الرواة الذين وصفت مراسيلهم بأنها أضعف المراسيل، هل يستشهد بمراسيلهم أم لا؟

معلوم أن جمهور الأئمة على عدم الاحتجاج بالمرسل، وقد أطال الخطيب النفس في «الكفاية» في ذكر أدلة ذلك، والرد على مخالفيه.

وبعض هؤلاء التابعين الذين يروون عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، دون ذكر من حدثهم بذلك، قد تتبع الأئمة أحاديثهم، وفتشوا عنها، فمنهم من قوَّوْا مراسيله، لتحريه في شيوخه، ومنهم من وهَّوْا مراسيله، لأخذه عن كل ضرب، وقد نظرت في كلام العلماء في ذلك، فظهرت ليّ عدة أسباب، جعلت الأئمة يطلقون القول بوهاء بعض المراسيل، فقد ذكر ابن رجب يرحمه الله أقوال القطان في مراسيل بعض العلماء، وذكر أنها تتفاوت في الرتبة قوة وضعفاً، ثم قال:

وكلام يحيى بن سعيد في تفاوت مراتب المرسلات بعضها على بعض، يدور على أربعة أسباب:

أحدها: ما سبق من أن من عُرف بروايته عن الضعفاء، ضُعِّف مرسله بخلاف غيره.

والثاني: أن من عُرف له إسناد صحيح إلى من أرسل عنه، فإرساله خير ممن لم يُعرف له ذلك، وهذا معنى قوله: مجاهد عن علي ليس به بأس، قد أسند عن ابن أبي ليلى عن علي.

والثالث: أن من قَوِىَ حفظه، يحفظ كل ما يسمعه، ويثبت في قلبه، ويكون فيه ما لا يجوز الاعتماد عليه، بخلاف من لم يكن له قوة الحفظ، ولهذا كان سفيان إذا مَرّ بأحد يتغنى يسد أذنيه، حتى لا يدخل إلى قلبه ما يسمعه منه، فيقرّ فيه.

وقد أنكر مرة يحيى بن معين علَى عليِّ بن عاصم حديثاً، وقال: ليس هو من حديثك، إنّما ذُوكِرْت به، فوقع في قلبك، فظننت أنك سمعته، ولم تسمعه، وليس هو من حديثك.

وقال الحسين بن حريث: سمعت وكيعاً يقول: لا ينظر رجل في كتاب لم يسمعه، لا يأمن أن يعلق قلبه منه، وقال الحسين بن الحسن المروزي: سمعت عبدالرحمن بن مهدي يقول: كنت عند أبي عوانة فحدث بحديث عن الأعمش، فقلت: ليس هذا من حديثك، قال: بلى، قلت: لا، قال: بلى قلت: لا، قال: يا سلامة! هات الدرج، فأخرجته، فنظر فيه، فإذا ليس الحديث فيه، فقال: صدقت يا أبا سعيد، فمن أين أُتِيتُ؟ قلت: ذُوكِرْت به وأنت شاب، فظننت أنك سمعته.

الرابع: أنَّ الحافظ إذا روى عن ثقة لا يكاد يترك اسمه، بل يسميه، فإذا ترك اسم الراوي، دلّ إبهامه على أنَّه غير مرضي، وقد كان يفعل ذلك الثوري وغيره كثيراً، يكنّون عن الضعيف، ولا يسمونه؛ بل يقولون: عن رجل، وهذا معنى قول القطان: لو كان فيه إسناد لصالح به، يعني: لو كان أخذه عن ثقة؛ لسماه وأعلن باسمه.

وخرج البيهقي من طريق أبي قدامة السرخسي، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول:مرسل الزهري شر من مرسل غيره، لأنه حافظ، وكلما يقدر أن يسمى سمى، وإنّما يترك من لا يستجيز أن يسميه.

قال يحيى بن معين: مراسيل الزهري ليست بشيء، وقال الشافعي: إرسال الزهري عندنا ليس بشيء، وذلك أنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم... اهـ من «شرح علل الترمذي» (1/283-284).

وقد جاء عن الشافعي مدح مشايخ الزهري، فقال: وابن شهاب عندنا إمام في الحديث والتخيير أي اختيار الرجال الذي يروي عنهم وثقة الرجال، إنّما يسمى بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم خيار التابعين، ولا نعلم محدثاً يُسمى أفضل ولا أشهر ممن يحدث عنه ابن شهاب، قال الشافعي: قال أي السائل -: فأنى تُراه أُتي في قبوله عن سليمان بن أرقم؟.

(قلت): رآه رجلاً من أهل المروءة والعقل، فقبل عنه، وأحسن الظن به، فسكت عن اسمه، إمّا لأنَّه أصغر منه، وإمّا لغير ذلك، وسأله معمّر عن حديثه عنه، فأسنده له، فلّما أمكن في ابن شهاب أن يكون يروى عن سليمان مع ما وصفت به ابن شهاب، لم يُؤْمَن مثل هذا على غيره، اهـ.

فأنت ترى الأسباب التي ذكرها ابن رجب يرحمه الله تدور على تصرف المرسِل، وقد ذكر الذهبي سبباً آخر يرجع إلى طبقة المرسِل، فقال في «الموقظة» (ص:38-40):

المرسل: عَلَمٌ على ما سقط ذِكر الصحابي من إسناده، فيقول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

قال: ويقع في المراسيل الأنواع الخمسة الماضية أي الصحيح والحسن والضعيف والمطروح والموضوع فمن صحاح المراسيل: مرسل سعيد بن المسيب ومرسل مسروق، ومرسل الصنابحي، ومرسل قيس بن أبي حازم، ونحو ذلك.

فإنَّ المرسَل إذا صح إلى تابعي كبير، فهو حجة عند خلق من الفقهاء، فإن كان في الرواة ضعيف إلى مثل ابن المسيب، ضُعِّف الحديث من قبل ذلك الرجل، وإن كان متروكاً أو ساقطاً: وَهَنَ الحديث وطُرح.

قال: ويوجد في المراسيل موضوعات، نعم، وإن صح الإسناد إلى تابعي متوسط الطبقة، كمراسيل مجاهد وإبراهيم والشعبي، فهو مرسل جيد لا بأس به، يقبله قوم، ويرده آخرون ومن أوهى المراسيل عندهم: مراسيل الحسن، وأوهى من ذلك: مراسيل الزهري وقتادة.

وغالب المحققين يعدون مراسيل هؤلاء معضلات ومنقطعات، فإن غالب روايات هؤلاء عن تابعي كبير عن صحابي، فالظن بمرسَله أنه أَسْقَط من إسناده اثنين، اهـ وبعد ذكر الأسباب التي جعلت الأئمة يصفون بعض المراسيل بالوهاء، أعود إلى الجواب على السؤال:

فأقول، وبالله التوفيق:

كثير من الرواة الذين وصفت مراسيلهم بذلك، لم يُسَلَّم للقائل قوله، فالزهري والحسن البصري وغيرهما فيهم اختلاف، فمِنَ العلماء مَنْ  قَوَّي  مراسيلهم، ومنهم من ضعف مراسيلهم، وانظر «شرح علل الترمذي» (1/284) وما بعدها.

ومجرد وجود روايات عن ضعفاء أو متروكين؛ لا يلزم منه أن يكون الراوي ممن لا يبالي عمن يأخذ.

فلو سلمنا بأن عامة شيوخ الراوي متروكون، لقلنا بعدم الاستشهاد بمرسله، وكذلك إذا صرحوا بأن غالب مشايخه كذلك، بل لو صرحوا بكثرة هذا الصنف في مشايخه، وإن لم يكونوا أكثر من غيرهم، وكذلك إذا كان هناك من لا يرسل إلا عن مجروح، أما مجرد وجود من اشتد ضعفهم في مشايخه، فلا يلزم من ذلك رد كل مراسيله، وعدم الاعتبار بها.

والذي تطمئن إليه النفس في  ذلك: الاستشهاد بمراسيل من وصفوا بذلك، ما لم تكن روايتهم منكرة سنداً أو متناً على التفصيل السابق مع الأخذ في الاعتبار تفاوت درجة هذه المراسيل، كما سبق، وإذا كان الشاهد والمشهود له ممن وصف بوهاء مرسله، ففي النفسمن الاستشهاد بهما شيء، هذا إذا كان القول بوهاء المرسل مقبولاً لا مرجوحاً، والله أعلم.

وقد ذكر صاحب «مناهج المحدثين» (ص:150) أن الاستشهاد بمن وصف بوهاء مرسله صنيع الشافعي والبيهقي وابن الملقِّي» مع السنن الكبرى للبيهقي (10/305) ك/ الولاء ب/ من قال: من أحرز الميراث احرز الولاء، وانظر «شرح علل الترمذي» (1/307) في الكلام على مذهب الشافعي وأحمد في المرسل، وانظر «السنن الكبرى» للبيهقي (1/178) ك/ الطهارة ب/ فرض الغسل، و(3/397) ك/ بالجنائز ب/ غسل المرأة زوجها، (4/9) ك/ الجنائز ب/ السقط يُغَسَّل ويُكَفَّن... وانظر «البدر المنير» (ص:628) رسالة ماجستير، و«فتح الباري» (1/293)، (8/439)، و«نتائج الأفكار» (1/345)، (1/392) المجلس (80)، (1/506) المجلس (106)، (2/61-62)، المجلس (126)، و«نصب الراية» (2/196-197)، اهـ مع تصرف وزيادة والله تعالى أعلم.