السؤال  : عند الخرور للسجود ، فهل ينـزل المصلي على يديه , أم على ركبتيه ؟

الجواب : اختلفت كلمة العلماء في هذا : فجمهور أهل العلم على النـزول على الركبتين ، انظر " المجموع " (3/421) و" المغني " (1/554)  و"الاعتبار" للحازمي (ص121) وما بعدها و"معالم السنة" (1/397) و"التحقيق" لابن الجوزي ، و"الفتح" (2/291) وما بعدها .

وقد استدل كل من الفريقين بادلة ، لا يصح منها عندي شيء ، وما صح منها ليس بظاهر في الدلالة ،

فاستدل من قال بالنـزول على اليدين بحديث أبي هريرة : من طريق عبد العزيز بن محمد الدراودي عن محمد بن عبد الله بن الحسن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال :" إذا سجد أحدكم ؛ فلا يبرك كما يبرك البعير ، وليضع يديه قبل ركبتيه " أخرجه أبو داود (840) والنسائي (1091) وغيرهما .

وقد أُعِلَّ هذا الحديث بعدة علل ، فمن ذلك :

1- قول الإمام البخاري بعد إخراجه في ترجمة محمد بن عبد الله بن الحسن : " ولا يتابع عليه ، ولا أدري أسمع من أبي زناد أم لا " اهـ .من " التاريخ الكبير " (1/139) وقد اعترض على هذا الإعلال بتوثيق النسائي , وابن حبان لمحمد بن الحسن ، وأن الثقة لا يحتاج إلى متابع ، وعندي أن هذا الاعتراض لا يسلم من نظر :

فقول البخاري : "لا يتابع عليه" تليين من البخاري لمحمد بن الحسن ، ومثله لا يُدْفَع بتوثيق النسائي ، الذي عُرِفَ بشيء من التساهل في توثيق الطبقات العليا ، وابن حبان أكثر منه تساهلا  .

أضف إلى ذلك : أن ابن سعد قال : " كان - أي محمد بن الحسن - قليل الحديث ، وكان يلزم البادية، ويحب الخلوة " اهـ من " تهذيب التهذيب " (9/252).

ومن كان قليل الحديث ؛ فلا يكون - في الغالب - ضابطا ، ومن كان ملازما للبادية ، مؤْثِرًا للخلوة ، فمثله يفوته كثير من المشايخ ، وهذا يشير إلى سبب قول البخاري :" ولا أدري سمع من أبي الزناد أم لا " فلعله لذلك توقف الإمام البخاري في سماعه من شيخ مشهور كأبي الزناد ، يفترض أن له تلامذة كثيرين ، فقد يقال : أين تلامذة أبي الزناد من هذا النص الصريح في مثل هذه المسألة النـزاعية , وبمثل هذه السلسلة المشهورة : " كأبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ؟ " ولا يمكن دفع توقف البخاري في السماع بأن مذهب البخاري فيه تشدد ؛ لأن مذهبه هو مذهب الأئمة قاطبة إلا من خالف ، انظر " شرح علل الترمذي " لابن رجب الحنبلي (1/372) .

2- الحديث يدور على عبدالعزيز بن محمد الدراوردي ، وهو مختلف فيه ، فقد أطلق بعضهم توثيقه ، وبعضهم أطلق تجريحه ، وبعضهم فصَّل : فرد حديثه إذا روى عن عبيد الله العمري دون غيره ، وبعضهم قبل حديثه إذا حدث من كتابه ، دون أن يحدث من حفظه ، أو من كتب الناس ، فإنه يخطئ في مثل ذلك ، وهذا هو الراجح عندي : أننا نحتج به إن حدث من كتابه ، أما إن روى عن عبيد الله العمري ، أو روى من حفظه ، أو من كتب الناس ؛ فلا يُحْتَجُّ به ، وهذا الموضع من ذاك ، وعلى ذلك فلا يحتج بهذا الحديث لذلك .

3- ومنهم من أعله للاختلاف في لفظه ، كما في " سنن البيهقي " (2/100) والإعلال بذلك غير سديد ، لعدم صحة السند ، بالرواية المخالفة .

4- وأعله ابن القيم بالقلب في متنه ، وخلاصة قوله: أن البعير أول ما يلامس به الأرض عند بروكه يداه ، فالمخلفة تكون بالنـزول على الركبتين ، فإذا كان الحديث يحذر من التشبه بالبعير ، ومع ذلك يأمر بالنـزول على اليدين ؛ فهذا تناقض ، يشير إلى قلب في الرواية ، وأن صواب العبارة :" ولا ينـزل على يديه قبل ركبتيه " بخلاف ما ذكر : " ولينـزل على يديه قبل ركبتيه "

هذا محصل ما ذهب إليه ابن القيم - رحمه الله - وقد أطال في سرد الوجوه المقوية لقوله ، وبعض ماذكره محل نظر ، وإن كان ما ذهب إليه في هيئة بروك البعير يشهد له الواقع ، كما لا يخفي على من عاين ذلك ، والله أعلم .

5- وهناك من أعل الحديث بالنسخ ، كابن خزيمة - رحمه الله - انظر " صحيحه " (1/319/628) والصواب أن الناسخ أوهى من المنسوخ ، والحديث من الأصل لا يصح ، فلا نحتاج للكلام على النسخ ، والله أعلم .

- وقد استشهد بعضهم - لتقوية حديث أبي هريرة - بحديث ابن عمر ، من طريق الدراوردي عن عبيد الله بن العمري عن ابن عمر أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه ، وقال : " كان النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يفعل ذلك ". أخرجه ابن خزيمة (1/318-319/627) .

وهذا الصنيع غير سديد ، فالحديث يدور على الدراوردي ، والدراوردي قد طعن النسائي في روايته عن العمري هذا ، فكيف يكون شاهدًا ؟ وقد صرح البيهقي بوهم الدراوردي في هذه الرواية ، كما في " الكبرى " (2/100-101) والمحفوظ عن نافع عن ابن عمر السجود على اليدين ، لا النـزول عليهما ، وهذا يدل على نكارة هذه الرواية .

واحتج من قال بالنـزول على الركبتين بأدلة ، منها :

1- حديث وائل , وله طريقان :

(أ) من طريق يزيد بن هارون عن شريك عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل قال : " رأيت النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه ، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه " اخرجه أبو داود (383) والنسائي (1089) وغيرهما .

وهذا حديث منكر ، فقد خالف شريك خمسة وعشرين راويًا .

رووه عن عاصم بدون هذه الجملة ، ولا ينفع شريكًا أن يزيد بن هارون روى عنه . فقد قال الدارقطني بعد إخراج هذا الحديث : " وقال ابن أبي داود : "وضع ركبتيه قبل يديه" تفرد به يزيد عن شريك ، ولم يحدث به عن عاصم بن كليب غير شريك ، وشريك ليس بالقوي فيما يتفرد به ، والله أعلم " اهـ (1/271) .

ومع ذلك فقد خولف شريك من شقيق أبي ليث – وهو مجهول – فأرسله ، وفي الحديث مخالفة أخرى ، ليس هذا موضعها .

(ب) الطريق الثانية من حديث وائل :

من طريق همام ثنا محمد بن جحادة عن عبد الجبار عن أبيه وائل " أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ... لما سجد ؛ وقعتا ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقع كفاه " وعبد الجبار لم يسمع من أبيه، والرواية الصحيحة من طريق عبد الجبار ليس فيها هذه الجملة فهي رواية منكرة .

وهناك وجه آخر لهذه الرواية عند البيهقي (2/99) مسلسل بالعلل مع نكارته .

2- حديث أنس ، قال : "رأيت النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كَبَّرَ ، فحاذى بإبهاميه أذنيه ، ثم ركع حتى استقر كل مفصل منه ، ثم رفع رأسه ، حتى استقر كل مفصل في موضعه ، ثم انحط بالتكبير ، حتى سبقت ركبتاه يديه " أخرجه الحاكم (1/226) والدارقطني (1/271/1293) وهذا سند ضعيف ؛ من أجل العلاء بن إسماعيل العطار فإنه ضعيف ، بل قد خلف من هو أوثق منه ، الذي رواه عن عمر موقوفًا ، فَرَفَعَهُ ، وجَعَلَهُ من مسند أنس منكر ، انظر " لسان الميزان " (5/183) .

3- حديث حكيم بن حزام عند النسائي (1084) قال : " بايعت رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أن لا أخر إلا قائما " وهو حديث حسن ، لكن معناه في غير هذا الباب .

جاء في " النهاية " لابن الأثير (2/21) : " ومعنى الحديث : " لا أموت إلا متمسكًا بالإسلام .." اهـ. وهذا المعنى هو الذي يناسب قول حكيم : " بايعت رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ..." فإن البيعة تكون على أمر عظيم ، لا في مثل هذا الأمر المتنازع فيه ، والذي تصح الصلاة بدونه اتفاقا ، كما صرح بذلك شيخ الإسلام ، انظر " مجموع الفتاوى " (22/449) .

4- حديث أبي كعب : " كان رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يخر على ركبتيه ، ولا يتكئ " وهو حديث ضعيف ، انظر " الضعيفة " (929) لشيخنا الألباني – حفظه الله ، وأتم له الشفاء – وقد وقع في " موارد الظمآن " (2/213/497) بلفظ : " كان يختفر على ركبتيه ، ولا يتكئ " وهذا أنسب ، فإن الحديث لو صح في حالة النهوض من السجود ، لا الخرور إلى السجود ، والله أعلم .

5- وقد استدلوا بعدة آثار عن الصحابة والتابعين في ذلك ، ولا يصح شيء من ذلك عن أحد من الصحابة – فيما أعلم – وقد فصلت الكلام على ذلك في كتابي الخاص ببعض مسائل في الصلاة وأحكامها ، فيرجع إليه .

إنما الذي صح في هذا الباب : أن ابن سيرين كان يضع ركبتيه قبل يديه ، وكذا أبو قلابة ، وأن الحسن كان يخر فيبدأ بيديه ، وقال الأوزاعي : أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم ، وأن قتادة سئل عن ذلك ، فقال : يضع أهون ذلك عليه .

وقد قال النووي في " المجموع " (3/421) : " واحتُجَّ لمن قال بتقديم اليدين بأحاديث ، ولمن قال بعكسه بأحاديث ، ولا يظهر ترجيح أحد المذهبين من حيث السنة ..." اهـ.

وهذا لا يلزم منه تضعيفه الأحاديث السابقة كما لا يخفى ، لكن الأمر على ما قد علمتَ ، والله أعلم .

واستدل الطحاوي في " شرح المعاني للآثار " (1/255-256) بدليل نظري ، محصله أنه قد اتفق العلماء على البدء برفع الرأس من السجود ، ثم اليدين ، ثم الركبتين  ، وأن ما يبتدأ به في النـزول ، يتأخر عند النهوض ، واستدل بذلك على النـزول على الركبتين ، ومنهم من قال : أنه أرفق بالمصلى ، وقد عكس ذلك ابن المنير ، انظر في " الفتح " (2/291).

والراجح عندي - عند عدم ثبوت شيء من أدلة الطرفين - : أن يكون في الأمر سعة ، ولا حاجة للنكير على المخالف في ذلك ، والحال كما ترى ،وإن كان النـزول على الركبتين أقرب من حيث الهيئة في مخالفة بروك البعير ، لكن عندي في النهي عن التشبه بالبعير ، وقفة من جهة الإسناد ، فراويه هو محمد بن عبدالله بن الحسن ، وقد سبق ما قيل فيه ، والرواي عنه عبد الله بن نافع الصائغ ، لا يحتج به – وإن توبع من الدراوردي على هذا القدر – فبقي ما قال البخاري في محمد بن عبد الله بن الحسن ، والعلم عند الله تعالى .