هل رواية الرجل الذي في حفظه ضعف للحديث، مصحوباً بقصة، تُقبل منه أم لا؟

سبق الكلام مختصراً على ذلك في السؤال رقم (35) وأفضِّل الكلام في هذا المقام، فأقول:

جاء في «هدي الساري» (ص:363) في الفصل الثامن، الحديث الثاني والأربعين: قال الدارقطني: وأخرج البخاري حديث العوام بن حوشب عن إبراهيم السكسكي عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا مرض العبد أو سافر، كتب الله له مثل ما كان يعمل صحيحاً مقيماً» قال: وهذا لم يسنده غير العوام، وخالفه مسعر، فقال: عن إبراهيم السكسكي عن أبي بردة قوله، لم يذكر أبا موسى، ولا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

قال الحافظ: قلت: مسعر أحفظ من العوام بلا شك، إلا أنّ مثل هذا لا يقال من قبل الرأي، فهو في حكم المرفوع، وفي السياق قصة تدل على أن العوام حفظه، فإنَّ فيه: اصطحب يزيد بن أبي كبشة وأبو بردة في سفر، فكان يزيد يصوم في السفر، فقال له أبو بردة: أفطر، فإني سمعت أبا موسى مراراً يقول... فذكره.

قال الحافظ: وقد قال أحمد بن حنبل: إذا كان في الحديث قصة، دل على أن راويه حفظه، والله أعلم، اهـ.

قلت: الحديث أخرجه البخاري في ك/ الجهاد، ب/ يُكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة، برقم (2996) (6/136) من «الفتح».

والعوام ثقة ثبت، إلا أن مخالفته لمسعر هنا؛ تزعزعه في هذا الموضع.

وقد قوّى الحافظ روايته بحكايته القصة عن السكسكي بها، ونقل كلام أحمد في ذلك. وشبيه بهذا أن يروى المتكلَّم في حفظه حديثاً أو أثراً حسن السياق، كما جاء في «سنن البيهقي» (2/210-211): ك/ الصلاة، ب/ دعاء القنوت، وقد ساق سنده إلى أسيد بن عاصم ثنا الحسين بن حفص عن سفيان، قال: حدثني ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير أن عمر رضي الله عنه قنت بعد الركوع، فقال: اللّهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، والِّفْ بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، اللّهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك، ويكذِّبون رسلك، ويقاتلون أولياءك، اللّهم خالف بين كلمتهم، وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين، بسم الله الرحمن الرحيم، اللّهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك، ولا نكْفُرك، ونخلع ونتركمنيفجرك، بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إيّاك نعبد، ولك نصلي ونسجد، ولك نسعى ونحفد، ونخشى عذابك الجد، ونرجو رحمتك، إن عذابك بالكافرين ملحق.

قال البيهقي: رواه سعيد بن عبدالرحمن بن أبزي، عن أبيه، عن عمر، فخالف هذا في بعضه.....، ثم ساقه مختصراً مع ذكر القنوت قبل الركوع، ثم قال: وهو وإن كان إسناداً صحيحاً، فمن روى عن عمر قنوته بعد الركوع أكثر، فقد رواه أبو رافع وعبيد بن عمير وأبو عثمان الهندي وزيد بن وهب، والعدد أولى بالحفظ من الواحد، وفي حسن سياق عبيد بن عمير للحديث دلالة على حفظه، وحفظ من حفظ عنه، اهـ.

وسند حديث عبيد بن عمير حسن، كله ثقات إلا الحسين بن حفص، فإنه صدوق، وعنعنة ابن جريج فيه لا تضر إن شاء الله كما في موضعه، وقد صرح البيهقي بأن حسن السياقة يدل على الحفظمنرواة السند، والله أعلم.

وفي «الإرواء» (1/242/225) قال الحسن العبدي: رأيت أبا زيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يؤذِّن قاعداً، وكانت رجله أصيبت في سبيل الله.

قال شيخنا الألباني حفظه الله بعد ذكره سند البيهقي للحسن بن محمد، وهو العبدي: قلت: وهذا إسناد حسن إن شاء الله تعالى، رجاله كلهم ثقات معروفون غير الحسن بن محمد هذا، وهو العبدي، كما في رواية الأثرم، وقد أورده ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (1/2/35) فقال: روى عن أبي زيد الأنصاري، روى عنه علي بن المبارك الهنائي، اهـ.

قال: قلت: فقد روى عنه إسماعيل بن مسلم أيضاً كما ترى يعني في رواية البيهقي وهو العبدي القاضي وبذلك ارتفعت جهالة عينه، وقد ذكره ابن حبان في الثقات (1/15) ثم هو تابعي، وقد روى أمراً شاهده، فالنفس تطمئن إلى مثل هذه الرواية والله أعلم، اهـ.

وقد يستدل البعض بما جاء في «العلل» للرازي (1/402/1203) قال: سألت أبي عن حديث رواه أشعث بن عبدالملك عن الحسن عن سعد بن هشام عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن التبتل، ورواه معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن التبتل.

قال: قلت أيهما أصح؟ قال أبي: قتادة أحفظ من أشعث، وأحسب الحديثين صحيحين، لأن لسعد بن هشام قصة في سؤاله عائشة عن ترك النكاح يعني التبتل، اهـ.

فقد يقول قائل: هذا دليل على أن الحديث لو كان فيه قصة، دلّ على حفظ راويه.

والجواب: أنَّ مراد أبي حاتم، أنَّ النهي عن التبتل محفوظ من حديث عائشة؛ لأن عائشة قد سألها عن ذلك سعد بن هشام في رواية أُخرى، مما يدل على أن أشعث لم يخطئ في روايته عن الحسن، وجعله الحديث من مسند عائشة، مخالفاً في ذلك لقتادة الذي رواه عن الحسن، فجعله من مسند سمرة، فاستدل أبو حاتم على حفظ أشعث بدليل خارجي، يقوي أنَّ لذكر عائشة في الحديث أثلاً، لا لأنَّ في الحديث قصة، فإن أشعث لم يرو القصة أصلاً، والله أعلم.

والخلاصة:

أنَّ ذكر القصة في الحديث مع حُسن سياقها السالم من النكارة يقوي في النفس ثبوتها، وإن كان الراوي لذلك فيه لين فضلاً عن أن يكون ثقة، قد خالف من هو أولى منه، كما في الأمثلة السابقة، وكذا لو حكى الضعيف شيئاً وقع له، فهذا ونحوه يقوي في النفس ثبوت الحديث، وقد يستدل بعض العلماء بطول الحديث عن نكارة سياقه ووهم راويه، كما استنكر صالح بن عبدالله على أبي مقاتل السمرقندي روايته عن عون بن أبي شداد الأحاديث الطوال، التي كانت تروى في قصة لقمان، وقتل سعيد بن جبير، انظر «شرح علل الترمذي» (1/78-79) تحقيق عتر، وهذا بخلاف تقويتهم الحديث لحسن سياقه، والله أعلم.