المبحث الأول : تعريفه :
قال الحافظ العراقي : ” وصورة هذا القسم من التدليس : أن يجيئ المدلس إلى حديث سمعه من شيخه ، وقد سمعه ذلك الشيخ الثقة من شيخ ضعيف ، وذلك الشيخ الضعيف يرويه عن شيخ ثقة ، ( فيعمد ) المدلِّس الذي سمع الحديث من الثقة الأول ، فيسقط منه شيخه الضعيف ، ويجعله من رواية شيخه الثقة عن الثقة الثاني ، بلفظ محتمل ، كعنعنة ونحوها ، فيصير الإسناد كله ثقات ، ويُصرح هو بالاتصال بينه وبين شيخه ، لأنه قد سمعه منه، فلا يظهر حينئذٍ في الإسناد ما يقتضي عدم قبوله إلا لأهل النقد والمعرفة بالعلل ” اهـ من ” التقييد ” [440](3) .
وقد عَدَّ الحافظ ابن حجر هذا التعريف غير جامع، ثم قال:” بل حق العبارة أن يقول: أن يجيئ الراوي – ليشمل المدلِّسَ وغيره – إلى حديث قد سمعه من شيخ، وسمعه ذلك الشيخ من آخر عن آخر، فيسقط الواسطة بصيغة محتملة، فيصير الإسناد عاليًا، وهو في الحقيقة نازل ” اهـ من ” النكت ” [441](4) .
فظهر من كلام الحافظ أنه ينتقد شيخه في موضعين:
الأول: قول العراقي:” أن يجيء المدلس ” والحافظ يرى الإطلاق ، وذلك بقوله:” أن يجيء الراوي” ليشمل المدلس وغيره، وعندي: أن كلام العراقي في هذا الموضع أولى؛ لأنه في مقام تعريف تدليس التسوية، لا التسوية التي أراد الحافظ إدخالها في التعريف.
الثاني: قول العراقي:” وقد سمع ذلك الشيخ الثقة من شيخ ضعيف ” انتقده الحافظ بقوله:” سمعه ذلك الشيخ من آخر” ولم يقيده بالضعف، ليدخل في ذلك الصغير الثقة، لكن مَثَّلَ لذلك بمثال في التسوية، لا في تدليس التسوية، كما صرح بذلك الحافظ نفسه .
وقد ذكر الخطيب أن مدلس تدليس التسوية قد يسقط ضعيفًا أو صغيرًا، فقال – رحمه الله – :” وربما لم يسقط المدلس اسم شيخه الذي حدثه، لكن يُسْقِط ممن بعده في الإسناد رجلاً يكون ضعيفًا في الرواية، أو صغير السن،ويُحَسِّن الحديث بذلك …” اهـ من ” الكفاية ” [442](1) .
وكثير ممن عَرَّف تدليس التسوية لم يذكر إسقاط الصغير ، والله أعلم .
فظهر من ذلك : أن مدلس تدليس التسوية يعمد إلى إسقاط الحُدثاء أو الأدنياء ، ويُظْهر الأجواد الرفعاء الرفعاء ، فيغتر بذلك الظاهر من لايعرف الحقيقة ، والله أعلم .
مثال تدليس التسوية :
ما رواه ابن أبي حاتم في ” العلل ” [443](2) قال: سمعت أبي وذَكَر الحديث الذي رواه إسحاق بن راهوية عن بقية حدثني أبو وهب الأسدي عن نافع عن ابن عمر عن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – قال: ” لا تَحْمَدوا إسلام المرء؛ حتى تَعْلَموا عُقْدَة رأيِهِ ” فقال أبي: هذا الحديث له علة، قلَّ مَنْ يفهمها: روى هذا الحديث عبيدالله بن عمرو عن إسحاق بن أبي فروة عن نافع عن ابن عمر عن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وعبيدالله بن عمرو كنيته أبو وهب، وهو أسدي،فكأن بقية بن الوليد كنَّى عبيدالله بن عمرو ، ونسبه إلى بني أَسَد ؛ لكيلا يفطن له ، حتى إذا تُرِك إسحاق بن أبي فروة من الوسط ؛ لايُهْتَدَى له، قال – أي أبو حاتم – : وكان بقية مِنْ أَفْعِلِ الناس لهذا ” اهـ .













