، وكلُّ ما خالفوا فيه لقياس أو تأويل».([142])
قلت: والمراد بالخلاف في بعض الأصول أي الأصول غير الكبرى التي اشتهر الإجماع عليها، وتناقلها الخلف عن السلف، كرؤية المؤمنين اللهَ في الآخرة، وإثبات العلوّ لله -جلَّ شأنه- وأن كلامه غير مخلوق،… ونحو ذلك، ومع ذلك فهناك كثير من المسائل العقدية اختلف فيها الصحابة -رضي الله عنهم- ومن بعدهم، مثل الاختلاف: هل رأى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ربّه في المعراج أم لا، ونحو ذلك مع بقاء الأُخُوَّة والأُلفة.
قال -أي الحافظ الذهبي : «وإذا رأيتَ فقيها خالف حديثًا، أو رَدَّ حديثًا، أو حَرَّفَ معناه؛ فلا تبادِرْ لتغليطه، فقد قال علي -كرم الله وجهه- لمن قال له: أتظن أن طلحة والزبير كانا على باطل: يا هذا إنه مَلْبُوسٌ عليك، إن الحق لا يُعْرَف بالرجال؛ اعْرِفْ الحقَّ؛ تَعْرِفْ أَهْلَهُ، وما زال الاختلاف بين الأئمة واقعا في الفروع وبعض الأصول، مع اتفاق الكل على تعظيم الباري -جل جلاله- وأنه ليس كمثله شيء، وأن ما شرعه رسوله حق، وأن كتابهم واحد، ونبيهم واحد، وقبلتهم واحدة، وإنما وُضِعَتْ المناظرةُ لكشف الحق، وإفادة العالِمِ الأَذْكَى العِلْمَ لمن دونه، وتنبيهِ الأَغْفَلِ الأضعفِ، فإن داخلها زهُوٌّ من الأكمل، وانكسارٌ من الأصغر؛ فذاك دَأْبُ([143]) النفوس الزكية في بعض الأحيان: غَفْلَةً عن الله، فما الظن بالنفوس الشريرة المنطفية([144])، انتهى». اهـ([145])
رابعًا: وقرر العلماء أيضًا أنه لا يجوز امتحان الناس بما لم يأمر الله به ولا رسوله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
قال شيخ الإسلام : «فَدِينُ الْمُسْلِمِينَ مَبْنِيٌّ عَلَى اتِّبَاعِ كِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، وَمَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ؛ فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ هِيَ أُصُولٌ مَعْصُومَةٌ، وَمَا تَنَازَعَتْ فِيهِ الْأُمَّةُ رَدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُنَصِّبَ لِلْأُمَّةِ شَخْصًا يَدْعُو إلَى طَرِيقَتِهِ، وَيُوَالِي وَيُعَادِي عَلَيْهَا غَيْرَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَلَا يُنَصِّبَ لَهُمْ كَلَامًا يُوَالِي عَلَيْهِ وَيُعَادِي غَيْرَ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ، بَلْ هَذَا مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ يُنَصِّبُونَ لَهُمْ شَخْصًا أَوْ كَلَامًا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ، يُوَالُونَ بِهِ عَلَى ذَلِكَ الْكَلَامِ أَوْ تِلْكَ النِّسْبَةِ وَيُعَادُونَ». اهـ([146])
وقال : «وكذلك التفريق بين الأمَّة وامتحانها بما لم يأمر الله به ولا رسوله -صلى الله عليه وسلم-». اهـ([147])
وقال : «فإذا كان المُعَلِّم أو الأستاذ قد أمر بهجر شخص أو بإهداره وإسقاطه وإبعاده ونحو ذلك؛ نُظِرَ فيه: فإن كان قد فعل ذنبًا شرعيًّا؛ عُوقب بقَدْر ذنبه بلا زيادة، وإن لم يكن أذنب ذنبًا شرعيًّا؛ لم يَجُزْ أن يُعاقَبَ بشيء لأجل غرض المُعَلِّم أو غيره([148]).
وليس للمعلمين أن يُحَزِّبوا الناس، ويفعلوا ما يُلْقِي بينهم العداوة والبغضاء، بل يكونون مثل الإخوة المتعاونين على البرِّ والتقوى، كما قال الله تعالى: [ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ] {المائدة:2}». اهـ([149])
وقال في كلام له عن يزيد بن معاوية: «فالواجب الاقتصادُ في ذلك، والإعراض عن ذكر يزيد بن معاوية، وامتحان المسلمين به؛ فإنَّ هذا من البدع المخالفة لأهل السنَّة والجماعة». اهـ([150])
وقال : «وَمِثْلُ هَؤُلَاءِ إذَا لَمْ يَجْعَلُوا مَا ابْتَدَعُوهُ قَوْلًا يُفَارِقُونَ بِهِ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ؛ يُوَالُونَ عَلَيْهِ وَيُعَادُونَ؛ كَانَ مِنْ نَوْعِ الْخَطَأِ، وَاَللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- يَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ خَطَأَهُمْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا وَقَعَ فِي مِثْلِ هَذَا كَثِيرٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا: لَهُمْ مَقَالَاتٌ قَالُوهَا بِاجْتِهَادِ، وَهِيَ تُخَالِفُ مَا ثَبَتَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ بِخِلَافِ مَنْ وَالَى مُوَافِقَهُ، وَعَادَى مُخَالِفَهُ، وَفَرَّقَ بَيْنَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَفَّرَ وَفَسَّقَ مُخَالِفَهُ دُونَ مُوَافِقِهِ فِي مَسَائِلِ الْآرَاءِ وَالِاجْتِهَادَاتِ؛ وَاسْتَحَلَّ قِتَالَ مُخَالِفِهِ دُونَ مُوَافِقِهِ؛ فَهَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافَاتِ». اهـ([151])
قلت: فتأمل كيف وقعت من هؤلاء مخالفات في بعض الأصول العظيمة عن اجتهاد وتأويل لا عن هوى وعصبية، ومع ذلك قال فيهم ما قال ، فأين الغلاة المتهورون من هذه الأحوال التي كان عليها أئمة السلف؟ والناظر في حالهم يرى أنهم أوْلى بكلام شيخ الإسلام ؛ فإنهم يفعلون ذلك مع أقوام على السنة الصافية، ولم يتلوّثوا ببدعة كبيرة أو صغيرة -ولله الحمد- إلا في نظر الغلاة الأعشى، وميزانهم المضطرب!!
خامسًا: وقد اختلف في المسائل الاجتهادية غير التي انعقد الاجماع عليها أئمةُ السنة سلفا وخلفا، وبطونُ الكتب مليئةٌ بذلك، وكانوا يختلفون ولا يفترقون، ويَرُدُّ بعضُهم على بعضٍ ولا يتهارشون، ويُفَنِّدُ أحدُهم قولَ الآخر، ولا يَطْعَن في نيته وقَصْدِه، ويَقْصد من وراء ذلك عَوْدَتَهُ إلى الحق وأَوْبَتَهُ إلى الرشاد، أو النصح لمن وقف على كلامه، فلا يَتَّبِعُه في غير الصواب، ولا يقصد من ردَّ على أخيه تشويهه والتشنيع عليه، فالحقُّ ضالَّتُهُم، والصلاح غايتهم، والأُخُوَّةُ شعارُهُم، وعِفَّةُ اللسان دِثَارُهُم، وذلك بخلاف من يتمسَّحُون بهم اليوم كذبا وزورا، فأين الثَّرَى من الثُّرَيَّا؟!
وإليك طرفًا من كلامهم في هذا الباب:
عن أحمد بن حفص السعدي قال: سمعت الإمام أحمد يقول: «لَمْ يَعْبُرِ الْجِسْرَ إِلَى خُرَاسَانَ مِثْلُ إِسْحَاقَ – أي ابن راهويه -، وَإِنْ كَانَ يُخَالِفُنَا فِي أَشْيَاءَ؛ فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يَزَلْ يُخَالِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا».([152])
وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيِّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَتَّابِ بْنِ الْمُرَبَّعِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيَّ أَخْبَرَنِي، قَالَ: «كُنْتُ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَجَاءَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ رَاكِبًا عَلَى دَابَّةٍ، قَالَ: فَتَنَاظَرَا فِي الشَّهَادَةِ، وَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، حَتَّى خِفْتُ أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُمَا جَفَاءٌ، وَكَانَ أَحْمَدُ يَرَى الشَّهَادَةَ، وَعَلِيٌّ يَأْبَى وَيَدْفَعُ، فَلَمَّا أَرَادَ عَلِيٌّ الِانْصِرَافَ؛ قَامَ أَحْمَدُ فَأَخَذَ بِرِكَابِهِ».
وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ يَقُولُ: «لَا تَنْظُرْ بَيْنَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ
-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، وَنَكِلُهُمْ إِلَى اللَّهِ وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ حَاطِبٍ».
قَالَ أَبُو عُمَرَ: كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَرَى الشِّهَادَةَ بِالْجَنَّةِ لِمَنْ شَهِدَ بَدْرًا، أَوِ الْحُدَيْبِيَةَ، أَوْ لِمَنْ جَاءَ فِيهِ أَثَرٌ مَرْفُوعٌ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ سَفْكِ دِمَاءِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ يَأْبَى ذَلِكَ، وَلَا يُصَحِّحُ فِي ذَلِكَ أَثَرًا. اهـ([153])
وقَالَ يُوْنُسُ الصَّدَفِيُّ: مَا رَأَيْتُ أَعْقَلَ مِنَ الشَّافِعِيِّ، نَاظَرْتُهُ يَوْمًا فِي مَسْأَلَةٍ، ثُمَّ افْتَرَقْنَا، وَلَقِيَنِي، فَأَخَذَ بِيَدِي، ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا مُوْسَى، أَلاَ يَسْتَقيمُ أَنْ نَكُوْنَ إِخْوَانًا وَإِنْ لَمْ نَتَّفِقْ فِي مَسْأَلَةٍ»؟!
قال الحافظ الذهبي : «قُلْتُ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ عَقْلِ هَذَا الإِمَامِ، وَفِقْهِ نَفْسِهِ، فَمَا زَالَ النُّظَرَاءُ يَخْتَلِفُوْنَ». اهـ.([154])
سادسًا: ودعوة أهل السنة للاجتماع ليست على حساب أصول دينهم، فهم أهل سنة بلا تشنيع، وأهل اجتماع بلا تمييع، إلا أنَّ في زماننا أناسًا يضيق أفُقُهُم وتتحشرج صدورهم عند سماع هذا التأصيل، الذي سار عليه سلف الأمة، وواقع حالهم يدل على أن الأمرين لا يجتمعان أبدا، فإما دعوة إلى سنة صافية وإن تفرَّقت الصفوف، وتهارش الإخوة فيما بينهم، وإما دعوة إلى الاجتماع على الأصول، وترك الإنكار على المخالف، وعدم القيام بواجب البراءة من البدع وأهلها، وحال السلف على خلاف هذا الفهم الضَّيِّق، وذاك التساهل المضيِّع وإلا ما بَقِيَتْ أخوَّة ولا أُلْفة، ولا قامت لدولة الإسلام قائمة، ولذلك فمنهج هؤلاء الغلاة ضاق بهم أنفسهم؛ حتى تنازعوا فيما بينهم، وتفرَّقُوا شيعًا وأحزابًا، والناظر في حال الغلاة المسرفين في الأحكام عبر التاريخ -كالخوارج- يعلم أن ما بَقِي أشدُّ وأَنْكى؛ فلْيحمد الله من عافاه الله من هذا الحرج والعَنَت، وهذا جزاءُ من تشَبَّع بما لم يُعْطَ، وادعى السلفية وهو عنها -في هذه الأبواب- بمنْأَى ومَعْزَل، والله أعلم.
وأسأل الله -جل ثناؤه- أن يرزقنا حُسْنَ اتباع السلف الصالح، وأن يعصمنا من أن نكون بجهلنا وطَيْشنا عارًا على دعوتهم، أو سُبَّةً لطريقتهم، أو وسيلةً يَطْعَن بها خصومُهم في منهجهم، وشرح الله صدورنا إلى عز الاتباع والاجتماع ظاهرًا وباطنًا، حالًا ومآلًا، والله تعالى أعلم.
A
A
[4]المقصود بأهل السنة والجماعة، وضابط الانتساب إليهم













