المبحث السابع :
إذا كان مدلس تدليس التسوية يُسْقِط شيخ شيخه، فلماذا يُشترط تصريحه بالسماع فيما بينه وبين شيخه أيضًا ؟!
والجواب : أن تدليس التسوية نوع غريب من الإغراق في تعمية الأمر على السامع، ولا يفعل هذا إلا من قد مرَّ بالتدليس المعروف فيما بينه وبين شيخه الذي أظهره في السند ،فهذا أمر اشترك فيه كل من دلَّس تدليس الإسناد، فلما علم من يدلس تدليس الإسناد أن أمره قد كُشِفَ؛ ذهب إلى نوع غريب لا يُتَفَطَّن له فيه، فإذا كنا نشترط تصريحه فيما بين شيخه وشيخ شيخه؛ فمن باب أولى أن نشترط تصريحه فيما بينه وبين شيخه .
وذكر الحافظ في “الفتح” [459](2) رواية الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعي أخبرني نافع عن ابن عمر …” ثم قال : والوليد قد صرح بتحديث الأوزاعي له، وبتحديث نافع للأوزاعي،فأُمِنَ تدليس الوليد وتسويته ” اهـ .
وقد ذكرت في ” إتحاف النبيل ” [460](3) عدة أمثلة لذلك ، فارجع إليها إن شئت .
ويضاف إلى ذلك أيضًا: أنني لا أعرف رجلاً وصفوه بتدليس التسوية، وبرؤوه – مع ذلك – من تدليس الإسناد فيما بينه وبين شيخه الذي أظهره في السند ، والله أعلم .
( تنبيه ) : ذكر البقاعي عن الحافظ ابن حجر أنه يدخل في تدليس التسوية : وصْفُ شيوخ السند بما لا يُعرفون به ، من غير إسقاط ، فيكون تسوية الشيوخ اهـ من كتاب : ” النكت الوفية ” نقلاً من حاشية (1) على كتاب ” الإرشاد ” للنووي [461](4) .
وأشار لذلك السيوطي ، فقال : ” قال شيخ الإسلام : ويدخل أيضًا في هذا القسم – يعني تدليس الشيوخ – التسوية : بأن يصف شيخ شيخه بذلك ” اهـ [462](5) .
قلت : ما قاله الحافظ يحتاج إلى مزيد من نظر وتحقيق ، والله أعلم .
القسم الرابع : تدليس القطع :
وهو:” أن يَحْذف الصيغة – أي أداة الرواية – أصلاً، ويقتصر على اسم شيخه، كقول: ابن عيينة:” الزهري عن أنس ” [463](1).
ومثاله: ما رواه الخطيب في ” الكفاية” [464](2) عن علي بن خشرم قال: كنا عند سفيان بن عيينة في مجلسه، فقال : الزهري، فقيل له: حَدَّثَكُم الزهري ؟ فسكت، ثم قال: الزهري، فقيل له: سمعته من الزهري ؟ فقال: لا ،لم أسمعه عن الزهري، ولا ممن سمعه من الزهري ، حدثني عبدالرزاق عن معمر عن الزهري .
وأطلقه الحافظ ابن حجر وَمثَّل له بمثال – وإن وقع فيه خطأ في تسمية المدلس – ينطبق على تدليس السكوت الآتي بعد هذا ، كما في “النكت” [465](3) .
وقال زكريا الأنصاري : ” ومن تدليس الإسناد : أن يُسقط الراوي أداة الرواية ، مقتصرًا على اسم الشيخ ، ويفعله أهل الحديث كثيرًا ” وذكر المثال السابق [466](4) .
( تنبيه ) : روى الخطيب قصة ابن عيينة من طريق الحاكم ، والذي عند الحاكم في ” المعرفة ” [467](5) : ” ابن عيينة عن الزهري ” فلم يسقط صيغة الأداء ، ومَثَّل به ابن الصلاح في ” المقدمة ” على تدليس الإسناد بنحو اللفظ الذي في ” المعرفة ” فينظر في ذلك ، على أن في رجال سندها من يحتاج إلى بحث ، والله أعلم .
القسم الخامس : تدليس السكوت :
وهو:” أن يأتي الرواي بلفظ يفيد السماع، مثل قوله: ” حدثنا ، وسمعت ” ونحو ذلك، ثم يسكت قليلاً، وينوي القطع، ثم يقول بعد ذلك : هشام بن عروة ، الأعمش – مثلاً – موهمًا أنه قد سمع منه، وليس كذلك ، وانظر ” التدريب ” [468](6) .
ومثاله : ما جاء في “الطبقات” لا بن سعد [469](7) ترجمة عمر بن علي المقدمي، قال ابن سعد: وكان يدلس تدليسًا شديدًا، وكان يقول:” سمعت، وحدثنا” ثم يسكت ،ثم يقول :” هشام بن عروة، الأعمش” اهـ
( تنبيه ) : حُكْم تدليس القطع؛ حكم تدليس الإسناد، فَيُتوَقَّف – وإن صَرَّح بالسماع – فيه حتى تعرف الواسطة ، والله أعلم .
( تنبيه آخر ) : ذكر السخاوي أن تدليس القطع والسكوت نوعان، ولم يجعلهما شيئًا واحدًا، والحافظ ذكر تدليس القطع ومَثَّل له بمثال تدليس السكوت، فصنيعه يشير إلى أنهما شيئ واحد، والذي يظهر أن كل سكوت قطع ، وليس كل قطع سكوتًا ، والله أعلم .
( تنبيه أخير ) : من عُرِف بتدليس السكوت؛ فلا يُقْبل تصريحه بالسماع حتى نعرف من الراوي المحذوف ، وما حاله، لأنه يدلس مع تصريحه، وهذا الأمر مع ظهروه؛ إلا أنني أجد من يُمَشِّي حديث المقدمي إذا صرح بالسماع، فإن كان هناك من قال برد حديثه – وإن صرح بالسماع – وإلا فما سبق كلام نظري فقط، وسيأتي في تدليس الصِيَغ شيء قد يُسْتَفاد منه هنا ، والله أعلم .
القسم السادس : تدليس العطف :
وهو:” أن يصرح بالتحديث في شيخ له، ويعطف عليه شيخًا آخر له، ولا يكون سمع ذلك المروي من الثاني، سواء اشتركا في الرواية عن شيخ واحد، أم لا ” انظر ” فتح المغيث ” [470](1) .
ومثاله: ما ذكره الحاكم في “معرفة علوم الحديث” [471](2) قال:” وفيما حدثونا أن جماعة من أصحاب هشيم ، اجتمعوا يومًا على ألا يأخذوا منه التدليس، ففطن لذلك، فكان يقول في كل حديث يذكره:” حدثنا حصين ومغيرة عن إبراهيم” فلما فرغ؛ قال لهم: هل دلست لكم اليوم ؟ فقالوا: لا، فقال: لم أسمع حرفًا واحدًا مما ذكرتُه، إنما قلت:” حدثني حصين” ومغيرة غير مسموع لي ” اهـ .
قلت : هذا المثال ضعيف: لعدم معرفة السند بين الحاكم وهشيم ، والله أعلم .
أما حكم تدليس العطف : فالعبرة بحال الرواي الأول، فإن كان مقبولاً؛ قُبِلَ الحديث، أما إذا كان ضعيفًا، فلا بد أن يصرح المدلس بالسماع عن الثاني، وإلا كان الحديث في حَيِّز الضعف ، والله اعلم .
القسم السابع : تدليس الصيغة .
وهو:” ما يقع من بعض المحدثين من التعبير بالتحديث، أو الإخبار، عن الإجازة، والوجادة، ونحوهما، أو يذكر ذلك متأولاً، موهمًا السماع، فيُظن أنه سمع، ولا يكون سمع من ذلك الشيخ شيئًا” [472](3) .
مثال : ما كان عن تأويل: ما ذكره الخطيب: بأنه رُوِي عن الحسن أنه كان يقول:” حدثنا أبو هريرة ” ويتأول أنه حَدَّث أهل البصرة، والحسن منهم، وكان الحسن إذْ ذاك بالمدينة، فلم يسمع منه شيئًا [473](4).
ومثال التحديث في الوجادة: ما رواه الحاكم في “المعرفة” [474](1) من طريق أبي الوليد الطيالسي، قال: حدثني صاحب لي من أهل الرأي – يقال له:” أشرس ” – قال: قدم علينا محمد بن إسحاق فكان يحدثنا عن إسحاق بن راشد، فقدم علينا إسحاق بن راشد، فجعل يقول: ثنا الزهري، وثنا الزهري، قال: فقلت له: أين لقيت ابن شهاب ؟ قال: لم ألقه ، مررت ببيت المقدس فوجدت كتابًا له ثَمَّ ” .
ومثال الإخبار في الإجازة : ما قاله الخطيب:” قد رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها، منها أن يقول في الإجازة: ” أخبرنا ” من غير أن يُبَيَّن …… اهـ وانظر ما قاله الذهبي معترضًا على الخطيب في “النبلاء” [475](2) .
ومثال التدليس بعبارة دون أخرى : أن فظر بن خليفة كان يقول فيما سمعه:” سمعت ” فإن لم يسمعه؛ قال: ” حدثنا ” وذكر السخاوي أنه كان يدلس فيما عدا ” سمعت” ولذلك فقد سأل عليُّ بن المديني يحيى القطان : يُعْتَمَد على قول فطر :” حدثنا ” ويكون موصولاً ؟ فقال: لا، قال: كانت منه سجية ؟ قال: نعم، وقال القطان للفلاَّس: وما يُنْتَفَع بقول فطر:” حدثنا عطاء ” ولم يسمع منه [476](3) اهـ .
وقد اعتذر السخاوي عن فطر: بأنه لعله تجوَّز في صيغة الجمع؛ فأوهم دخوله، كقول الحسن البصري:” خطبنا ابن عباس …” لكن صنيع فطر فيه غباوة شديدة، يستلزم تدليسًا صعبًا، كما قال شيخنا (1) اهـ .
أما حكمه : فيختلف باختلاف صُوَره: فصنيع الحسن من جملة المرسل، ومع ذلك فهو نادر، ولا يُذْهَب إليه إلا عند وجود دليل يدل عليه، وما كان من بقية الصور: فلا يخلو من كراهة، إلا إذا كان استعمالاً مشهورًا في بعض البلدان ، ومع ذلك فالأولى البيان ، والله اعلم .
فالذهبي مع تعقُّبه الخطيب عندما رمى أبا نعيم بالتساهل في التعبير عن الإجازة بالإخبار ، قال : ” ثم إطلاق الإخبار على ما هو بالإجازة مذهب معروف ، قد غلب استعماله على محدِّثي الأندلس ، وتوسَّعوا فيه . . . . والأحوط تَجَنُّبُهُ ” اهـ [477](4) .
( تنبيه ) : ذهب بعض أهل العلم – كما هو صنيع الحافظ [478](1) – إلى أن أقسام التدليس السابقة تدخل في تدليس الإسناد، واعتذر لمن جعل القسمة ثنائية، وأن التدليس قسمان: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ، وعندي: أن هذه الأقسام داخلة في تعريف تدليس الإسناد ؛ لأنها رواية من لم يسمع موهمًا السماع، إلا أن تدليس التسوية ليس كذلك؛ لأنه ليس من رواية من لم يسمع؛ فإن الذي لم يسمع الحديث هو شيخ المدلِّس، لا المدلِّس نفسه ، ولعله لذلك جعل العراقي القسمة ثلاثية، كما في “التقييد” [479](2) إلا أنه مع ذلك فيه معنى تدليس الإسناد ، وإن لم يكن من فِعْل شيخ المدلس ، لأن المدلس أسقط الضعيف أو الصغير ، ثم تصرف في صيغة الأداء موهمًا أن السند متصل ، فلعل هذا دليل من أطلق إدخال تدليس التسوية في تدليس الإسناد ،وليس ذلك ببعيد من حيث المعنى ،لامن حيث التعريف ، والله أعلم .
القسم الثامن : تدليس البلدان :
●قال : الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ ” ويُلْحَق بقسم تدليس الشيوخ تدليس البلدان، وهو كما إذا قال المصري :”حدثني فلان بالأندلس” وأراد موضعًا بالقرافة، أو قال: ” بزقاق حلب ” وأراد موضعًا بالقاهرة .
أو قال البغدادي :”حدثني فلان بما رواء النهر ” وأراد نهر دجلة .
أو قال :” بالرقة ” وأراد بستانًا على شاطئ دجلة .
أو قال الدمشقي :” حدثني بالكرك ” وأراد كرك نوح ، وهو بالقرب من دمشق ” [480](3) اهـ .
قلت : هذا النوع – وإن كان شبيهًا بقسم بتدليس الشيوخ – لكن ليس تدليسًا فيما اشتهر به الشيخ ، فإن الشيخ معروف في هذا النوع ، إنما هو تدليس لبلده، فأوهم الرحلة، وليس كذلك، والله أعلم .
أما حكمه : فقد قال الحافظ ” حكمه: الكراهة؛ لأنه يدخل في باب التشبع، وإيهام الرحلة في طلب الحديث، إلا إن كان هناك قرينة تدل على عدم إرادة التكثير؛ فلا كراهة، والله الموفق ” اهـ [481](4) .
( تنبيه ) : هناك نوع يُسَمَّى بـ ” تدليس المتون ” : ” وهو المدرج ، إذا قصد الفاعل إيهام السامع بأن الكلام كلام النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – ولايتميز ذلك من كلام النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وتعمد ذلك حرام [482](1) .
●المسألة الثالثة : أقوال العلماء في ذم التدليس جملة :
قال الخطيب :” التدليس للحديث مكروه عند أكثر أهل العلم، وقد عظَّم بعضهم الشأن في ذمِّه، وتبجَّح بعضهم بالبراءة منه، فمما حفظناه عمن كان يكرهه ويذمه . . . ثم ساق أسانيده عن جماعة من أهل العلم قد ذموا التدليس ، ومنهم :
- شعبة بن الحجاج :” فقد قال :” التدليس أخو الكذب ” .
وقال :” التدليس في الحديث أشد من الزنا ، ولأن أسقط من السماء ؛ أحب إلي من أن أدلس ” .
- – جرير بن حازم فقد ذكر جرير التدليس والمدلسين فعابه، وقال:” أدنى ما يكون فيه : أنه يُرِي الناس أنه سمع مالم يسمع ” .
3-أبو أسامة قال: محمد بن أحمد بن يعقوب حدثنا جدي قال سمعت الحسن بن علي يقول سمعت أبا أسامة يقول :” خرَّب الله بيوت المدلسين ، ماهم عندي إلا كذابون ” .
4-حماد بن زيد :فقد قال: ” التدليس كذب ” ثم ذكر حديث النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – :” المتشبع بما لم يُعْطَ كلابس ثوبَيْ زُورٍ ” قال حماد:” ولا أعلم المدلس إلا متشبعًا بما لم يُعْطَ ” .
5-ابن المبارك : وكان يقول: ” لأن نخر من السماء ؛ أحب إلي من أن ندلس حديثًا ” .
6-وكيع بن الجراح : وقد قال :” نحن لا نستحل التدليس في الثياب ، فكيف في الحديث ” ؟! [483](2) .
●قد يقول قائل : لماذا يذم العلماء التدليس، وقد وُجِد من العلماء الكبار من يدلس ؟
الجواب : إن الذين ذموا التدليس نظروا إليه من جهة التشبع والاستكثار، وما يؤول الأمر إليه مِنْ رَدِّ بعض الروايات الصحيحة، أو تصحيح بعض الروايات الضعيفة، وأما الذين دلَّسوا من الكبار: فقد اعتذر عنهم بعض العلماء بأن لهم مقاصد أخرى، غير هذه المفاسد التي ذُم التدليس من أجلها، كما سيظهر ذلك من الكلام على الأسباب الحاملة على التدليس – إن شاء الله تعالى – .
وأيضًا : فمما يُعتذر به عن الكبار الذين دلسوا : أن أحدهم قد يدلس شيخه ولم يعلم ضعفه، وهذا أمثل ما يعتذر به عنهم .
وذكر السخاوي في ” الغاية ” [484](1) نحو ذلك ، ثم قال:” والظاهر أن البخاري ونحوه ممن يقع لهم تدليس الشيوخ : لايقصدون إيهام الاستكثار . . . بل يقصدون بهذا الصنيع حض الراوي على المبالغة من التعريف بحال الراوي ،بحيث لايلتبس عليهم على أي وجه كان ” اهـ .
وقد ذكر ابن دقيق العيد مصلحة للتدليس فقال : ” وأما مصلحته : فامتحان الأذهان في استخراج التدليسات ، وإلقاء ذلك إلى من يُراد اختبار حفظه ، ومعرفته بالرجال . . .” اهـ [485](2) وإذا كانت هذه مصلحة ، فأولى من يُعتذر بها عنهم الأئمة الذين وقعوا في التدليس ، وستأتي أعذار أخرى في المسألة الآتية – إن شاء الله – ومع هذا كله فهناك مواضع تبقى النفس حائرة فيها ، وما بقي إلا حسن الظن بهم ، والله أعلم .
وعلى كل حال: فالتدليس ليس جرحًا مستقرًّا ، إنما هو جرح في الرواية لا في الديانة ، والله أعلم .
●المسألة الرابعة : الأسباب الحاملة للمدلِّسين على التدليس :
ذكر العلماء أن للمدلسين أغراضًا حملتهم على التدليس ، منها المحمود ، ومنها المذموم ،وهي :
- ضَعْفُ الشيخ : قال الخطيب – في سياق ذكره الأحوال التي تقتضي ذم التدليس وتوهينه -: ” والثالثة: أن المدلس إنما لم يبين من بَيْنَه وبين من روى عنه؛ لعلمه بأنه لو ذَكَره لم يكن مرضيًّا مقبولاً عند أهل النقل ، فلذلك عَدَلَ عن ذِكْره ” [486](3) اهـ .
- صغر سن الشيخ : قال الخطيب : في كلامه على تدليس التسوية: ” لكنه يُسْقِط ممن بعده في الإسناد رجلاً يكون ضعيفًا في الرواية ، أو صغير السن ، ويُحَسِّن الحديث بذلك “اهـ [487](4) .
وذلك: لأنه قد يقع في نفس المدلس الحرج بسبب روايته عن هذا الصغير ، فَيُظَن به أنه ليس بصاحب رحلة، وأن الصغار رحلوا إلى المشايخ الكبار، فسبقوه في هذا الفن، فعند ذلك تستنكف نفسه عن الرواية عن هذا الصغير ؛ فيسقطه ، ويروي عمن لم يسمع منه .
- أن تكون عند هذا المدلس أحاديث كثيرة لهذا الشيخ، فلا يحب تَكْرار الرواية عنه، حتى لا يقع السامع في ملل بسبب ذلك ، فيسقطه المدلس ، أو يغير اسمه [488](1).
●وقال ابن الصلاح : ” أو لكونه كثير الرواية عنه، فلا يحب الإكثار من ذِكْر شخص واحد على صورة واحدة ” [489](2) اهـ .
- إيهام عُلو الإسناد: قال الخطيب :” وفيه أيضًا: أنه إنما لا يذكر من بينه وبين من دلس عنه طلبًا لتوهيم علو الإسناد ” اهـ ” الكفاية ” [490](3) .
- إيهام كثرة الشيوخ : قال بن دقيق العيد: ” وأكثر مقصود المتأخرين في التدليس طلب العلو أو إيهام كثيرة المشائخ ” [491](4) اهـ .
- امتحان الأذهان، وشحذها في معرفة الرواة ،وطبقاتهم ، ونحو ذلك، وإلقاء ذلك إلى من يراد اختبار حفظه ، ومعرفته بالرجال “اهـ [492](5) .
- أن يقصد التنويع في اسم الشيخ تفنُّنًا في الرواية ، وهذا يفعله الخطيب في بعض شيوخه .
قال السخاوي – رحمه الله – : ” ويكون كفعل الخطيب الحافظ المكثر من الشيوخ والمسموع في تنويع الشيخ الواحد، حيث قال مرة: ” أنا الحسن بن محمد الخلال ، ومرة: أخبرنا الحسن ابن أبي طالب ، ومرة: أنا أبو محمد الخلال ، والجميع واحد اهـ ” فتح المغيث ” [493](6) .
- إيهام الرحلة ، كما في تدليس البلدان ، وقد سبق قريبًا .
- الإغراب في الرواية [494](7) .
- العداوة التي بين التلميذ والشيخ، وقد ذكر ذلك العلائي [495](8) مستدلاًّ بما جرى بين البخاري والذهلي ، وفي التسليم بكون البخاري مدلِّسًا بحث ، والله أعلم .
- تحسين الحديث وإظهاره مستويًا بالثقات ، كما في تدليس التسوية .
- قَصْد الدفاع عن الشيخ حتى لايُرغب عن حديثه ، كما جرى من الوليد بن مسلم في حق الأوزاعي .
13-قَصْد إثارة الرغبة في الحديث وترويجه ، وذلك بإسقاط الضعيف ، أو تسمية الشيخ الضعيف باسم يوافق اسم شيخ ثقة ، وقد رَوى المدلس عنهما جميعًا ، كما يُرْوى من فعْل عطية العوفي في تكنية الكلبي بأبي سعيد [496](1) .
14-أن يكون الساقط ثقة عند المدلس ، وليس كذلك عند غيره ، فيسقطه ليجوز حديثه في الناس ، للاحتياج إليه [497](2) .
15-نشر الأخبار في الأمصار ، ومن أراد العمل بها ، فلينظر في طرق الحديث ، ويعمل بما ظهر له [498](3) .
16-الدعوة إلى الله : قال ذلك الحاكم في ” المعرفة ” [499](4) .
17- وقد يكون لكون المدلَّس حيًّا ، وعدم التصريح به أبعد عن المحذور الذي نهى الشافعي عنه لأجله [500](5) .
قلت : ولعله يعني قول الشافعي : ” إياك والرواية عن الأحياء ” لاحتمال أن ينسى الحي، ويجحد ما رواه ، فينال تلميذَه من ذلك شيء [501](6) .
18- قد يحمل المدلس على ذلك ما يحيط به من ظروف تجعله يخاف من التصريح باسم شيخه ، أو وقوع فتنة من غالٍ أو جافٍ مقبول عند الناس ، أو الولاة،كما يُذكر أن الحسن البصري كان يُخفي اسم عليٍّ – إن صح ذلك – زمن بني أمية [502](7) .
19- تأخر وفاة الشيخ ، فيشارك المدلسَ من هو دونه في الرواية عنه ، فيأنف من ذلك ، فيسقط شيخه [503](8) .
20- الشَّرَه في الرواية ، فيحمله ذلك على التدليس ، وهذا جامع للاستكثار في الشيوخ ، والطرق ، والغرائب ، والفوائد ، والله أعلم .
●المسألة الخامسة : مفاسد التدليس : قد ذكر الخطيب جملة من الأسباب الحاملة على ذم التدليس، فقال:” والتدليس يشتمل على ثلاثة أحوال تقتضي ذم التدليس وتوهينه :
فإحداها : إيهامه السماع ممن لم يسمع منه، وذلك مقارب الإخبار بالسماع ممن لم يسمع منه .
والثانية : عُدُوله عن الكشف إلى الاحتمال ، وذلك خلاف موجَب الورع والأمانة .
والثالثة : إن المدلس إنما لم يبين من بَيْنَه وبين من روى عنه؛ لعلمه بأنه لو ذكره لم يكن مرضيًّا مقبولاً عند أهل النقل ، فلذلك عَدَل عن ذِكْره ، وفيه أيضًا : أنه إنما لايذكر مَنْ بينه وبين مَنْ دلَّس عنه ؛ طلبًا لتوهيم عُلوِّ الإسناد ، والأنَفَة من الرواية عمن حدَّثه ، وذلك خلاف موجَب العدالة ، ومقتضى الديانة : من التواضع في طلب العلم ، وترْك الحمية في الإخبار بأخذ العلم عمن أخذه ، والمرسِل المُبَيِّن برئ من جميع ذلك ” اهـ من ” الكفاية ” [504](9).
●المسألة السادسة : هل يصلح الحديث المدلَّس في الشواهد والمتابعات ؟
قال الحافط ابن حجر :” ومتى تُوبِع السيئ الحفظ بمعتبر؛ كأن يكون فوقه أو مثله – لا دونه – وكذا المختلط الذي لم يتميز، والمستور، والإسناد المرسل، وكذا المدلَّس، إذا لم يُعْرَف المحذوف منه؛ صار حديثهم حسنًا لا لذاته ” اهـ ” النـزهة ” [505](10) .
وقال – أيضًا – في كلامه على تعريف الترمذي للحسن: ” وليس هو في التحقيق عند الترمذي مقصورًا على رواية المستور، بل يشترك معه الضعيف بسبب سوء الحفظ، والموصوف بالغلط والخطأ، وحديث المختلط بعد اختلاطه، والمدلس إذا عنعن، وما في إسناده انقطاع خفيف، فكل ذلك عنده من قبيل الحسن ….” اهـ [506](2).
قلت : عنعنة المدلس ليست من جملة الجرح الشديد، إلا إذا ظهر في حق راوٍ، أو في حديث بعينه؛ أنه دَلَّس عن متروك ، أو كذاب ؛ فإنه لا يستشهد به والحال هذه .
وكذا ما إذا عنعن مدلس، ثم جاء عنه من وجه آخر، وصرح بالسماع من ضعيف؛ فالظاهر أن هذا الضعيف هو الذي حُذِفَ من الإسناد المعنعن، فلا يتقويان بذلك ، وقريب منه ما إذا روى مدلس بالعنعنة عن شيخ، وتابعه ضعيف عن الشيخ نفسه، فيحتمل أن المدلس أسقط هذا الضعيف، وأنه ما أخذه إلا منه، إلا أن يثبت أنه ليس له عن هذا الضعيف رواية أصلاً؛ فعند ذلك يتقويان، وانظر التفصيل في ” إتحاف النبيل ” [507](3) .
فإن قيل : لايرتقي الحديث المدلَّس إلا بمتابعة ثقة؛ لقول الخطيب : ” فإن وافقه ثقة على روايته ؛ وجب العمل به ، لأجل رواية الثقة له خاصة ، دون غيره ” اهـ [508](1) .
فالجواب : إذا كان الشافعي قوَّى المرسَل بمثله ، ومعلوم أن الإرسال أشد في الانقطاع من التدليس – في الجملة – لأن المدلَّس يكون سماعه في الأصل ثابتًا – في الغالب – فإذا تقوى المرسَل بمثله ؛ فمن باب أولى أن يتقوى المدلِّس بمثله ، مع مراعاة القيود السابقة ، والله أعلم .
●المسألة السابعة : هل التدليس جرح للراوي ؟
للعلماء في ذلك تفصيل : فمنهم من يقول: إذا روى عن ضعيف أو كذاب ، وقصد ترويج حديثه، وأسقط الشيخ من أجل ذلك ؛ فهذا يُطْعَن فيه .
وذلك: لأنه غاش للأمة ، ومُرَوِّج لما هو غريب عن حديث رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله سلم – بين الناس ، موهمًا أن هذا الحديث من أحاديث الثقات .
والحقيقة: أن هذا من جهة النظر له وجه وجيه ، أما من حيث الواقع: فلا أعلم هناك رجلاً طُعن في عدالته، ورُدَّ حديثه – وإن كان ثقة – بسبب التدليس، اللهم إلا أن يكون مع التدليس شيء آخر، وأما من كان أكثر حديثه مدلَّسًا، وأُلُصقت به عهدة النكارة؛ فإنه يضعف لذلك أيضًا ،وقد جاء في ” نقد بيان الوهم والإيهام ” [509](2) للذهبي ، في حديث لبقية عن ابن جريج . . . ” قال الدارقطني :” هذا باطل، لعل بقية دلَّسه عن واه ” فقال ابن القطان :” فهذا مُفْسِدٌ لعدالة بقية” قال الذهبي متعقبًا ابن القطان” : قلت : هو مذهب ورأْيٌ له وللوليد بن مسلم ، وما رأيناك تغمز الوليد ” !! اهـ .
وسبق اعتذار الذهبي عن بقية والوليد والكبار في التدليس، وذلك في مسألة حُكم من وقع في تدليس التسوية ، وعلى كل حال : فانظر ” إتحاف النبيل ” والله أعلم .
والمقصود : أن الأصل في التدليس: أنه جرح في الرواية لا في الديانة، كما سبق عن الصنعاني ـ رحمه الله ـ والله تعالى أعلم .
( فائدة ) : هل إذا قال إمام من الأئمة في راوٍ ما : فلان مدلس ، هل نقبل ذلك منه ، أم نتوقف فيه لاحتمال أنه أراد بذلك الإرسال ؟
والجواب : إذا لم يظهر دليل يدل على خلاف ما قال الإمام العدل في كلامه على الرواة ؛ فالأصل إعمال كلامه ، لا الوقف فيه ، لأن الأصل في كلام الأئمة التفريق بين الإرسال والتدليس ، وكونهم أطلقوا التدليس فيمن لم يسمع ، فلا يلزم من ذلك أن يكون الإرسال والتدليس مترادفين من جميع الوجوه ، لأن من قصد الإيهام ، وإن لم يسمع؛ فهو مدلس أيضًا، ولاشك أن التدليس نوع من الإرسال ، لكن ليس كل إرسال تدليسًا [510](1) والله أعلم .
الحديث الشاذ
قال الناظم – رحمه الله – :
| 21 – وما يخالفْ ثقةٌ به الملا | فالشاذ . . . . . . . . |
تكلم الناظم في هذا البيت على الحديث الشاذ ، والمقصود بـ ” الملا ” الجماعة .
وفي هذا البيت عدة مسائل :
●المسألة الأولى : تعريف الشاذ لغة واصطلاحًا :
أما في اللغة : فهو المنفرد عن الجمهور ، يقال: ” شذ يشُِذُ شذوذًا” بضم الشين المعجمة وكسرها – : إذا انفرد عند الجمهور ، ونَدَر ، فهو شاذ ” انظر ” اللسان ” [511](1) .
وأما في الاصطلاح : فقد اختلف أهل العلم في تعريفه على عدة أقوال :
الأول : تعريف الخليلي، حيث قال في ” الإرشاد ” [512](2) :” والذي عليه حفاظ الحديث: الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد ، يشذ بذلك شيخ : ثقة كان أو غير ثقة ، فما كان من غير الثقة؛ فمتروك لايُقْبَل ، وما كان عن ثقة، يُتَوَقَّف فيه، ولايُحْتج به ” اهـ .
وقد فهم بعض أهل العلم من هذا التعريف: كابن الصلاح، والنووي،والعراقي،وابن الملقن، والحافظ ابن حجر [513](3)، وغيرهم: أنه يريد أن كل فرد شاذ ، فإن كان تفردَ ثقة ؛ فهو في حَيِّز التوقف ، وإن كان تفردَ غير ثقة ؛ فمتروك لايُقْبل .
ثم اعترضوا عليه بغرائب “الصحيح” التي تفرد بها الثقات والأئمة الحفاظ ، فإنه يلزم على إطلاقه أن تكون شاذة يُتَوَقَّف فيها، كحديث: ” الأعمال بالنيات ” وغيره .
إلا أن ابن رجب خفف من قوة الإيراد على الخليلي ، فقال في ” شرح العلل ” : ” ولكن كلام الخليلي في تفرد الشيوخ ، والشيوخ في اصطلاح أهل العلم: عبارة عمن دون الأئمة الحفاظ ، وقد يكون فيهم الثقة وغيره، فأما ما انفرد به الأئمة والحفاظ ؛ فقد سمّاه الخليلي فردًا ، وذكر أن أفراد الحفاظ المشهورين الثقات ، أو أفراد إمام من الحفاظ الأئمة : صحيح ، متفق عليه ” [514](1)اهـ .
القول الثاني : تعريف الحاكم : حيث قال في ” معرفة علوم الحديث ” [515](2) : ” فأما الشاذ فإنه حديث يتفرد به ثقة من الثقات ، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة ” اهـ .
وظاهره أن تفرد كل ثقة يكون شاذًّا ، وفيه ما فيه ، إلا أن للحاكم كلامًا آخر في “المعرفة” يدل على أن الشذوذ إنما يطلق على حديث الثقة الذي فيه علة لايُهْتَدَى إليها ، حيث ينقدح في نفس الناقد أن الحديث غلط، ولم يقف الناقد على جهة الوهم فيه ، كما أشار إلى ذلك ابن الصلاح وغيره ، فقد قال الحاكم : ” هذا النوع: منه معرفة الشاذ من الروايات ، وهو غير المعلول، فإن المعلول ما يُوقَف على علته ، أنه دخل حديث في حديث ، أو وهم فيه راوٍ ، أو أرسله واحد ، ووصله واهم ، فأما الشاذ . . . “ثم ذكر التعريف السابق ، ثم ذكر مثال الشاذ، فذكر حديث معاذ في جمع التقديم ، ثم قال : هذا ” حديث رواته أئمة ثقات ، وهو شاذ الإسناد والمتن ، لانعرف له علة نعلِّله بها . . .” إلى أن قال :
“فلما لم نجد له العلتين – أي اللتين أشار إليهما قبل ذلك – خرج عن أن يكون معلولاً . . . ” اهـ[516](1) .
مجموع كلام الحاكم لايخرج عن الشاذ لكن ليس جامعًا ، والله أعلم .
( فائدة ) : جاء ما يدل على أن الحاكم قد يطلق الشذوذ على تفرد الثقة، ولا يقصد به الرد لحديثه ، وذلك ما جاء في كتابه ” المدخل إلى الإكليل ” [517](2) حيث قَسَّم الصحيح إلى عشرة أقسام : خمسة متفق عليها ، وخمسة مختلف فيها ، وجعل القسم الخامس من المتفق عليها : الأحاديث الأفراد الغرائب ، التي يرويها الثقات العدول ، تفرد بها ثقة من الثقات . الخ .
ورمز لها في آخر الكتاب في قسم الرُّموز بـ ( ص ش ) – يعني – صحيح شاذ ، فهذا يدل على أنه قد يطلق الشذوذ على غرائب الصحيح ، ويريد مجرد التسمية فقط، ولا مشاحة في التسمية ، وإلى ذلك أشار الحافظ في ” النكت ” [518](3) .
القول الثالث : تعريف الشافعي – رحمه الله – فقد قال : ” ليس الشاذ من الحديث: أن يروي الثقة مالايرويه غيره، هذا ليس بشاذ ، إنما الشاذ: أن يروي الثقة حديثًا يخالف فيه الناس ” [519](4) اهـ .
وقد وقفتُ على كلام الشافعي في ” آداب الشافعي ومناقبه ” لابن أبي حاتم [520](5) فقد قال : ” ليس الشاذ من الحديث : أن يروي الثقة حديثًا لم يروه غيره ، إنما الشاذ من الحديث : أن يروي الثقات حديثًا ، فيشذ عنهم واحد ، فيخالفهم ” .
قال أبوحاتم : حدثنا أبي ثنا يونس بهذا عن الشافعي ، وزاد فيه : ” إنما الشاذ : أن يروي الثقات حديثًا على نصٍّ ، ثم يرويه ثقة خلافًا لروايتهم ، فهذا الذي يقال : شذَّ عنهم ” اهـ .
وفي هذا التعريف زيادة على ما سبق من تعاريف: حيث قَيَّدَ الشافعي الشذوذ بالمخالفة،ومراعاة المخالفة في الشذوذ أشهر من مجرد التفرد ، إلا أنه مع ذلك يرد عليه إيراد يسير: وهو تقييده المخالف بالثقة ، وظاهره أن من دون الثقة – كالصدوق – ونحوه لاتسمى مخالفته شذوذًا .
ولعله يريد كل من يُوثَق به، سواءً كان في مرتبة الصحيح أو الحسن، ولأجل هذا عَبَّر الحافظ ابن حجر في تعريفه للشاذ بما يحثرز من هذا الإيراد – كما سيأتي – .
القول الرابع:تعريف الحافظ ابن حجر – رحمه الله – : ” مخالفة المقبول لمن هو أولى منه ” [521](1) فذَكَر: “المقبول” ليشمل كل من يُقْبَل بذاته ، سواء كان من مرتبة الصحيح أو الحسن.
وقوله : ” لمن هو أولى منه ” أدق من قول الشافعي” للثقات ” أو ” للناس ” ليدخل في ذلك الواحد إذا كان أولى من مخالفه، لأنه لايلزم في الشذوذ مخالفة العدد، ولهذا كان تعريف الحافظ أدق التعاريف، وإن كان من راعى في التعريف مجرد التفرد قد سُبق إلى استعمال الشذوذ في التفرد من بعض أهل العلم، والله أعلم .
والمقصود بالمخالفة – هنا – : أيُّ زيادة في الألفاظ تحمل زيادة في المعنى؛ فهي زيادة شاذة، سواء أمكن الجمع بينها وبين الأصل أم لا ، هذا الذي عليه المحققون من أهل العلم ، أما من اشترط في الحكم عليها بالشذوذ: أن تكون منافية للأصل ،منافاة تامة، بحيث لايمكن الجمع بينهما ؛ فهذا غير صحيح، بل لاأعرف زيادة شاذة لايمكن الجمع بينها وبين الأصل على طريقة الفقهاء والأصوليين، وكتب العلل مليئة بأحكام الأئمة بالشذوذ على زيادات لاتتنافى مع أصل الحديث ، بل بعضها من لوازم العمل بالأصل ، كزيادة: ” فَلْيُرِقْهُ ” في حديث التطهير من ولوغ الكلب، فإنَّ غَسْلَ الإناء لايكون إلا بعد إراقة ما فيه ، ومع ذلك فقد حكم بعض العلماء بشذوذ هذه الزيادة ، والله أعلم .
القول الخامس : تعريف ابن الصلاح والنووي وغيرهما : وخلاصته أنهم قسموا الشاذ إلى قسمين :
1- مخالفة الراوي لمن هو أولى منه ، أو أحفظ وأضبط .
2- تفرد الضعيف [522](2).
فقولهم في القسم الأول : ” مخالفة الراوي ” يشمل عندهم مخالفة الثقة والضعيف ، لأن الشاذ والمنكر عندهم سيان .
وقولهم في القسم الثاني : ” تفرد الضعيف ” قد يُشْكل عليه: أن الشاذ ضَعْفُه شديد، لا يصلح في الشواهد والمتابعات ، فكيف يسمى شاذًّا ،والضعيف يستشهد به ؟
ويجاب عن هذا الإشكال بأن المراد بالشاذ الذي لايستشهد به : الشاذ الذي هو فرْعٌ عن مخالفة الأولى ، فهذا خطأ مردود ، لايستشهد به، أما إذا كان عن كان تفرد ضعيف ؛ فإن ضعفه خفيف ، وإن سُمِّي شاذًّا على هذا المذهب ، فإن وجدنا شاهدًا له ؛ زال عنه الشذوذ والنكارة ، والله أعلم .
●المسألة الثانية : ما هو عكس الحديث الشاذ ؟
ذكر الحافظ ابن حجر – رحمه الله تعالى – أن عكس الحديث الشاذ، يقال له : ” المحفوظ ” كما يقال لعكس ” المنكر” :” المعروف ” [523](1) اهـ . وليس هذا مطردًا، فقد يطلقون المحفوظ مقابل المنكر، والمعروف المعروف المحفوظ ،والله أعلم. اهـ .
●المسألة الثالثة : هناك حالات يقبل فيها العلماء رواية الثقة؛ وإن خالف من هو أوثق منه، منها:
الأولى : أن يكون الراوي من أثبت الناس في الشيخ المختلَف عليه ، فتُقبل روايته – في الجملة = وإن خالف أكثر منه عددًا أو وصْفًا .
الثانية : أن يكون المخالِف من الأئمة المشاهير، انظر ” شرح العلل ” لابن رجب [524](2) .
الثالثة : أن يأتي راوٍ آخر – غيرُ الثقة المخالف، وغير الجماعة الذين خالفوه – فيروي الحديث على الوجهين ، كما لو روى جماعة حديثا عن مالك عن نافع عن ابن عمر ، وخالفهم ثقة فرواه عن مالك عن سالم عن ابن عمر ، فجاء من طريق ثالثة عن مالك عن سالم ونافع عن ابن عمر ، دل هذا على هذا أن رواية المخالف الذي سَمَّى سالمًا محفوظة ، والله أعلم .
الرابعة : أن يكون الشيخ المختلف عليه مكثرًا واسع الرواية ، فيمكن أن يُحمل الحديث على ما رواه الفرد والجماعة ، وانظر ” شرح علل الترمذي ” [525](3) .
الخامسة : أن يكون لهذا المخالف رواية أخرى يوافق فيها رواية الجماعة الذين خالفهم ، فهذا يدل على أن عنده زيادة على ما عندهم ، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ .
السادسة : أن يكون المخالف من الصحابة، فإن زيادة الصحابي على غيره من الصحابة مقبولة باتفاق المحدثين، كما نقل ذلك العلائي في “نظم الفرائد” وابن حجر في “النكت”[526](4) والسخاوي في ” فتح المغيث ” [527](5) .
السابعة : أن يكون المخالف صاحب كتاب ، وحدث من كتابه ،ومن خالفه ليس كذلك .
الثامنة : إذا احتف حديث المخالف بقرائن خارجية، تدل على أن محفوظ ، كأن يروي قصة، وقد ذكرت غالب هذه الحالات مع الأمثلة في ” الإتحاف ” [528](6) .
التاسعة :إذا روى الجماعة عن مدلس بالعنعنة ، ورواه عنه واحد ،فصرَّح في رواية المدلس بالسماع من واسطة عن شيخه في رواية الجماعة أو الأوثق ، قُبلت رواية الواحد كما في رواية جماعة عن هشيم عن إسماعيل ابن أبي خالد ، ورواه خالد بن القاسم المدائني عن هشيم عن شريك عن إسماعيل ، ورجح بعض العلماء رواية خالد ، انظر ” علل الدارقطني ” [529](1) .
العاشرة : إذا كان الإسناد يدور على راوٍ،وقد عُرف بأن هذا الراوي إذا شك في الحديث ؛ نقص منه ، وروى عنه جماعة أو الأحفظ الحديث ناقصًا ، ورواه واحد عنه تامًّا ، فقد يُحمل الحديث على الوجهين ،ويقال : هذا من تصرف الشيخ الذي يدور عليه السند ، كما عُرف من شأن مالك وغيره ، انظر ما يشير إلى هذا في ” شرح السنة ” للبغوي [530](2).
( تنبيه ) : هل الحالات العشر السابقة مطردة : فحيثما وقفنا على ذلك ؛ قَبلْنا رواية الواحد ؟
الجواب : معظم هذه الحالات غير مطردة ، فقد وقفت على بعض هذه الحالات في كتب العلل ، ولم يراع الدارقطني وغيره هذه الحالات في بعض المواضع، وإن عملوا بها في مواضع أخرى ، فلعلهم يراعون قرائن أخرى في كل حديث حديث ، وأما زيادة الصحابي عن غيره من الصحابة ؛ فقد سبق اتفاق المحدثين على قبولها .
والخلاصة : أننا إذا وقفنا على إعمال إمام لشئ من هذه الحالات ؛ قبلنا ذلك ، أو كان نهناك من العلماء النقاد من صَحَّح الحديث بالوجهين، ولم يذكر دليله على ذلك ، ثم وقفنا على شئ من هذه لهذا ، الحالات ؛فيقال : لعل الإمام صحح هذا ، وكذا إذا كانت هناك قرائن تدل على صحة إعمال هذه الحالات – مالم يعارض كلام الأئمة المتأهلين في هذا الفن – وإلا ففي النفس شئ من طرد جُلِّ هذه الحالات ، والله أعلم .
●المسألة الرابعة : هل يصلح الشاذ في الشواهد والمتابعات ؟
الجواب : لايصلح الشاذ في الشواهد والمتابعات ، إذا كان الشذوذ فرعًا عن المخالفة ، بخلاف مطلق تفرد الضعيف ، كما سبق ، وانظر التفصيل في ” إتحاف النبيل ” [531](3).
الحديث المقلوب
| . . . . . . . . . . . . . 22- إبدالُ راوٍ ما براوٍ قِسْمُ | . . . والمقلوبُ قِسْمانِ تَلاَ وقَلْبُ إسنادٍ لمتنٍ قِسْمُ |
بعد الانتهاء من الكلام على الشذوذ ، شرع الناظم في الكلام على الحديث المقلوب مُبَيِّنًا أنه ينقسم إلى قسمين :
وقوله: ” تلا ” بمعنى ” تبع “وهو تتميم للبيت .
قوله :” ما براوٍ …” يجوز أن تكون “ما “زائدة، ويجوز أن تكون في موضع جرٍّ نعت ” راوٍ” وقد قال الشيخ بن عثيمين – رحمه الله – “ما” هنا نكرة واصفة ، ومعنى نكرة واصفة: أي أنك تقدر “ما”بـ ” أي “والتقدير إبدال راوٍ براوٍ ” ا.هـ شرح البيقونية [532](1) .
وسيكون الكلام على هذا النوع – بإذن الله – فى عدة مسائل ، منها :
●المسألة الأولى : تعريف الحديث المقلوب :
القلب لغة: صرف الشئ عن وجهه.
واصطلاحًا: ينقسم المقلوب إلى قسمين :
(1) مقلوب السند .
(2) مقلوب المتن.
أما مقلوب السند: فتعريفه كما قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – : ” وحقيقته إبدال مَنْ يُعْرَف بروايةٍ بغيره ” اهـ من ” النكت ” [533](2) .
وقال السخاوي – رحمه الله – : ” وحقيقة القلب: تغيير مَنْ يُعْرَف برواية ما بغيره عمدًا ، أو سهوًا ” اهـ ” فتح المغيث ” [534](3) .
وهو على ضربين :
أ – جزئي : وهو إبدال راوٍ براوٍ .
ب- كلي : وهو أن يُؤْخَذ إسناد متن؛ فَيُجْعَل على متن آخر ، وبالعكس ،والأول: وهو مقلوب الإسناد الجزئي : ينقسم إلى أقسام :
1- أن يكون الحديث مشهورًا براوٍ، فَيُجْعَل مكانه آخر في طبقته، كأن يكون الحديث معروفًا برواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة – رضي الله عنه – فيجعل من رواية الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة .
2- أن يُقَدِّم ويُؤَخِّر في اسم أحد الرواة، واسم أبيه، مع كونهما من طبقة واحدة، ككعب بن مُرَّة ، فيجعله الراوي مُرّة بن كعب [535](1).
3- أن يقدم ويؤخر راويًا عن طبقته في السند، ومثاله: ما رواه ابن أبي حاتم في ” العلل ” [536](2) من حديث سفيان عن حكيم بن سعد عن عمران بن ظبيان عن سلمان ، فقال أبوحاتم : هذا الإسناد مقلوب، إنما هو سفيان عن عمران بن ظبيان عن حكيم بن سعد عن سلمان ” اهـ .
أما الثاني : وهو مقلوب الإسناد الكلي : وهو أن يُؤْخَذَ إسناد متن فيُجْعَل على متن آخر ، وبالعكس .
ومثاله : ما رواه ابن عدي [537](3) قال سمعت عدة مشائخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد ، فسمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا ، وعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها ، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر ، وإسناد هذا المتن لمتن آخر ، ودفعوه إلى عشرة أنفس ، إلى كل رجل عشرة ، وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري ، وأخذوا الوعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث من الغرباء ، ومن أهل خراسان وغيرها من البغداديين ، فلما اطمأن المجلس بأهله ، انْتُدِب إليه رجل من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه ، فسأله آخر ، فقال: لا أعرفه ، فما زال يُلْقِي عليه واحدًا بعد واحد، حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، فكان الفقهاء ممن حضر يلتفت بعضهم إلى بعض، ويقولون الرجل فَهِمَ ، ومن كان منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز، والتقصير، وقلة الفهم – وفي ” النكت ” [538](4) “وقلة الحفظ ” ثم انْتُدِب إليه رجل آخر من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال البخاري : لا أعرفه فلم يَزَلْ يُلْقي إليه واحدًا بعد واحد، حتى فرغ من عشرته ، والبخاري يقول : لا أعرفه ، ثم انْتُدِبَ إليه الثالث، والرابع، إلى تمام العشرة، حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة، والبخاري لايزيدهم على: ” لا أعرفه ” فلما علم البخاري أنهم قد فرغوا؛ التفت إلى الأول منهم، فقال : أما حديثك الأول فهو كذا ، وحديثك الثاني فهو كذا، والثالث، والرابع، على الولاء، حتى أتى على تمام العشرة ، فَرَدَّ كل متنٍ إلى إسناده ، وكل إسنادٍ إلى متنه ، وفعل بالآخرين مثل ذلك ، ورد متونَ الأحاديث كلَّها إلى أسانيدِها، وأسانيدَها إلى متونها، فأَقَرَّ له الناس بالحفظ ، وأذعنوا له بالفضل ” اهـ .
قال الحافظ ابن حجر : ” سمعت شيخنا – يعني العراقي – غير مرة يقول :
“ما العجب من معرفة البخاري للخطأ من الصواب في الأحاديث لاتساع معرفته ؛ وإنما يُتَعجَّبُ منه في هذا لكونه حَفِظَ موالاة الأحاديث على الخطأ عن مرة واحدة ” اهـ . ” النكت ” [539](1) .
( فائدة ): هذه القصة فيها جماعة مُبْهَمُون من شيوخ ابن عدي، وقد قررتُ في “إتحاف النبيل”: [540](2) أن الجمع يجبر الجهالة في طبقتي التابعين وأتباعهم، وهذا في الحديث النبوي، وآثار الصحابة ـ رضي الله عنهم – وأتباعهم، أما هذه القصة فلا أرى الإبهام مانعًا من قبولها؛ لاشتهارها بين المصنفين في هذا الباب دون نكير، ولأنها موافقة لما هو مشهور من سعة اطلاع الإمام البخاري وحِفْظِه، فهذه القرائن تقوي رواية الجمع المبهم أيضًا، وقد أطلق السخاوي تصحيح القصة لانجبار الجهالة بالجمع حيث قال: ” ولا يضر جهالة شيوخ ابن عدي فيها؛ فإنهم عدد ينجبر به جهالتهم” اهـ من ” فتح المغيث ” [541](3) .
( تنبيه ) : وقوعُ القلْب في السند أكثر من وقوعه في المتن .
ثانيًا: مقلوب المتن: قال السخاوي:” فحقيقته: أن يُعْطَى أحدُ الشيئين ما اشْتُهِر للآخر”، ونحوه قول ابن الجزري:” هو الذي يكون على وَجْهٍ، فينقلب بعضُ لفظه على الراوي، فيتغير معناه، وربما العكس اهـ [542](4) .
مثاله: ما رواه مسلم في السبعة الذين يُظِلُّهم الله في ظِلِّه، ومنهم ” رجل تَصَدَّق بصدقة، فأخفاها؛ حتى لا تَعْلَم يمينُهُ ما تنفق شمالُهُ ” قال الحافظ:” فهذا مما انقلب على أحد الرواة، وإنما هو:” حتى لا تَعْلَم شمالُه ما تنفق يمينُهُ، كما في “الصحيحين” [543](5) .
وهذا من إبدال الكلمة بأخرى، ومنه إبدال جملة بأخرى ، مثاله : “كان النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – يقْضِي حاجته مستقبل القبلة، مُسْتَدْبِرَ الشام “.
وكذا يدخل فيه – قياسًا على مقلوب الإسناد الكلي – : جَعْلُ متن كاملٍ على إسناد آخر، انظر مثاله في ” النكت ” [544](1) ، والله اعلم .
( تنبيهات ) :
( التنبيه الأول ) : لم يتعرض الناظم للكلام على مقلوب المتن، وإنما تكلم على القلب في الإسناد، ولعل ذلك لاختصاره في الكلام على علوم الحديث في منظومته ، أولقلة وقوع القلب في المتن ، والله أعلم .
( التنبيه الثاني ) : مقلوب المتن سماه بعضهم بـ ” المنقلب “،كابن الجزري [545](2)،وسماه البلقيني بـ ” المعكوس ” [546](3)، وسمى الحافظ المقلوب في الرواة بـ ” المُبْدَل ” [547](4) .
( التنبيه الثالث ) : هذا شكل يلخص ما سبق من أقسام المقلوب :
المقلوب
إبدال راوٍ مشهور في رواية ما بغيره
جملة
جزئي
جزئي
في الإسناد
في المتن
كلي
كلي
التقديم والتأخير
في اسم الراوي واسم أبيه
بين الراوي وشيخه
كلمة
●المسألة الثانية: الأسباب الحاملة على القلْب ، قسمان :
- منها ما يقع عمدًا .
- ومنها ما يقع وهمًا .
فالتي على سبيل التعمد هي :
1- بقصد الإغراب ؛ وذلك ليرغب الناس في روايته ، والأخذ عنه .
وذكر الحافظ أن ممن كان يفعل المقلوب بهذا القصد – على سبيل الكذب – :حماد بن عمرو النصيـبي ، أحد المذكورين بالوضع، كما وقع له في الحديث المعروف برواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رفعه: ” إذا لقيتم المشركين في طريق؛ فلا تبدؤوهم بالسلام” فجعله عن الأعمش عن أبي صالح؛ ليُغَرِب به ، وهو لا يُعرف إلا عن الأعمش اهـ ملخصًا من ” النكت ” [548](1) .
وقال السخاوي:” وقد قيل في فاعل هذا:” يسرق الحديث” وربما قيل في الحديث نفسه” مسروق” وفي إطلاقه السرقة على ذلك نظر، إلا أن يكون الراوي المُبْدَل به عند بعض المحدثين منفردًا به، فيسرقه الفاعل منه، وللخوف من هذه الآفة كره أهل الحديث تتبع الغرائب ” اهـ ” فتح المغيث ” [549](2) .
- يقصد الامتحان أو الاختبار لحفظ الطالب أو الشيخ، واختباره هل اختلط أم لا ؟ وهل يقبل التلقين أم لا ؟ كما وقع من ابن معين مع أبي نعيم الفضل بن دكين، وقد قال الحافظ في هذا النوع من القلب:” وشرطه ألا يستمر عليه، بل ينتهي بانتهاء الحاجة” اهـ من ” نزهة النظر” [550](3) .
وهذا الشرط للسلامة من ظن أن الحديث على الوجه المقلوب، وهو ليس كذلك، والله أعلم .
وأما القلب الذي وقع عن وهم: وقد يقع من الثقة لسهوه،فمثاله: ما حصل مع جرير ، فقد روى عن ثابت عن أنس مرفوعًا :” إذا أقيمت الصلاة؛ فلا تقوموا حتى تروني ” فقد انقلب الإسناد على جرير، وهو مشهور ليحيى بن أبي كثير عن عبدالله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – .
وقد يقع من الضعيف: وذلك لسوء حفظه، وبين هذا وما قبله فرق يسير، فإن الثقات منـزَّهون عن سوء الحفظ من الناحية الاصطلاحية، وإلا فمن سها في موضع؛ فقد ساء حفظه فيه على وجه الخصوص، وإن لم يُطْلَق فيه القول بأنه سيء الحفظ، والله أعلم .
●المسألة الثالثة : حكم حالات القلب :
يختلف حكم القلب باختلاف قصد القالب، فإن كان قصده الإغراب حتى يرغب الناس في الرواية عنه، ويرحلوا إليه؛ فلا شك في حرمة ذلك، وهذا من عمل أهل الوضع والسرقة .
أما إن كان المقصود منه الامتحان والاختبار؛ فقد اختلف أهل العلم في حكمه ما بين مجيز له ومانع منه .
فقد استعمله بعض العلماء كحماد بن سلمة، وشعبة بن الحجاج ، ويحيى بن معين ، وغيرهم .
وهناك من منعه كابن القطان ـ حيث قال: لا أستحله، وذلك لما يترتب عليه من تغليط من يمتحنه ، واستمراره على رواية الخطأ؛ لظنه أنه صواب، وقد يسمعه من لا خبرة له؛ فيرويه ظنًّا منه أنه صواب ” فتح المغيث ” [551](1) .
قال العراقي – رحمه الله – : ” وفي جوازه نظر، إلا أنه إذا فعله أهل الحديث لا يستقر حديثًا .
أي عليه أن يبين أنه قد قلبه للامتحان ، لا أن الحديث على هذا الوجه ، والله أعلم .
قال السخاوي :”وبالجملة فقد قال شيخنا – يعني الحافظ – إن مصلحته أي التي منها معرفة رتبته في الضبط في أسرع وقت ـ أكثر من مفسدته ” قال : وشرطه – أي الجواز – : أن لا يستمر عليه ، بل ينتهي بانتهاء الحاجة اهـ ” فتح المغيث ” (1) .
أما إن كان القلب من باب السهو والغلط؛ ففاعله معذور غير موزور، لكن إذا أكثر منه؛ فإنه يُخِلُّ بضبطه ، وذلك على مراتب متفاوتة ، والله أعلم .
وقد لخص الحافظ – رحمه الله – أحكام المقلوب بقوله:” فلو وقع الإبدال عمدًا – لا لمصلحة – بل للإغراب – مثلاً – فهو من أقسام الموضوع، ولو وقع غلطًا؛ فهو من المقلوب، أو المعلَّل اهـ ” النزهة ” [552](2) .
قال السخاوي : ” بل هو كالموضوع ” [553](3) اهـ .
وكأن السخاوي نظر إلى أن الوضْع يُطْلَق على الاختلاق والافتعال للشيء دون وجودٍ سابق له أصلاً ، وهذا بخلاف المقلوب، ويقوي كلام الحافظ: أن الحديث المقلوب بصورته المجموعة لا يَسْلَم من اختلاق وافتعال على غير مثال سابق ،وإذا وقع ذلك عمدًا؛ ففيه معنى الوضع، ومع هذا فعبارة السخاوي أدق ، والله أعلم .
وذكر ابن دقيق العيد في بعض صور القلب أنه قد يطلق على راويه: أنه يسرق الحديث اهـ من ” الاقتراح ” [554](1) .
وبنحوه قال الذهبي فيمن ركَّب متنًا على سند ليس له متعمدًا،قال :” فهو الذي يُقَال في حقه: فلان يسرق الحديث ” اهـ ” الموقظة ” [555](2) .
وتَعَقَّب ذلك السخاوي، فقال:” وفي إطلاق السرقة على ذلك نظر؛ إلا أن يكون الراوي المبْدَل به عند بعض المحدثين منفردًا به، فيسرقه الفاعل منه ” اهـ ” فتح المغيث ” [556](3) .
●المسألة الرابعة : حكم الحديث المقلوب :
الحديث المقلوب من قسم الحديث الضعيف، ولا يصلح في الشواهد والمتابعات، وقد ذكر السيوطي مرتبة المدرج ثم المقلوب ، ويليه المضطرب ، ونسب هذا الترتيب للحافظ ، ولعله أخذه من صنيعه في ” النخبة ” .
قال السيوطي : وقال الخطابي ” شرها ـ أي الأقسام ـ الموضوع ، ثم المقلوب “.
أما الزركشي فقد جعل بعد الموضوع: المدرج،ثم المقلوب،واستحسنه السيوطي.انظر “التدريب” [557](4) .
قلت: هذه الأحكام معتبرة في الجملة،وليست مطردة، وإلا فقد تكون بعض صور المقلوب أحسن حالاً من بعض صور المضطرب، بل بعض صور المقلوب قد لا تؤثر في الحديث أصلاً .
كإبدال صحابي بآخر ، أو ثقة بثقة والله أعلم .
●المسألة الخامسة : كيف يُعْرَف القلب في الروايات ؟
الجواب : يُعْرَف ذلك بأمور :
- نص إمام من الأئمة .
- بجمع طرق الحديث .
- النظر في أصل الشيخ ، فيجد الواقف عليه أن الشيخ قد انتقل بصره من حديث إلى حديث ، فأخذ سند هذا الحديث ؛ وجعله على متن ذاك الحديث ، وهذا أمر ليس متيسرًا للباحثين في الأزمنة المتأخرة .
- أن يكون خلاف المشهور عند المحدثين ، والله تعالى أعلم .
الحديث الفرد
قال الناظم – رحمه الله – :
| 23والفَرْدُ ما قَيَّدْتَه بثقـةٍ | أو جَمْعٍ أو قَصْرٍ على روايةٍ |
تكلم الناظم في هذا البيت على نوع من أنواع التفرد ، وهو التفرد النسبي ، وقسمه إلى ثلاثة أقسام :
- المقيَّد بالثقة ، أي لم يروه ثقةٌ إلا فلان .
- المقيَّد بأهل بلد ، وإليه أشار بقوله ” أو جمعٍ ” واستحسن الزرقاني – في “شرحه للمنظومة” [558](1) أن لو عبر المؤلف بقوله ” أو مَصْرٍ” بدل قوله ” أو جمع ” .
- المقيَّد بقصره على راوٍ مخصوص ، أي لم يروه عن فلان إلا فلان ، أويقال : ” القصر على الرواية: بمعنى القصر على معناها ، والأول أولى ، والفرق بينه وبين القسم الأول: أن الأول مقصور على رواية الثقة ، بخلاف هذا فإنه عام .
وتحت هذا البيت عدة مسائل :
●المسألة الأولى : تعريف الحديث الفرد :
الفرد لغة : الوتر .
واصطلاحًا : هو الحديث الذي يُرْوَى من جهة واحدة، سواء من طريق واحد ، أو من عدة طرق ، لكنها جهة واحدة .
●المسألة الثانية : أقسام الفرد :
قسم العلماء الفرد إلى قسمين :
- فرد مطلق .
- فرد نسبي .
والفرد المطلق : هو الذي ينفرد به راوٍ واحد في أصل السند أي: في الموضع الذي يدور الإسناد عليه ، ولو تعددت الطرق إلى هذا المنفرد . انظر النـزهة [559](2) .
وقد مر بنا في الكلام على الحديث الغريب ، وأن الغرابة إذا كانت في أصل السند : أي من الجهة التي فيها الصحابي ؛ فهو الذي يقال له : الفرد المطلق ، وذلك برواية تابعي عن صحابي أو أكثر ، المهم أن يكون التابعي واحدًا ، وكذا إذا استمرالتفرد من التابعي فمن دونه ؛ فمطلق أيضًا ، لكن إذا تعدد التابعي ؛ فهو نسبي – وإن انفرد بذلك عن التابعيِّيْن فأكثر راوٍ واحد – [560](1)والله أعلم .
أما الفرد النسبي : وهو الذي يقع فيه التفرد في أثناء السند : فهو الذي تكلم عليه الناظم – رحمه الله – في هذا البيت ، وسُمِّي نسبيًّا لإضافته إلى جهة شخص ، أو صفة ،أو بلد خاصة .
والفرد المطلق ينقسم إلى قسمين :
- تفرد شخصٍ من الرواة بالحديث .
- تفرد أهل بلد بالحديث دون غيرهم ، كأن يتفرد بحديث ما أهل المدينة – مثلاً – ولايشاركهم غيرهم في هذه الرواية . انظر كلام الحافظ في النكت ” [561](2) .
●المسألة الثالثة : أقسام الفرد النسبي :
للفرد النسبي ثلاثة أقسام ، ذكرها الناظم وغيره ، وهي :
الأول : المقيد بالثقة ، أي بانفراد الثقة بروايته من جملة الثقات، كقولهم ” لم يروه ثقة إلا فلان ” أي أنه قد رواه هناك آخرون، إلا أنهم ليسوا بثقات ، فالحديث ليس فردًا في الجملة؛ إلا إذا نظرنا إلى روايته من طريق الثقات، فلم يروه أحد منهم غير فلان ، وإليه أشار الناظم بقوله ” والفرد ما قيدته بثقةٍ ” .
الثاني : المقيد بأهل بلد مخصوص، كقولهم : تفرد به فلان عن أهل مكة – مثلاً – وهذا الراوي ليس بمكي ، وقد يكون الحديث مرويًّا من غير طريق أهل مكة ، وإليه أشار الناظم بقوله ” أو جَمْع ٍ ” أي مَصْرٍ .
الثالث : المقيد بقصره على راوٍ مخصوص .
وإليه أشار الناظم بقوله: ” أو قَصْر على رواية ” أي تَفَرُّد الراوي بالحديث عن راوٍ،بحيث لايرويه عنه غيره ، وإن كان مرويًّا من وجوه أخرى عن غيره .
( فائدة ): قسَّم الحافظ المطلق إلى قسمين ، وبالنظر فيهما حصل تداخل بين بعض صوره ، وبين بعض صور النسبي .
ونقل المناوي عن بعضهم أنه لافرق بين النسبي والمطلق في أقسام النسبي، كما في ” اليواقيت والدرر” [562](3) وصرح السخاوي بأن بعض أنواع النسبي تشترك في بعض أنواع المطلق، كما في ” فتح المغيث ” [563](4) .
وذكر بعضهم أن بعض الروايات تكون مطلقة من جهة ، ونسبية من جهة ،مع أنها رواية واحدة ،وحصل اضطراب في التمثيل ببعض الأحاديث على بعض صور المطلق أو النسبي ، وكل هذا يدل على أن الفائدة المرجوَّة من وراء التوسع في هذا المبحث من الجهة العملية قليلة ، والله أعلم .
ولم يتيسر لي البحث العلمي الدقيق في ذلك للترجيح بين المختلفين من أهل العلم فيما سبق، وقد ذكرت كثيرًا مما ذكره أهل العلم في هذا النوع دون مزيد تنقيح أو تحقيق ، والله أعلم .
●المسألة الرابعة : ما الفرق بين الشاذ والفرد ؟
قد يطلق بعضهم الشاذ على مجرد التفرد – كما تقدم – لكن الأشهر أن بينهما فروقًا ، وهي :
1- أن الفرد مجرد تفرد ليس عن مخالفة ، بخلاف الشاذ .
2- أن في الفرد الصحيح والحسن والضعيف ، بخلاف الشاذ ، فكله من قسم الضعيف ، إلا على مذهب من يطلق الصحة على الشاذ أيضًا .
3- أن من الفرد ما هو خفيف يصلح في الشواهد، بخلاف الشاذ الذي هو فرع عن المخالفة ؛ فلايصلح في الشواهد .
●المسألة الخامسة : حكم الحديث الفرد :
حكمه : يُنْظَر في السند، ويُحْكَم عليه بما يستحق، فإن من الأفراد ما هو صحيح، ومنها ما هو حسن ، ومنها ما هو دون ذلك .
●المسألة السادسة : إذا وقف الباحث على قول إمام من الأئمة:” تفرد به فلان عن فلان ” ثم وجد له راويًا آخر غير فلان هذا، فلا يتعجل في التعقب على الإمام الذي ادعى التفرد؛ لاحتمال أن الإمام أراد تفردًا نسبيًّا ، أو قصد صفة خاصة في دعواه التفرد ، كأن يكون قصد التفرد بهذا السياق لابأصل الحديث ،أو نحو ذلك [564](1) .
( فائدة ) : قول إمام من الأئمة في كتب العلل ، أو في الحكم على حديث بعينه ، أو رواية راوٍ : ” فلان لايُتابع عليه ” أو ” لايُتابع على قوله ” ليس معناه مجرد التفرد الذي يُبْحَث له عن متابع ، إنما الإمام منهم يُطلق هذا ، ويريد أن هذا الراوي خالف غيره في هذا السياق ، أو بهذه الزيادة – سندًا أو متنًا – أو أنه تفرَّد بهذا، وهو ليس أهْلاً لأن يُقبل تفرده في هذا الموضع ، وإن كان ثقة في الجملة ، لأن الثقة قد يأتي بما لا يُرتضى منه ، سواء على وجه المخالفة أو التفرد .
ولذا فليس من الدقة الردُّ على من أطلق من أهل العلم هذه العبارة بحجة أن المتفرد بذلك ثقة ، أو أن الثقة ليس من شرط قبول روايته أن يُتابع على روايته ، أو أن الثقة حجة بمفرده ، كما فعل الحافظ المزي في رده على البخاري ، كما في ترجمة أسماء بن الحكم الفزاري ، وكذا سلك هذا المسلك في بعض المواضع ابن القطان ، والذهبي ، أن هذه العبارة يُراد بها الإعلال الخاص لرواية ما ، فلا يُقابَلُ هذا الإعلال بالتوثيق العام ، ولابن رجب الحنبلي – رحمه الله – كلام في ” شرح علل الترمذي ” [565](1) يُشير إلى هذا ، والله تعالى أعلم .
ونحن إنما نقبل تفرد الثقة ، ولانشترط له متابعًا على روايته ، إذا لم يغمز إمام في تفرده بما لا يُحتمل منه وإن كان ثقة ، فالثقة مهما بلغ من الضبط والإتقان فليس معصومًا من الخطأ ، والله أعلم .
●المسألة السابعة : مظان الحديث الفرد :
ذكر الحافظ وغيره مظانه، فمن ذلك: ” الأفراد ” للدارقطني ، وكذا لابن شاهين ، وغيرهما، وكذا ” مسند البزار ” و ” معاجم الطبراني ” ، والله أعلم .
قال الناظم – رحمه الله – :
| 24- وما بِعِلَّةٍ غُموضٍ أو خَفَا | مُعَلَّلٌ عندهُمُ قَدْ عُرِفَا |
تكلم الناظم في هذا البيت على الحديث المعلل ، وتحت هذا البيت عدة مسائل :
●المسألة الأولى : في حد العلة :
العلة لغة : والعلة في اللغة تطلق على عدة معان ، من هذه المعاني : المرض ، يقال : علَّ يَعِلُّ واعتلَّ فهو مُعَلَّلٌ وعليل ، ولا تقل : معلول ، قاله في ” القاموس ” [566](1) .
( تنبيه ) : أنكر بعضهم تسمية الحديث المعلل بالمعلول – وذلك من جهة اللغة – وَرَدَّ ذلك بعضهم بأنه قد استعمل كذلك عند بعض العلماء في اللغة ، والأمر في ذلك سهل والله أعلم .
واصطلاحًا : سبب خفي يقدح في صحة الحديث ؛ مع أن الظاهر السلامة منه .
●المسألة الثانية : تعريف الحديث المعلل اصطلاحًا :
عرفه الناظم بأنه: الحديث الذي فيه علة خفية غامضة ، أي مع أن الظاهر سلامته منها ، وقال السخاوي : ” والمعلول : خبر ظاهر السلامة ؛ اطُّلِعَ فيه بعد التفتيش على قادح ” فتح المغيث ” اهـ [567](2) .
وقال الحاكم : ” وإنما يُعَلَّل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل ، فإن حديث المجروح ساقط واهٍ ، وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات ، أن يحدثوا بحديث له علة ، فتخفى عليهم علته ؛ فيصير الحديث معلولاً ” [568](3) اهـ .
●قال الصنعاني في ” توضيح الأفكار ” [569](4) :” هذا تعريف أغلبي للعلة ، وإلا فإنهم قد يعلون بأشياء ظاهرة غير خفية ولا غامضة ، ويُعِلُّون بما لا يؤثر في صحة الحديث ” اهـ .
قال الحافظ في ” النكت ” [570](5) معلقًا على كلام الحاكم السابق: ” فعلى هذا لا يسمى الحديث المنقطع – مثلاً – : معلولاً، ولا الحديث الذي راويه مجهول، أو مُضَعَّف معلولاً، إنما يسمى معلولاً إذا آل أمره إلى شيء من ذلك ، مع كون ظاهره السلامة من ذلك، وفي هذا رد على من زعم أن المعلول يشمل كل مردود اهـ .
فإن قال قائل: كيف تقولون: هذا الكلام ، وهذه كتب العلل توجد فيها أحاديث قد أعلوها بعلل ظاهرة غير خفية ؟
فالجواب : قال السخاوي [571](1) :”ولكن ذلك منهم بالنسبة للذي قبله قليل ، على أنه يحتمل أيضًا أن التعليل بذلك من الخفي: لخفاء وجود طريق آخر ينجبر بها ما في هذا من ضعف، فكأن المعلِّل أشار إلى تفرده” اهـ .
وأيضًا فبعض الأحاديث التي عِلَّتُها ظاهرة ، ترجع إلى رواية الثقات المشاهير، فلعل من أعلَّ بالعلة الظاهرة في مثل هذا الموضع؛ أراد أن يدفع بذلك شبهة الاحتجاج بالثقة مطلقًا؛ويثبت أن الثقة قد يروي عن كذاب، أو متروك ،أو ضعيف ، أو مجهول ، أو يروى ما لايتصل سنده ، فليس كل ما رواه الثقة فهو صحيح ، والله أعلم .
●المسألة الثالثة : بيان أهمية هذا النوع من علوم الحديث :
هذا النوع من أغمض الأنواع وأدقها، ولهذا لم يتكلم فيه إلا الجهابذة، أهل الحفظ والخبرة، والفهم الثاقب .
قال محمد بن عبدالله بن نمير : قال عبدالرحمن بن مهدي : معرفة الحديث إلهام : قال ابن نمير: وصدق ، لو قلت له: من أين قلت ؟ لم يكن له جواب اهـ ” علل ابن أبي حاتم ” [572](2) .
وقال عبدالرحمن بن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: جاءني رجل من جلة أصحاب الرأي ، من أهل الفهم منهم ، ومعه دفتر، فعرضه عليَّ ، فقلت في بعضه: هذا حديث خطأ، قد دَخَل لصاحبه حديث في حديث ، وقلت في بعضه : هذا حديث باطل ، وقلت في بعضه: هذا حديث منكر ، وقلت في بعضه: هذا حديث كذب ، وسائر ذلك أحاديث صحاح، فقال لي : مِنْ أين علمتَ أن هذا خطأ ، وأن هذا باطل ، وأن هذا كذب ؟ أخبرك راوي هذا الكتاب بأني غلطت ، وأني كذبت في حديث كذا ؟ فقلت:ُ لا، ما أدري هذا الجزء مِنْ رواية مَنْ هو ؟ غير أني أعلم أن هذا خطأ ، وأن هذا الحديث باطل ، وأن هذا الحديث كذب ، فقال تدعي الغيب ؟ قال : قلت : ما هذا ادعاء الغيب ، قال فما الدليل على ما تقول ؟ قلت:سَلْ عمّا قلتُ مَنْ يُحْسِن مثل ما أُحْسِن ، فإن اتفقنا ؛ علمتَ أنا لم نجازف ، ولم نَقُلْه إلا بفهم ، قال : من هو الذي يُحْسِن مثل ما تُحْسِن ؟ قلت : أبوزرعة ، قال : ويقول أبوزرعة مثل ما قلت ؟ نعم،قلت: قال : هذا عَجَبٌ، فأخذ فكتب في كاغدٍ ألفاظي في تلك الأحاديث ، ثم رجع إليَّ وقد كتب ألفاظ ما تكلم به أبوزرعة في تلك الأحاديث ، فما قلت ، إنه باطل، قال أبوزرعة : هو كذب، قلت : الكذب والباطل واحد ، وما قلتُ إنه باطل، قال أبوزرعة: هو كذب ، وما قلتُ : إنه منكر، قال : هو منكر كما قلتُ ، وما قلتُ: إنه صحاح : قال أبو زرعة : هو صحاح، فقال : ما أعْجب هذا ، تتفقان من غير مواطأةٍ فيما بينكما ؟ فقلت: أفعلمتَ أنا لم نجازف ، وإنما قلناه بعلم ومعرفة قد أوتينا ؟ والدليل على ما نقوله: بأن دينارا بهرجًا يُحْمَل إلى الناقد، فيقول : هذا دينار نبهرج، ويقول لدينار: هو جيد، فإن قيل له: من أين قلت: إن هذا نبهرج ؟ هل كنت حاضرًا حين بهرج هذا الدينار ؟ قال: لا،فإن قيل: أَخْبَرَك الرجل الذي بهرج : أني بهرجتُ هذا الدينار ؟ قال : لا ، قيل : فمن أين قلت: إن هذا نبهرج قال: علمًا رُزِقْتُ ، وكذلك نحن رزقنا معرفة ذلك، قلت له : فتحمل فص ياقوت إلى واحد من البصراء من الجوهريين، فيقول : هذا زجاج، ويقول لمثله : هذا ياقوت، فإن قيل له : من أين علمت أن هذا زجاج، وأن هذا ياقوت ؟ هل حضرت الموضع الذي صُنِع فيه هذا الزجاج ؟ قال: لا ، قيل له: فهل أعلمك الذي صاغه، بأنه صاغ هذا زجاجًا؟ قال: لا، قال: فمن أين علمت ؟ قال : هذا عِلْم رُزِقْتُ، وكذلك نحن رزقنا علمًا لا يتهيأ لنا أن نخبرك كيف علمنا بأن هذا الحديث كَذِبٌ، وهذا حديث منكر إلا بما نعرفه .
قال أبو محمد: تُعْرَف جودة الدينار بالقياس إلى غيره، فإن تخلف عنه في الحمرة والصفاء؛ علم أن مغشوش؛ ويُعْلَم جنس الجوهر بالقياس إلى غيره، فإن خالفه في الماء والصلابة؛ عُلِم أنه زجاج، ويقاس صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلامًا يصلح أن يكون من كلام النبوة، ويُعْلَم سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته بروايته، والله أعلم .اهـ ” تقدمة الجرح والتعديل ” [573](1) .
وقال ابن مهدي: لأن أعرف علة حديث – هو عندي – أحب إلي من أن أكتب عشرين حديثًا ليس عندي اهـ ” العلل ” لابن أبي حاتم [574](2) .
قال الحافظ ابن حجر :
” وهو من أغمض أنواع علوم الحديث، وأدقها، ولا يقوم به إلا من رزقه الله تعالى فهمًا ثاقبًا، وحفظًا واسعًا، ومعرفة تامة بمراتب الرواة، ومَلَكَةً قوية بالأسانيد والمتون، ولهذا لم يتكلم فيه إلا قليل من أهل هذا الشأن : كعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ويعقوب بن شيبة، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والدارقطني، وقد تقصر عبارات المعلِّل عن إقامة الحجة على دعواه: كالصيرفي في نقد الدينار والدرهم” اهـ ” النزهة ” [575](1) .
وقال الحافظ ابن حجر – أيضًا – :
“وهذا الفن أغمض أنواع علوم الحديث، وأدقها مسلكا، ولا يقوم به إلا من منحه الله تبارك وتعالى فهمًا غائصًا ، واطلاعًا حاويًا ، وإدراكًا لمراتب الرواة ، ومعرفة ثاقبة ، ولذلك لم يتكلم فيه إلا الأفراد من أئمة هذا الشأن وحذاقهم، وإليهم المرجع في ذلك؛ لما جعله الله لهم من معرفة ذلك ، والاطلاع على غوامضه ، دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك ” اهـ ” النكت ” [576](2) .
وعلى ذلك: فكلام أئمة الحديث على الروايات مقدم على غيرهم ، قال السخاوي :” وربما يطالبهم الفقيه أو الأصولي ، العاري عن الحديث بالأدلة ، هذا مع اتفاق الفقهاء على الرجوع إليهم في التعديل والتجريح، كما اتفقوا على الرجوع في كل فن إلى أهله، ومن تعاطى تحرير فنٍّ غير فنَّه ؛ فهو متعنٍّ اهـ ” فتح المغيث ” [577](3) .
( تنبيه ) : قد يظن بعض الناس بعد وقوفهم على ما سبق من كلام الأئمة: أن الإمام من الأئمة يعلل الحديث، ولا يعرف دليلاً لذلك !! وهذا ليس على إطلاقه؛فالأصل أن الإمام منهم لا يعلل الحديث إلا وعنده الدليل الكافي على قوله ، وكُتُبُ العلل أكبر شاهد على ذلك، فأكثر الأحاديث يذكرون سبب علتها: إما مخالفة فلان لمن هو أوثق منه ، أو لدخول حديث في حديث، دون أن يتنبه لذلك راويه ، أو لغير ذلك من العلل التي طفحت بها أجوبة الأئمة على أسئلة طلابهم عن الأحاديث والعلل الواردة فيها .
وهناك عدد من الأحاديث يذكر الإمام منهم أنها معلَّة ، ولا يُرْدِفُ ذلك ببيان السبب ، ولا يلزم من ذلك عدم معرفة الإمام لسبب العلة .
نعم هناك بعض الأحاديث يقع في نفس الإمام منهم أنها منكرة ، وذلك لأنها خلاف المعروف عند أهل الحديث ، إلا أن الإمام لا يستطيع أن يحدد العلة بجلاء، وكذا لايتمكن من تحديد من يحتمل عهدة الخطأ أو النكارة ونحو ذلك ، وذلك في وقت دون وقت ، وهذا قليل جدًّا بالنسبة لما سبق ، وقد قال علي بن المديني : وربما أدركتُ على حديث بعد أربعين سنة اهـ [578](4) .
ولما كان العلماء لا ينطلقون في أحكامهم – في الأصل – من هوى أو جهل؛ فأحكامهم – في الجملة – تكون مؤتلفة غير مختلفة، وهناك أشياء تنقدح في نفس الإمام منهم: باعتبار سعة إطلاعه، ومعرفته لمخارج الروايات، وطول الممارسة في خدمة الحديث النبوي، وكثرة مذاكرة أهل الفن بذلك، فهذا وغيره يُورِثُ العالم منهم أمورًا معينة ، فإذا وقف على حديث يخالف شيئًا من ذلك، أعله، فإن سئل عن تحديد العلة بدقة ، فقد لا يتهيأ له ذلك في وقت دون وقت ، أو قد لا يتهيأ لأحدهم دون الآخر، فيكتفي برد الحديث لمخالفته ما سبق أن انقدح في نفسه خلال حياته الحديثية ، ومثل هذا ليس بغريب على جميع الصناعات والفنون : أن يعرف المختصون فيها من كنه الأمور وحقائقها مالا يعرفه غيرهم، من الذين يقتصرون على ظاهر الأمور، وعلى هذا القسم يتنـزل قول من قال: معرفتنا بالعلل إلهام، أو كهانة عند الجاهل، أي الجاهل بهذا الفن، لا أنهم يتكلمون بجهل أو هوى، فالعلماء يرون أن العلة بادية واضحة، والعمدة في ذلك على العلماء ، لاعلى فهم الجهلة ، وغير المعتمد لا يعتمد ، والله أعلم .
ولذا قال السخاوي معلقًا على قول ابن مهدي: ” لو قُلْتَ للقيم بالعلل: من أين لك هذا؟ لم تكن له حجة ” قال السخاوي : ” يعني يعبِّر بها غالبًا، وإلا ففي نفسه حجج للقبول وللدفع ” اهـ من “فتح المغيث ” [579](1) .
●المسألة الرابعة : بم تُدْرَك العلة في الأحاديث ؟
تُدْرَك العلة بنص إمام ، أو بجمْع طرق الحديث خاصة ، أو أحاديث الباب عامة .
قال ابن الصلاح :
“ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي، وبمخالفة غيره له ، مع قرائن تنضم إلى ذلك ، تُنَبِّهُ العارفَ بهذا الشأن على إرسال في الموصول ، أو وَقْفٍ في المرفوع ، أو دخول حديث في حديث ، أو وهم واهم إلى غير ذلك ، بحيث يغلب على ظنِّه ذلك ، ” فيحكم به ، أو يتردد ؛ فيتوقف فيه ” اهـ [580](2).
ولا يمكن معرفة تفرد الراوي ومخالفته لغيره إلا للحافظ الفهم، العارف لطرق الحديث، والناظر في اختلاف رواته، وضبطهم، وإتقانهم ، ومراتبهم في ذلك [581](3).
قال ابن معين :” لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهًا ؛ ما عَقَلْناه ” اهـ .
قال الإمام أحمد :” الحديث إذا لم تجمع طرقه؛ لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضًا ” اهـ .
وقال ابن المديني :” الباب إذا لم تُجْمع طرقه ؛ لم يتبيَّن خطؤه ” اهـ [582](1).
وقال الحاكم :” الحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير ” اهـ [583](2).
وقال الخطيب :” والسبيل إلى معرفة علة الحديث: أن يُجْمَع بين طرقه، ويُنْظَر في اختلاف رواته، ويُعْتَبر بمكانتهم في الحفظ، ومنزلتهم في الإتقان والضبط ” [584](3) اهـ .
وقال الحافظ :” ….. ولا يقوم به – أي هذا النوع من أنواع علوم الحديث – إلا من منحه الله تبارك وتعالى فهمًا غائصًا، واطلاعًا حاويًا، وإدراكًا لمراتب الرواة، ومعرفة ثاقبة …” اهـ [585](4).
●المسألة الخامسة : إطلاق لفظ العلة على غير المعنى الاصطلاحي عند بعض أهل العلم :
- قد تُطْلَق العلة على العلل الظاهرة، وهي الأسباب التي يُضَعَّف بها الحديث من جَرْح الراوي بالكذب، أو الغفلة، أو سوء الحفظ، أو نحو ذلك من الأسباب القادحة، فيقولون: هذا الحديث معلول بفلان ” أفاده ابن الصلاح في ” المقدمة ” [586](5) .
- وقد تُطْلَق على العلة غير القادحة، قال الخليلي في ” الإرشاد ” [587](6).
فأما الحديث الصحيح المعلول : فالعلة تقع للأحاديث من أنحاءٍ شتى لا يمكن حصرها ، فمنها : أن يروي الثقات حديثًا مرسلاً ، وينفرد به الثقة مسندًا، فالمسند صحيح، وحجة، ولا تضره علة الإرسال” اهـ .
والشاهد تسمية ما ليس بقادح عند الخليلي علة ، وإلا فالجمهور على الإعلال والقدح في صحة الحديث بما ذكر .
3- وقد تطلق العلة على النسخ :
قال ابن الصلاح :” وسَمَّى الترمذي النَّسْخَ علة من علل الحديث [588](7)اهـ .
قال الترمذي في ” جامعه ” [589](1) : جميع ما في هذا الكتاب من الحديث: فهو معمول به ،وقد أخذ به بعض أهل الحديث، ما خلا حديثين: حديث ابن عباس: أن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – جَمَعَ بين الظهر والعصر بالمدينة ….” وحديث النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – :”إذا شرب الخمر فاجلدوه ” وقد بَيَّنَّا علة الحديثين جميعًا في الكتاب ” اهـ .
وقال ابن رجب [590](2) : قوله:” قد بَيَّنَّا علة الحديثين جميعًا في الكتاب ” فإنما بين ما قد يُسْتَدَل به للنسخ، لا أنه ضَعَّفَ إسنادها ” اهـ . والله أعلم .
الحديث المضظرب
قال الناظم – رحمه الله – :
| 25 – وذو اختلاف سَنَدٍ أو مَتْنِ | مضطربٌ عند أُهيْلِ الفنِّ |
قال السخاوي:” لما انتهى – يعني العراقي – من الكلام على المعَل – الذي شَرْطه ترجيح العلة – ناسب إردافه بما لم يظهر فيه ترجيح ، وهو المضطرب ” [591](1) اهـ بمعناه .
وقول الناظم :” وذو اختلافِ سندٍ ” أي: وحديث الراوي الذي هو صاحب اختلافٍ في السند ،وقوله : ” أُهَيْل ” تصغير أهل ” وأهل الحديث مقامهم رفيع، فلا يليق تصغيرهم باللفظ الذي قد يدل على تصغير شأنهم وقدرهم ، ولعل الذي حمل الناظم على ذلك : الحفاظ على وزن البيت من الجهة الشعرية ، والله أعلم .
وتحت هذا البيت عدة مسائل ، وهي :
●المسألة الأولى : تعريف المضطرب :
المضطرب – بكسر الراء – لغة : اسم فاعل من الاضطراب ، وهو اختلال الأمر وفساد نظامه .
واصطلاحًا :” هو: الذي يُرْوَى على أكثر من وجه بصورة متكافئة ، مع تعذر الجمع ” .
أو يقال هو :” ما اختلفت روايته اختلافًا يتعذر معه الجمع أو الترجيح ” .
●المسألة الثانية : شرح التعريف :
فقولي :” على أكثر من وجه ” يشمل وجهين فأكثر، وخرج به الحديث الفرد المطلق، فإنه لا يدخله الاضطراب ؛ لأنه لا اختلاف فيه ، فهو مَرْوى على وجه واحد .
وقولي: ” متكافئة ” أي متساوية من جميع وجوه الترجيح .
وقولي :” مع تعذر الجمع ” أي على طريقة المحدثين، لا الفقهاء والأصولين ، وقد سبق ذكر عشْر حالات يُجمع بها بين رواية الثقة ومن هو أو ثق منه ، في الحديث الشاذ ، في المسألة الثالثة ،فإذا أمكن الجمع ببعض هذه الحالات ، فلا اضطراب ، لا أن المراد بالجمع حمل العام على الخاص ، والمطلق على المقيد ، فتنبّه .
●المسألة الثالثة : شروط الاضطراب :
من خلال ما سبق من تعريف المضطرب؛ يظهر لنا أن للحكم بالاضطراب على الحديث شروطًا :
- وجود الاختلاف المؤثر .
- اتحاد المخرج [592](1) .
- التكافؤ في وجوه الترجيح بين الأوجه المختلفة .
- تَعَذُّر الجَمْع على قواعد المحدثين .
قال الحافظ ابن حجر: ” الاختلاف على الحفاظ في الحديث: لا يُوجِب أن يكون مضطربًا إلا بشرطين :
أحدهما : استواء وجوه الاختلاف، فمتى رُجِّح أحد الأقوال؛ قُدِّم ، ولا يُعَلُّ الصحيح بالمرجوح .
ثانيهما : مع الاستواء أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين ، ويغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه؛ فحينئذٍ يُحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب ، ويُتَوقَّف عن الحكم بصحة ذلك الحديث لذلك ” [593](2) اهـ .
وذكر ابن دقيق العيد أن الاضطراب لا يكون إلا إذا اتحد المخرج، انظر” الاقتراح ” [594](3) .
وقال ابن رجب: ” … واعلم أن هذا كله إذا عُلِمَ أن الحديث الذي اختلف في إسناده حديث واحد، فإن ظهر أنه حديثان بإسنادين، لم يُحْكَم بخطأ أحدهما” اهـ من “شرح علل الترمذي” [595](4) .
واعلم أن منهم من يطلق الاضطراب على مطلق الخلاف وإن لم يكن مؤثرًا، فهناك من يُسَمِّي الحديث مضطربًا إذا اخْتُلِف في اسم راويه أونسبه ، وإن كان الراوي معروفًا، وكذا إذا أُبْدِل راوٍ ثقة بآخر مثله، فيُسَمِّي ذلك مضطربًا، مع أن الحديث حيث ما دار دار على ثقة [596](5)،وهذا وإن كان لايضر في أصل الحديث ؛ إلا أن ذلك إذا كثر من الراوي فإنه يؤثر فيه ، على مراتب متفاوتة ، والله أعلم .
( تنبيه ): لدقة شروط الاضطراب، ووجوب توافرها في الحديث المضطرب ، وصعوبة الإحاطة بذلك، فليس من السهولة أن تحكم على الحديث بالاضطراب ، وذلك لأنك قد تحكم على حديث بالاضطراب على حسب ما بلغك من العلم، فيأتي من هو أوسع منك اطلاعًا على الروايات، أو على وجوه الترجيح، أو الجمع،فيستطيع أن يرجح أو يجمع ، وقد يسهل لك أن تحكم على حديث الشذوذ ، ويعسر عليك أن تحكم على حديث بالاضطراب، لاسيما في المتن، والله أعلم .
●المسألة الرابعة : مواضع الاضطراب :
الاضطراب قد يكون في السند، وقد يكون في المتن،وقد يكون فيهما جميعًا ، قال السخاوي – رحمه الله – وربما يكون ذلك في السند والمتن معًا [597](1).
إلا أن الغالب في الاضطراب أنه يكون في الإسناد .
قال الحافظ ابن حجر :” المضطرب: وهو يقع في الإسناد غالبًا، وقد يقع في المتن، لكن قَلَّ أن يُحْكَم على الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى الاختلاف في المتن دون السند [598](2) اهـ .
وقد مَثَّل العلماء للمضطرب في الإسناد بأكثر من مثال، وكذا مَثَّلوا للمضطرب في المتن ببعض الأحاديث ، لكن كما قال السخاوي في مضطرب المتن:” وقَلَّ أن يُوجَد مثال سالم له [599](3) أي: أن يوجد مثال ليس له علة إلا الاضطراب، ولولا الاضطراب لكان صحيحًا، والله أعلم .
( تنبيه ) : الكلام عن الاضطراب إنما يكون في أحاديث الثقات، لا في حديث الضعفاء، فحديثهم ضعيف وإن سلم من الاضطراب، والبحث فيما لو سلم من الاضطراب كان صحيحًا ، وهذا خاص بأحاديث الثقات ، والله أعلم .
●المسألة الخامسة : حُكْم الحديث المضطرب :
إذا كان الاضطراب مؤثرًا – وهذا هو الأصل – فهو من قسم الحديث الضعيف، ومع ذلك فقد تُرَجَِّح بعض طرق الحديث المضطرب، التي هي من مخرج واحد؛ إذا وُجد مخرج آخر للحديث يشهد لبعض وجوه ذاك المضطرب، ويرتقي الحديث بذلك إلى الحسن ، أو الصحة ، ولهذا أمثلة كثيرة في ” كتب العلل ” للداراقطني ، وغيره .
فإن قيل: سبق أن من شرط المضطرب: تعذر الترجيح، فكيف تُرَجِّح هنا أحد الوجوه على آخر ، ثم تقوِّيه بالشاهد ؟
فالجواب : أن المراد بتعذر الترجيح: أن يكون ذلك في الطرق التي مخرجها واحد، أما إذا كان هناك مرجِّحٌ آخر لأحد هذه الوجوه ، وهو من مخرج آخر ؛ فلا بأس ، والله اعلم [600](1) .
●المسألة السادسة : صُوَر الاضطراب في السند :
ذكر العلائي ست صور ، وهي :
1 – الاضطراب بتعارض الوصل والإرسال .
2 – الاضطراب بتعارض الاتصال والانقطاع .
3 – الاضطراب بتعارض الوقف والرفع، وقد عدَّه بعضهم من مباحث المتن، ولا يبعد أن لكل من السند والمتن في ذلك وجهًا من القبول .
4- الاضطراب بزيادة رجل في أحد الإسنادين .
5 – الاضطراب في اسم الراوي ونسبه ، إذا كان مترددًا بين ثقة وضعيف .
6- الاضطراب في إبدال راوٍ بآخر (1) .
قلت :ويضاف إلى ذلك أيضًا صورتان :
7 – الاضطراب في صيغ التحمل من المدلس، فيرويه بعضهم عنه بالعنعنة،ويرويه بعضهم بتصريح المدلس بالسماع .
8 – الاضطراب في تعيين مبهم أو مهمل ، وقد عَدَّه العلائي من جملة الاضطراب في اسم الراوي ، والله أعلم .
( فائدة ) : كان ابن خزيمة من أكثر الناس كلامًا في الجمع بين ما ظاهره الاضطراب في المتن ، حتى إنه يقول : ” لا أعرف أنه رُوِي عن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – حديثان بإسنادين صحيحين، متضادين ، فمن كان عنده ؛ فلْيأْتي به ؛ لأؤلف بينهما ” [601](2) .
قال السخاوي : ” لكنه توسَّع حيث قال . . . ” ثم ذكره كلامه السابق بنحوه ، ثم قال : ” وانتُقِد عليه بعض صنيعه في توسُّعه . . . ” اهـ [602](3) .
واعلم أن ها الفن فيه صعوبة بالغة، حتى قال العلائي: ” وهذا الفن أغمض أنوع الحديث، وأدقها مسلكًا ، ولا يقوم به إلا من منحه الله فهمًا غايصًا، واطلاعًا حاويًا، وإدراكًا لمراتب الرواة، ومعرفة ثاقبة “[603](1) اهـ .
وقال الصنعاني معلقًا على ذلك: ” قلت: هو كما قال الحافظ في بحث الإعلال، والبحثان متقاربان جدًّا، والاضطراب نوع من الإعلال ” اهـ من ” توضيح الأفكار ” [604](2) .
الحديث المدْرَج
| 26 – والمُدْرَجاتُ الحديث ما أَتَتْ | مِنْ بعضِ ألفاظِ الرواةِ اتَّصَلَتْ |
قال السخاوي:” لما انتهى – يعني العراقي – مما هو قسيم المعل – أي المضطرب – من حيثية الترجيح والتساوي، وكان مما يُعَلَّ به: إدخال متن ونحوه في متن؛ ناسب الإرداف بذلك المدرج” اهـ من ” فتح المغيث ” [605](1) .
وتحت هذا البيت عدة مسائل :
●المسألة الأولى : تعريف المدرج .
لغة: الإدخال، وهو بضم الميم وفتح الراء : اسم مفعول، فِعْلُه أدرج، تقول : أدرجت الكتاب ، إذا طويته ، وتقول: أدرجت الميت في القبر ، إذا أدخلته فيه ، وأدرجت الشيء في الشيء: إذا أدخلته فيه، انظر ” تاج العروس ” [606](2) .
واصطلاحًا :” هو ما أُدخل في الخبر، سندًا أو متنًا، من أحد رواته، دون تمييز ” .
فقولي: ” ما أُدْخِل في الخبر ” سواء كان الخبر مرفوعًا أو موقوفًا ونحوه ، وسواء كان الإدخال عمدًا أو سهوًا .
وقولي: ” من أحد رواته ” يشمل الصحابي فمن دونه .
وقولي: ” دون تمييز ” احتراز مما جاء مميزًا، كقولهم: يعني كذا، أو قال فلان كذا، ونحو ذلك [607](3) .
●المسألة الثانية : أقسام المدرج :
ينقسم المدرج إلى مدرج الإسناد ومدرج المتن، ولقد اقتصر الناظم في كلامه على مدرج المتن، ولعل ذلك لكثرة وقوع الإدراج في المتن .
●المسألة الثالثة : أما مدرج المتن: فالكلام عليه في مباحث:
المبحث الأول : تعريفه:”هو ما أضيف إلى الخبر من غير كلام صاحبه بلا تمييز” اهـ من كلام البقاعي [608](1).
والمبحث الثاني: صُوَر الإدراج في المتن ، وهي ثلاث :
الأولى : أن يكون ذلك في أول المتن ، وهو نادر جدًّا .
ومثال ذلك: ” حديث أبي هريرة:” أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار ” .
وأصل الحديث: ” ويل للأعقاب من النار ” لكن أبا هريرة أمر الصحابة بالإسباغ ، واستدل على ذلك بالحديث ، فظن بعض الرواة أن الجميع مرفوع ، فساقه سياقة واحدة ، وفصل غيره ، والله أعلم .
الثانية : أن يكون الإدراج في أثناء الخبر ، وهو قليل .
مثاله : قال الحافظ: ” وقد وقع منه قول الزهري :” والتحنث التعبد ” في حديث عن عروة عن عائشة – رضي الله عنها – في بدء الوحي، في قولها فيه: ” وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد …. ” إلى آخر الحديث بطوله، فإن قوله: ” وهو التعبد ” من كلام الزهري، أُدْرِج في الحديث من غير تمييز، كما أوضحته في الشرح” اهـ [609](2) .
ومثال الإدارج في المتن في المرفوع: حديث:” من مسَّ ذَكَره، أو أنيثته، أو رفغيه ؛ فليتوضأ” وصوابه:” من مسَّ ذَكَره؛ فليتوضأ “ وغير الذَّكَر أُدخل قياسًا من كلام عروة ، قاله الدارقطني [610](3) .
الثالثة : أن يكون الإدراج في آخره ، وهو الأكثر .
ومثاله : ما رواه أبو داود ثنا عبدالله بن محمد النفيلي ثنا الحسن بن الحر عن القاسم بن مخيمرة قال أخذ علقمة بيدي، فحدَّثَني أن عبدالله بن مسعود أخذ بيده، وأن رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – أخذ بيد عبدالله بن مسعود، فعلمنا التشهد في الصلاة ” الحديث ، وفيه” وإذا قلت هذا – أو قضيت هذا – فقد قضيت صلاتك ، إن شئت أن تقوم فَقُمْ ، وإن شئت أن تقعد فاقعد ” .
فقوله :” إذا قلت هذا … “إلى آخره، وصَلَه زهير بن معاوية بالحديث المرفوع في رواية أبي داود هذه ، وفيما رواه عنه أكثر الرواة .
قال الحاكم [611](1) ذلك مدرج في الحديث من كلام ابن مسعود، وكذا قال البيهقي، والخطيب، وقال النووي في الخلاصة :” اتفق الحفاظ على أنها مدرجة ” .
( تنبيه ): الإدراج في المتن على مراتب من جهة الكثرة والقلة :
ففي أول المتن يكون نادرًا جدًّا ، وفي وسطه يكون نادرًا ، وفي آخره يكثر ، والله أعلم [612](2) .













