المبحث الثالث: من مباحث الإدراج في المتن : كيف يُعْرَف الإدراج في المتن ؟
الجواب : لمعرفة ذلك طريقان :
الأولى : أن يستحيل إضافة ذلك إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – على قواعد أهل العلم ، ومثاله: حديث ابن المبارك عن يونس عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – :” للعبد المملوك أجران، والذي نفسي بيده؛ لولا الجهاد في سبيل الله، والحج، وبر أمي؛ لأحببتُ أن أموت وأنا مملوك ” رواه البخاري عن بشير بن محمد عن ابن المبارك به .
فهذا الفضل الذي في آخر الحديث لا يجوز أن يكون من قول النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – إذْ يمتنع أن يتمنى أن يصير مملوكًا ، وأيضًا فلم يكن له أمٌ يَبَـرُّها، بل هذا من قول أبي هريرة – رضي الله عنه – أُدْرِج في المتن [613](3) .
الطريق الثانية : التنصيص على ذلك، وهذا إما أن يكون من الراوي الصحابي فمن دونه، أو بنص من أحد أئمة الحديث المطَّلعين ، ولا يكون هذا من الإمام إلا بجمع الطرق .
ومثال تنصيص الصحابي : حديث ابن مسعود – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:” من مات وهو لا يشرك بالله شيئًا؛دخل الجنة ،ومن مات وهو يشرك بالله شيئًا؛ دخل النار ” .
هكذا رواه أحمد بن عبدالجبار العطاردي عن أبي بكر بن عياش بإسناده ، ووهم فيه: فقد رواه الأسود بن عامر شاذان وغيره عن أبي بكر بن عياش بإسناده إلى ابن مسعود، قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله سلم – يقول:” من جعل لله ندًّا دخل النار ” وأخرى أقولها، ولم أسمعها منه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – ” من مات لا يجعل لله ندًّا دخل الجنة ” .
والحديث في “صحيح مسلم” من غير هذا الوجه عن ابن مسعود -رضي الله عنه- ولفظه قال رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – كلمة ، وقلتُ أخرى . . . فذكره [614](1) .
ومثال التنصيص من أحد الأئمة :
حديث عبدالله بن خيران عن أنس بن سيرين أنه سمع ابن عمر – رضي الله عنه – يقول :” طلقت امرأتي وهي حائض، فَذَكَر عمر – رضي الله عنه – ذلك للنبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – فقال: ” مُرْهُ فليراجعها ، فإذا طَهُرَتْ ؛ فليطلقها ” قال: فَتُحْسَب بالتطليقة ؟ قال : فمه !!
قال الخطيب: هذا مدرج، والصواب أن الاستفهام من قول ابن سيرين، وأن الجواب من ابن عمر – رضي الله عنه – .
بَيَّن ذلك محمد بن جعفر، ويحيى بن سعيد القطان، والنضر بن شميل في رواياتهم عن شعبة .
قال الخطيب: ورواه بشر بن عمر الزهراني عن شعبة فوهم فيه وهمًا فاحشًا ، فإنه قال فيه :” قال عمر ـ رضي الله عنه ـ يا رسول الله … أفتحتسب بتلك التطليقة ؟ قال : – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – ” نعم ” .
قال الحافظ : قلت ” والحكم على هذا القسم الثالث بالإدراج بحسب غلبة ظن المحدث الحافظ الناقد، ولا يوجب القطع بذلك، خلاف القسمين الأولين، وأكثر هذا الثالث يقع تفسيرًا لبعض الألفاظ الواقعة في الحديث، كما في أحاديث الشقار والمحاقلة ….” اهـ ملخصًا مع تقديم وتأخير من “النكت” [615](2) .
●المبحث الرابع : الأسباب الحاملة على الإدراج :
لم يتعمد الذين أدرجوا في حديث النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – الزيادة في كلام النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وإنما دعاهم إلى الإدراج أسباب هي :
1-أن يريد الراوي بذلك تفسير بعض الألفاظ الغريبة الواقعة في الحديث النبوي ، كما سبق عن الزهري في حديث التحنث .
2-أن يريد الراوي بذلك بيان حكم يُستنبط من كلام النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – كما جاء في حديث بُسْرة : ” من مسَّ ذكره، أو أُنْثَيَيْه ، أو رفغيه، فليتوضأ ” فقد زاد عروة :” أُنْثَيَيْه أو رفغيه ” كذا قال الخطيب [616](3) .
قال السيوطي:” فعروة لما فهم من لفظ الخبر أن سبب نقض الوضوء مظنة الشهوة؛ جعل حكم ما قَرُبَ من الذكر كذلك، فقال ذلك، فظن بعض الرواة أنه من صُلْب الخبر، فنقله مدرجًا فيه ، وفهم آخرون حقيقة الحال ، ففصلوا ” اهـ [617](1) .
3- أن يقصد الراوي بذلك بيان حكم ما، ويُريد أن يستدل على ذلك بقول النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – فيأتي به بلا فصل ، فيتوهم أن الكل حديث .
ومثاله: ما مرَّ من قول أبي هريرة: ” أسبغوا الوضوء ” .
4- لايُستبعد الإدراج عن غفلة من أحد الرواة، كما جرى لثابت بن موسى الزاهد في حديث سمعه من شريك، وسيأتي – إن شاء الله تعالى – .
●المسألة الرابعة الإدراج في الإسناد :
وفيها مبحثان :













