هل وقع من الصحابة رضي الله عنهم تدليس في الرواية؟ أو هل يصح أن يُطلق ذلك على الصحابة رضي الله عنهم -؟

للجواب عن ذلك ينبغي معرفة التدليس عند العلماء، وكذلك معرفة أسباب التدليس، التي تحمل المدلسين على التدليس، ليُنظر هل وقع ذلك من الصحابة رضي الله عنهم أم لا؟

وقد عرف البزار (ت292هـ) التدليس بقوله: أن يروى عمن قد سمع منه، ما لم يسمعه منه، من غير أن يبين أنَّه قد سمعه منه اهـ.

وكذا عرفه ابن القطان (ت628هـ) انظر «التقييد» (ص:97-98) و«الشذا الفياح» (ص: 172) وقد تعقبهما العراقي، بل وأنكر عليهما.

وعرفه ابن عبدالبر (ت463) بقوله: هو أن يحدث الرجل عن الرجل قد لقيه، وأدرك زمانه، وأخذ عنه، وسمع منه، وحدث عنه بما لم يسمعه منه، وإنّما سمعه من غيره عنه، ممن تُرضى حاله أو لا ترضى،... ثم قال: هذا هو التدليس عند جماعتهم، لا اختلاف بينهم في ذلك اهـ. من «التمهيد» (1/15، 27) وفي (1/28) قال: فيوهم أنَّه سمعه من شيخه ذلك. اهـ.

وقال الخطيب (ت463هـ) في «الكفاية (ص:510، 511-515): تدليس الحديث الذي لم يسمعه الراوي ممن دلسه عنه، بروايته إياه على وجه يوهم أنه سمعه منه، ويعدل عن البيان بذلك... ثم ذكر أن الإرسال ليس فيه إيهام بخلاف التدليس.

وقال ابن الصلاح (ت/642هـ): تدليس الإسناد: هو أن يروى عمن لقيه ما لم يسمعه منه، موهماً أنه سمعه منه، أو عمن عاصره، ولم يلقه، موهماً أنه قد لقيه، وسمعه منه اهـ وقد ذكر ذلك الأبناسي (ت802هـ) في «الشذا الفياح» وقال: هذا هو الحد المشهور عندهم اهـ.

وقال: التدليس ليس كذباً، إنما هو ضرب من الإبهام بلفظ محتمل، اهـ (ص:177) من «الشذا الفياح» وقال النووي (ت676هـ): أن يروى عمن عاصره، ما لم يسمعه منه، موهماً سماعه، قائلاً: قال، أو: عن... اهـ. من «التدريب» (1/223-224) وفسّر ذلك السيوطي (ت911هـ) فقال: حديث أورده بلفظ يوهم الاتصال، ولا يقتضيه... اهـ.

وقال ابن دقيق العيد (ت702هـ) في «الاقتراح» (ص:217): هو أن يروى الراوي حديثاً عمن لم يسمعه منه اهـ قلت: وعلى هذا يدخل الإرسال في التدليس، وفيه ما فيه.

وقال الذهبي (ت748هـ) في «الموقظة» (ص:39): المدلَّس ما رواه الرجل عن آخر، لم يسمعه منه، أو لم يدركه اهـ. وفيه ما سبق في كلام ابن دقيق العيد.

وقال العلائي (ت761هـ): أن يروى الراوي عن شيخه حديثاً لم يسمعه منه، بلفظ: «عن» أو «قال» أو «ذكر» ونحو ذلك مما يوهم الاتصال، ولا يصرح بـ «حدثنا» ولا «أخبرنا» ولا «سمعت»، اهـ من «جامع التحصيل» (ص:97).

وقال ابن الملقِّن (ت804هـ): أن يروى عمن لقيه أ, عاصره ما لم يسمعه منه، موهماً سماعه... اهـ من «المقنع» (1/154) وقال: التدليس ليس كذباً، وإنّما هو ضرب من الإيهام بلفظ محتمل. اهـ.

وقال العراقي (ت806هـ) في «منظومته»:.... يوهم اتصالاً..... اهـ. من «فتح المغيث» (1/207).

وقال الجرجاني (ت816هـ) في «مختصره»: أن يروى عمن لقيه أو عاصره، ما لم يسمعه منه، على سبيل يوهم أنه سمعه منه، اهـ. من «ظفر الأماني في مختصر الجرجاني» للكنوي (صك374).

وقال ابن الوزير (ت840هـ): أن يروى عن شيخ شيخه موهماً أنَّه سمعه منه... ثم ذكر أن المدلس قصد الإيهام، انظر «توضيح الأفكار» (1/347-348) وما قاله الصنعاني وذكره سبط ابن العجمي (ت841هـ) في «التبيين» (ص:32) ولم يذكر الإيهام.

وقال الحافظ (ت853هـ) في «طبقات المدلسين» (ص:25): تدليس الإسناد ابن يروى عمن لقيه أو عاصره، ما لم يسمعه منه، بصيغة محتملة اهـ وفي «النزهة» (ص:87) قال: سمى بذلك؛ لكون الراوي لم يسم من حدثه، وأوهم سماعه للحديث ممن لم يحدثه به. اهـ.

فأنت ترى أنَّ أكثر هؤلاء الأئمة ذكروا أنَّ قصد المدلِّس: إيهام السامع بأنَّه قد سمع هذا الحديث من شيخه، وهذا الأمر لم يقع من الصحابة رضي اللهم عنهم، ولذلك عاب الأئمة التدليس، ولم يعييوا الإرسال، ومع أنَّ التدليس فيه شبهة الانقطاع؛ إلا أنَّ جمهور من احتجّ بالمرسل وهو انقطاع جلي لم يحتجّ بالمدلَّس، من أجل تهمة الإيهام، انظر «الشذا الفياح» (ص:178).

ولو نظرنا إلى الأسباب التي حملت المدلسين على التدليس، ما وجدنا واحداً منها يصح أن يُطْلَق في حق الصحابة رضي الله عنهم -.

وهاك الأغراض التي حملت المدلسين على التدليس:

1 ضعف الشيخ الذي حدثه بذلك.

2 كثرة روايته عن شيخه، فيحتاج إلى إسقاطه، كي لا يُظن به أنه ليس له إلا هذا الشيخ، أو يعرِّفه بغير ما هو مشهور به، ليوهم كثرة المشايخ.

3 تأخر وفاة شيخه، فيأنف من شاركة الصغار معه في السماع منه، فيدلسه.

4 صغر شيخه.

5 إيهام الرحلة، وذلك في تدليس البلدان.

6 الإغراب في الرواية.

7 العداوة التي بين التلميذ والشيخ، وقد ذكر ذلك العلائي؛ مستدلاً بما جرى بين البخاري والذهلي، وفيه بحث.

8 طلب العلو.

9 تحسين الحديث، وإظهاره مستوياً بالثقات، كما في تدليس التسوية.

10 التفنن في العبارة، وتنويع صيغ الرواية، كما كان الخطيب لهجاً بذلك.

11 قصد الدفاع عن الشيخ، كما جرىمنالوليد بن مسلم في حق الأوزاعي.

12 الخوفمنرد الحديث، إذا كان المستمع لا يحب راويه، كالرواية عند النواصب عن رجل من أهل البيت.

ومصادر أكثر هذه المواضع: «جامع التحصيل» (ص:104) و«الشذا الفياح» (ص:177) و«الموقظة» (ص:39-40) و«الكفاية» (ص:511، 518)، «الاقتراح» (ص:218-219) و«التمهيد» (1/15) و«التدليس» للدميني (ص:83-93).

وقد عاب الأئمة التدليس بخلاف الإرسال، فقال حماد بن زيد وأحمد: لا أعلم المدلس إلا متشبعاً بما لم يُعط اهـ من «جامع التحصيل» (ص:98) وانظر قول حماد في «المعرفة» للحاكم (ص:103)، و«الكفاية» (ص:509) وقال يزيد بن هارون: هو من التزين، اهـ من «التمهيد» (1/27).

وقال المعافى بن عمران بنحوه، انظر «الكفاية» (ص:508) و«المقنع» (1/163) وقال جرير بن حازم: أدنى ما يكون فيه أن يُرِيَ الناس أنه سمع ما لم يسمع اهـ من «الكفاية» (ص:508) وانظر (ص:510-511، 515) وقال عبدالوارث بن سعيد: التدليس ذل، كما في «المعرفة» للحاكم (ص:103).

وكل هذه الأوصاف لا توجد في واحد من الصحابة، وحاشاهم من ذلك رضي الله عنهم-.

لكن في «النبلاء» (2/608) ترجمة أبي هريرة رضي الله عنه -: قال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: كان أبو هريرة يدلس.

قلت: قول شعبة أسنده ابن عدي في «الكامل» (1/81) في الكلام على شعبة، قال ابن عدي: أخبرنا الحسن بن عثمان التستر ينا سلمة بن شبيب، قال: سمعت شعبة يقول: أبو هريرة كان يدلس اهـ. والتستري كذاب وضاع، والله أعلم.

وقال الحافظ في «النكت» (2/623-624): واعلم أن التعريف الذي ذكرناه للمرسل ([1])، ينطبق على ما يرويه الصحابة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما لم يسمعوه منه، وإنّما لم يطلقوا عليه اسم التدليس أدباً، على أن بعضهم أطلق ذلك... ثم ذكر ما في «الكامل»، ثم قال: والصواب ما عليه الجمهور من الأدب في عدم إطلاق ذلك، والله الموفق، اهـ.

قلت: والذي يترجح عندي عدم إطلاق ذلك في حق الصحابةمنالأصل، لأنَّهم لم يقصدوا الإيهام بذلك، وهذا القيد مذكور في تعريف أكثر العلماء، كما سبق، وكل ما ذُكر من أسباب التدليس لا يوجد فيهم، والعلة التي من أجلها عاب الأئمة التدليس، لا توجد فيهم، ولم أقف إلا على قول الذبي بذلك، وكلام شعبة لا يصح إليه، ومما يدل على اعتبار قصد من يُرمى بالتدليس، ما جاء في «معرفة علوم الحديث» للحاكم (ص: 103-104) حيث قسم أجناس المدلسين إلى سنة أجناس.

فقال: فمن المدلسين؛ من دلس عن الثقات الذين هم في الثقة مثل المحدث، أو فوقه، أو دونه؛ إلا أنَّهم لم يخرجوا من عداد الذين يقبل أخبارهم، فمنهم من التابعين أبو سفيان طلحة بن نافع وقتادة وغيرهما.....، ثم قال: ففي هؤلاء الأئمة المذكورين بالتدليس من التابعين جماعة وأتباعهم، غير أني لم أذكرهم، فإنَّ غرضهم من ذكر الرواية أن يدعوا إلى الله عزّ وجلّ -، فكانوا يقولون، قال فلان، لبعض الصحابة، فأما غير التابعين فأغراضهم فيه مختلفة، اهـ.

فتأمل قوله: غير أني لم أذكرهم... إلخ يظهر لك أ، الحاكم اعتبر قصد الراوي في التدليس، - وإن كان فيما قرره نظر، فإنهم قد ذكروا في جملة المدلسين بعض التابعين وأتباعهم والله أعلم.



([1]) كذا، ولعل الصواب: «للتدليس» أو «للمدلس» كما يدل عليه السياق.