فإن قال قائل: لماذا تنكرون الاغتيالات التي نقوم بها، ونحن مُتَّبعون فيها لرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- والصحابة، فقد حَرّض النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أصحابه على قَتْل كعب بن الأشرف، فقال: ((مَنْ لِكَعْبِ بن الأشرف ؟ فإنه قد آذى الله ورسوله ((فقام محمد بن مسلمة، فقال: يا رسول الله، أتحب أن أقتله ؟ قال: ((نعم))... إلى آخر القصة.

فالجواب: قَتْل كعب بن الأشرف يختلف عما يجري منكم، وذلك لوجوه:

1 ـــ أن كعبًا كافر بلا نزاع، وهو بعينه محارِبٌ أيضًا، كما بوّب البخاري للقصة في كتاب الجهاد من ((صحيحه)) بقوله: ((باب الفتك بأهل الحرب))، وترجم أيضًا: ((باب الكذب في الحرب))، وانظر ما قاله الحافظ في ((الفتح))([1]).

فهذا كعب: كافر، محارب، آذى الله ورسوله!! أما أنتم فتقتلون بهذه التفجيرات مسلمين أبرياء، من أطفال ونساء، وشيوخ، وغيرهم!! كما أنكم تقتلون من لم يُكفِّره أهل العلم الكبار، وإن كان متمردًا مشاقًّا للحق وأهله!! كما أنكم تقتلون من غير المسلمين وليسوا محاربين، بل هم معاهَدون، ولم ينقضوا عهدهم، ومن نقض منهم عهده؛ فليس يشرع لكم قتله - مع هذه المفاسد التي تحل بالأمة - وهذا يجرُّنا إلى الوجه الثاني:

2ـــ أن الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هو ولي أمر المسلمين، وهو الذي حرّض على قتله، فهو رسول الله، وهو ولي الأمر، أما أنتم فلستم بهذا، ولا بذاك!!

فهل أذِن لكم وليّ الأمر بقتل المعاهد الذي نقض عهده ؟ أو بقتل المحارب الذي أُذِنَ له بالدخول في بلاد المسلمين لأمر ما - حقًّا كان أم باطلًا - ؟! ألا تعلمون ما في ذلك من مفاسد ؟!

ثم هل أنتم أغير من الصحابة الذين كانوا يعلمون حال كعب قبل ذلك، ولم يذهب واحد منهم من عند نفسه ليقتله ؟! إنهم - رضي الله عنهم -لم يفعلوا ذلك إلا عندما أُذِن لهم من رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو ولي الأمر، فلما أذِن لهم؛ فعلوا، فرضي الله عنهم، وهدانا سواء الصراط.

وقد قال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان - حفظه  الله تعالى - جوابًا على من استدل بهذا الدليل: ((ليس في قصة قتل كعب دليل على جواز الاغتيالات؛ فإن قتل كعب بن الأشرف كان بأمر الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو ولي الأمر، وكعْب مِنْ رعيته بموجب العهد، وقد حصلت منه خيانة للعهد، اقتضت جواز قتله؛ كَفًّا لشره عن المسلمين، ولم يكن قتله بتصرف من آحاد الناس، أو بتصرف جماعة منهم من دون وليّ الأمر، كما هو حال الاغتيالات المعروفة اليوم في الساحة، فإن هذه فوضى لا يقرها الإسلام؛ لما يترتب عليها من المضار العظيمة في حق الإسلام والمسلمين ))([2]).اهـ.

3 ـــ إن قتل كعب بن الأشرف كان فيه عزة للمؤمنين، وانكسرت به شوكة اليهود بعد ذلك، وما أصبح واحد منهم إلا خائفًا، وانظر ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في ((الصارم المسلول )). ([3])

وأعلن المسلمون حينذاك أنهم هم الذين قتلوا كعبًا، وذلك لقوتهم، واستعدادهم لمواجهة اليهود إن أرادوا شيئًا!! 

أما أنتم فتفعلون التفجيرات والاغتيالات في كثير من البلدان، وتهربون - إن سلمتم - ويتعرض غيركم من الأبرياء للابتلاء الشديد!!

وأيضًا: فالمسلمون ليسوا بأقوياء قادرين على ردة الفعل - كما هو مشاهد هذه الأيام - فهل أحسنتم لدينكم وأمتكم عند ما كنتم سببًا لتسلّط عدوهم عليهم ؟!

فإن قلتم: هم مسلَّطون علينا من قبل هذه التفجيرات!!

قلت: وهل يجب عليكم أن تحرصوا على تخفيف الحمل عن الأمة، أم تزيدوا الطين بِلَّة؟! أليس تقليل الشر غاية شرعية ؟! أم أن الأمر كما قيل:

غَزَلْتُ لهم غزْلًا نسيجًا فلم أرَ         لغزْلِهم نسّاجًا فكسَّرتُ مِغْزَلي ؟!

4ـــ كعْبٌ قُتل بدون غدر، وانظر ما نقله النووي عن القاضي عياض - رحمهما الله تعالى - في ((شرح مسلم))([4]) وأما ما يجري اليوم؛ فلا يسْلم من الغدر.

5ـــ كعْبٌ قتله الصحابةُ وحده، لأنه وحده المأذون لهم في قتله، أما أنتم فتبيدون الأخضر واليابس، لأن المتفجرات لا خطام لها ولا زمام!!

( تنبيه ): وبنحو ما سبق يكون الجواب على من استدل بقصة قتل أبي رافع سلام بن أبي الحقيق اليهودي ونحوه، والله أعلم.



([1]) (7/340) عند الحديث رقم (4037).

([2]) نقلًا ((فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة)) (101).

([3]) (2/411-412).

([4]) (12/371).